النص المفهرس

صفحات 241-260

أنواع العقد النافذ :
ينقسم العقد النافذ إلى لازم وغير لازم
واللازم: هو ماليس لأحد عاقديه فسخه دون رضا الآخر، كالبيع والإجارة .
والأصل في العقود اللزوم؛ لأن الوفاء بالعقود واجب شرعاً لقوله تعالى:
﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.
وتثبت صفة اللزوم عند الحنفية والمالكية بمجرد صدور العقد من العاقدين .
وعند الشافعية والحنابلة: لا يلزم العقد إلا بتفرق العاقدين بأبدانهما ، أو إذا تخايرا،
فاختارالزومه، عملاً بحديث خيار المجلس: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول
أحدهما للآخر: اختر)).
وغير اللازم أو الجائز كما يسميه بعض الفقهاء: هو ما يملك كل من طرفيه أو
أحدهما فقط فسخه دون رضا الآخر. إما عملاً بطبيعة العقد نفسه كالوكالة والإعارة
والإيداع، أولمصلحة العاقد كالعقد المشتمل على الخيار.
والعقود بالنسبة إلى اللزوم وقابلية الفسخ وعدمه أربعة أنواع.
أ- عقود لازمة لا تقبل الفسخ: كالزواج لا يقبل الفسخ ولو باتفاق
العاقدين بطريق الإقالة أي لا يقبل الإلغاء الاتفاقي. وإنما يقبل الإنهاء بطرق
شرعية كالطلاق والخلع(١) والتفريق القضائي لعدم الإنفاق أو للعيب أو للضرر وسوء
العشرة أو للغيبة أو للحبس والاعتقال ونحو ذلك .
وكل ما لا يقبل الفسخ لا يثبت فيه خيار؛ لأن الخيار يعطي حق الفسخ
لصاحبه .
(١) الطلاق ليس فسخاً للزواج، بل إنهاء له بوضع حد لحكمه وآثاره. والخلع: هو إنهاء الزواج لقاء مال تدفعه
الزوجة لزوجها. والطلاق أو الخلع أو التفريق ليست إلغاء للعقد، وإنما هي إنهاء بدليل بقاء حرمة المصاهرة
وثبوت النسب بعد الإنهاء، فأم الزوجة مثلاً تبقى محرَّمة على زوج ابنتها أبداً ولو طلق البنت:
- ٢٤١ -

ب - عقود لازمة تقبل الفسخ : أي تقبل الإلغاء بطريق الإقالة أي باتفاق
العاقدين. وهي عقود المعاوضات المالية كالبيع والإيجار والصلح والمزارعة والمساقاة
ونحوها. وهذه العقود تقبل الفسخ بالخيار أيضاً .
ج . عقود لازمة لأحد الطرفين : كالمرهن والكفالة: فإنها لازمان بالنسبة
إلى الراهن والكفيل، وغير لازمين بالنسبة للدائن المرتهن، والمكفول له؛ لأن العقد
لمصلحتها الشخصية توثيقاً للحق ، فلهما التنازل عنه .
د- عقود غير لازمة للطرفين : وهي التي يملك كل من العاقدين فيها حق
الفسخ والرجوع، كالإيداع والإعارة والوكالة والشركة والمضاربة والوصية والهبة،
فالعقود الخمسة الأولى يجوز لكل من العاقدين فسخ العقد متى شاء. والوصية والهبة
یصح للموصي والواهب الرجوع عنها ، کما یصح للموصى له والموهوب له ردها
وإبطالها بعد وفاة الموصي، وفي حال حياة الواهب .
التقسيم الثاني - بالنظر إلى التسمية وعدمها :
تقسم العقود إلى مسماة وغير مسماة :
أما العقود المسماة : فهي ما وضع الشرع لها اسماً خاصاً بها، وبين أحكامها
المترتبة عليها، كالبيع والإجارة والشركة والهبة، والكفالة والحوالة والوكالة والرهن،
والقرض والصلح، والزواج والوصية ونحوها .
وأما العقود غير المسماة : فهي التي لم يوضع لها اسم خاص في الشرع، ولم
يرتب التشريع أحكاماً خاصة بها، وإنما استحدثها الناس تبعاً للحاجة. وهي كثيرة
لا تنحصر، لأنها تنشأ بحسب تجدد حاجات الناس وتطور المجتمعات وتشابك
المصالح، مثل عقد الاستصناع، وبيع الوفاء، وبيع الاستجرار، والتحكير، وأنواع
- ٢٤٢ -

المقاولات، أي التعهدات والالتزامات الحديثة، وأنواع الشركات التي تمنح امتيازات
للتنقيب عن النفط والمعادن ، وعقود النشر والإعلان في الصحف والمجلات ونحوها .
أما الاستصناع: فهو التعاقد على صنع شيء معين(١) كالأحذية والآنية
والسيارات والبواخر، والمفروشات ونحوها . وقد تردد بين اعتبار كونه بيعاً أو
إجارة أو وعداً ، ثم استقر على تسمية خاصة به .
وأما بيع الوفاء: فهو أن يبيع المحتاج إلى النقود عقاراً على أنه متى وفى الثمن
استرد العقار(٢). تردد بين كونه بيعاً أو رهناً، ثم استقر على هذا الاسم الخاص به .
وبيع الاستجرار: هو ما يستجره الإنسان من البياع، ثم يحاسبه على أثمانها بعد
استهلاكها (٣). تردد بين كونه بيعاً أو ضمان متلفات بإذن مالكها عرفاً، واستقر على
هذا الاسم تسهيلاً لأمر الناس ودفعاً للحرج.
والتحكير: هو الاتفاق على الانتفاع بأرض الوقف بالبناء والغرس لقاء أجرة
معجلة تقارب قيمة الأرض ، وأجرة سنوية ضئيلة، حددت في قانون الملكية العقاري
السوري (باثنين ونصف في الألف) من قيمة الأرض المقدرة رسمياً لجباية الضرائب
العقارية(٤).
وقد عرفنا في بحث حرية التعاقد : أن الرأي الغالب أو الراجح فقهاً هو جواز
إحداث عقود جديدة لا تخالف نصوص الشريعة ومبادئها وقواعدها العامة، كما يقول
الحنابلة وبخاصة ابن تيمية وابن القيم. أو من طريق القياس والاستحسان والعرف
والمصالح المرسلة وغيرها من أدلة التشريع كما يقول الحنفية والمالكية والشافعية.
البدائع: ٥/ ٢، فتح القدير: ٥/ ٣٥٤، الفتاوى الهندية: ٤ / ٥٠٤.
(١)
الدر المختار ورد المختار: ٤ / ٢٥٧. وانظر المجلة في المواد (٣٩٦ - ٤٠٣).
(٢)
(٣)
الدر المختار: ٤ / ١٣.
رد المحتار: ٣ / ٤٢٨، المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه للأستاذ الزرقاء: ص ٤٠، المدخل الفقهي للزرقاء.
(٤)
حاشية ف ٢٩٥ .
- ٢٤٣ -

التقسيم الثالث - بالنظر إلى غاية العقد وأغراضه :
تنقسم العقود بحسب أغراضها وغاياتها إلى مجموعات سبعة، فقد تكون غاية
العقد هي تمليك شيء، أو الاستيثاق ، أو الحفظ، أو التفويض ونحو ذلك .
١ - التمليكات: وهي ما يقصد بها تمليك شيء، عين أو منفعة، فإن كان
التمليك بعوض فهي عقود المعاوضات كالبيع والإجارة، والصرف والصلح،
والقسمة، والاستصناع، والمزارعة والمساقاة، والزواج، ونحوها مما فيه معاوضة
ومبادلة بین طرفین .
وإن كان التمليك مجاناً بغير عوض فهي عقود التبرعات، كالهبة والصدقة
والوقف والإعارة وحوالة الدين .
وقد يكون التبرع في ابتداء العقد كالقرض والكفالة بأمر المدين ، والهبة بشرط
العوض، ثم يلزم الطرف الآخر بدفع البدل، فهي تبرع ابتداءً، معاوضةً انتهاءً.
٢ - الإسقاطات: وهي ما يقصد بها إسقاط حق من الحقوق، سواء ببدل، أم
بدون بدل .
فإن كان الإسقاط بدون بدل من الطرف الآخر فهو الإسقاط المحض، كالطلاق
المجرد عن المال، والعفو عن القصاص، والإبراء عن الدين، والتنازل عن حق
الشفعة .
وإن كان الإسقاط ببدل أو عوض من الطرف الآخر، فهو إسقاط المعاوضة،
كالطلاق على مال، والعفو عن القصاص بالدية .
٣ - الإطلاقات: وهي إطلاق الشخص يد غيره في العمل، كالوكالة وتولية
الولاة والقضاء، والإذن للمحجور عليه بالتصرف أو للصغير المميز بالتجارة،
والإيصاء: وهو أن يعهد شخص لآخر في أن يتولى شؤون أولاده القصر بعد وفاته .
- ٢٤٤ _

٤ - التقييدات: وهي منع الشخص من التصرف، كعزل الولاة والقضاة،
ونظار الوقف، والأوصياء، والقوام على المحجور عليهم، والوكلاء. وحجر الشخص
عن التصرف بسبب الجنون أو العته أو السفه أو الصغر.
٥ - التوثيقات : (أو التأمينات أو عقود الضمان): وهي التي يقصد بها ضمان
الديون لأصحابها وتأمين الدائن على دينه، وهي الكفالة والحوالة والرهن .
٦ - الاشتراك: وهي التي يقصد بها المشاركة في العمل والربح، كعقود
الشركات بأنواعها، ومنها المضاربة: وهي أن يدفع شخص لآخر مبلغاً من المال
ليتجر فيه على أن يشتركا في الربح، والخسارة على رب العمل. ومنها المزارعة (تعهد
الأرض بالعناية) والمساقاة (تعهد الأشجار بالسقي ونحوه).
٧ - الحفظ : وهي التي يراد منها حفظ المال لصاحبه، كعقد الإيداع، وبعض
خصائص الوكالة .
التقسيم الرابع - بالنظر إلى العينية وعدمها :
تنقسم العقود إلى عينية وغير عينية .
فالعقد العيني : هو الذي لا بد فيه لتمام انعقاده وترتيب أثره من تسليم الشيء
المعقود عليه عيناً. وهو يشمل عقوداً خمسة: هي الهبة والإعارة والإيداع والرهن
والقرض (١) . فهذه العقود لا بد لتمامها وترتب أثرها عليها من قبض المعقود عليه؛
لأن هذه العقود ما عدا الرهن من التبرعات، والتبرع إحسان، فلا بد له من شيء
يؤكده، وهو القبض . وأما الرهن أي الرهن الحيازي فإنه شرع موصوفاً بالقبض في
(١) يشترط منعاً من الوقوع في الربا والاستغلال قبض كل من العوضين في مجلس العقد في مبادلة الأموال الربوية
ببعضها (وهي عند الحنفية كل ما يباع كيلاً أو وزناً) كبيع النقود ببعضها وهو عقد الصرف، وكبيع الحنطة
بالحنطة أو الحنطة بالشعير. ويشترط أيضاً قبض الثمن (رأس مال السلم) في عقد السلم: وهو بيع آجل بعاجل
كبيع المنتجات الزراعية قبل حصادها في الموسم، وذلك في مجلس العقد ذاته.
- ٢٤٥ -

قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ والقبض عند الحنفية: يتم بالتخلية أي بأن يخلي
المالك بين المعقود عليه والطرف الآخر، برفع الحائل بينهما، على وجه یتکن الآخر
من الحيازة والتصرف في الشيء (١).
والعقد غير العيني : هو الذي يتم بمجرد الصيغة السليمة من العيوب ويترتب
عليه أثره بدون حاجة إلى القبض. وهذا يشمل جميع العقود ما عدا العقود الخمسة
السابقة .
التقسيم الخامس - باعتبار اتصال الأثر بالعقد وعدم اتصاله :
ينقسم العقد بحسب ترتب أثره عليه بمجرد انعقاده وعدم ترتب أثره في الحال
إلى أنواع ثلاثة : هي منجز، ومضاف، ومعلق .
١ - العقد المنجز: وهو ما صدر بصيغة غير معلقة على شرط ولا مضافة إلى
المستقبل. وحكمه: ترتب الآثار عليه في الحال ما دام مستوفياً لأركانه وشروطه
المطلوبة فيه. مثل: بعتك هذه الأرض بكذا، وقبل الآخر. يترتب على هذا البيع
تحقق أثره عليه في الحال : وهو انتقال الملكية في العوضین.
والأصل في العقود التنجيز في الحال أي أن آثارها تترتب فور إنشائها ما عدا
الوصية والإيصاء، فلا يمكن بطبيعتهما أن يكونا ناجزين ، لإضافتها حتماً لما بعد
وفاة الموصي. أما الوصية : فهي تمليك مضاف لما بعد الموت بالتبرع بشيء لجهة أو
شخص ما . وأما الإيصاء : فهو إقامة وصي على أبنائه القاصرين بعد وفاة الولي.
٢ - العقد المضاف للمستقبل: ما صدر بصيغة أضيف فيها الإيجاب إلى زمن
(١) البدائع: ٢٤٤/٥. وقال المالكية والشافعية: قبض العقار كالأرض والدور يتم بالتخلية، وقبض المنقول
كالأمتعة والدواب يتم بحسب العرف الجاري بين الناس (الشرح الكبير للدردير: ١٤٥/٣، المجموع: ٣٠١/٩ -
٣٠٩، المهذب: ٢٦٣/١) وقال الحنابلة: قبض كل شيء بحسبه، ويرجع فيه إلى العرف (المغني: ١١١/٤ وما
بعدها) .
- ٢٤٦ -

مستقبل. مثل : آجرتك داري لسنة من مطلع الشهر القادم. أنت طالق غداً أو بعد
أ
أسبوع .
وحكمه: أنه ينعقد في الحال، ولكن أثره لا يوجد إلا في الوقت المحدد الذي
أضيف إليه .
العقود بالنسبة للإضافة :
العقود عند الحنفية بالنسبة لقبولها الإضافة أو عدم قبولها ثلاثة أنواع :
أ - عقود لا تكون إلا مضافة بطبيعتها : وهي الوصية والإيصاء كما أوضحنا،
سواء أكانت منجزة مثل: أوصيت بكذا للفقراء أو لمسجد البلدة ، أم معلقة مثل : إن
نجحت في المشروع الفلاني فقد أوصيت بمبلغ كذا للمشفى الفلاني. فإذا تحقق
النجاح، لم يثبت حكم الوصية إلا بعد الوفاة .
ب - عقود لا تقبل الإضافة، وإنما تكون دائماً ناجزة: وهي عقود تمليكات
الأعيان، كالبيع والهبة والصلح على مال والإبراء عن الدين. ويلحق بها الزواج
والشركة والقسمة والرجعة؛ لأنها تتطلب شرعاً ثبوت آثارها في الحال، فإذا أضيفت
للمستقبل تأخرت آثارها عنها ، وذلك ينافي أصل وضعها الشرعي . فالبيع يوجب
نقل الملكية في الحال، والزواج يفيد حل الاستمتاع حالاً، فلا يصح تأخير الأثر
عنھما .
ج - عقود تصح منجزة ومضافة للمستقبل : فإذا كانت منجزة ترتب عليها أثرها
في الحال، وإن كانت مضافة تأخر أثرها إلى زمن الإضافة، وهي(١) :
أولاً - العقود الواردة على المنافع: كالإجارة والإعارة والمزارعة والمساقاة.
ثانياً - الالتزامات أو التوثيقات : كالكفالة والحوالة .
تبيين الحقائق : ٤ / ١٣٤.
(١)
- ٢٤٧ _

ثالثاً - الإطلاقات: كالوكالة والقضاء والوظائف والإدارات والإذن بالتجارة.
رابعاً - الإسقاطات: كالطلاق والخلع من جانب الزوج، والوقف.
٣ - العقد المعلق على شرط: هو ما صدر معلقاً وجوده على أمر آخر بأحد
أدوات الشرط. مثل: إن سافرت فأنت وكيلي . إذا قدم فلان من الحجاز فقد بعتك
الشيء الفلاني .
ويختلف المعلق على شرط عن المضاف للمستقبل في أن العقد المعلق لا ينعقد إلا
حين وجود الشرط المعلق عليه. أما المضاف للمستقبل فهو منعقد في الحال، ولكن
آثاره لا يسري مفعولها إلا في المستقبل المضاف إليه .
العقود بالنسبة للتعليق عند الحنفية :
تنقسم العقود من هذه الناحية إلى ثلاثة أنواع هي(١) :
أ - عقود لا تقبل التعليق وهي:
UP
أولاً - التمليكات المالية ما عدا الوصية، سواء أكانت واردة على الأعيان كالبيع
والإبراء، أم على المنافع كالإجارة والإعارة، بطريق المعاوضة أم بطريق التبرع
كالهبة؛ لا يصح تعليقها على شرط متردد بين الوجود والعدم؛ لأن الملكية لا بد أن
تکون مستقرة جازمة لا تردد فیها ، وإلا شابهت القمار.
ثانياً - المبادلات غير المالية: كالزواج والخلع لا يصح تعليقها على شرط ، مثل:
تزوجتك إن نجحت في شهادة كذا، وخالعتك إن رضي أخي ؛ لأنه لا بد من تحقق
أثرها في الحال.
ثالثاً - التقييدات كالرجعة وعزل الوكيل والحجر على الصبي المأذون له في
التجارة .
(١) المرجع السابق، الدر المختار: ٢٧٧/٤، فتح القدير: ٤٠٤/٥.
- ٢٤٨ _

رابعاً - الرهن والإقالة (فسخ العقد بالتراضي): لا يصح تعليقها، مثل:
رهنتك هذه الدار إن رضي والدي . أقلتك من البيع إن وجدت مشترياً بثمن أعلى .
وقد عرفنا سابقاً في بحث حرية الاشتراط أن ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة
قالا: يصح تعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات بالشروط ولا يمنع منها
إلا ما ورد بالنهي عنه نص من الشارع.
ب - عقود يصح فيها التعليق بأي شرط ملائم أم غير ملائم وهي :
أولاً - الإسقاطات المحضة : كالطلاق والتنازل عن حق الشفعة .
ثانياً - الوكالة والوصية والإيصاء.
ثالثاً - الالتزامات التي يراد منها تقوية إرادة الملتزم، كالنذر واليمين، مثل: إن
نجحت في الامتحان فلله علي صوم أسبوع أو لأتصدقن بمبلغ كذا. ووالله لأفعلن كذا
إن انتصرنا على العدو.
8
زه
ج - عقود يصح تعليقها بالشرط الملائم دون سواه. وهي الكفالة والحوالة
والإذن للصبي بالتجارة .
والشرط الملائم: هو ما كان مناسباً لمقتضى العقد، عرفاً أو شرعاً، بأن يكون
أساساً لوجوده، أو سبباً لثبوت الحق، مثل : إن أقرضت فلاناً فأنا کفیله، إن لم أدفع
دینك بعد شهر فقد أحلتك به على فلان، إن أحسنت التجارة فقد أذنت لك بها .
أما غير الملائم فمثل: إن نزل المطر فقد كفلت فلاناً، أو أحلتك بدينك على
فلان ، أو أذنت لك بالتجارة، وإن نجح ابني في شهادة كذا فقد كفلتك. فمثل هذه
الشروط غير المفيدة أو التي لا يظهر فيها غرض صحيح تعد نوعاً من العبث أو الهزل
واللهو، ولا تصح العقود مع الهزل.
- ٢٤٩ -
ما

المبحث السادس - الخيارات
عرفنا في المبحث السابق أن العقد اللازم: هو الخالي من أحد الخيارات التي
تسوغ لأحد العاقدين فسخه وإبطاله .
ومعنى الخيار: أن يكون للمتعاقد الحق في إمضاء العقد أو فسخه، إن كان الخيار
خيار شرط أو رؤية أو عيب. أو أن يختار أحد المبيعين إن كان الخيار خيار تعيين .
والخيارات سبعة عشر، سنجمل هنا الكلام عن ستة منها فقط، هي خيار
المجلس، وخيار التعيين، وخيار الشرط ، وخيار العيب، وخيار الرؤية. وقد
شرعت الخيارات إما ضماناً لرضا العاقدين أو حفظاً لمصلحتهما ، أو دفعاً للضرر الذي
قد يلحق أحد العاقدين ، فهي مشروعة للضرورة أو للحاجة إليها .
ومصدر الخيارات: إما اتفاق العاقدين كخيار الشرط وخيار التعيين . وإما
حكم الشرع، كخيار العيب وخيار الرؤية. وقد يعتبر خيار العيب ثابتاً باشتراط
المتعاقد ضمناً لا صراحة.
خيار المجلس عند الشافعية والحنابلة :
خيار المجلس : هو أن يكون لكل من العاقدين حق فسخ العقد ما داما في
مجلس العقد، لم يتفرقا بأبدانهما ، أو يخير أحدهما الآخر فيختار لزوم العقد .
ومعنى هذا أن العقد لا يلزم إلا بإنهاء مجلس العقد بالتفرق أو بالتخییر. وليس
ذلك في كل العقود وإنما في العقود اللازمة من الجانبين فقط القابلة للفسخ وهي عقود
المعاوضات المالية كالبيع بأنواعه وصلح المعاوضة والإجارة؛ لأن الدليل المثبت له
وهو الحديث ورد في البيع فيقاس عليه ما في معناه من عقود المعاوضات(١).
(١) المجموع للنووي: ١٨٦/٩ ومابعدها، ط العاصمة.
- ٢٥٠ _

وقد انقسم الفقهاء في شأنه فريقين :
١ - فقال الحنفية والمالكية(١): يلزم العقد بالإيجاب والقبول، ولا يثبت فيه
خيار المجلس ؛ لأن الله أمر بالوفاء بالعقود في قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود ﴾
والخيار مناف لذلك، فإن الراجع عن العقد لم يف به، ولأن العقد يتم بمجرد
التراضي، بدليل قوله تعالى: ﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) والتراضي
يحصل بمجرد صدور الإيجاب والقبول، فيتحقق الالتزام من غير انتظار لآخر المجلس .
ولم يأخذوا بالأحاديث الواردة في إثبات خيار المجلس لمنافاتها لعموم هذه
الآيات القرآنية. وتأول الحنفية حديث خيار المجلس ((البيعان بالخيار مالم يتفرقا))
بأنه وارد في مرحلة ما قبل تمام العقد . فالبيعان : معناه المتساومان قبل العقد، إن
شاءا عقدا البيع، وإن شاءا لم يعقداه، والمراد بالتفرق: هو التفرق بالأقوال لا
بالأبدان، أي أن للموجب أن يرجع عن إيجابه قبل قبول الآخر، وللآخر الخيار، إن
شاء قبل في المجلس ، وإن شاء رد ، وهذا هو خيار القبول أو الرجوع.
ولكن يلاحظ أن هذا التأويل لا معنى له؛ لأن كل عاقد قبل إبرام العقد حر في
القبول وعدمه، ويجعل ( أي هذا التأويل ) الحديث عديم الفائدة، فلا حاجة
للمشرع لإثبات مبدأ حرية الإنسان فيما يلتزم ، فهو أصل عام، والأصل في كل إنسان
عدم الالتزام. فإذا لم يقبل الذي وجه له الإيجاب لا يسمى ذلك تفرقاً وإنما اختلافاً.
وحديث خيار المجلس لا يعارض آية الأمر بالوفاء بالعقود ؛ لأن المراد بالعقود
هي الكاملة اللازمة التي لاخيار فيها، ولا يعارض أيضاً آية ﴿ تجارة عن تراض ﴾؛
لأن هذا الخيار مشروع للتأكد من تمام التراضي .
(١) البدائع: ١٣٤/٥، فتح القدير: ٧٨/٥، بداية المجتهد: ١٦٩/٢ وما بعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي: ٨١/٣،
القوانين الفقهية: ص٢٧٤، المنتقى على الموطأ: ٥٥/٥ .
- ٢٥١ -

٢ - وقال الشافعية والحنابلة المثبتون لخيار المجلس(١): إذا انعقد العقد بتلاقي
الإيجاب والقبول يقع العقد جائزاً أي غير لازم، مادام المتعاقدان في مجلس العقد .
ويكون لكل من العاقدين الخيار في فسخ العقد أو إمضائه، ما داما مجتمعين في
الملجس لم يتفرقا بأبدانها، أو يتخايرا. ويحدد طبيعة التفرق: العرف الشائع بين
الناس في التعامل(٣)، وهذا هو خيار المجلس.
واستدلوا على مشروعيته بالحديث الصحيح الثابت برواية البخاري ومسلم وهو أنه
مُ القر قال: ((البيِّعان بالخيار مالم يتفرقا، أو يقول أحدهما للآخر: اختر))(٣) أي اختر
اللزوم . وأما التفرق فهو أن يتفرقا بأبدانهما ، فلو أقاما في ذلك المجلس مدة متطاولة
كسنة أو أكثر، أو قاما وتماشيا مسافة ، فهما على خيارهما، كما قال النووي. والرجوع في
التفرق إلى العادة ، فما عده الناس تفرقاً فهو تفرق ملزم للعقد، وما لا فلا(٤).
خيار التعيين :
خيار التعيين(٥) : هو أن يكون للعاقد حق تعيين أحد الأشياء الثلاثة المختلفة
في الثمن والصفة التي ذكرت في العقد. فإذ عين الواحد صار محل العقد معلوماً بعد أن
کان مجهولاً بعض الجهالة .
وهو لا يثبت إلا في عقود المعاوضات المالية التي تفيد نقل ملكية الأعيان
كالبيع ، والهبة بعوض، والقسمة ونحوها .
مغني المحتاج: ٤٣/٢، ٤٥، المهذب: ٢٥٧/١، المغني: ٥٦٣/٣، المجموع: ١٩٦/٩، ط العاصمة.
(١)
(٢)
قال الحنابلة والشافعية: يكون التفرق إما بالمشي أو بالصعود أو بالنزول، أو بالخروج من المكان ( غاية
المنتهى: ٣٠/٢، المجموع للنووي: ١٩٢/٩).
سبل السلام: ٣٣/٣ وما بعدها. قال ابن رشد المالكي: وهذا حديث إسناده عند الجميع من أوثق الأسانيد
(٣)
وأصحها . وأثبت ابن حزم في المحلى تواتره أي روایة جمع غفير له.
أخذ على هذا الرأي كونه يزعزع من قوة العقد الملزمة، وهو مبدأ خطير من أهم المبادئ القانونية ( مصادر
(٤)
الحق للسنهوري: ٣٧/٢ ).
(٥) راجع أحكام خيار التعيين في المواد (٣١٦ - ٣٢٩) من المجلة.
- ٢٥٢ -

ولا يثبت هذا الخيار إلا للمشتري فقط، على الرأي الراجح عند الحنفية .
وقد اختلف الفقهاء في مشروعيته، فمنعه الشافعي وأحمد وزفر من الحنفية
لجهالة المبيع، والمبيع يشترط أن يكون معلوماً .
وأجازه أبو حنيفة وصاحباه استحساناً لحاجة الناس إليه، إذ قد يكون الشخص
غير خبير بأحوال المشتريات، فيحتاج إلى استشارة غيره ليأخذ الأرفق والأوفق له.
وقد يحتاج الشخص إلى توكيل غيره بالشراء ويرغب في رؤية الشيء المشترى،
ولا يوافق التاجر على إخراج البضاعة من محله إلا بشراء واحد من اثنين أو ثلاثة(١).
وهذا معنى معقول وواقعي ، محقق لمصلحة التاجر لكي تصبح البضاعة المقبوضة
مضمونة لا مجرد أمانة، ونافع للمشتري لتحقيق رغبته وميوله، وليس في جهالة المبيع
خطورة، لأنها لا تفضي إلى النزاع ، لتعيين ثمن كل صنف على حدة .
شروطه :
اشترط الحنفية القائلون بخيار التعيين شروطاً ثلاثة لصحته وهي(٢) :
١ - أن يكون الخيار بين ثلاثة أشياء على الأكثر؛ لأن أصناف الأشياء تتراوح
عادة بين الجيد والوسط والرديء، فما زاد عن الثلاثة لا يصح فيه الخيار، لعدم
الحاجة إليه .
٢ - أن تكون الأشياء متفاوتة القيمة أو الوصف، وثمن كل منها محدد معين، فإن
كانت الأشياء متحدة القيمة أو الوصف فلا معنى للخيار بينها. وإذا كان الثمن غير
محدد لكل منها، كان مجهولاً ، وجهالة الثمن تفسد البيع .
تبيين الحقائق للزيلعي: ٢١/٤، البدائع: ٢٦١/٥ .
(١)
(٢)
الزيلعي: ٢١/٤، البدائع: ٢٦١/٥، فتح القدير: ١٣٠/٥ وما بعدها .
- ٢٥٣ _

٣ - أن تكون مدة الخيار معلومة، لا تزيد عن ثلاثة أيام عند أبي حنيفة كخيار
الشرط ، فإن زادت على ذلك فسد العقد .
وقال الصاحبان : يكفي أن تكون المدة معلومة، وإن زادت عن ثلاثة أيام.
أثر خيار التعيين :
إذا اقتصر المشتري على ذكر خيار التعيين بدون خيار الشرط ، كان العقد لازماً
تثبت به ملكية أحد الأشياء، وينحصر دور المشتري في اختيار أحد الأشياء التي
اشتراها . وإذا مات المشتري ورثه ورثته في ممارسة حق الاختيار.
فإن انضم إلى خيار التعيين خيار الشرط كان العقد غیر لازم، ولا یورث حق
الخيار حينئذ، ويحق للمشتري رد العقد بكامله(١) .
انتهاء خيار التعيين :
ينتهي خيار التعيين إما صراحة أو دلالة أو حكماً، كأن يقول : قبلت هذا الشيء
دون غيره، أو تصرف في أحد الأشياء تصرفاً يدل على أنه اختاره. أو هلك أحد
الأشياء في يد المشتري بعد القبض، فيتعين الهالك مبيعاً ، وعليه ثمنه، والآخر يكون
أمانة في يده يجب رده إلى صاحبه(٢).
5
خيار الشرط
خيار الشرط (٣): هو أن يكون لأحد العاقدين أو لكليهما أو لغيرهما الحق في
فسخ العقد أو إمضائه خلال مدة معلومة ، كأن يقول المشتري للبائع : اشتريت منك
هذا الشيء على أني بالخيار مدة يوم أو ثلاثة أيام.
البدائع: ٢٦١/٥، ٢٦٨، فتح القدير، المكان السابق، و ١٣٣ .
(١)
البدائع: ٥ / ٢٦١ وما بعدها، فتح القدير: ٥ / ١٣٢.
(٢)
راجع أحكام خيار الشرط في المواد ( ٣٠٠ - ٣٠٩) من مجلة الأحكام العدلية .
(٣)
- ٢٥٤ -
٦

وقد شرع للحاجة إليه لدفع الغبن عن العاقد في العقود .
ويثبت فقط في العقود اللازمة القابلة للفسخ بتراضي الطرفين، ولو كان
لزومها من جانب واحد، وذلك كالبيع والإجارة، والمزارعة والمساقاة، والشركة
ومنها المضاربة، والقسمة، والكفالة والحوالة، والرهن إذا اشترطه الراهن للزوم العقد
من جانبه، ولا حاجة للمرتهن لاشتراطه؛ لأن العقد بالنسبة إليه غير لازم.
أما العقود غير اللازمة كالوكالة والإعارة والإيداع والهبة والوصية فلا حاجة
فيها لاشتراط الخيار، لأنها بطبيعتها غير لازمة .
وأما العقود اللازمة التي لا تقبل الفسخ كالزواج والخلع والطلاق فلا يصح
اشتراط الخيار فیها ، لأنه يتعذر فسخها .
كذلك لا يصح اشتراط الخيار في عقدي السلم والصرف؛ لأن السلم يشترط
لصحته قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، والصرف يشترط فيه قبض البدلين في
المجلس. وخيار الشرط يقتضي تأخير القبض عن المجلس وإذا تأخر القبض عن المجلس
فسد العقد، فلا يصح اشتراط خيار فيهما(١).
مدة الخيار: اتفق جمهور الفقهاء غير المالكية على أن مدة الخيار المشروط
ينبغي أن تكون معلومة ، فإن لم تكن له مدة ، أو كانت المدة مجهولة، أو كان الخيار
مؤبداً لم يصح العقد، وكان فاسداً عند الحنفية(٢)، وباطلاً عند الشافعية والحنابلة(٣).
وقال الإمام مالك : يجوز الخيار المطلق بدون تحديد مدة، ويحدد الحاكم له مدة
كمدة خيار مثله في العادة؛ لأن اختيار المبيع في مثله مقدر في العادة، فإذا أطلق
الدر المختار ورد المختار لابن عابدين: ٤/ ٥٠ وما بعدها.
(١)
(٢)
البدائع: ٥/ ١٧٤، رد المحتار: ٤ / ٤٩.
(٣)
المهذب: ١ / ٢٥٩، المغني: ٣ / ٥٨٩.
الفقه الإسلامي جـ ٤ (١٧)
- ٢٥٥ _

الخيار حمل على المعتاد. ويفسد العقد باشتراط مدة زائدة على المعتاد بكثير أي بعد
يوم، أو بشرط مدة مجهولة كإلى أن تمطر السماء(١).
ثم اختلف الفقهاء في مقدار مدة الخيار على ثلاثة أقوال :
١ - فقال أبو حنيفة وزفر والشافعي(٢): إنها لا تزيد على ثلاثة أيام، عملاً
بمقتضى الحديث الذي ثبتت به مشروعية هذا الخيار، وهو حديث حَبَّان بن مُنْقِذ
الذي كان يغبن في البيع والشراء، فشكا أهله إلى رسول الله مَ اتٍ، فقال: ((إذا بايعت
فقل: لا خلابة(٢)، ولي الخيار ثلاثة أيام)) فهذا الخيار شرع استثناء لدفع الغبن عن
الناس، فيقتصر فيه على مورد النص، والنص جعل المدة ثلاثة أيام، فلا يزاد عليها ،
ولأن الحاجة تتحقق بالثلاث غالباً .
فلو زاد عليها فسد العقد عند أبي حنيفة وزفر، ويعود صحيحاً عند أبي حنيفة
إذا ارتفع سبب الفساد بإجازة العقد في مدة الأيام الثلاثة، وعند زفر: الفاسد من
العقود لا يعود صحيحاً بحال. ويبطل العقد عند الشافعي .
٢ - وقال الصاحبان والحنابلة(٤): تكون مدة الخيار بحسب اتفاق العاقدين،
ولو كانت أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن الخيار شرع للتروي والمشورة، وقد لا تكفي
الأيام الثلاثة . والتحدید المذکور في حدیث حبان کان کافیاً بالنسبة له بتقدير
الرسول ماتله. وما يكون كافياً لشخص قد لا يكفي لغيره، فلا يكون هذا التحديد
مانعاً من الزيادة على المدة المذكورة .
بداية المجتهد: ٢ / ٢٠٨، الشرح الكبير: ٣ / ٩٥.
(١).
المبسوط: ١٣ / ٤٠ وما بعدها، البدائع: ٥/ ١٧٤، فتح القدير: ٥/ ١١٠ وما بعدها، مغني المحتاج: ٢ / ٤٧،
(٢)
المجموع: ٩ / ٢٠١.
أي لا خديعة ولا غبن أي لا يحل لك خديعتي ولا تلزمني خديعتك، والحديث رواه الحاكم والبيهقي والبخاري
(٣)
ومسلم وأبو داود والنسائي ومالك في الموطأ عن ابن عمر (سبل السلام: ٣/ ٣٥، نيل الأوطار: ١٨٢/٥).
المبسوط: ١٣ / ٤١، فتح القدير: ١١١/٥، البدائع: ١٧٤/٥، المغني: ٣/ ٥٨٥، غاية المنتهى: ٢ / ٣٠.
(٤)
- ٢٥٦ -

٣ - وقال المالكية(١): يجوز الخيار بقدر ما تدعو إليه الحاجة، ويختلف ذلك
باختلاف الأحوال، فالفاكهة لا يجوز الخيار فيها أكثر من يوم، والثياب والدواب:
ثلاثة أيام، والأرض البعيدة: أكثر من ثلاثة أيام، والدار ونحوها : شهر؛ لأن
المفهوم من الخيار هو اختبار المبيع، وإمكان الاختبار يختلف بحسب المبيعات،
تحقيقاً لحاجة العقد .
وتبدأ مدة الخيار بعد العقد مباشرة .
أثر خيار الشرط :
لخيار الشرط أثران: أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه.
أما الأثر المتفق عليه : فهو جعل العقد غير لازم بالنسبة لمن له الخيار.
فيجوز له الفسخ في مدة الخيار، وإمضاء العقد، وإذا مضت المدة بدون فسخ أو
إمضاء سقط خياره ولزمه العقد .
ويصح الفسخ والإمضاء بالقول الدال عليه مثل : أجزت العقد أو أمضيته، أو
رضيت به، أو فسخته، كما يصح بالفعل الدال عليه أو المتضمن له، كالتصرف في المبيع
بالبيع أو الإجارة أو الرهن أو الإعارة، سواء من البائع إذا كان له الخيار، أو من
المشتري صاحب الخيار.
ويشترط لصحة الفسخ شرطان(٢):
١ - أن يكون في مدة الخيار، لأن العقد يلزم بمضي مدة الخيار بلا فسخ من
صاحب الخيار.
٢ - علم الطرف الآخر بالفسخ إذا كان الفسخ قولياً عند أبي حنيفة ومحمد منعاً
بداية المجتهد: ٢ / ٢٠٧، الشرح الكبير مع الدسوقي: ٣ / ٩١، ٩٥، القوانين الفقهية: ص ٢٧٣.
(١)
(٢)
البدائع: ٥/ ٢٧٣، تبیین الحقائق: ٤ / ١٨.
- ٢٥٧ -

من إلحاق الضرر به، فإنه إذا كان بائعاً قد يسكت عن البحث عن مشتر آخر، اعتماداً
على أن المشتري لم يفسخ العقد، وفي هذا ضرر به، وإذا كان مشترياً فقد يتصرف في
المبيع ظناً منه أن البائع لم يفسخ العقد، فيلحقه الضمان، وفي هذا ضرر به، وبالعلم
بالفسخ يمتنع لحوق هذا الضرر.
أما الفسخ الفعلي فلا يشترط فيه علم الطرف الآخر به لأنه أمر حكمي، ولا
يشترط العلم في الفسخ الحكمي كعزل الوكيل والشريك والمضارب بارتداده ولحاقه
بدار الحرب ، أو جنونه جنوناً مطبقاً .
ولا يشترط علم الطرف الآخر بإجازة العقد.
وقال أبو يوسف والحنابلة(١): لا يشترط علم الطرف الآخر بالفسخ أيضاً؛ لأن
القبول بالخيار يدل على تسليط صاحب الخيار على الفسخ، سواء علم الآخر أم لم
يعلم .
وأما الأثر المختلف فيه : فهو عدم ترتب أثر العقد عليه.
وهذا عند الحنفية(٢) والمالكية(٣) فالخيار عند هؤلاء مانع من ترتب آثار العقد،
فلا تنتقل الملكية عند أبي حنيفة في كلا البدلين إذا كان الخيار للعاقدين أثناء مدة
الخيار، أي أنه لا يزول المبيع عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري، كما لا يزول
الثمن عن ملك المشتري ولا يدخل في ملك البائع ؛ لأن الخيار موجود في جانبي البائع
والمشتري .
وإذا كان الخيار للبائع وحده لا تنتقل ملكية المبيع عنه، ويخرج الثمن عن
ملك المشتري؛ لأن العقد لازم في حقه، ولكن لا يدخل في ملك البائع ، حتى لا يجتمع
(١)
المرجعان السابقان، غاية المنتهى: ٢/ ٣١.
البدائع: ٥/ ٢٦٤ وما بعدها، فتح القدير: ٥/ ١١٥ وما بعدها، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ٤ / ٥١.
(٢)
(٣)
الشرح الكبير مع الدسوقي: ٣/ ١٠٣، القوانين الفقهية: ص ٢٧٣.
- ٢٥٨ -

البدلان (المبيع والثمن ) في يد واحدة ، لمنافاته لمبدأ التعادل بين العاقدين .
وقال الصاحبان : يدخل الثمن في ملك البائع؛ لأن الشيء لا يصح أن يكون
بلا مالك .
وإذا كان الخيار للمشتري وحده فلا يخرج الثمن عن ملكه، وأما المبيع فيخرج
عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري عند أبي حنيفة، ويدخل في ملکه عند
الصاحبين .
وقرر المالكية : أن ملك المبيع للبائع زمن الخيار، حتى ينقضي الخيار.
ووجهة هذا الفريق: أن من شرط الخيار لنفسه لم يتم رضاه بالعقد، والآثار
لا توجد إلا مع الرضا التام .
وقال الشافعية والحنابلة في أظهر الرأيين عندهم(١): تترتب آثار العقد عليه في
فترة الخيار، وتنتقل ملكية البدلين للطرفين المتعاقدين ، سواء أكان الخيار للعاقدين
أم لأحدهما؛ لأن العقد صحيح نافذ، فتترتب أحكامه (آثاره) عليه. وأثر الخيار
محصور في منع اللزوم فقط .
وتظهر ثمرة الخلاف بين الفريقين في مؤونة ( نفقة) المعقود عليه والزيادة فيه،
فعلى رأي الحنفية والمالكية : تكون المؤونة في مدة الخيار على البائع والزيادة له.
وعلى رأي الآخرين : تكون المؤونة على المشتري والزيادة له .
انتهاء خيار الشرط :
العقد المشتمل على الخيار غير لازم، وبانتهاء الخيار إما أن يزول العقد، أو
يصبح لازماً. وينتهي الخيار بأحد الأمور التالية(٢):
(١)
مغني المحتاج: ٢/ ٤٨، المهذب: ١ / ٢٥٩، المغني: ٣ / ٥٧١، غاية المنتهى: ٢ / ٣٢، القواعد لابن رجب: ص
٠٣٧٧
(٢)
البدائع: ٥/ ٢٦٧ - ٢٧٢، المبسوط: ١٣ / ٤٢ - ٤٤، فتح القدير: ١١٧/٥ - ١٢٥، الدر المختار: ٤ / ٥٢، ٥٧.
- ٢٥٩ -

١ - إمضاء العقد أو فسخه في مدة الخيار ، سواء أكان ذلك بالقول أم بالفعل كما
بينا .
٢ - مضي مدة الخيار دون إجازة (إمضاء) أو فسخ.
٣ - هلاك المعقود عليه أو تعيبه في يد صاحب الخيار، فإن كان الخيار للبائع
مثلاً بطل البيع وسقط الخيار، وإن كان الخيار للمشتري لا يبطل البيع، ولكن
يسقط الخيار، ويلزم البيع، ويجب على المشتري دفع الثمن ، سواء أكان الهلاك أو
التعيب بفعل المشتري أو بفعل البائع ، أو بآفة سماوية .
٤ - زيادة المعقود عليه في يد المشتري إذا كان الخيار له: زيادة متصلة متولدة
منه كسمن الحيوان، أم غير متولدة منه كالبناء على الأرض وصباغة الثوب . أو
زيادة منفصلة متولدة منه كولد الحيوان وثمرة البستان. أما الزيادة المنفصلة غير
المتولدة منه كالأجرة فلا تبطل الخيار ولا تمنع الرد.
٥ - موت المشروط له الخيار عند الحنفية والحنابلة(١): لأن خيار الشرط كخيار
الرؤية لا يورث عندهم لأنه حق شخصي خاص بصاحبه، ولا يتصور انتقال ذلك من
شخص إلى آخر.
وقال المالكية والشافعية(٢): لا يسقط الخيار بالموت، بل ينتقل إلى الورثة؛
لأنه حق متعلق بالمال وهو المعقود عليه، وليس من الحقوق الشخصية، والحقوق
المالية يجري فيها الإرث، لقوله سؤال: ((من ترك مالاً أو حقاً فلورثته))(٣).
(١)
المغني: ٣ / ٥٧٩، غاية المنتهى: ٢ / ٣٣.
بداية المجتهد: ٢/ ٢٠٩، القوانين الفقهية: ص ٢٧٣، المهذب: ١/ ٢٥٩، مغني المحتاج: ٢ / ٤٥.
(٢)
رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب بلفظ: ((من ترك مالاً فلورثته ... » (نيل
(٣)
الأوطار: ٦ / ٦٢).
- ٢٦٠ -