النص المفهرس
صفحات 381-400
الرابع - الغرر: المراد به غرر الوصف، كما لو باع بقرة على أنها تحلب كذا رطلاً، لأنه موهوم التحقق فقد ينقص . أما لو باعها على أنها حلوب دون تحديد مقدار، فإنه شرط صحيح. وأما غرر الوجود فهو مبطل للبيع لنهي النبي ◌ُ فّ عن بيع الغرر (١): وهو ما كان المبيع فيه محتملاً للوجود والعدم، كبيع نتاج النتاج، وبيع الحمل الموجود . الخامس - الضرر : يراد به ما إذا كان تسليم المبيع لا يمكن إلا یادخال ضرر على البائع، فيما سوى المبيع من ماله، كما لو باع جذعاً معيناً في سقف مبني ، أو ذراعاً من ثوب يضره التبعيض ، فإن التنفيذ يقضي بهدم ما حول الجذع وتعطيل الثوب . وبما أن الفساد هنا لصيانة حق شخصي، لا لحق الشرع، قرر الفقهاء أن البائع لو نفذ الضرر على نفسه، بأن قلع الجذع أو قطع الثوب وسلمه إلى المشتري ، انقلب البيع صحيحاً . السادس - الشرط المفسد: هو كل شرط فيه نفع لأحد المتبایعین ، إذا لم یکن قد ورد به الشرع، أو جرى به العرف، أو يقتضيه العقد، أو يلائم مقتضاه، مثل أن يبيع سيارة على أن يستخدمها شهراً بعد البيع ، أو دارً على أن يظل مقيماً بها مدة معينة ، أو أن يشترط المشتري على البائع في صلب العقد أن يقرضه مبلغاً من المال. والشرط الفاسد إذا وجد في عقد من عقود المعاوضات المالية كالبيع والإجارة والقسمة مثلاً أفسده، ولكنه يكون لغواً في العقود الأخرى ، مثل التبرعات والتوثيقات والزواج، وتكون هذه العقود حينئذ صحيحة(٢). وقد علق الأستاذ مصطفى الزرقاء على ذلك، فقال: وبما أن عرف الناس رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه ( انظر جامع الأصول : ٤٤١/١، مجمع (١) الزوائد: ٨٠/٤ ) . (٢) الأموال ونظرية العقد لأستاذنا المرحوم محمد يوسف موسى : ص ٤٢٣ . - ٣٨١ - مصحح للشروط في نظر الفقهاء، فكل شرط فاسد في الأصل ينقلب صحيحاً ملزماً إذا تعارفه الناس، وشاع بينهم اشتراطه. وعندئذ نستطيع القول : بأن الشرط الفاسد قد زال فقهياً من معاملات الناس بمفعول الزمن ، وأصبحت الشروط في هذا العصر كلها صحيحة بمقتضى قواعد الاجتهاد الحنفي نفسه(١). وأما الشروط الخاصة : فهي التي تخص بعض أنواع البیع دون بعض وهي كما يأتي : ١ - القبض في بيع المنقولات: أي أنه إذا باع شخص شيئاً من المنقولات التي كان قد اشتراها ، فيشترط لصحة بيعه: أن يكون قد قبضها من بائعها الأول، لأن المنقول يكثر هلاكه، فيكون في بيعه ثانية قبل قبضه غرر، أما إذا كان عقاراً فيجوز بيعه قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي یوسف كما سيأتي . ٢ - معرفة الثمن الأول إذا كان البيع مرابحة أو تولية أو وضيعة أو إشراكاً. وسنذ کر تفسیرها . ٣ - التقابض في البدلين قبل الافتراق إذا كان البيع صرفاً . ٤ - توافر شروط السلم التي سيأتي ذكرها إذا كان البيع سلماً . ٥ - المماثلة في البدلين إذا كان المال ربوياً والخلو عن شبهة الربا. ٦ - القبض في الديون الثابتة في الذمة، كالمسلم فيه، ورأس مال السلم، وبيع شيء بدين على غير البائع ، فلا يصح بيعها من غير من عليه الدين إلا بعد قبضها . مثاله : لا يصح لرب السلم أي ( المشتري ) أن يبيع المال المسلم فيه قبل قبضه من المسلم إليه ( البائع )، ولا يصح للدائن أن يشتري بدينه شيئاً من غير المدين قبل قبضه . (١) عقد البيع: ص٢٨ . أ - ٣٨٢ - رابعاً - شروط لزوم البيع : شرائط اللزوم تأتي بعد شرائط الانعقاد والنفاذ، فيشترط للزوم البيع : خلوه من أحد الخيارات التي تسوغ لأحد العاقدين فسخ العقد: مثل خيار الشرط والوصف والنقد والتعيين، والرؤية، والعيب، والغبن مع التغرير. فإذا وجد في البيع شيء من هذه الخيارات منع لزومه في حق من له الخيار، فكان له أن يفسخ البيع أو أن يقبله، إلا إذا حدث مانع من ذلك، كما سيأتي في مباحث الخيارات(١). هذه هي شروط البيع بأنواعها الأربعة : فإذا فقد شيء من شرائط الانعقاد بطل البيع، أو من شرائط الصحة فسد، أو من شرائط النفاذ توقف، أو من شرائط اللزوم کان لمن له الخیار فسخه . ويلاحظ أن الانعقاد يقابله البطلان، والصحة يقابلها الفساد، والنفاذ يقابله التوقف، واللزوم يقابله عدم اللزوم أي التخيير. خلاصة أنواع شروط البيع في المذاهب وبيان الاتفاق والاختلاف فيها : اختلف الفقهاء في أنواع شروط البيع ، فهي عند الحنفية ثلاثة وعشرون شرطاً ، وفي مذهب المالكية أحد عشر شرطاً، ولدى الشافعية اثنان وعشرون شرطاً، وفي رأي الحنابلة أحد عشر شرطاً . الشروط في مذهب الحنفية : شروط البيع عند الحنفية أربعة أقسام : شروط الانعقاد، وشروط الصحة، وشروط النفاذ، وشروط اللزوم، وجملتها ثلاثة وعشرون شرطاً(٢). حاشية ابن عابدين: ٦/٤ ، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص٣٢ . (١) (٢) البدائع : ١٣٥/٥ - ١٤٨، ١٥٥ . الفقه الإسلامي جـ ٤ (٢٥) - ٣٨٣ - أما شروط الانعقاد، فهي أربعة أنواع: النوع الأول - شروط العاقد : يشترط في العاقد ، سواء أكان بائعاً أم مشترياً شرطان هما : ١ - أن يكون عاقلاً أو مميزاً: فلا ينعقد بيع المجنون ولا شراؤه، ومثله الصغير غير المميز. ٣ - أن يكون متعدداً: فلا ينعقد البيع بشخص واحد، بل يلزم أن يكون الإيجاب من شخص، والقبول من شخص آخر، إلا الأب ووصيه والقاضي والرسول من الجانبين، يكون كل منهم بائعاً ومشترياً بنفسه . النوع الثاني - شروط الصيغة: يشترط في صيغة العقد من الإيجاب والقبول ثلاثة شروط هي : ١ - سماع الصيغة: فلا ينعقد البيع إلا إذا سمع كل واحد من العاقدين كلام صاحبه . ٢ - توافق الإيجاب والقبول: بأن يقبل المشتري كل ما أوجبه البائع وبما أوجبه من الثمن، فإذا اختلف القبول مع الايجاب، لا ينعقد البيع، إلا إذا كانت المخالفة إلى خير، بأن يقبل المشتري زيادة عن الثمن الموجب به . صے 1 ٣ - اتحاد مجلس العقد: بأن يكون الايجاب والقبول في مجلس واحد، دون فاصل ، فإن اختلف المجلس لا ينعقد البيع، وإن تخلل انقطاع أجنبي عن العقد بأن يقوم أحدهما عن المجلس قبل القبول، أو يشتغل بعمل آخر، لم ينعقد البيع. واعتبر المجلس الواحد جمعاً للمتفرقات بحسب عرف التعاقد وعادة الناس . ولا يشترط الفور في القبول ؛ لأن القابل يحتاج إلى التأمل . - ٣٨٤ - وفي التعاقد بين غائبين بطريق المراسلة يعتبر مجلس بلوغ الرسالة من العاقد الأول إلى الثاني هو مجلس التعاقد . النوع الثالث - شروط المعقود عليه: يشترط في المعقود عليه خمسة شروط هي: ١ - أن يكون المبيع مالاً: وهو ما يمكن الانتفاع به في العادة، فلا ينعقد بيع الميتة وبيع اليسير من المال كحبة حنطة ؛ لأنه ليس بمال. ٣ ۔أن یکون متقوماً: وهو ما یباح الانتفاع به شرعاً، فلا ینعقد بيع الخمر والخنزير؛ إذ لا يباح الانتفاع بها شرعاً. وقد جمعنا هذين الشرطين سابقاً في شرط واحد . ٣ - أن يكون محرزاً أي مملوكاً في نفسه: وهو ما دخل تحت حيازة ملك خاص، فلا ينعقد بيع ما ليس بمملوك لأحد من الناس، كالعشب المباح ولو في أرض مملوكة . ٤ - أن يكون المعقود عليه موجوداً حين التعاقد : فلا ينعقد بيع المعدوم كنتاج النتاج ( ولد الولد )، ولا ماله خطر العدم واحتمال الوجود كالحمل في البطن ، واللبن في الضرع . ٥ - أن يكون مقدور التسليم حين العقد: فلا ينعقد بيع السمك في الماء والطير في الهواء . النوع الرابع - شرط البدل : وهو شرط واحد وهو أن یکون مالاً متقوماً قائماً، فلا ینعقد البيع بثمن لا يعد مالاً متقوماً كاخمر والخنزير. وأما شروط الصحة : فهي قسمان : عامة وخاصة . أما العامة : فهي المتعلقة بكل أنواع البيع، وهي جميع شروط الانعقاد المذكورة آنفاً ؛ لأن كل عقد لا ينعقد، فلا يصح أيضاً، ويزاد عليها شروط أربعة هي : - ٣٨٥ _ أ - أن يكون المبيع معلوماً والثمن معلوماً علماً يمنع من المنازعة: فلا يصح بيع المجهول كشاة من قطيع غنم ، ولا أن يبيع شيئاً بثمن مجهول غير معين، كأن يبيع شيئاً بقيمته، أو ما في يده أو جيبه . ٣ - ألا يكون البيع مؤقتاً: فإن أقته بوقت لا يصح؛ لأن مقتضى البيع هو إفادة نقل الملكية في البدلين ( المبيع والثمن ) أبدياً على الدوام. ٣ -أن یکون للبيع فائدة : فلا يصح بيع درهم بدرهم مساوٍ له . ٤ - أن يخلو عن الشرط المفسد: وهو كل شرط فيه منفعة زائدة لأحد المتعاقدين ، إذا لم يرد به الشرع، ولم يجر به العرف، ولا يلائم مقتضى العقد، كاشتراط أن تكون الدابة حاملاً، أو أن ينتفع بالمبيع مدة بعد البيع، أو أن يقرض المشتري البائع مبلغاً من المال . وأما الشروط الخاصة ببعض أنواع البيوع فهي خمسة : اً - القبض في بيع المنقول والعقار الذي يخشى هلاكه: فإن اشترى شخص شيئاً، لم يصح بيعه لآخر قبل قبضه للنهي عن بيع مالم يقبض. أما العقار الذي لا يخشى هلاکه، فيجوز بيعه قبل القبض في رأي الشيخین أبي حنيفة وأبي يوسف. ٣ - أن يكون الثمن الأول معلوماً في بيوع الأمانة: وهي بيع المرابحة والتولية والوضيعة . ◌ً - التقابض والتساوي في البدلين المتحدي الجنس وكانا مما يكال أو يوزن، وهذا شرط في بيع الأموال الربوية . ٤ - توافر شروط السلم الخاصة به مثل قبض رأس مال السلم كله في مجلس العقد . ٥ - ألا يكون أحد البدلين دَيْناً في بيع الدين إلى غير المدين. - ٣٨٦ _ وأما شروط النفاذ : فهي اثنان : ١ - أن يكون المبيع مملوكاً للبائع، أوله عليه ولاية : فلا ينفذ بيع غير المملوك للبائع وهو بيع ملك الغير أو بيع الفضولي، إلا في عقد السلم، فإنه يصح بيع ما سيملكه بعد العقد . ٣ - ألا يكون في المبيع حق لغير البائع: فلا ينفذ بيع المرهون والمأجور؛ لأنه وإن كان مملوكاً له، ولکن للغیر حق فيه . وأما ما يشترط في لزوم العقد ؛ فهو شرط واحد : وهو خلو البيع من الخيار، فلا يلزم البيع المشتمل على الخيار، ويجوز فسخه . شروط البيع في مذهب المالكية : اشترط المالكية شروطاً في العاقد وفي الصيغة وفي المعقود عليه، وجملتها أحد عشر شرطاً (١). 81 أما شروط العاقد بائعاً أو مشترياً فهي ثلاثة، يزاد عليها رابع في البائع : اً - أن يكون كل من البائع والمشتري مميزاً: فلا ينعقد بيع الصبي غير المميز، والمجنون والمغمى عليه والسكران. أما بيع المميز فلا يلزم وإن كان صحيحاً إلا إذا کان و کیلاً عن مکلف، فإن بیعه يلزم . ٣ -أن يكون كلاهما مالكين، أووكيلين لمالكين، أوناظرين عليها: فيتعقد بيع الفضولي: وهو الشراء لأحد بغير إذنه أو البيع عليه بغير إذنه ، ويتوقف على إذن المالك . ٣ - أن يكونا طائعين: فبيع المكره وشراؤه باطلان. والمعتمد لدى المالكية أن بيع المکره غیر لازم . (١) القوانين الفقهية: ص ٢٤٥ وما بعدها، بداية المجتهد: ١٢٥/٢ - ١٢٧، ١٦٨ - ١٧١. - ٣٨٧ - ٤ - أن يكون البائع رشيداً : فلا ينفذ بيع السفيه والمحجور، وشراؤه موقوف على إجازة وليه . ولا يشترط الإسلام في العاقد إلا في شراء العبد المسلم، وفي شراء المصحف. ویصح بيع الأعمى وشراؤه . وأما شروط الصيغة فهي اثنان : ١ - أن يتحد المجلس: بأن يكون القبول مع الإيجاب في مجلس واحد: فلوقال البائع للمشتري : بعتك الكتاب بكذا ، فلم يجبه، ثم تفرقا عن المجلس ، لم ينعقد البيع . ٣ - ألا يفصل بين الايجاب والقبول فاصل يدل على الإعراض عن البيع عرفاً: فإن وجد فاصل يدل على الإعراض عرفاً، لم ينعقد البيع. وأما شروط الثمن والمثمن فهي خمسة : ١ - أن يكون غير منهي عنه شرعاً : فلا ينعقد بيع الميتة والدم ومالم يقبض. ٢ - أن يكون طاهراً: فلا يجوز بيع النجس كالخمر والخنزير، والمشهور منع بيع العاج والزبل والزيت النجس مطلقاً. وأجاز ابن وهب ذلك البيع، فمن رأى أن عاج الفيل ناب جعله كالميتة ، ومن رأى أنه قرن معكوس جعل حكمه حكم القرن . ٣ - أن يكون منتفعاً به شرعاً: فلا يجوز بيع مالا منفعة فيه كالكلاب والخشاش ( الحشرات ) وآلات اللهو، واختلف المالكية في بيع الكلاب للصيد والغنم على رأيين . ٤ - أن يكون معلوماً للعاقدين: فلا يجوز بيع المجهول. ٥ - أن يكون مقدوراً على تسليمه: فلا ينعقد بيع معجوز التسليم كالسمك في الماء . ٣٨٨ _ شروط البيع في مذهب الشافعية : اشترط الشافعية اثنين وعشرين شرطاً وهي إما في العاقد، وإما في الصيغة، وإما في المعقود عليه(١). أما شروط العاقد فهي أربعة : ٦ - الرشد: وهو أن يكون بالغاً عاقلاً، مصلحاً لدينه وماله: فلا ينعقد بيع صبي وإن قصد اختباره، ولا من مجنون، ولا من محجور عليه بسفه. لكن لو أتلف الصبي أو تلف عنده ما ابتاع أو ما اقترض من رشيد، وأقبضه له، لم يضمن ؛ لأن المُقبض أو المُسلِّم هو المضيع لماله، هذا في الظاهر، أما في الباطن، فيغرم بعد البلوغ، كما نص عليه الشافعي في الأم في باب الإقرار. أما إن تسلم المبيع من صبي مثله، ولم يأذن الوليان لهما، ضمن كل منهما ما قبض من الآخر. فإن كان التسليم بإذن الوليين، فالضمان عليهما فقط ، لوجود التسليط منهما . وعلى البائع للصبي رد الثمن إلی ولیه ، فلو رده إلى الصبي ، ولو بإذن الولي ، وهو ملك الصبي ، لم يبرأ منه. وإن رده للولي برئ منه. هذا أي عدم البراءة ما إذا لم يكن . المبيع في مصلحة تتعلق ببدن الصبي من مأكل أو مشرب ونحوهما ، وإلا برئ . ٢ - عدم الإكراه بغير حق : فلا يصح عقد مكره في ماله بغير حق ، لقوله تعالى: ﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. ولا أثر لقول المكره بغير حق إلا في الصلاة ، فتبطل به في الأصح، ولا لفعله إلا في الرضاع والحدث والتحول عن القبلة وترك القيام في الفريضة مع القدرة، وكذا القتل ونحوه في الأصح . أما الإكراه بحق: فيصح، إقامة لرضا الشرع مقام رضاه، کمن توجه علیه دین ، (١) مغني المحتاج: ٢ / ٥ - ١٦، تحفة الطلاب: ص ١٤١ - ١٤٥. - ٣٨٩ - وامتنع من الوفاء والبيع ، فإن شاء القاضي ، باع ماله بغير إذنه، لوفاء دينه، وإن شاء عزره وحبسه إلى أن يبيعه . ٣ - إسلام من يشترى له مصحف ونحوه من كتب حديث وآثار سلف وكتب فقه فيها شيء من القرآن والحديث وآثار السلف، لما في ذلك من الإهانة لها: فلا يصح شراء الكافر المصحف ونحوه مما ذكر، ولا شراء الكافر العبد في الأظهر، لما فيه من إذلال المسلم ، ولقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾. ٤. ألا يكون المشتري حربياً محارباً في بيع آلات الحرب كسيف ورمح ونحوهما، لتقوي الحربيين بها على المسلمين، واستعانتهم بذلك على قتالنا. أما غير عُدَّة الحرب، ولو مما يصنع منه كالحديد، فيجوز بيعه للحربي ؛ إذ لا يتعين جعله عدة حرب. والذمي في دار الحرب کالحربي . وأما شروط الصيغة فهي ثلاثة عشر: ١ - الخطاب: بأن يخاطب كل من العاقدين صاحبه، كأن يقول له: بعتك كذا ، فلو قال : بعت لزید، فلا يصح ٢ - أن يقع الخطاب على جملة المخاطب: كأن يقول له: بعتك، أما لوقال له: بعت يدك أو رأسك مثلاً، فلا يصح. ٣ - أن يكون القبول ممن صدر معه الخطاب: فلو وجه الايجاب، فقبل عنه آخر لیس و کیلاً عنه، فلا يصح البيع . ولو مات الخاطب به قبل قبوله، فقبل وارثه، ثم ینعقد البيع ، وکذا لو قبل و کیله أو موكله . ٤ - أن يذكر البادئ بالكلام الثمن والمثمن: كأن يقول: بعتك هذا الشيء بكذا، أو اشتريت منك هذا الشيء بكذا . ٥ - أن يقصد كلا العاقدين معنى اللفظ الذي ينطق به: فإذا جرى على لسانه - ٣٩٠ - لفظ الايجاب أو القبول، أو كان هازلاً، دون أن يقصد التمليك والتملك، لا يصح البيع . ٦ - أن يصر البادي على ما أتى به من الإيجاب إلى القبول، وأن تستمر أهلية العاقدين إلى تمام القبول: فلوقال: بعتك، ثم جن أو أغمي عليه قبل قبول الآخر، بطل العقد. ولو أوجب بمؤجل أو شرط الخيار، ثم أسقط الأجل أو الخيار، لم يصح العقد، لضعف الايجاب وحده، في الحالتين . ٧ - ألا يطول الفصل بين لفظي الإيجاب والقبول، ولو بكتابة أو إشارة أخرس بسكوت طويل. والفاصل الطويل : هو ما أشعر بإعراضه عن القبول. أما الفصل اليسير بالسكوت فلا يضر، لعدم إشعاره بالإعراض عن القبول . ٨- ألا يتخلل بين الإيجاب والقبول كلام أجنبي عن العقد، ولو يسيراً، فيضر الفصل اليسير بالكلام الأجنبي؛ وإن لم يتفرقا عن المجلس؛ لأن فيه إعراضاً عن القبول، بخلاف السكوت اليسير، وبخلاف يسير الكلام الأجنبي في الخلع؛ لأن فيه من جانب الزوج شائبة التعليق ، ومن جانب الزوجة شائبة جعالة، وكل منهما موسع فيه محتمل للجهالة ، بخلاف البيع . ٩ - ألا يغير الموجب كلامه قبل قبول الآخر: فإذا قال: بعتك بخمسة، ثم قال : بعشرة ، قبل أن يقبل الآخر، لم يصح العقد . ١٠ - سماع الصيغة: بأن يسمع كل عاقد ومن بقربه من الحاضرين كلام الآخر، فإن لم يسمعه من كان قريباً لم ينعقد العقد. ١١ - أن يتوافق الإيجاب والقبول تماماً: فلو اختلفا، لم يصح العقد . ١٢ - ألا يعلق الصيغة بشيء لا يقتضيه العقد: مثل إن جاء فلان فقد بعتك كذا، أو بعتك هذه الدار إن شاء فلان أو إن شاء الله؛ لأن البيع يقتضي التنجيز. - ٣٩١ - أما إن علق بما يقتضيه العقد، كقوله: بعتك هذا بكذا إن شئت ، فقال : اشتريت، صح العقد ؛ لأن هذا التعليق لا ينافي العقد، وهو تصريح بمقتضى العقد. ١٣ - ألا يكون العقد مؤقتاً: فلو قال: بعتك الدار بألف شهراً مثلاً، لم يصح؛ لأن البيع يقتضي التأبيد . وأما شروط المعقود عليه فهي خمسة : ١ - أن يكون المعقود عليه طاهراً: فلا يصح بيع الكلب والخمر، والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره كالخل واللبن والدبس وكذا الدهن في الأصح. ٣ - أن يكون منتفعاً به شرعاً: فلا يصح بيع الحشرات التي لا نفع فيها، ولا يصح بيع كل سبع أو طير لا ينفع كالأسد والذئب والحدأة والغراب غير المأكول. ولا يصح بيع آلة اللهو كالطنبور والصنج والمزمار والعود والأصنام والصور وإن اتخذت من نقد، للحرمة ، ولأنه لا نفع بها شرعاً. ولا يصح بيع حبتي حنطة ونحوها ، لعدم المالية. ويمكن أن يشمل هذين الشرطين كون المعقود عليه غير منهي عنه شرعاً. ويصح بيع الماء المحرز على الشط، والحجر عند الجبل والتراب بالصحراء ممن حازها، في الأصح ، لظهور المنفعة فيها . ٣ - أن يكون مقدور التسليم: فلا يصح بيع الطير في الهواء ولا السمك في الماء، ولا بيع الضالّ والآبق والمغصوب ، لكن إن باعه لقادر على انتزاعه من الغاصب ، أو باع الآبق لقادر على رده، صح على الصحيح، نظراً إلى وصوله إليها، إلا إن احتاج إلى مؤنة ، فالظاهر البطلان . ٤ - أن يكون مملوكاً للعاقد أوله عليه ولاية: فبيع الفضولي (وهو البائع مال غيره بغير إذنه ولا ولاية له) باطل، لقوله مسائل: ((لا بيع إلا فيا تملك)»(١). (١) رواه أبو داود والترمذي ، وقال : إنه حسن . - ٣٩٢ - ٥- أن يكون معلوماً للعاقدين عيناً وقدراً وصفة: فبيع أحد الثوبين ونحوهما باطل للغرر أو الجهالة. ويصح بيع صاع من صُّبْرة (وهي الكومة من الطعام ) لتساوي أجزائها، وتغتفر جهالة المبيع هنا ، فإنه ينزل على صاع مبهم، لتعذر الإشاعة . أما بيع شيء من أشياء متفاوتة الأجزاء كبيع شاة من هذه الشياه، فلا يصح، لتفاوت الأجزاء . شروط البيع في مذهب الحنابلة : اشترط الحنابلة أحد عشر شرطاً في البيع: إما في العاقد، وإما في الصيغة، وإما في المعقود عليه(١) . أما شروط العاقد ؛ فهي اثنان : ٦ - الرشد إلا في يسير: فلا يصح بيع الصبي والمجنون والسكران والسفيه، لكن إذا أذن الولي لمميز وسفيه لمصلحة، صح العقد، ويحرم الإذن لهما بلا مصلحة، لما فيه من الإضاعة . ولا يصح من المميز والسفيه قبول هبة ووصية وبيع ونحوها بلا إذن ولي لهما . ويصح تصرف صغير ولو دون سن التمييز في الأمر اليسير، لما روي ((أن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفوراً فأرسله))(٢). ويصح تصرف سفيه في شيء يسير كباقة بقل وكبريت ونحوها؛ لأن الحكمة في الحجر خوف ضياع المال، وهو مفقود في اليسير. ويصح تو کیل مميز في إرسال هدیة ودخول دار، عملاً بالعرف. ٣° - التراضي من المتبايعين والاختيار أو عدم الإكراه إلا بحق: وهو أن يأتي غاية المنتهى: ٢ / ٥ - ١٤، كشاف القناع: ٣ / ١٣٩ - ١٦٦. (١). (٢) ذكره ابن أبي موسى . - ٣٩٣ _ العاقد بالبيع اختياراً، لقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ ولحديث ((إنما البيع عن تراض)) (١). فبيع التلجئة أو الأمانة: بأن يظهر العاقدان بيعاً لم يريداه باطناً، بل أظهراه خوفاً من ظالم ونحوه: باطل. وكذا بيع الهازل باطل؛ لأنه لم ترد حقيقته. ويصح البيع في حالة الإكراه بحق كالذي يكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه، أو على شراء ما يوفي ما عليه من دين ؛ لأنه قول حمل عليه بحق ، فصح. فأمثلة المکره بحق : راهن ومحتکر ومدین وممتنع . ويكره الشراء من المضطر: وهو الذي يبيع ماله بأقل من ثمن مثله . وأما شروط الصيغة فهي ثلاثة : أ - اتحاد المجلس: بأن يكون القبول في مجلس الإيجاب، فإذا قال البائع: بعتك، ثم تفرقا قبل القبول من المجلس ، لم ينعقد البيع . ٢ - ألا يكون بين القبول والإيجاب فاصل يدل على الإعراض عن البيع عرفاً. ٣ - ألا يكون العقد مؤقتاً ولا معلقاً بغير مشيئة الله: مثل بعتك سنة أو بعت أو اشتریت إن رضي فلان . وأما شروط المعقود عليه مبيعاً أو ثمناً فهي ستة شروط وهي : ١ - أن يكون مالاً: وهو ما يباح الانتفاع به شرعاً مطلقاً في غير حاجة ولا ضرورة ؛ لأن البيع مبادلة مال بمال، فلا يصح بيع مالا نفع فيه أصلاً كالحشرات، وما فيه منفعة محرَّمة كالخمر، وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، وما فيه منفعة تباح للضرورة كالميتة حال الاضطرار أو المخمصة ، والخمر لدفع لقمة غص بها . (١) رواه ابن حبان . - ٣٩٤ - ويصح بيع جلد ميتة دبغ واقتناؤه بلا حاجة ، ويجوز بيع بغل وحمار ودود قز ونحل منفرداً بشرط كونه مقدوراً عليه، أو مع كوَّارته إذا شوهد داخلاً فيها؛ لأن فيه منافع للناس، ويصح بيع ما يصاد عليه من الطيور، وديدان لصيد سمك، وسباع بهائم وجوارح طیر للاصطياد، لا لغيره، ويصح بيع علق لمص دم. ويصح بيع طير لقصد صوته كبلبل وهزار؛ لأن فيه نفعاً مباحاً، وكذا يصح بيع ببغاء وهي الدرة ونحوها كقمري . ويجوز إهداء الكلب المباح والإثابة عليه، لا على وجه البيع . ولا يجوز بيع سموم قاتلة كسم الأفاعي ، لخلوها من نفع مباح، وكذا لا يجوز بيع سم الحشائش والنبات، إلا ما ينتفع به وأمكن التداوي بيسيره كالسقمونيا ونحوها . ويحرم بيع المصحف لمسلم أولكافر، لأن تعظيمه واجب ، وفي بيعه ابتذال له وترك لتعظيمه، ولأن الكافر يمنع من استدامة ملك المصحف، فيمنع من ابتدائه . ولا يضح بيع آلة لهو كمزمار وطنبور ونرد وشطرنج، ولا بيع حشرات كخنافس وفأر وحيات وعقارب وصراصر ونحوها ، ولا بيع ميتة ولو لمضطر ولا بيع دم وخنزير وصنم . ولا يصح بيع سرجين نجس (زبل)، ولا بيع أدهان نجسة العين من شحوم الميتة وغيرها، لحديث البخاري ومسلم: ((إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه)) ولا يحل الانتفاع بالأدهان النجسة باستصباح ولا غيره، فقد حرمه النبي مُ التّ في حديث جابر المتفق عليه . ولا يصح بيع أدهان متنجسة كزيت لاقى نجاسة، ولو لكافر للحديث السابق: ((إن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه)) ويجوز الاستصباح في الأدهان المتنجسة في غیر مسجد ؛ لأنه أمکن الانتفاع بها من غير ضرر. - ٣٩٥ - ولا يصح بيع الحر، لحديث البخاري ومسلم: ((ثلاثة أنا خصهم يوم القيامة، ومنهم: ورجل باع حراً وأكل ثمنه)). ولا يصح بيع ما ليس بمملوك من المباحات من نحو كلاً وماء ومعدن قبل حيازتها وتملكها ، لفقد الشرط الآتي . ٣ - أن يكون المبيع مملوكاً لبائعه ملكاً تاماً، لقوله وائز لحكيم بن حزام: ((لا تبع ما ليس عندك))(١)، فلا يصح تصرف فضولي مطلقاً ولو أجيز بعد . ولا يصح بيع مالا يملكه الإنسان كحر ومباح قبل حيازته، ولا بيع أرض موقوفة مما فتح عنوة ولم تقسم كمصر والشام، ويصح بيع إمام لها لمصلحة كوقفه وإقطاعه تمليكاً، أو غير إمام وحكم به من يرى صحته. ولا يصح بيع ولا إجارة رباع مكة والحرم: وهي المنازل، وكذا بقاع المناسك كالمسعى والمرمى والموقف ونحوها ، لأنها کالمساجد لعموم نفعها ، ولأن مكة فتحت عنوة . ولا يصح بيع ما ليس مملوكاً ملكاً تاماً كالمبيع وقت الخيار. ٣ - أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه حال العقد: لأن مالا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم ، والمعدوم لا يصح بيعه ، فكذا ما أشبهه . فلا يصح بيع نصف معين من نحو إناء وسيف وحيوان ، ودین لغیر مدین ، ولا آبق وشارد ولو لقادر على تحصيلها. لحديث ((نهى رسول الله و الله عن شراء العبد وهو آبق))(٢) ولا يصح بيع سمك بماء إلا مرئياً بمحجوز يسهل أخذه منه، ولا يصح بيع طائر يصعب أخذه، أو في الهواء وألف الرجوع إلا في مكان مغلق ؛ لأنه غير مقدور على تسليمه . ولا يصح بيع مغصوب إلا لغاصبه أو قادر على أخذه، وله الفسخ إن عجز. رواه ابن ماجه والترمذي وصححه . (١) (٢) رواه أحمد عن أبي سعيد . - ٣٩٦ - ٤ - أن يكون المبيع معلوماً للبائع والمشتري برؤية تحصل بها معرفته، عند العقد أو قبله بزمن لا يتغير فيه المبيع يقيناً أو ظاهراً. ويصح بيع الأعمى وشراؤه بما يمكنه معرفة ما يبيعه أو يشتريه بغير حاسة البصر كشم ولمس وذوق، لحصول العلم بحقيقة المبيع. ويصح بيع قفيز من صبرة ( كومة طعام وغيره). ولا يصح بيع الأنموذج: وهو ما يدل على صفة الشيء، كأن يريه صاعاً مثلاً من صبرة ، ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه، لعدم رؤية المبيع وقت العقد . ولا يصح بيع حمل ببطن وهو بيع المضامين ، ولا بيع لبن بضرع ، ونوی بتمر، وصوف على ظهر إلا تبعاً، كبعتك هذه البهيمة وحملها ، أو بعتك الأرض وما فيها من بذر. ولا يصح بيع عَسْب فحل ، أو نتاج نتاج ، أو ما تحمل هذه الشجرة أو الدابة، ولا مسك في فأرته (صوانه)، ولفت وبصل ونحوه قبل قلعه، ولا ثوب مطوي ، أو نسج بعضه على أن ينسج بقيته . ولا يصح بيع الملامسة ، مثل بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته أو إن لمسته أو أي ثوب لمسته، فعليك بكذا . ولا يصح بيع المنابذة، مثل متى أو إن نبذت هذا أو أي ثوب نبذته فلك بكذا . ولا يصح بيع الحصاة مثل : ارمها فعلى أي ثوب تقع ، فلك بكذا . ولا يصح بيع ما لم يعين أي بيع المجهول، كشاة من قطيع، وشجرة من بستان ، ولو تساوت قيمتها . ٥ - أن يكون الثمن معروفاً للعاقدين حال العقد أو قبله: فلا يصح بيع برقم، ولا بما باع زيد إلا إن علم به العاقدان ، ولا بما ينقطع به السعر، ولا كما يبيع الناس. - ٣٩٧ - ٦ - خلو الثمن والمثمن والمتعاقدين عن موانع الصحة كالربا، أو الاشتراط أو غيرهما : فلا يصح بيع أضحية وهدي واجبین إلا بخير منهما ، ولا يصح بيع موقوف بلا مسوغ، ولا بيع مرهون بلا إذن مرتهن ، ولا يصح بيع ماء وسترة لمصل عادم غيرهما ، ولا بيع مصحف ، ولا بعد نداء جمعة . أوجه الاتفاق والاختلاف في شروط البيع : یظهر مما تقدم بيانه ما يلي : اً - في العاقد : التمييز شرط متفق عليه، وأما البلوغ فهو شرط مختلف فيه، فهو شرط نفاذ عند المالكية والحنفية ، وشرط انعقاد عند الشافعية والحنابلة . وأما الاختيار أو الطواعية فهو شرط انعقاد عند الجمهور، وشرط نفاذ عند الحنفية، فبيع المكره باطل عند الجمهور، موقوف غير نافذ عند الحنفية، غير لازم في المعتمد عند المالكية . أً - في الصيغة: اتحاد المجلس دون فاصل بين القبول والإيجاب، وتطابق الايجاب والقبول، وسماع الصيغة والتنجيز أو عدم التعليق، وعدم التأقيت، كلها شروط متفق عليها ، وإن ذكر بعضها بعض الفقهاء دون غيرهم . ٣ - في المعقود عليه: كون المعقود عليه مالاً متقوماً يباح الانتفاع به شرعاً أو طاهراً غير نجس ، موجوداً، مقدور التسليم، معلوماً غير مجهول، كلها شروط متفق عليها؛ إلا أن الجهالة تفسد البيع عند الحنفية، وتبطله عند الجمهور. أما كون المبيع مملوكاً للبائع فهو شرط نفاذ عند الحنفية والمالكية، وشرط انعقاد عند الشافعية والحنابلة ، فبيع الفضولي وشراؤه موقوف عند الأولين ، باطل عند الآخرين . وأما ألا يتعلق بالمبيع حق لغير البائع كبيع المرهون والمأجور، فهو شرط نفاذ عند الحنفية . وشرط انعقاد عند الحنابلة والشافعية والمالكية، فبيع المرهون والمأجور موقوف على الرأي الأول ، باطل على الرأي الثاني . - ٣٩٨ _ المبحث الثالث - حكم البيع والكلام عن المبيع والثمن وفيه مطلبان : المطلب الأول - حكم العقد : حكم العقد: هو الغرض والغاية منه، ففي عقد البيع: يكون الحكم هو ملكية المبيع للمشتري وملكية الثمن للبائع، وفي عقد الإجارة: الحكم هو ملك منفعة العين المستأجرة للمستأجر، وملك المؤجر للأجرة(١). وللحكم اطلاقات ثلاث : ١ - إما أن يراد به الحكم التكليفي: وهو إما الوجوب أو الندب أو الإباحة أو التحريم أو الكراهية ، فيقال : حكم الصوم الوجوب، وحكم السرقة التحريم وهكذا . ٢ - أو يراد به الوصف الشرعي للفعل من حيث الصحة واللزوم وعدم اللزوم مثلاً، فيقال : حكم العقد المستوفي لأركانه وشرائطه أنه صحیح لازم. ٣ - أو يراد به الأثر المترتب على التصرف الشرعي، وذلك كالوصية إذا استوفت شرائطها وأركانها ، ترتبت عليها آثار تتعلق بالموصى له، وآثار تتعلق بالموصى به(٢). ومقصودنا هنا المعنى الثالث، أي الحكم الشرعي الثابت للبيع، وأثره المترتب عليه . فأثر البيع : هو ثبوت الملك في المبيع للمشتري، وثبوت الملك في الثمن للبائع، إذا كان البيع لازماً لا خيار فیه(٣). والمقصود بحقوق العقد: هي الأعمال التي لا بد منها للحصول على حكمه : مثل الأموال ونظرية العقد للأستاذ محمد يوسف موسى : ص ٢٧٢ . (١) التلويح شرح التوضيح للتفتازاني : ٢ ص ١٢٢، الأحوال الشخصية للأستاذ السباعي: ٢ ص ١١٤ . (٢) (٣) البدائع : ٥ ص ٢٣٣ . الفقه الإسلامي جـ ٤ (٢٦) - ٣٩٩ - تسليم المبيع وقبض الثمن والرد بالعيب، أو خيار الرؤية أو الشرط، وضمان رد الثمن إذا استحق المبيع مثلاً(١). حقوق البيع التابعة للحكم : هي كل تابع للمبيع من الحقوق التي لابد له منه ولا يقصد إلا لأجله كالطريق والشرب للأرض، وهي التي تسمى بالمرافق، والقاعدة فيها أو الأصل : أن كل ما كان من الدار متصلاً بها يدخل في بيعها تبعاً بلا ذكر، ومالا فلا يدخل بلا ذكر إلا ما جرى العرف أن البائع لا يمنعه عن المشتري، فيدخل المفتاح استحساناً للعرف بعدم منعه بخلاف القفل ومفتاحه والسلَّم غير المتصل بالبناء، وأما الدرج (السلم) في بنايات الطبقات فتدخل عرفاً، وتفصيل ذلك ما يأتي (٣) : ١ - من اشترى بيتاً فوقه آخر لا يدخل فيه العلو؛ لأن الشيء لا يستتبع مثله. ب - يدخل في المبيع ما هو من حقوقه أو مرافقه الخاصة التابعة له كطريق ومطبخ ومتوضأ ونحوها ، لأنها توابع له. فيدخل في بيع الدار الطريق الداخلي فيها أو النافذ إلى سكة أو طريق عام، والكنيف ( وهو المستراح أو بيت الماء) وبئر الماء، والأشجار التي في صحنها ، والحديقة التابعة لها والبستان الذي هو أصغر منها، وإن لم يصرح بذلك . أما الحديقة أو البستان الخارج عن الدار وكان مثل الدار أو أكبر، فلا يدخل في البيع. ويدخل الباب الأصلي للدار، والباب الخارجي المجاور للشارع وهو المسمى بالباب الأعظم؛ لأنه من مرافقها . ولا تدخل الظلة في بيع الدار لبنائها على الطريق، فتأخذ حكمه ولا يدخل الطريق والمسيل والشرب غير الخاص بالدار إلا بالتصريح بها؛ لأنها خارج الحدود، كأن يشتريها بكل حق هو لها أو بمرافقها أو بكل قليل وكثير. وذلك بخلاف الإجارة (٢) الأموال ونظرية العقد ، المرجع السابق . (١) الدر المختار ورد المختار : ١٩٧/٤ - ١٩٩. - ٤٠٠ -