النص المفهرس

صفحات 301-320

يتحمل الضرر الخاص لمنع الضرر العام ونحو ذلك من كل ما يجعل للحق صلة
اجتماعية في الإسلام.
وقد ذكرت المادة (١١٩٩) من المجلة مبدأ نظرية التعسف: ((لا يمنع أحد من
التصرف في ملكه أبداً إلا إذا كان ضرره لغيره فاحشاً، كما يأتي تفصيله في الفصل
الثاني)» وفي هذا الفصل وضع معيار الضرر الفاحش (في المادة ١١٩٩) وفي المادة
(١٢٠٠) ذكرت أمثلة عديدة عن الأضرار.
٤ - نظرية الظروف الطارئة :
لقد نشأت هذه النظرية في نطاق القضاء الإداري، ثم تسللت إلى ميدان
الحقوق الخاصة . وهي في أصلها تقوم على فكرة إسعاف المتعاقد للمنكوب الذي اختل
توازن عقده اقتصادياً مما قد يجره إلى الهلاك، فهي تهدف إلى تحقيق العدالة في العقود
ورفع الغبن منها (١). والمصدر الأساسي لهذه النظرية هو مبدأ العدالة الذي يقضي
بإزالة الإرهاق عن المدين ، بسبب ظرف طارئ، لم يكن يتوقعه عند إبرام العقد (٢).
وقد أخذ بهذه النظرية القانون المدني السوري، فنص في المادة ١٤٨ / ١ على
ما يلي: (( العقد شريعة المتعاقدين ، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين ،
أو للأسباب التي يقررها القانون )).
وأردفتها الفقرة الثانية من هذه المادة، فقررت ((ومع ذلك إذا طرأت حوادث
استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام
التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلاً، صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة،
جاز للقاضي تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين، أن يرد الالتزام
راجع كتابنا نظرية الضرورة الشرعية: ص ٣١٠ وما بعدها .
(١)
(٢)
نظرية الظروف الطارئة للدكتور الترمانيني : ص١٠٦.
- ٣٠١ -

المرهق إلى الحد المعقول، ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك)).
فالنص الثاني يدل على أنه، وإن كان الأصل العام في القواعد المدنية التقليدية
أن العقد شريعة المتعاقدين (أو أن المتعاقد عند عقده)، وأنه ليس للقاضي أن يعدل
في العقد، فإن وجود الظرف الطارئ يجيز للقاضي إجراء هذا التعديل.
وبذلك قيد القانون من سلطان الإرادة عند تنفيذ العقد، فجعل نظرية
الحوادث الطارئة وقت هذا التنفيذ تقابل نظريتي الاستغلال والإذعان وقت
تكوين العقد .
وقد أخذ القانون المدني بهذه النظرية استناداً إلى نظرية الضرورة في الشريعة
الإسلامية، وهي - كما قال الدكتور السنهوري(١) - نظرية فسيحة المدى، خصبة
النتائج، تتسع لنظرية الظروف الطارئة ؛ لأن الضرورة توجب إزالة الضرر، ولها
تطبيقات كثيرة منها نظرية العذر في فسخ الإيجار، وإنقاص الثمن بسبب الجوائح في
بيع الثمار.
أما فسخ الإجارة بالأعذار، فقد أجازه فقهاء الحنفية، فقالوا: تفسخ الإجارة
بالأعذار؛ لأن الحاجة تدعو إلى الفسخ عند العذر؛ لأنه لو لزم العقد عند تحقق
العذر للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد. والعذر: هو كل ما يكون أمراً
عارضاً ، يتضرر به العاقد في نفسه أو ماله مع بقاء العقد، ولا يندفع بدون الفسخ .
والأعذار ثلاثة أنواع(٢) :
أ - عذر من جانب المستأجر: كإفلاسه أو انتقاله من حرفة إلى أخرى؛ لأن
الوسيط: ص٤٧، ٨١، نظرية العقد: ٩٦٩/١، مصادر الحق: ٩٦/٦، مجلة القانون والاقتصاد عام ١٩٣٦، السنة
(١)
السادسة، للسنهوري.
المبسوط السرخسي: ٢/١٦، مختصر الطحاوي: ص ١٣٠، البدائع: ١٩٧/٤، الفتاوى الهندية: ١٩٨/٤، ٤٥٨ ،
(٢)
٤٦٣، تبيين الحقائق : ١٤٥/٥، رد المحتار: ٥٥/٥.
- ٣٠٢ -

i
المفلس أو المنتقل من عمل لا ينتفع به إلا بضرر، فلا يجبر على البقاء في الحرفة الأولى
مثلاً .
ب - عذر من جانب المؤجر: كأن يلحقه دين فادح لا يجد طريقاً لوفائه إلا
ببيع الشيء المأجور وأدائه من ثمنه، بشرط أن يثبت الدين بالبينة أو الإقرار.
ج - عذر راجع للعين المؤجرة أو الشيء المأجور: كأن يستأجر شخص حماماً في
قرية ليستغله مدة معلومة ، ثم يهاجر أهل القرية، فلا يجب عليه الأجر للمؤجر.
ومثل استئجار مرضع لإرضاع طفل، ثم يأبى الصبي لبنها، أو إمساك الثدي، أو
تمرض هي، أو يريد أهل الصبي السفر، فامتنعت، كان هذا عذراً في فسخ الإجارة .
وأما إنقاص الثمن بسبب الجوائح(١) في بيع الثمار: فقد قرره فقهاء المالكية
والحنابلة(٣)؛ لأن ((النبي ◌َ ◌ّ وضع الجوائح)) أو (( أمر بوضع الجوائح)) وفي رواية:
((إن بعت من أخيك تمراً فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ
مال أخيك بغير حق ))(٣).
ومجمل القول : إن فسخ الإجارة بالأعذار، وإنقاص الثمن بالجوائح في بيع الثمار
ونحوهما من الحوادث الطارئة عند فقهاء الإسلام مثل كساد الأوراق النقدية، أو
انقطاعها المستوجب لبطلان البيع ، تعتبر أمثلة حية لنظرية الظروف الطارئة في
الفقه الإسلامي ، تطبيقاً لمبدأ العدالة، ومراعاة لما يجب من توفر التعادل والتوازن
في الالتزامات وتنفيذها(٤).
الجوائح: هي الآفات التي تصيب الثمار، فتهلكها، مثل البرد والقحط والعطش والعفن وأمراض النباتات
(١)
والزرع ونحوها من الآفات السماوية .
بداية المجتهد: ١٨٤/٢، القوانين الفقهية: ص ٢٦٢، المنتقى على الموطأ: ٢٣١/٤، الشرح الكبير للدردير:
(٢)
١٨٢/٣، المغني: ١٠٤/٤، أعلام الموقعين: ٣٣٧/٢ وما بعدها .
الحديث الأول رواه أحمد والنسائي وأبو داود عن جابر، والأمر بوضع الجوائح رواية مسلم، والرواية الثالثة عند مسلم
(٣)
وأبي داود والنسائي وابن ماجه ( نيل الأوطار: ١٧٨/٥، موطأ مالك: ١٢٦/٣، سنن أبي داود: ٢٤٨/٢).
كتابنا نظرية الضرورة الشرعية: ص٣٢٤ .
(٤)
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٢٠)
- ٣٠٣ -

٥ - حوالة الدين :
أخذ القانون المدني ( في المواد ٣١٥ - ٣٢١ ) بمبدأ حوالة الدين جرياً على سنن
التقنينات الحديثة والفقه الإسلامي الذي نظم حوالة الدين تنظيماً محكماً دقيقاً(١).
وتتم حوالة الدين قانوناً إما باتفاق بين المدين وشخص آخر يتحمل عنه
الدين، دون حاجة إلى قبول الدائن ، وإما باتفاق بين الدائن وشخص آخر يتحمل
قبله الدين دون حاجة إلى قبول المدين. فإذا تمت الحوالة، جاز للمدين الجديد أن
يتمسك قبل الدائن بالدفوع التي كان للمدين الأصلي أن يتمسك بها، ويضمن المدين
الأصلي للدائن أن يكون المدين الجديد موسراً وقت إقرار الدائن للحوالة .
ولم يجز التشريع الروماني حوالة الدين وحوالة الحق ، لتأثره بالنظرية
الشخصية في طبيعة الالتزام ، ومقتضاها أن لأحد الطرفين سلطة شخصية على
الآخر، يحق للدائن بموجبها إجبار المدين على إيفاء دينه بالإكراه البدني كالحبس
والمضابقة .
ثم اتجه التشريع الألماني إلى الأخذ بالنظرية المادية التي تعتبر الالتزام علاقة
مادية بحتة ، فلا تجيز الإجبار، وإنما يبحث الدائن عن مال المدين، فإن عثر عليه،
أمكن استيفاء الحق منه بواسطة القضاء .
أما التشريع الإسلامي فقد اعتبر الالتزام في ذاته علاقة مادية إما بمال المكلف كما
في المدين ، وإما بعمله كما في الأجير، ولكن يرافق هذا الالتزام سلطة شخصية تأييداً
لتنفيذه، منعاً من قيام المكلف بإخفاء ماله، أو امتناعه عن عمله. ويجوز للقاضي
الحكم بحبس المدين أو الأجير تعزيراً بناءً على طلب الدائن، ليحمله على الوفاء
بالتزامه . ولا يجوز للدائن أن يمارس شيئاً من هذه الضغوط على المدين بسلطته
(١) الوسيط السنهوري : ص٦١.
- ٣٠٤ _

الشخصية وإنما من طريق القضاء(١).
وقد وقف التقنين المدني المصري والسوري موقف الاعتدال في النظرية
الشخصية والنظرية المادية للالتزام، فلم يغرق في الأخذ بالمذهب المادي، ولكنه من
جهة أخرى سجل ماتم فعلاً من تطور نحو هذا المذهب بحكم تأثر النظريات اللاتينية
بالنظريات الجرمانية (٢). وهذا هو اتجاه الفقه الإسلامي.
وحوالة الدين عند فقهاء الحنفية : هي نقل المطالبة من ذمة المدين إلى ذمة
الملتزم(٣). وعرفها غير فقهاء الحنفية بأنها عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة (٤).
فالحوالة عند الحنفية يترتب عليها براءة مؤقتة من الدين، ويجوز للمحال العودة إلى
مطالبة المحيل بالدين في حال إفلاس المحال عليه في رأي صاحبي أبي حنفية، أو في
حال موت المحال عليه مفلساً، أو عند جحوده أو انكاره الحوالة. وعند غير الحنفية
يبرأ المحيل براءة نهائية بالحوالة ، إلا إذا وجد تغرير كالإحالة على مفلس، فيجوز عند
المالكية الرجوع على المحيل. كما يجوز الرجوع عندهم حال اشتراط يسار المحال عليه .
وتنعقد الحوالة عند الحنفية: بإيجاب وقبول ، إيجاب من المحيل، وقبول من
المحال والمحال عليه، أي أنه لابد من رضا المحيل والمحال عليه. أما رضا المحيل
فمطلوب ؛ لأن ذوي المروءات قد يأنفون بتحمل غيرهم ما عليهم من الدين . وأما رضا
المحال فلابد منه، لأن الدين حقه، وهو في ذمة المحيل، والدين هو الذي ينتقل
بالحوالة، والذمم متفاوتة في حسن القضاء والمطل ، فلابد من رضاه، وإلا لزم الضرر
بالزامه اتباع من لا يوفيه .
وأما رضا المحال عليه فضروري لأنه الذي يلزمه الدين ، ولا لزوم إلا بالتزامه،
المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي للأستاذ الزرقاء: ص ٥٥/ف٢٨ .
(١)
(٢)
الوسيط السنهوري : ص ٨٢.
فتح القدير مع العناية: ٤٤٣/٥، الدر المختار: ٣٠٠/٤، مجمع الضمانات: ص٢٨٢.
(٣)
(٤)
الشرح الكبير للدردير: ٣٢٥/٣، مغني المحتاج: ١٩٣/٢، المغني: ٥٢٨/٤.
- ٣٠٥ -

وكونه مديناً لا يمنع من تغير صفة الالتزام ؛ لأن الناس يتفاوتون في اقتضاء الدين
سهولة ويسراً، أو صعوبة وعسراً .
وقال الحنابلة والظاهرية: يشترط رضا المحيل فقط، وأما المحال والمحال عليه
فيلزمهما قبول الحوالة، عملاً بالأمر الوارد في الحديث النبوي المفيد للوجوب، وهو
قوله عليه الصلاة والسلام: ((مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتْبَع))(١)
وفي رواية: (( ومن أحيل على مليء فليحتل )).
وقال المالكية في المشهور عندهم، والشافعية في الأصح عندهم : يشترط لصحة
الحوالة رضا المحيل والمحال فقط ؛ لأن للمحيل إيفاء الحق من حيث شاء، فلا يلزم
بجهة معينة . وحق المحال في ذمة المحيل، فلا ينتقل إلا برضاه؛ لأن الذمم تتفاوت في
الأداء والقضاء.
ولا يشترط عند هؤلاء رضا المحال عليه، لأنه محل الحق والتصرف، ولأن الحق
للمحيل فله أن يستوفيه بغيره، والأمر هو مجرد تفويض بالقبض فلا يعتبر رضا من
عليه ، كما لو وكل إنسان غيره بقبض دينه(٢).
والخلاصة : أن رضا المحيل مشروط في كل المذاهب، وأما رضا المحال والمحال
عليه ، ففيه اختلاف اجتهادي بين المذاهب .
نوعا الحوالة :
الحوالة نوعان متميزان بحسب صفة المحيل، فإن كان المحيل هو الدائن فهي حوالة
حق، وإن كان المحيل هو المدين فهي حوالة دين .
(١) المطل بالدين: الماطلة به، والمليء: الغني، وأصله الواسع الطويل، والحديث رواه الجماعة عن أبي هريرة .
والرواية الثانية ((فليحتل)) عند أحمد ( نيل الأوطار: ٢٣٦/٥).
(٢) سيأتي تفصيل القول في بحث الحوالة.
- ٣٠٦ -

فحوالة الحق : هي نقل الحق من دائن إلى دائن ، أو حلول دائن محل دائن
بالنسبة للمدين. فإذا تبدل دائن بدائن في حق مالي متعلق بالذمة، لابعين ، كانت
الحوالة حوالة حق . والدائن فيها هو المحيل، إذ هو يحيل غيره ليستوفي حقه .
وحوالة الدين : هي تبدل المدين بالنسبة للدائن أي تبدل مدين بمدين ، والمحيل
فيها هو المدين ، إذ هو إنما يحيل على غيره لوفاء دينه، وهي مشروعة باتفاق العلماء،
عملاً بالحديث النبوي المار ذكره .
وحوالة الحق جائزة أيضاً باتفاق المذاهب الأربعة، وليس فقط عند غير
الحنفية، كما فهم بعض أساتذة القانون والشريعة(١)؛ لأن حوالة الدين عند الحنفية
والشيعة نوعان: مطلقة ومقيدة . وأما غير الحنفية فلم يتصوروا غير الحوالة المقيدة.
أما الحوالة المطلقة: فهي أن يحيل شخص غيره بالدين على فلان، ولا يقيده
بالدين الذي عليه، ويقبل المحال عليه. نصت المادة ( ٦٧٩ ) من المجلة على ذلك
بقولها: (( الحوالة المطلقة : هي التي لم تقيد بأن تعطى من مال المحيل الذي هو عند
المحال عليه )».
وأما الحوالة المقيدة : فهي أن يحيل شخص غيره على آخر، ليستوفي منه دینه،
ويقيده بالدين الذي له عليه. جاء في المادة ( ٦٧٨) من المجلة: ((الحوالة المقيدة :
هي الحوالة التي قيدت بأن تعطى من مال المحيل الذي هو في ذمة المحال عليه، أو في
يده )».
والحوالة المقيدة المشروعة باتفاق الفقهاء تتضمن حوالة حق ، إذ يكون الإنسان
فيها مديناً لشخص ، ودائناً لآخر، فيحيل دائنه على مدينه ليقبض ذلك الدائن
المحال دين المحيل من مدينه المحال عليه ، فهي حوالة حق ودين في وقت واحد .
(١) انظر الوسيط السنهوري: ص٦١، ٦٤.
- ٣٠٧ -

أما الحوالة المطلقة فهي حوالة دين فقط، إذ يحيل بها المدين دائنه على آخر،
فيتبدل فيها المدين ، ويبقى الدائن هو نفسه .
ومن صور حوالة الحق ضمن الحوالة المقيدة: أن يحيل البائع دائنه على المشتري
بالثمن، ويحيل المرتهن على الراهن بالدين، وتحيل الزوجة على زوجها بالمهر. ويحيل
صاحب الحق في ريع الوقف دائنه على ناظر الوقف في حقه من الغلة بعد حصولها في
يد الناظر. ويحيل الغانم حقه من الغنيمة المحرزة على الإمام. ففي كل هذه الأمثلة
حل دائن جديد - وهو المحال - محل الدائن الأصلي، وهو البائع، أو المرتهن ، أو
الزوجة ، أو مستحق غلة الوقف، أو الغانم.
هذا ويرجع في أحكام الحوالة الأخرى من أهلية وتنظيم علاقات أطراف الحوالة
إلى كتب الفقه الإسلامي ، فهي غنية بالمراد .
٦ - لا تركة إلا بعد سداد الدين :
وضع التقنين المدني السوري وأصله المصري نظاماً لتصفية التركة مؤلفاً من ٣٩
مادة (المواد ٨٣٦ - ٨٧٥) مستمداً من أحكام الفقه الإسلامي (١)، حتى يتسلم الورثة
تركة المتوفى خالية من الديون ، ما دامت التركة لا تنتقل إليهم إلا بعد سدادها(٢).
وأصل هذه القاعدة الأول ما تضمنته آيات المواريث في أربعة مواطن في الآيتين
١١ - ١٢ من سورة النساء: ﴿مِنْ بَعْد وَصِيَةٍ يُوصِي بِها أُوْدَيْن﴾ أي أن توزيع الإرث
بين المستحقين على النحو الذي وضعه القرآن الكريم يكون عقب إيفاء الديون
المتعلقة بالتركة، وتنفيذ الوصايا المشروعة .
وقد رتب الفقهاء الحقوق المتعلقة بالتركة على النحو التالي(٣):
الوسيط السنهوري: ص ٦٢، مصادر الحق للسنهوري: ٨٧/٥.
(١)
وقد نص قانون الأحوال الشخصية السوري الجديد على نظام المواريث في المواد ٢٦٠ - ٣٠٨.
(٢)
شرح السراجية: ص ٣ - ٧، نظام المواريث للشيخ عبد العظيم فياض: ص ٣٨ وما بعدها، أحكام المواريث
(٣)
للشيخ عيسوي : ص ١١ وما بعدها .
- ٣٠٨ -

١ - نفقات التکفین والتجهيز للدفن بلا تبذير ولا تقتیر.
٢ - قضاء ديون المدين من جميع مال التركة .
٣ - تنفيذ الوصايا الموصى بها قبل الموت من ثلث التركة .
٤ - توزيع الباقي من المال بين الورثة الذين ثبت إرثهم بالقرآن والسنة وإجماع
الأمة.
أما قانون الأحوال الشخصية السوري، فقد عدل عن هذا الترتيب إلى ما ذهب
إليه الإمام أحمد بن حنبل والظاهرية وجماعة كما نصت المادة (٢٦٢):
١- یؤدی من التر كة بحسب الترتيب الآتي :
أ - ما يكفي لتجهيز الميت ومن تلزمه نفقته من الموت إلى الدفن بالقدر
المشروع .
ب۔ دیون الميت .
جـ - الوصية الواجبة.
د - الوصية الاختيارية .
لله تعا
هـ - المواريث بحسب ترتيبها في هذا القانون.
٢ - إذا لم توجد ورثة قضي من التركة بالترتيب الآتي:
أ-استحقاق من أقر له الميت بنسب على غيره .
ب - ما أوصي به فيما زاد على الحد الذي تنفذ فيه الوصية.
٣ - إذا لم يوجد أحد من هؤلاء آلت التركة، أو ما بقي منها إلى الخزانة العامة.
وبما أن قانون الأحوال الشخصية هو المعمول به في سورية، فتطبق على التركة أحكام
الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بتعيين الورثة، وتقدير أنصبتهم، وبيان وقت انتقال
التركة إلى الورثة . وقد أخذ التقنين المدني فيما نص عليه بالمبادئ الأساسية المعمول بها
في الفقه الإسلامي في مذاهبه المختلفة وذلك في انتقال أموال التركة إلى الورثة، وفي
- ٣٠٩ -

حق الورثة في التصرف في هذه الأموال، وفي حقوق الدائنين المتعلقة بالتركة وكيفية
سداد الديون، فنصت المادة (٨٣٦) من القانون المدني على ذلك: ((أ - تعيين الورثة
وتحديد أنصبائهم في الإرث وانتقال أموال التركة إليهم تسري في شأنها أحكام
الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة في شأن الإرث والانتقال)).
لكن متى يتم انتقال التركة إلى الورثة ؟ هل يكون وقت موت المورث،
أو تبقى التركة على ملك الميت حتى تسدد الدیون ؟
أخذ التقنين المدني بالمبدأ الفقهي الإسلامي الذي يقرر أن أموال التركة تنتقل
إلى الورثة بمجرد موت المورث ، مع تعلق حقوق الدائنين بها ، فتنتقل هذه الأموال
مثقلة بحق عيني هو أقرب إلى أن يكون حق رهن ، ولكنه رهن مصدره القانون(١).
وهذا هو مذهب الشافعية
وللفقهاء آراء ثلاثة في هذا الموضوع أي تحديد وقت انتقال التركة إلى
الورثة أو بيان المراد من ((لا تركة إلا بعد سداد الدين)).
8
الرأي الأول للمالكية : تبقى أموال التركة على ملك الميت بعد موته إلى أن
يسدد الدين، سواء أكان الدين مستغرقاً للتركة، أم لم يكن مستغرقاً لها، عملاً بقوله
تعالى : ﴿ من بعد وصیة یوصي بها أو دین ﴾. وعلیه یکون ماء أعیان الترکة بزيادتها
المتولدة منها ملكاً للميت، كما أن نفقات أعيان التركة من حفظ وصيانة ومصروفات
حمل ونقل وطعام حيوان تكون على التركة .
الرأي الثاني للشافعية، والحنابلة ( في أشهر الروايتين): تنتقل أموال
التركة إلى ملك الورثة فوراً بموت المورث، مع تعلق الدين بها، كما يتعلق الرهن ،
١ سواء أكان الدين مستغرقاً للتركة أو غير مستغرق لها . وعليه يكون نماء أعيان التركة
(١) مصادر الحق السنهوري: ٨٨/٥، ط ثالثة.
- ٣١٠ -

للورثة، وعليهم ما تحتاجه من نفقات، عملاً بالحديث النبوي: ((من ترك مالاً أو
حقاً فلورثته)).
الرأي الثالث للحنفية : يميز بين ما إذا كانت التركة مستغرقة بالدین ، أو
كانت غير مستغرقة (أي محاطة) بالدين. فإن استغرق الدين أموال التركة، تبقى
أموال التركة على ملك الميت، ولا تنتقل إلى ملك الورثة. وأما إن كان الدين غير
مستغرق ، فالرأي الراجح أن أموال التركة تنتقل إلى الورثة بمجرد موت المورث مع
تعلق الدين بهذه الأموال .
فالاحتمال الأول من مذهب الحنفية يوافق مذهب المالكية، والاحتمال الثاني
يوافق مذهبي الشافعية والحنابلة مه
وأما تصرف الورثة في أعيان التركة قبل سداد الدين : فإنه يجوز في القانون
المدني، ولكن التصرف خاضع لحقوق الدائنين، فلهم تتبع العين المتصرف فيها في يد
الغير، بعد تأشيرهم بالدين أمام اسم المورث في سجل عام تدون فيه أسماء المورثين ،
وإخضاع التركة لنظام التصفية المنصوص عليه في القانون، يقوم مقام التأشير
5
بالدین .
وللفقهاء آراء في تصرف الورثة :
قال الحنفية والشافعية، والمالكية (في رأي عندهم): يكون تصرف الوارث في
أموال التركة المدينة باطلاً . والرأي الثاني عند المالكية يجيز تصرف الوارث في التركة
المدينة قبل أداء الدين إذا لم يتضرر الدائن به .
وقال الحنابلة ( في أشهر الروايتين): يصح تصرف الورثة في التركة قبل سداد
الدين، ولزمهم أداء الدين ، فإن أدوه نفذ، وإن لم يؤدوه فسخ .
- ٣١١ -

بيان بعض الأحكام المأخوذة من الفقه الإسلامي :
أخذ التقنين المدني السوري والمصري طائفة من الأحكام من الفقه الإسلامي،
دون تقيد بمذهب معين، وهذا صنيع حسن ، إذ الأخذ بأي مذهب إسلامي أفضل
بكثير من أخذه من أي مصدر أجنبي . وسأذكر بعض هذه الأحكام :
أولاً - في عقد البيع :
وردت أحكام كثيرة في تنظيم عقد البيع في التقنين المدني مستمدة من الفقه
الإسلامي ، منها :
١ - أحكام مجلس العقد :
نصت المادة (٩٥) على ما يلي: ((١ - إذا صدر الإيجاب في مجلس العقد، دون أن
يعين ميعاد للقبول، فإن الموجب يتحلل من إيجابه إذا لم يصدر القبول فوراً،
وكذلك الحال إذا صدر الإيجاب من شخص إلى آخر بطريق التلفون أو بأي طريق
مماثل .
٢ - ومع ذلك يتم العقد، ولو لم يصدر القبول فوراً، إذا لم يوجد ما يدل على أن
الموجب قد عدل عن إيجابه في الفترة ما بين الإيجاب والقبول ، وكان القبول قد صدر
قبل أن ينفض مجلس العقد)).
دلت هذه المادة على أحكام تتعلق بمجلس العقد : وهي جواز الرجوع عن
الإيجاب الموجه قبل صدور القبول الفوري من القابل. ولا يشترط القبول الفوري،
وإنما يكفي حدوثه مادام مجلس العقد قائماً بأن لم يحدث إعراض عنه أو انشغال
بغيره . وهذه الأحكام تتفق مع ما عرفناه من مذهب الحنفية في تكوين العقد .
قال الدكتور السنهوري : ولا شك في أن الوضع على هذا الأساس المستمد من
الشريعة الإسلامية قد أصبح وضعاً عملياً معقولاً، ولم تعد الفورية في القبول لازمة،
- ٣١٢ -

بل يجوز فيه التراخي مدة معقولة لا ينشغل فيها المتعاقدان بغير العقد ، ويبقى فيها
الموجب على إيجابه. وهذا هو في نظرنا خير تفسير لقواعد الفقه الإسلامي في مجلس
العقد(١).
٢ - البيع بالصفة أو بالعينة (النموذج):
أجاز القانون المدني البيع بالصفة ، إذا ذكرت أوصاف المبيع الأساسية، فنصت
المادة (٣٨٧) على ما يلي: ((١ - يجب أن يكون المشتري عالماً بالمبيع علماً كافياً.
ويعتبر العلم كافياً إذا اشتمل العقد على بيان المبيع وأوصافه الأساسية بياناً يمكن من
تعرفه)». ونصت المادة (٣٨٨) على جواز البيع بالنموذج: ((إذا كان البيع (بالعينة)
وجب أن يكون المبيع مطابقاً لها)).
وهذا مأخوذ من الفقه الإسلامي الذي يشترط أن يكون محل العقد معروفاً
لطرفيه ومعيناً، بحيث لا يكون فيه جهالة تؤدي إلى الغرر والنزاع بين المتعاقدين .
وهذا شرط متفق عليه بين الفقهاء(٢).
وتحصل المعرفة برؤية المبيع حال العقد، أو رؤية بعضه (رؤية الأنموذج) أو
بيان أوصافه الأساسية. وقد أجاز البيع بالصفة فقهاء الحنفية والمالكية، والحنابلة
(في الأظهر) والظاهرية، والزيدية والإمامية وفي قول عند الإباضية(٣).
جاء في المادة (٣٢٠) من المجلة: ((من اشترى شيئاً ولم يره، كان له الخيار إلى أن
يراه، فإذا رآه: إن شاء قبله، وإن شاء فسخ البيع، ويقال لهذا الخيار: خيار
الرؤية)).
(١).
(٢)
سيأتي مزيد بحث لذاك في عقد البيع.
۔۔
الوسيط للسنهوري : ص ٢١٥.
الأموال ونظرية العقد في الفقه لأستاذنا الدكتور محمد يوسف موسى: ص ٣١١ وما بعدها.
(٣)
- ٣١٣ -

وفي المادة (٣٢٤): ((الأشياء التي تباع على مقتضى أنموذجها تكفي رؤية
الأنموذج منها فقط)).
ويثبت للمشتري عند فقهائنا حق خيار الوصف بعد رؤية المبيع، فإن شاء أنفذ
البيع، وإن شاء رده، سواء أكان موافقاً للصفة أم لا ، وهذا لا يتفق مع القانون .
وقال المالكية ورأيهم هو المتفق مع القانون(١): إذا جاء المبيع على الصفة صار العقد
لازماً. لكن القانون رغم محاولته التوفيق بين خيار الرؤية المقرر في الشريعة وبين
مبادئ القانون العامة ، فقد خالف الفقه الحنفي في الاكتفاء بوصف المبيع وصفاً
كافياً، وفي إسقاط حق المشتري إذا ذكر أنه عالم بالمبيع، وفي حصر حق المشتري
بإبطال البيع عن طريق القاضي ، لا فسخه بدون تقاض أو تراض .
٣ - تبعة هلاك المبيع:
يتحمل البائع تبعة هلاك المبيع قبل التسليم إذا كان الهلاك بسبب أجنبي لا يد
للبائع فيه. وينفسخ البيع حالة الهلاك الكلي . ويجوز للمشتري طلب فسخ البيع
حالة الهلاك الجزئي . وهذا هو المنصوص عليه في المادتين (٤٠٥ ، ٤٠٦) من القانون
المدني .
نصت المادة (٤٠٥) على ما يلي: ((إذا هلك المبيع قبل التسليم لسبب لا يد
للبائع فيه، انفسخ البيع ، واسترد المشتري الثمن إلا إذا كان الهلاك بعد إعذار المشتري
لتسلم المبيع» .
ونص المادة (٤٠٦) هو: ((إذا نقصت قيمة المبيع قبل التسلم لتلف أصابه، جاز
للمشتري إما أن يطلب فسخ البيع إذا كان النقص جسيماً بحيث لو طرأ قبل العقد لما تم
البيع، وإما أن يبقى البيع مع إنقاص الثمن)).
قال فقهاء القانون: البيع بالعينة: هو بيع بات من الوقت الذي اتفق فيه المتعاقدان على النموذج الذي تم البيع
(١)
على أساسه، راجع العقود المسماة للدكتور عبد المنعم البدراوي: ص ١٦١، ط أولى.
- ٣١٤ -

وهذه الأحكام في جملتها مستقاة من الفقه الإسلامي ، فقد قرر فقهاء الحنفية
أن المبيع إذا هلك كله أو بعضه قبل التسليم ، فإن البائع (أي المدين) الذي استحال
عليه الوفاء بالتزامه بالتسليم هو الذي يتحمل تبعة الهلاك، وينفسخ البيع في حالة
الهلاك الكلي أو فيما يقابل الجزء التالف في حالة الهلاك الجزئي . وقد نصت على ذلك
المادة (٢٩٣) من مجلة الأحكام العدلية ونصها: ((المبيع إذا هلك في يد البائع قبل أن
يقبضه المشتري يكون من مال البائع ولا شيء على المشتري)).
وإذا كان ذلك هو المقرر في عقد البيع ، وهو أيضاً المقرر في عقد الإيجار بأن
الهلاك على المدين (المؤجر في إجارة المنافع، والأجير في إجارة الأعمال)، فإن الفقه
الإسلامي يكون قد أخذ بنظرية تحمل التبعة المعروفة لدى القانونيين(١).
٤ - حق البائع في حبس المبيع :
أجاز القانون المدني للبائع أن يمتنع عن تسليم المبيع إلى المشتري رغم حلول أجله ،
إذا لم يقم المشتري بدفع الثمن كله أو بعضه، وذلك هو الحق في حبس المبيع ، نصت
المادة (٤٢٧) على ذلك فيما يأتي: ((إذا كان الثمن كله أو بعضه مستحق الدفع في الحال،
فللبائع أن يحبس المبيع حتى يستوفي ما هو مستحق له، ولو قدم المشتري رهناً أو
کفالة، هذا ما لم يمنح البائع المشتري آجلاً بعد البيع)».(5)
وإعطاء البائع حق الحبس مبدأ مقرر في الفقه الإسلامي، قال الحنفية: يثبت
للبائع حق حبس المبيع عن المشتري إلى أن يستوفي ما وجب تعجيله، سواء أكان كل
الثمن أو بعضه. ولا يسقط حق الحبس حتى ولو قدم المشتري رهناً أو كفيلاً بالثمن(٢).
وذكرت المجلة المواد المتعلقة بحبس المبيع (من ٢٧٨ - ٢٨٤)، نصت المادة (٢٧٨)
راجع رسالة (نظرية تحمل التبعة في الفقه الإسلامي) للدكتور زكي عبد البر: ص ١٤٤ وما بعدها، وكتابنا
(١)
نظرية الضمان: ص ١٤٨، ١٦٥، ١٦٩، العقود المسماة للدكتور البدراوي: ٤٢٢/١ وما بعدها.
المبسوط: ١٩٢/١٣، البدائع: ٢٤٩/٥، رد المحتار: ٤٤/٤، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص ٧٧، العقود المسماة
(٢)
للبدراوي : ١/ ٤٢٠.
- ٣١٥ -

على ما يلي: ((في البيع بالثمن الحال أعني غير المؤجل، للبائع أن يحبس المبيع إلى أن
يؤدي المشتري جميع الثمن )).
٥ - الغبن في بيع عقار القاصر:
إذا اشتمل بيع عقار لغير كامل الأهلية بسبب الصغر أو الجنون مثلاً على غبن
فاحش يزيد على الخمس، جاز للبائع طلب تكملة الثمن إلى أربعة أخماس ثمن المثل،
بأن صدر البيع من ناقص الأهلية نفسه(١)، وهذا نص المادة (٣٩٣ مدني):
((١ - إذا بيع عقار مملوك لشخص لا تتوافر فيه الأهلية وكان في البيع غبن يزيد
على الخمس ، فللبائع أن يطلب تكملة الثمن إلى أربعة أخماس ثمن المثل .
٢ - ويجب لتقدير ما إذا كان الغبن يزيد على الخمس أن يقوم العقار بحسب قيمته
وقت البيع)».
أخذ هذا الحكم من الفقه الإسلامي (٢)، فقد أجاز فقهاء الحنفية فسخ البيع
بسبب الغبن الفاحش وحده بدون أن ينضم إليه تغرير، وذلك في أحوال هي :
((حقوق اليتيم والوقف، وبيت المال)).
وضابط التمييز بين الغبن اليسير أو القليل وبين الغبن الفاحش أو الكثير هو أن
الغبن اليسير: ما يدخل تحت تقويم المقومين. والغبن الفاحش: هو ما لا يدخل تحت
تقويم المقومين(٣).
لكن المادة (١٦٥) من المجلة قدرت الغبن بما يأتي، وهو رأي متأخري فقهاء
الحنفية: ((الغبن الفاحش غبن على قدر نصف العشر في العروض، والعشر في
راجع العقود المسماة للدكتور البدراوي: ٢١٨/١ وما بعدها .
(١)
(٢)
الوسيط السنهوري : ص ٤٦ .
البدائع: ٣٠/٦.
(٣)
- ٣١٦ _

الحيوانات، والخمس في العقار أو زيادة)). ولا مانع فقهاً من تقدير الغبن الفاحش بما
أخذ به القانون أي بما يزيد عن الخمس وهو رأي نصر بن يحيى من الحنفية (١).
٦ - ضمان العيوب الخفية، وضمان التعرض والاستحقاق:
يلتزم البائع بضمان العيب القديم الذي قد يوجد في المبيع، لأن عقد البيع
يقتضي بذاته سلامة المبيع من العيوب، وسلامته من حقوق الغير (ضمان الدَّرَك(٢) أو
ضمان التعرض والاستحقاق)، دون حاجة إلى شرط ؛ لأن العيب ضرر لا يقتضيه
العقد، والضرر مرفوع، عملاً بالحديث النبوي: ((لا ضرر ولا ضرار))، ولأن
المفروض في البيع سلامة المبيع من كل علاقة للغير به .
فإذا وجد عيب في المبيع جاز فسخ العقد، فيتخير المشتري بين أمرين : إن شاء
فسخ البيع ورد المبيع، وإن شاء أمسكه بكل الثمن ، وليس له إسقاط شيء من الثمن
دون رضا البائع .
وإذا ظهر كون المبيع مستحقاً لغير البائع أصبح البيع متوقفاً على إجازة
المستحق، فإن أجاز البيع بقي المبيع للمشتري، ويأخذ المستحق الثمن من البائع.
وإن لم يجز المستحق البيع انفسخ البيع السابق ، ويلتزم البائع للمشتري رد الثمن(٣).
وقد أخذ القانون المدني أحكام ضمان العيوب الخفية، من الفقه الإسلامي ، كما
أنه من حيث المبدأ أخذ أحكام ضمان التعرض والاستحقاق من هذا الفقه أيضاً(٤) مع
مراعاة المبادئ القانونية التي تجيز الفوائد عن قيمة المبيع وقت الاستحقاق، وتوجب
تعويض المشتري عما لحقه من خسارة أو فاته من كسب بسبب استحقاق المبيع .
البدائع : المرجع السابق .
(١)
ضمان الدَّرَك: هو التزام سلامة المبيع مما يمكن أن يلحقه ويدركه من حقوق لغير البائع في عينه، وتحمل تبعة
(٢)
الاستحقاق عند ظهور حق فیه لأحد .
(٣)
عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص ٩٧ - ١١٦ .
راجع العقود المسماة للدكتور البدراوي: ٤٣٣/١ وما بعدها .
(٤)
- ٣١٧ -

ونصت المواد (٤١٥ - ٤١٩) مدني على ضمان العيوب الخفية، كما نصت المواد
(٤٠٧ - ٤١٤) على ضمان التعرض والاستحقاق.
أما المادة (٤١٥) فهي: ((١ - يكون البائع ملزماً بالضمان إذا لم يتوافر في المبيع
وقت التسليم الصفات التي كفل المشتري وجودها فيه، أو إذا كان بالمبيع عيب ينقص
من قيمته أو من نفعه بحسب الغاية المقصودة مستفادة مما هو مبين في العقد، أو مما هو
ظاهر من طبيعة الشيء أو الغرض الذي أعد له، ويضمن البائع هذا العيب ، ولو لم
یکن عالماً بوجوده .
٢ - ومع ذلك لا يضمن البائع العيوب التي كان المشتري يعرفها وقت البيع ، أو
كان يستطيع أن يتبينها بنفسه لو أنه فحص المبيع بعناية الرجل العادي، إلا إذا
أثبت المشتري أن البائع قد أكد له خلو المبيع من هذا العيب، أو أثبت أن البائع قد
تعمد إخفاء العيب غشاً منه)».
وقد نصت المواد (٣٣٦ - ٣٥٥) من مجلة الأحكام العدلية على أحكام ضمان
العيوب الخفية تحت عنوان (خيار العيب). أما المادة (٣٣٦) فهي: ((البيع المطلق
يقتضي سلامة المبيع من العيوب يعني أن بيع المال بدون البراءة من العيوب وبلا ذكر
أنه معيب أو سالم، يقتضي أن يكون المبيع سالماً خالياً من العيب)).
ونص المادة (٣٣٧) هو: «ما بيع بيعاً مطلقاً إذا ظهر به عيب قديم، يكون
المشتري مخيراً: إن شاء رده، وإن شاء قبله بثمنه المسمى ، وليس له أن يمسك المبيع،
ويأخذ ما نقصه العيب، وهذا يقال له خيار العيب)».
وأما المادة (٤٠٧) مدني التي تنص على مبدأ ضمان تعرض الغير في الانتفاع
فهي: (( يضمن البائع عدم التعرض للمشتري في الانتفاع بالمبيع كله أو بعضه، سواء
كان التعرض من فعله هو، أو من فعل أجنبي يكون له وقت البيع حق على المبيع
يحتج به على المشتري ويكون البائع ملزما بالضمان ولو كان الأجنبي قد ثبت حقه بعد
- ٣١٨ -

البيع ، إذا كان هذا الحق قد آل إليه من البائع نفسه)).
ونصت المادة (٤٠٨) على التزام البائع المزدوج أي المكون من التزامين في حال
استحقاق المبيع :
الأول: التزام الدفاع عن المشتري في الدعوى القائمة بينه وبين الغير. والثاني:
التزامه بتعويض المشتري إذا لم يمكن توفي الاستحقاق. والالتزام بالضمان : التزام
بعمل، والأصل أنه يجب تنفيذه عيناً ما دام التنفيذ العيني ممكناً. فإذا لم يمكن
التنفيذ العيني لم يكن أمام البائع سوى التنفيذ بطريق التعويض .
ثانياً - في عقد الإيجار:
اقتبس التقنين المدني من الفقه الإسلامي أحكام بعض أنواع الإيجار، وبعض
أحكام إجارة المنافع ، منها ما يأتي :
١ - إيجار الأراضي الزراعية :
ورد النص على إيجار الأراضي الزراعية في المواد التالية (٥٧٧ - ٥٨٥) حدد فيها
التزامات المؤجر بتسليم أدوات الزراعة لإقامة المباني والتزام المستأجر لاستغلال
الأرض طبقاً لمقتضيات الاستغلال المألوف، وبالقيام بإجراءات الإصلاح التي
يقتضيها الانتفاع المألوف بالأرض المؤجرة وتحديد مدة الإيجار بالدورة الزراعية
السنوية وبقاء المستأجر في العين المؤجرة عند انتهاء الإيجار بسبب قاهر حتى تنضج
الغلة بالأجر المناسب. وهذا النوع من العقود إجارة بالنقود في الذمة أو معينة.
وهي أحكام مقررة في الفقه الإسلامي وقد ورد النص على بعضها في المجلة،
نصت المادة (٥٢٤) مجلة على ضرورة تعيين نوع الزرع: ((من استأجر أرضاً ولم يعين
ما يزرعه فيها ولم يعمم على أن يزرع ما شاء، فإجارته فاسدة، ولكن لو عين قبل
الفسخ، ورضي الآخر تنقلب إلى الصحة)).
- ٣١٩ -
الفقه الإسلامي جـ٤ (٢١)

ونصت المادة (٥٢٥) على الدورة الزراعية: ((من استأجر أرضاً على أن يزرعها
ما شاء فله أن يزرعها مكرراً في ظرف السنة صيفياً وشتائياً))."
ونصت المادة (٥٢٦) على بقاء المستأجر في الأرض بعد انتهاء العقد: ((لو
انقضت مدة الإيجار قبل إدراك الزرع فللمستأجر أن يبقي الزرع في الأرض إلى
إدراكه، ويعطي أجرة المثل)».
٢ - هلاك الزرع في العين المؤجرة :
نصت المادة (٥٨٣) مدني على أن هلاك الزرع يسوغ طلب إسقاط الأجرة:
((١ - إذا بذر المستأجر الأرض، ثم هلك الزرع كله قبل حصاده بسبب قوة
قاهرة جاز للمستأجر أن يطلب إسقاط الأجرة .
٢ - أما إذا لم يهلك إلا بعض الزرع، ولكن ترتب على الهلاك نقص كبير في ربع
الأرض كان للمستأجر أن يطلب إنقاص الأجرة .
٣ - وليس للمستأجر أن يطلب إسقاط الأجرة أو إنقاصها إذا كان قد عوض عما
أصابه من ضرر بما عاد عليه من أرباح في مدة الإجارة كلها أو بما حصل عليه من
طريق التأمين أو من أي طريق آخر)).
وهذا النص تطبيق لأثر القوة القاهرة (الآفة السماوية) المبني على نظرية
الضرورة الشرعية والذي يترتب عليه سقوط الالتزام بدفع المقابل (الأجرة أو الثمن)
إذا تلف الشيء المعقود عليه . قال الحنفية : إذا انقطع الماء عن الطاحون مدة شهر
مثلاً، يسقط عن المستأجر أجر تلك المدة(١)، وجاء في الحديث النبوي: ((أرأيت إن
منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه))(٣).
راجع كتابنا نظرية الضمان: ص ١٦٤ ، وكتابنا نظرية الضرورة الشرعية: ص ٣٢٨ وما بعدها.
(١)
(٢)
أخرجه البخاري ومسلم عن أنس بلفظ: ((إذا منع الله الثمرة، فيمَ تستحل مال أخيك)» (نيل الأوطار:
١٧٣/٥).
- ٣٢٠ -