النص المفهرس
صفحات 321-340
٣ - غرس الأشجار في العين المؤجرة: ورد النص على هذه القضية في المادة (٥٥٩) مستمداً من الفقه الإسلامي، وقد تضمنت الفقرة الأولى إلزام المؤجر نفقة ما ترتب على البناء أو الغرس من تحسينات إذا حدث ذلك بموافقة المؤجر، وتضمنت الفقرة الثانية ما يلي : ((٢ - فإذا كانت تلك التحسينات قد استحدثت دون موافقة المؤجر، كان له أيضاً أن يطلب من المستأجر إزالتها ، وله أن يطلب فوق ذلك تعويضاً عن الضرر الذي يصيب العقار من هذه الإزالة، إن كان للتعويض مقتض)). وهذا الحكم مقتبس من الفقه الإسلامي ، فقد ألزم فقهاء الحنفية المستأجر بعد انقضاء مدة الإيجار بقلع الغراس وتسليم الأرض فارغة (١). وجاء في المادة (٥٣١) من المجلة ما يؤيده: ((لو أحدث المستأجر بناء في العقار المأجور أو غرس شجرة، فالآجر مخير عند انقضاء مدة الإجارة إن شاء قلع البناء والشجرة، وإن شاء أبقاهما ، وأعطى قيمتهما كثيرة كانت أو قليلة)». ونصت المادة (٥٣٢) بعدها على ضمان الضرر: ((إزالة التراب والزبل الذي يتراكم في مدة الإجارة والتطهير عنهما على المستأجر». ٤ - المزارعة : المزارعة عبارة عن عقد الزراعة، ببعض الناتج، وهو إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها. وهو عقد مقرر في الفقه الإسلامي ، أخذت منه أحكامه المعمول بها في القانون المدني ( في المواد ٥٨٦ - ٥٩٤). ونص المادة (٥٨٦) هو ما يلي: ((يجوز أن تعطى الأرض الزراعية والأرض المغروسة بالأشجار مزارعة للمستأجر في مقابل أخذ المؤجر جزءاً معيناً من المحصول)). (١) اللباب في شرح الكتاب للميداني: ٩٠/٢. - ٣٢١ - قال الحنفية(١): يصح استئجار الأرضين للزراعة على أي مدة كانت طالت أو قصرت ، لأن المدة إذا كانت معلومة كان قدر المنفعة فيها معلوماً . ٥ - انقضاء الإيجار بموت المستأجر: ورد النص على انتهاء عقد الإيجار بالموت في المادة (٥٦٨) مدني وما بعدها : ((١ - لا ينتهي الإيجار بموت المؤجر ولا بموت المستأجر. ٢ - ومع ذلك إذا مات المستأجر جاز لورثته أن يطلبوا إنهاء العقد إذا أثبتوا أنه بسبب موت مورثهم أصبحت أعباء العقد أثقل من أن تتحملها مواردهم، أو أصبح الإيجار مجاوزاً حدود حاجتهم. وفي هذه الحالة يجب أن تراعى مواعيد التنبيه بالإخلاء المبينة في المادة (٥٣١)، وأن يكون طلب إنهاء العقد في مدة ستة أشهر على الأكثر من وقت موت المستأجر». ونص المادة (٥٦٩) هو: «إذا لم يعقد الإيجار إلا بسبب حرفة المستأجر أو لاعتبارات أخرى تتعلق بشخصه ثم مات، جاز لورثته أو للمؤجر أن يطلبوا إنهاء العقد )». دل النص على أنه لا ينتهي عقد الإيجار بموت المؤجر أو المستأجر عملاً بما قرره جمهور فقهاء الإسلام غير الحنفية، واستثنى النص حالتين ينقضي بها الإيجار بموت المستأجرهما : ١ - حالة صيرورة أعباء العقد أثقل من أن تتحملها موارد ورثة المستأجر، أو أن الإيجار أصبح يجاوز حدود حاجتهم. ٢ - إذا كان الإيجار قد عقد بسبب حرفة المستأجر كعيادة طبيب أو صيدلية. اللباب في شرح الكتاب: ٨٨/٢. (١) - ٣٢٢ - : ويمكن تسويغهما بما قرره الحنفية من انتهاء الإجارة بموت أحد العاقدين . ٦ - انتهاء الإيجار للعذر: أخذ المشرع المدني عن الفقه الإسلامي فكرة فسخ الإيجار للعذر، فنص في المادة (٥٧٥) على أنه : ((١ - إذا كان الإيجار معين المدة، جاز لكل من المتعاقدين أن يطلب إنهاء العقد قبل انقضاء مدته إذا جدت ظروف خطيرة غير متوقعة من شأنها أن تجعل تنفيذ الإيجار من مبدأ الأمر، أو في أثناء سريانه مرهقاً، على أن يراعي من يطلب إنهاء العقد مواعيد التنبيه بالإخلاء المبينة بالمادة (٥٣١)، وعلى أن يعوض الطرف الآخر تعويضاً عادلاً . وهذا النص يشير إلى عذر خاص بالمستأجر، أو المؤجر، يجيز طلب فسخ الإيجار بسبب العذر بشرطين : ١ - أن تكون الإجارة معينة المدة، فإن لم تكن معينة جاز لأي طرف إنهاؤها قبل نهاية أي فترة دفعت أجرتها . الأممنغالي ٢ - أن يطرأ ظرف خطير من شأنه أن يجعل التنفيذ مرهقاً لأحد الطرفين، كأن يترك المحامي الذي استأجر مكتباً مهنته لمرض أو منع قانوني من ممارسة المهنة. أو تطرأ ظروف غير متوقعة تجعل القيام ببناء التزم المؤجر يإقامته مرهقاً له. وقد عرفنا سابقاً أن الحنفية أجازوا فسخ الإجارة بالأعذار، وإن وقعت الإجارة صحيحة لازمة(١). (١) تحفة الفقهاء: ٥٣٣/٢. - ٣٢٣ - ٧ - إيجار الوقف : نص القانون المدني في المواد (٥٩٥ - ٦٠١) على أحكام إيجار الوقف مستمدة من الفقه الإسلامي، ومن أخصها ما نصت عليه المادة (٥٩٨): ((لا تصح إجارة الوقف بالغبن الفاحش إلا إذا كان المؤجر هو المستحق الوحيد الذي له ولاية التصرف في الوقف، فتجوز إجارته بالغبن الفاحش في حق نفسه، لا في حق من يليه من المستحقين)). وقد نصت المادة (٢٥٦) من المجلة على مبدأ الفسخ بسبب الغبن: ((إذا وجد غبن فاحش في البيع، ولم يوجد تغرير، فليس للمغبون أن يفسخ البيع ، إلا أنه إذا وجد الغبن وحده في مال اليتيم لا يصح البيع ، ومال الوقف وبيت المال حكمه حكم مال اليتيم)). ثالثاً - حقوق الارتفاق: حق الارتفاق : هو تكلیف مفروض على عقار معين لمنفعة عقار معين جار في ملكية شخص غير مالك العقار الأول (٩٦٠٢) مدني. وهو أحد الحقوق العينية المتفرعة عن حق الملكية. والارتفاقات تختلف فيما بينها من حيث موضوعها . فهناك ارتفاق بالمجرى، وارتفاق بالمرور، وارتفاق بالصرف، وارتفاق بالمطل، ونحو ذلك. والارتفاق إما أن يكون طبيعياً، أو قانونياً أي يقرره القانون، كحق الشرب وحق المجرى وحق المسيل وحق المرور. وقد أخذ القانون المدني بطائفة من أحكام الارتفاق من الفقه الإسلامي من أهمها حق العلو والسفل، وأحكام الحائط المشترك . ففي حق العلو والسفل نصت المادة ( ٩٦٣) مدني على حق إسالة الماء سيلاً طبيعياً من الأراضي العالية . وأوجب القانون بعض التزامات على صاحب السفل وصاحب العلو في ضمن القيود الواردة على حق الملكية - ملكية الطبقات ، نصت على ذلك المادة ( ٨١٤ ): - ٣٢٤ - ((١ - على صاحب السفل أن يقوم بالأعمال والترميمات اللازمة لمنع سقوط العلو. ٢ - فإذا امتنع عن القيام بهذه الترميمات جاز للقاضي أن يأمر ببيع السفل. ويجوز في كل حال لقاضي الأمور المستعجلة أن يأمر بإجراء الترميمات العاجلة)). ونصت المادة (٤١٥) على التزام صاحب السفل بإعادة بناء سفله إذا انهدم فإن امتنع جاز لصاحب العلو إعادة البناء على نفقة صاحبه، ولصاحب العلو منع صاحب السفل من السكنی والانتفاع حتى يؤدي ما في ذمته . ومضمون هاتين المادتين مستمد من الفقه الإسلامي(١). والقانون المدني بالإضافة إلى المعايير الثلاثة السابقة لبيان حد المشروعية في استعمال الحقوق (التعسف في استعمال الحق م ٥ و٦) أقر معياراً آخر لمضار الجوار غير المألوفة لبيان حد المشروعية في استعمال حق الملكية(٢) ومنه حق العلو والسفل، في المادة (٧٧٦) ونصها ما يأتي : ((١ - على المالك ألا يغلو في استعمال حقه إلى حد يضر بملك الجار. ٢ - وليس للجار أن يرجع على جاره في مضار الجوار المألوفة التي لا يمكن تجنبها، وإنما له أن يطلب إزالة هذه المضار إذا تجاوزت الحد المألوف، على أن يراعى في ذلك العرف، وطبيعة العقارات وموقع كل منها بالنسبة إلى الآخر، والغرض الذي خصصت له، ولا يحول الترخيص الصادر من الجهات المختصة دون استعمال هذا الحق)). وهذا النص تطبيق لنظرية التعسف، وأقرب إلى تكييف الفقه الإسلامي الذي اعتمد عليه القانون المدني في صياغة نظرية عامة للتعسف. وقد نصت المجلة على مضار الجوار غير المألوفة في المواد (١١٩٨ - ١٢١٢) ونص تحفة الفقهاء: ٣١٤/٢ وما بعدها، الأموال ونظرية العقد، يوسف موسى: ص ١٨٢ . (١) (٢) الحقوق العينية الأصلية للأستاذ الدكتور وحيد سوار: ص ٣١٤ وما بعدها. - ٣٢٥ _ المادة (١١٩٨) هو ما يلي: ((كل أحد له التعلي على حائط الملك وبناء ما يريد، وليس لجاره منعه ما لم يكن ضرره فاحشاً)). وحددت المادة (١١٩٩) الضرر الفاحش بقولها: «والضرر الفاحش: كل ما يمنع الحوائج الأصلية، يعني المنفعة الأصلية المقصودة من البناء كالسكنى ، أو يضر البناء أي يجلب عليه وهناً ويكون سبب انهدامه)). وأما الحائط المشترك فقد نص القانون المدني على أحكامه أثناء بيان أحوال الارتفاق القانوني، فوضع قيوداً على المالك في استعمال أجزاء أرضه، ففي الحائط المشترك ليس لأحد الجارين أن يفتح فيه مطلات أو مناور؛ لأن هذا يتعارض مع الغرض الذي أعد له الحائط، وهو ستركل من العقارين اللذين يفصل بينهما. ويستعمل الحائط المشترك بحسب الغرض الذي أعد له، وبالقدر الذي يحتمله كالاستناد المألوف عليه ( انظر المادة ٩٧٤، و٩٧٠ وما بعدها ). وهذا كله من الفقه الإسلامي عملاً بقاعدة: ((الضرر يزال))(١) نصت المادة (١٢٠٢) من المجلة على ذلك فيما يأتي: ((رؤية المحل الذي هو مقر النساء كصحن الدار أو المطبخ والبئر يعد ضرراً فاحشاً، فإذا أحدث رجل في داره شباكاً أو بناءً مجدداً وجعل له شباكاً مطلاً على المحل الذي هو مقر نساء جاره الملاصق أو الفاصل بينهما طريق، فإنه يؤمر برفع الضرر، ويصير ذلك الرجل مجبوراً لدفع هذا الضرر بصورة تمنع وقوع النظر إما ببناء حائط أو وضع طبلة ( حاجز خشبي )، لكن لا يجبر على سد الشباك بالكلية، كما إذا عمل ساتراً من الأغصان التي يرى من بينها مقر نساء جاره، فإنه يؤمر بسد محلات النظر، ولا يجبر على هدمه، وبناء حائط محله، انظر المادة ٢٢ وهي ((الضرورات تقدر بقدرها)). (١) كتابنا نظرية الضمان: ص٢٠٥. - ٣٢٦ _ رابعاً - عقد الهبة : استمد التقنين المدني في المواد ٤٥٤ -٤٧٢ الأحكام الموضوعية لعقد الهبة من الفقه الإسلامي، وعلى التخصيص من كتاب الأحوال الشخصية لقدري باشا حيث قننت هذه الأحكام. ولكن التقنين أدخل تعديلاً جوهرياً على أحكام الفقه الإسلامي فيا يتعلق بالرجوع في الهبة إذ قيد هذا الحق بقيام عذر مقبول ( المادة ٤٦٨)، وضرب أمثلة على العذر المقبول من التقنينات الأجنبية ( المادة ٤٦٩). وذلك مع نقل أحكام موانع الرجوع في الهبة عن الفقه الحنفي(١) (المادة ٤٧٠) وبذلك أكسب عقد الهبة صلابة وقوة في الإلزام، على النحو الذي يقرره جمهور الفقهاء ( المالكية والشافعية والحنابلة )، الذين يعدون عقد الهبة عقداً لازماً لا يجوز الرجوع فيه إلا في هبة الوالد لولده، بعكس الحنفية الذين يعتبرون الهبة عقداً غير لازم، يجوز فسخه والرجوع عنه(٢). شكلية الهبة : في الناحية الشكلية اشترط القانون لصحة الهبة كونها بسند رسمي ، نصت المادة ( ٤٥٦ ) على ما يأتي : ((أ - تكون الهبة بسند رسمي، وإلا وقعت باطلة مالم تتم تحت ستار عقد آخر. ٢ - ومع ذلك يجوز في المنقول أن تتم الهبة بالقبض، دون حاجة إلى سند رسمي)). والسبب في اشتراط الرسمية هو تنبيه الواهب إلى خطورة تصرفه، وتوفير أسباب الحرية له في عقد ینزل به عن ماله دون مقابل . كذلك اشترطت المادة ( ٤٥٨) الرسمية في الوعد بالهبة فقررت: ((الوعد بالهبة لا ينعقد إلا إذا كان بسند رسمي». (١) دروس في العقود المدنية لأستاذنا الدكتور أكثم الخولي: ص٩. (٢) سيأتي تفصيل القول في حكم الهبة. - ٣٢٧ _ لكن بالرغم من أن رسمية الهبة تتعلق بالنظام العام، ويكون جزاؤها البطلان، فقد اعتبر القانون التنفيذ الاختياري بديلاً عاماً عن الرسمية. نصت المادة ( ٤٥٧) على أنه: ((إذا قام الواهب أو ورثته مختارين بتنفيذ هبة باطلة لعيب في الشكل، فلا يجوزلهم أن يستردوا ماسلموه )) ويتضح من هذا النص أن التنفيذ الاختياري للهبة من جانب الواهب أو ورثته يحقق نفس النتيجة التي تحققها الرسمية. وبهذا أوجد القانون نوعاً جديداً ذا صبغة عامة من الشكلية هو التنفيذ الاختياري، وهو أكثر حماية للواهب من الرسمية. والتنفيذ الاختياري يشمل هبة العقار وهبة المنقول، غير أن المشرع القانوني قد نص على أهم تطبيقاته وأكثرها شيوعاً في الحياة العملية، وهو هبة المنقول المادي التي تتم بالقبض أو الهبة اليدوية. كذلك أجاز القانون ( في المادة ٤٥٦ ) استثناء من اشتراط الرسمية أن تتم الهبة تحت ستار عقد من عقود المعاوضة على سبيل الصورية، وبذلك تصح الهبة المستترة دون حاجة لسند رسمي . وأما موقف الفقهاء المسلمين من الجانب الشكلي للهبة ففيه اتجاهان . الاتجاه الأول(١) - هو مذهب المالكية، والحنابلة في غير المكيل والموزون: وهو يرى الاكتفاء بمبدأ الرضائية في الهبات، فتصبح الهبة صحيحة ناقلة للملكية بمجرد قبول الموهوب له. أما القبض ( أو الحيازة ) فهو شرط عند المالكية لتمام ولزوم الهبة، فإن لم يحصل القبض لم تلزم الهبة، وإن كانت صحيحة . والاتجاه الثاني - هو مذهب الحنفية والشافعية، والإمام أحمد في هبة المكيل والموزون : وهو يهتم بشكل الهبة ولا يرتب على مجرد التراضي أثراً شرعياً، فالهبة وإن كانت تنعقد بالإيجاب والقبول، فإنها لا تلزم الواهب ولا تنقل الملكية إلا بالقبض. وبذلك يعتبر التنفيذ الاختياري من جانب الواهب هو روح الهبة في هذا الاتجاه، (١) سيأتي بحث الموضوع في عقد الهبة. - ٣٢٨ - أما مجرد تلاقي إرادة الطرفين فلا ينشىء الهبة بمعناها الصحيح، بل مجرد وعد بالهبة، لا يلزم الواهب. وبتنفيذ هذا الوعد اختياراً من جانب الواهب تقوم الهبة وتنتج آثارها وأهمها انتقال الملکیة إلى الموهوب له . والدافع إلى هذا الاتجاه هو الحرص على احترام الطابع التبرعي للهبة الذي يجب أن يميزها عن سائر التمليكات . وأما الأحكام الموضوعية للهبة التي تضمنها القانون المدني والتي استمدها من الفقه الإسلامي فهي ما يأتي: ١ - تعريف الهبة : الهبة عقد تصرف مقتضاه الواهب في مال له دون عوض (م٤٥٤) وعرف الفقهاء الهبة بقولهم : عقد يفيد التمليك بلا عوض حال الحياة تطوعاً . لكن نصت الفقرة ٢ من هذه المادة على أنه يجوز للواهب دون أن يتجرد عن نية التبرع أن يفرض على الموهوب له القيام بالتزام معين ، كإلزام الموهوب له أن يعوله حتی موته، أو بأن يدفع له إيراداً مرتباً مدى الحياة . وقد نصت المادة (٨٥٥) من المجلة على أنه ((تصح الهبة بشرط عوض ... )) لكن الإمام الشافعي يرى أن اشتراط العوض صراحة يبطل العقد، لأنه شرط مخالف لمقتضاه . ٢ - ركن الهبة: نصت المادة (٤٥٥) على أن الهبة تتم بالإيجاب والقبول. وعلى أنه ينوب ولي القاصر عنه بقبول الهبة وبقبض الشيء الموهوب إذا كان الواهب هو ولي الموهوب أو وصيه . وهذا نفس المقرر في الفقه، نصت المادة ( ٨٣٧) من المجلة على أنه ((تنعقد الهبة بالإيجاب والقبول وتتم بالقبض ». وقد قرر الفقهاء أن الولي ينوب مناب القاصر في - ٣٢٩ - القبض، فلو وهب أحد الأولياء للصغير شيئاً، والمال في أيديهم صحت الهبة، ويصيرون قابضين للصغير(١). ٣ - الشروط الموضوعية للهبة : لم يورد القانون المدني شروطاً خاصة بالهبة من حيث تلاقي الإيجاب والقبول، فيجب تطبيق القواعد العامة، فيشترط الرضا لصحة العقد وتطبق القواعد العامة في أحكام عيوب الرضا، وتتميز الهبة بأن الغلط في الشخص يجعل الهبة قابلة للإبطال. كذلك يشترط في الواهب أن يكون كامل الأهلية؛ لأن الهبة من التصرفات الضارة بالواهب ضرراً محضاً. أما الموهوب له فيكفي فيه أن يكون مميزاً، لأن الهبة من التصرفات النافعة للموهوب له نفعاً محضاً . ويستطيع الولي أو الوصي أن يهبا للصغير وينوبان عنه في قبول الهبة وقبض الشيء الموهوب كمابينا ( المادة ٤٥٥ / ٢). ولا يستطيع الولي أن يتبرع بمال القاصر إلا بإذن القاضي بعد تحقق المسوغ، كما نصت المادة ( ١٧٢ / ٢) من قانون الأحوال الشخصية السوري، كذلك يعتبر تبرع الوصي في مال القاصر باطلاً ( المادة ١٨٠ من قانون الأحوال الشخصية السوري ) ويجوز للمتبرع استبعاد الولاية على مال التبرع، فقد نص القانون السوري المذكور (في المادة ١٧١) على أنه ((إذا اشترط المتبرع بمال للقاصر عدم تصرف وليه به تعين المحكمة وصياً خاصاً على هذا المال )). ويشترط في الموهوب أن يكون مملوكاً للواهب وموجوداً ومعيناً ومشروعاً، وعلى ذلك يكون حكم هبة ملك الغير كحكم بيع ملك الغير: وهو البطلان النسبي ( القابلية للإبطال ) لمصلحة الموهوب له، وعدم النفاذ في حق المالك الحقيقي ( المواد ٤٥٩، ٤٣٤، ٤٣٥). سيأتي تفصيل الكلام في ذلك في بحث عقد الهبة . (١) - ٣٣٠ - وقد نصت المادة (٤٦٠) على أنه ((تقع هبة الأموال المستقبلة باطلة)) وذلك استثناء من القواعد العامة في القانون التي تجيز أن يكون محل الالتزام شيئاً مستقبلاً. وهذا الحكم المستثنى مأخوذ من الشريعة الإسلامية التي تشترط وجود محل العقد وقت انعقاده في كل العقود . ويلاحظ أن هذه الشروط المطلوبة لانعقاد الهبة قانوناً مستقاة من أحكام الفقه الإسلامي . ففي هذا الفقه يشترط اتحاد مجلس الإيجاب والقبول في كل عقود التمليكات، وتوفر الرضا والاختيار وهذا مانصت عليه المادة ( ٨٦٠ ) من المجلة، وأن يكون للواهب أهلية التبرع أو كال الأهلية ؛ لأن الهبة تبرع، وهذا مانصت عليه المادة )) ( ٨٥٩) من المجلة، وألا تصدر الهبة منه في مرض موته، وإلا أخذت حكم الوصية فلا تنفذ إلا في حدود ثلث التركة ، وألا يكون مديناً بديون مستغرقة ، ولولم يحجر عليه، وإلا توقفت على إجازة الدائنين. وهذا مانصت عليه المواد (٨٧٩ - ٨٨٠) من المجلة. ويشترط في الموهوب له أن يكون حياً، فلا تجوز الهبة للجنين ولا للمعدوم، وأجازها المالكية، ويحسن الأخذ قانوناً بمبدأ إجازة الهبة للجنين . كما يشترط أن يكون محل الهبة موجوداً وقت العقد، وهو شرط عام في كل عقود التمليكات في الحال ، صوناً للعقد عن الإلغاء عند فوات المحل . وقد نصت المادة (٨٥٦ ) من المجلة على ذلك. ويجب أن يكون الشيء مملوكاً للواهب، فإن كان الموهوب ليس مالاً للواهب، كانت هبة الفضولي ، وهي موقوفة على إجازة المالك . وقد نصت المادة ( ٨٥٧ ) من المجلة على ذلك . ويلزم أن يكون الموهوب معلوماً ومعيناً، وهذا مانصت عليه المادة ( ٨٥٨ ) من المجلة . - ٣٣١ - أما هبة الحصة الشائعة فيما يقبل القسمة كالدار والبيت الكبير، فأجازها جمهور الفقهاء، كبيع المشاع. ولم يجزها الحنفية إلا بقسمتها وقبضها مفرزة عن غيرها (١). ٤ - الرجوع في الهبة : نصت المواد ( ٤٦٨ - ٤٧٢) على مبدأ جواز الرجوع في الهبة، وعلى الحالات التي يجوز فيها الرجوع، بشرط وجود عذر مقبول للرجوع. وهذه الأحكام ما عدا اشتراط وجود العذر مستمدة من الفقه الحنفي الذي يعتبر الرجوع مكروهاً لأنه من باب الدناءة، وللموهوب له أن يمتنع عن الرد، ولا يصح الرجوع إلا بالتراضي أو بقضاء القاضي؛ لأن الرجوع فسخ العقد. ولا يجوز الرجوع عند وجود أحد موانع الرجوع السبعة وهي ( العوض، أو تقديم بدل عن الهبة، والزيادة المتصلة كالبناء والغرس، وتصرف الموهوب له في الموهوب، وموت أحد العاقدين ، وهلاك الموهوب في يد الموهوب له أو استهلاكه، وكون الهبة من أجل الثواب من الله تعالى كالصدقة، أو من أجل صلة الرحم، أو صلة الزوجية ) وهذه الحالات نص عليها القانون في المادة ( ٤٧٠)، ونصت عليها المجلة في المواد (٨٦٦ - ٨٧٤). خامساً - تصرف المريض مرض الموت : استقى التقنين المدني من الفقه الإسلامي أحكام بيع المريض مرض الموت(٣)، فاعتبر بيعه في حكم الوصية، كما اعتبر البيع لأحد الورثة بالمحاباة خاضعاً لأحكام الوصية. فلا يجوز بيع المريض مرض الموت محاباة إلا إذا أجازه الورثة إذا كان مقدار المحاباة يجاوز ثلث التركة، وإذا كان مديناً بدين مستغرق كان بيعه المشتمل على الغبن الفاحش موقوفاً على إجازة الدائنين. فإن لم يكن مديناً، وكان البيع بالمحاباة لغير الوارث أي بأقل من ثمن المثل نفذ بيعه من ثلث التركة. وإن لم يشتمل البيع على المحاباة بأن كان بثمن المثل صح البيع ونفذ . (١) المراجع تأتي في بحث الهبة. . (٢) الوسيط السنهوري : ص٤٦ . - ٣٣٢ - أما البيع لوارث ولو بثمن المثل أي بدون غبن فهو موقوف عند أبي حنيفة وفي المجلة على إجازة الورثة لتعلق حقهم بعين التركة . لكن هل للمريض مرض الموت التصرف لوراث في حدود ثلث التركة ؟ يلاحظ أن المادة ( ٤٤٥) من القانون المدني السوري المتعلقة ببيع المريض مرض الموت منقولة عن القانون المدني المصري الذي يجيز بدوره الوصية للوارث ولغيره في حدود الثلث (في المادة ٣٧ من قانون الوصية المصري ) وتنفذ من غير إجازة الورثة خلافاً لما يقرره فقهاء المذاهب الأربعة وجمهور فقهاء المسلمين ، ولكن عملاً برأي بعض أئمة الشيعة الزيدية ، وبعض أئمة الشيعة الإمامية ( الجعفرية)، والإسماعيلية . وتنص هذه المادة ( ٤٤٥ ) التي تعتبر المحاباة بحكم الوصية على ما يلي: ((١ - إذا باع المريض مرض الموت لوارث أو لغير وارث بثمن يقل عن قيمة المبيع وقت الموت فإن البيع يسري في حق الورثة، إذا كانت زيادة قيمة المبيع على الثمن لا تتجاوز ثلث التركة داخلاً فيها المبيع ذاته . ٢ - إذا كانت هذه الزيادة تجاوز ثلث التركة، فإن البيع فيما يجاوز الثلث لا يسري في حق الورثة إلا إذا أقروه، أو رد المشتري للتركة مابقي بتكملة الثلثين. ٣ - ويسري على بيع المريض مرض الموت أحكام المادة (٨٧٧ ) وبناء على هذه المادة إذا كان البيع بالمحاباة خاضعاً لأحكام الوصية فإنه ينفذ من المريض مرض الموت إذا كانت زيادة قيمة المبيع على الثمن في حدود ثلث التركة)». والدليل على أن تصرف المريض مرض الموت تطبق عليه أحكام الوصية هو مانصت عليه المادة ( ٨٧٧ ) التالي نصها : - ٣٣٣ - ١ - كل عمل قانوني يصدر من شخص في مرض الموت، ويكون مقصوداً به التبرع، يعتبر تصرفاً مضافاً إلى ما بعد الموت ، وتسري عليه أحكام الوصية أياً كانت التسمية التي تعطى لهذا التصرف. ٢ - وعلى ورثة من تصرف أن يثبتوا أن العمل القانوني قد صدر من مورثهم وهو في مرض الموت، ولهم إثبات ذلك بجميع الطرق، ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً . ٣ - وإذا أثبت الورثة أن التصرف صدر من مورثهم في مرض الموت ، اعتبر التصرف صادراً علی سبیل التبرع، مالم یثبت من صدر له التصرف عكس ذلك. كل هذا مالم توجد أحكام خاصة تخالفه. وبما أن الوصية خاضعة لأحكام الشريعة الإسلامية بنص المادة ( ٨٧٦ ) من القانون السوري، فإن أحكام الشريعة المعمول بها في سورية خلافاً لمصر هي المقررة في قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر عام ١٩٥٣ والتي بموجبها لا تجوز الوصية لوارث. نصت المادة ( ٢٣٨ ) من هذا القانون على ما يلي: ((١ - تنفذ الوصية لغير وارث بثلث ما يبقى من التركة بعد وفاء الدين من غير إجازة الورثة . ٢ - لا تنفذ للوارث ولا بما زاد على الثلث إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي، وكان المجيز كامل الأهلية . ٣ - لا تنفذ فيما يستغرقه دين إلا بإجازة الدائن الكامل الأهلية أو بسقوط الدين . ٤ - تنفذ وصية من لا دين عليه ولا وارث له بكل ماله من غير توقف على إجازة أحد)). - ٣٣٤ _ وبهذا يتبين أن النص الوارد في المادة (٤٤٥) مدني سوري الذي يجيز للمريض البيع بالمحاباة للوارث في حدود ثلث التركة معطل المفعول، ويكون البيع موقوفاً على إجازة الورثة عملاً بمقتضى قانون الأحوال الشخصية السوري الذي لا يجيز الوصية للوارث إلا بإجازة الورثة . هذا وقد نصت المجلة على أحكام بيع المريض في المواد (٣٩٣ - ٣٩٥) كما نصت المادة (١٥٩٥) على تعريف مرض الموت بقولها : («مرض الموت : هو الذي يخاف فيه الموت في الأكثر الذي يعجز المريض عن رؤية مصالحه الخارجة عن داره إن كان من الذكور، ويعجزه عن رؤية المصالح الداخلة في داره إن كان من الإناث، ويموت على ذلك الحال قبل مرورسنة، صاحب فراش كان أولم يكن . وإن امتد مرضه دائماً على حال، ومضى عليه سنة يكون في حكم الصحيح ، وتکون تصرفاته کتصرفات الصحیح ، ما لم يشتد مرضه ویتغیر حاله، ولکن لو اشتد مرضه وتغير حاله ومات يعد حاله من وقت التغير إلى الوفاة مرض موت)). سادساً - أحكام متفرقة (الإبراء، مدة التقادم): استمد القانون المدني طائفة من الأحكام في مناسبات مختلفة من الفقه الإسلامي، كانقضاء الالتزام دون الوفاء به، إما بالإبراء من الدين بإرادة الدائن وحده، وإما بالتقادم المسقط لمضي مدة خمس عشرة سنة في الحقوق الخاصة. هذا فضلاً عن أن كثيراً من الأحكام المقررة في القانون المدني يمكن تخريجها أو تسويغها بمبدأ من مبادئ الشريعة كالاستصلاح والاستحسان والعرف، أو حملها على مجموعة آراء فقهية من مذاهب مختلفة، كما أنه قد يكون لها شبه أو تطابق تام بينها وبين رأي فقهي معين. لكن مع كل ما سبق يظل القانون المدني السوري وأصله الفقه الإسلامي جـ ٤ (٢٢) - ٣٣٥ - المصري غربي الطراز والتصور والأحكام، فلا يعفى المشرع من عودة حميدة لرياض الفقه الإسلامي الصالح لكل زمان ومكان . الإبراء : إسقاط الدائن ماله في ذمة المدين من دين كثمن مبيع أو دين قرض، ويترتب عليه انتهاء التزام الدين كله أو بعضه حسب الإبراء، وتفرغ منه ذمته. وهو عند الحنفية لا يحتاج إلى قبول وإنما يصح بإرادة الدائن وحده، وإنما يرتد بالرد ؛ لأنه من قبيل الإسقاط كالطلاق، والإسقاط لا يتوقف على القبول . نصت المادة (١٥٦٨) من المجلة على أنه: ((لا يتوقف الإبراء على القبول. ولكن يكون بالرد مردوداً ، لأنه إذا أبرأ أحد آخر فلا يشترط قبوله، ولكن إذا رد الإبراء في ذلك المجلس بقوله : لا أقبل، يكون ذلك الإبراء مردوداً يعني لا يبقى له حكم، لكن لورده بعد قبول الإبراء لا يكون الإبراء مردوداً. وأيضاً إذا أبرأ المحال له المحال عليه أو صاحب الطلب الكفيل، ورد ذلك المحال عليه أو الكفيل لا يكون الإبراء مردوداً)). وقد أخذ القانون المدني بمبدأ صحة الإبراء بإرادة الدائن وحده وهو المقرر في الفقه الحنفي. نصت المادة (٣٦٩) منه على ما يأتي: ((ينقضي الالتزام إذا أبرأ الدائن مدينه مختاراً، ويتم الإبراء متى وصل إلى علم المدين، ويرتد برده)). التقادم: لا يعتبر التقادم (أو مضي المدة ومرور الزمن أو وضع اليد) في الشريعة الإسلامية سبباً صحيحاً من أسباب كسب الحقوق أو إسقاطها ديانة إذ ((لا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعي)» ولأن الحق أبدي لا يزول إلا بمسوغ شرعي مقبول. وإنما التقادم مانع فقط للقاضي من سماع الدعوى بالحق القديم الذي أهمل صاحبه الادعاء به زمناً طويلاً معيناً بلا عذر. وذلك للشك في أصل الحق وفي إثباته بعد هذه المدة الطويلة، وحماية لمبدأ الاستقرار في الأوضاع الحقوقية، وتجنباً لإثارة المشكلات في الإثبات ونحوه؛ لأن القضاء في الإسلام مظهر للحق لا مثبت له، والحقوق الثابتة لا يؤثر فيها ديانة مرور الزمان وتقادم العهد. إلا أن القضاء مع هذا يقبل التخصيص بالزمان والمكان والخصومة، ويقبل التعليق - ٣٣٦ - بالشرط . وبناء عليه يصح للدولة منع القاضي من سماع دعوى على شخص مضى على وضع يده خمس عشرة سنة مثلاً، فيعتبر قضاؤه بعدئذ غير نافذ(١). ويمكن تسويغ ذلك بنظرية المصالح المرسلة التي تجيز للحاكم اتخاذ التدابير القضائية المناسبة لإقرار الحقوق والاهتمام بها، وإبعاد القضاء عن المشكلات المعقدة في إثبات حقوق قديمة. وهذا المعنى هو أساس الأخذ بفكرة التقادم قانوناً، فإن القانونيين قالوا : إن التقادم يقوم على أساس اعتبارات ذات طابع عام أي متصلة بالصالح العام للمجتمع كله، لا على أساس اعتبارات فردية، فالضرورات الاجتماعية هي التي أدت إلى إقرار هذا النظام. وقد أخذ القانون من الفقه الإسلامي تقدير مدة التقادم المسقط ، نصت المادة (٣٧٢) مدني سوري على أنه ((يتقادم الالتزام بانقضاء خمس عشرة سنة فيما عدا الحالات التي ورد عنها نص خاص في القانون، وفيما عدا الاستثناءات التالية)). كذلك في التقادم المكسب نصت المادة (٩١٩) على ما يلي : ((يكتسب حق تسجيل التصرف في الأراضي الأميرية غير الخاضعة لإدارة أملاك الدولة ، بمرور عشر سنوات من تاريخ الحيازة بسند أو بغير سند، بشرط أن يكون الحائز قائماً بزراعة الأرض)». وتقدير المدة في الحالتين مأخوذ من الفقه الإسلامي ، فقد قرر الفقهاء أن التقادم يسري على الحقوق الخاصة، ومدته العادية خمس عشرة سنة، فإذا مرت مروراً معتبراً دون ادعاء بالمال من قبل صاحبه لا تسمع دعواه بعدها(٢). وأما الأموال العامة فلا تسمع الدعوى فيها بعد مضي ٣٣ سنة في الوقف والإرث، وبعد ٣٦ سنة في أموال بيت المال، وبعد عشر سنوات في الأراضي الأميرية . (١) (٢) راجع كتابنا نظرية الضمان: ص ١٠١ . المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه للأستاذ الزرقاء: ف ١٥٦ ص ٢٣٠. - ٣٣٧ - وأما المجلة فأخذت في المادة (١٦٦٢) بمدة ١٥ سنة في جميع الحقوق غير الوقف فهي ٣٦ سنة، والأراضي الأميرية فهي عشر سنين. وتبتدئ المدة من وقت ظهور واضع اليد على الشيء بمظهر المالك لها، وعدم المانع الشرعي من إقامة دعواه كالصغر والجنون والعته. وهذا ما نصت عليه المادة (١٦٦٣) من المجلة. كما نصت المادة (٣٧٩) على حالات وقف التقادم بقولها: ((١ - لا يسري التقادم كلما وجد مانع يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه، ولو كان المانع أدبياً، وكذلك لا يسري التقادم فيما بين الأصيل والنائب. ٢ - ولا يسري التقادم الذي تزيد مدته على خمس سنوات في حق من لا تتوافر فيه الأهلية أو في حق الغائب، أو في حق المحكوم عليه بعقوبة جنائية إذا لم يكن له نائب مثله قانوناً)». الله تعالى - ٣٣٨ - خاتمة في آخر هذا البحث أؤكد ضرورة العودة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية واستمداد القوانين منها، مادمنا نعمنا ولله الحمد بالاستقلال، وقد بينا هذا النموذج الذي استمده القانون المدني من الفقه ليكون عنواناً مشرقاً وبرهاناً ساطعاً على أن في شريعتنا الغراء كنوزاً خالدة لا تحتاج إلا إلى صياغة جديدة بروح العصر ومفاهیه على منوال التقنينات الجديدة . قال الدكتور السنهوري : على أننا لا نريد بتقليد التقنينات الحديثة أن نذهب في ذلك إلى مدى أبعد مما ينبغي. وإذا كنا نقول بالاستفادة دون تحفظ من التقنينات الغربية من ناحية الشكل والصياغة، ففي المادة والموضوع نتحفظ كثيراً في هذا القول . ثم علق على قرار وزارة العدل العراقية باتخاذ الشريعة الإسلامية أساساً للتقنين قبل صدوره، فقال: ولما كان القرار خطيراً، وهو يؤذن بعهد جديد للفقه الإسلامي، يجاري فيه الزمن ، ويساير التطور، كان من الواجب أن نقف عنده حتى نمعن في مراميه . فأول أثر لهذا القرار أن يرد لهذه الشريعة السمحاء مكانتها بعد أن كادت تضيع، فقد رأينا أن البلاد الشرقية التي راجعت تقنيناتها المدنية عدلت عن الشريعة الإسلامية إلى القوانين الغربية، وبقيت القاعدة مطردة من النصف الثاني للقرن التاسع عشر إلى الوقت الحاضر، فمصر تلتها تونس ومراكش وتركيا ولبنان ، وكل هذه بلاد كانت تطبق الشريعة الإسلامية . ثم أعادت النظر في تقنيناتها ، فقلبتها رأساً على عقب ، إما - ٣٣٩ - باختيارها أو تحت تأثير نفوذ سياسي، وهجرت الشريعة الإسلامية إلى القوانين الغربية . أما العراق فهو أول بلد عربي اعتز بتراث أجداده، وحرص عليه من الضياع. فالعراق يرفع صوته عالياً بأن الشريعة الإسلامية لا تزال نظاماً قانونياً حياً صالحاً للتطبيق، وليس لسائر الأقطار العربية إلا أن تقتفي أثر العراق . وهناك فرق جوهري بين أن نجعل مصدر الأحكام الصالحة التقنينات الغربية، : وبين أن نجعل مصدرها الشريعة الإسلامية ، ففي الحالة الأولى نكون قد قطعنا كل صلة بالقديم، وبدأنا حياة قانونية جديدة، نكون فيها عالة على فقه الغرب وجهوده، نأخذ منه ولا نعطيه. أما في الحالة الثانية فنكون قد احتفظنا بصلة الماضي، وجعلنا من هذه الصلة أساساً يقوم عليه المستقبل، واحتفظنا باستقلالنا القانوني، فلا نكون عالة على فقه الغرب ، وفي الوقت ذاته نكون قد استفدنا من هذا الفقه إلى أبعد مدى، إذ تصبح الأحكام التي اخترناها وخرجناها على أحكام الشريعة الإسلامية متفقة مع أحدث الأحكام القانونية الغربية وأرقاها(١). تعالى (١) راجع مقال الدكتور السنهوري في مجلة نقابة المحامين بدمشق، العددان السادس والسابع، من السنة الأولى: ص ٥٠٥ - ٥٠٨ . - ٣٤٠ -