النص المفهرس

صفحات 221-240

وقد نص القانون المدني السوري في المادتين (١٢٦، ١٢٧) على التدليس من
أحد المتعاقدين أو من غير المتعاقدين، وجعل التدليس موجباً لخيار المدلس عليه
وإعطائه الحق في إبطال العقد إذا كانت الحيل المستخدمة من الجسامة بحيث لولاها
لما أبرم الطرف الثاني العقد. وكان العاقد صاحب المصلحة في حالة التدليس من غير
العاقدين يعلم بالتدليس أو من المفروض أن يعلم. وهذا إجمالاً يتفق مع الفقه
الإسلامي كما بينا .
٤ - الغبن مع التغرير:
الغبن لغة: النقص. والتغرير: الخداع. وعند الفقهاء: الغين: أن يكون أحد
العوضين غير متعادل مع الآخر، بأن يكون أقل من قيمته أو أكثر منها. والتغرير:
إيهام خلاف الواقع بوسائل مغرية، وعرفته المجلة (م١٦٤) بأنه وصف المبيع
للمشتري بغير صفته الحقيقية .
والغبن نوعان : يسير وفاحش(١).
م
8
أما الغبن اليسير: فهو ما يدخل تحت تقويم المقومين أي ما يتناوله تقدير الخبراء
وذلك في حدود ١٠٪ مثلاً، كشراء شيء بمئة ، ثم يقدره خبير بتسعین أو بخمس
وتسعین مثلاً .
وأما الغبن الفاحش: فهو مالا يدخل تحت تقويم المقومين أو تقدير الخبراء
العارفين بأسعار الأشياء. وقدرته المجلة (م١٦٥ ) عملاً برأي نصر بن يحيى بأنه نصف
العشر في العروض التجارية ، والعشر في الحيوانات، والخمس في العقار أو زيادة.
أثر الغبن في العقد :
الغبن اليسير: لا أثر له على العقد فلا يجيز الفسخ؛ لأنه يصعب الاحتراز عنه،
(١) البدائع: ٣٠/٦، الدر المختار ورد المختار: ١٦٦/٤ .
- ٢٢١ -

ويكثر وقوعه في الحياة العملية، ويتسامح الناس فيه عادة. واستثنى الحنفية
حالات ثلاثة يجوز فيها فسخ العقد بسبب الغبن اليسير للتهمة وهي :
١ - تصرف المدين المحجور عليه بسبب دين مستغرق: فإذا باع شيئاً من ماله،
أو اشترى ولو بغبن يسير، كان للدائنين حق فسخ العقد إلا إذا رضي العاقد الآخر
برفع الغبن ؛ لأن تصرف المدين موقوف على إجازة الدائنين، فإن أجازوه نفذ، وإن
لم يجيزوه بطل .
٢ - تصرف المريض مرض الموت: إذا باع أو اشترى بغبن یسیر جاز للدائنين أو
للورثة بعد الموت طلب فسخ التصرف، إلا إذا رضي المتعاقد الآخر برفع الغبن .
٣ - بيع الوصي شيئاً من أموال اليتيم بغبن يسير لمن لا تجوز شهادته له كابنه
وزوجته ، فينقض العقد .
وأما الغبن الفاحش : فيؤثر في رضا العاقد فيزيله، ولكن هل له الحق في فسخ
العقد ؟ للفقهاء في ذلك آراء ثلاثة :
الرأي الأول للحنفية(١): ليس للغبن الفاحش وحده في ظاهر الرواية أثر
على العقد، فلا يجيز رد المعقود عليه أو فسخ العقد إلا إذا انضم إليه تغرير ( أي
وصف المبيع بغير حقيقته ) من أحد العاقدين أو من شخص آخر كالدلال ونحوه وهذا
ما أخذت به المجلة ( م ٣٥٧) ؛ لأن الغبن المجرد عن كل خديعة يدل على تقصير
المغبون وعدم ترويه وسؤاله أهل الخبرة ولا يدل على مكر العاقد الآخر، ولكل
إنسان طلب المنفعة مالم يضر الجماعة ، كما في حالة الاحتكار. فإذا انضم إليه تغریر کان
المغبون معذوراً؛ لأن الرضا بالعقد كان على أساس عدم الغبن ، فإذا ظهر الغبن لم
یتوافر الرضا .
(١) الدر المختار ورد المختار: ١٦٦/٤ وما بعدها.
- ٢٢٢ -

واستثنى الحنفية حالات ثلاثة يجوز فيها الفسخ بالغبن الفاحش المجرد عن
التغرير: وهي :
أموال بيت المال. وأموال الوقف. وأموال المحجور عليهم بسبب الصغر أو
الجنون أو السفه، فإذا بيع شيء من ذلك بغبن فاحش ولو من غير تغرير، نقض
البيع ( م / ٣٥٦ مجلة ).
الرأي الثاني - للحنابلة : (١) يؤثر الغبن الفاحش في العقد فيجعله غير لازم ،
سواء أكان بتغرير أم بغير تغرير ، ويعطى للمغبون حق فسخ العقد في حالات
ثلاث هي :
أ - تلقي الركبان: وهو أن يتلقى شخص طائفة من الناس يحملون متاعاً
إلى بلد ، فيشتريه منهم ، قبل قدومهم البلد ومعرفتهم بالسعر. وهو حرام ومعصية،
ويثبت لهم حق الفسخ إذا غبنوا غبناً فاحشاً، لقوله عاقل: ((لا تلقوا الركبان))(٣).
وهذا رأي الشافعية أيضاً(٣) ، لثبوت الخيار فيه بنص الحديث.
ب - النَّجْش: وهو زيادة ثمن السلعة المعروضة للبيع، لا لرغبة في شرائها ،
بل ليخدع غيره. فيثبت الخيار للمشتري إذا لم يعلم بأن الذي يزيد لا يريد الشراء.
وليس له الخيار في الأصح عند الشافعية (3).
ج - المسترسل: وهو الشخص الجاهل بقيمة الأشياء، ولا يحسن المساومة
والفصال ويشتري مطمئناً إلى أمانة البائع ، ثم يتبين أنه غبن غبناً فاحشاً ، فيثبت له
الخيار بفسخ البيع .
(١)
غاية المنتهى: ٣٣/٢ ، المغني : ٢١٢/٤، ٢١٨ وما بعدها .
عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال، قال رسول الله مَ ◌ّم: «لا تلَقّوا الركبان، ولا يبع حاضر
(٢)
لباد))، («قلت لابن عباس: ما قوله، ولا يبع حاضر لباد؟)) قال لا يكون له سمساراً. متفق عليه واللفظ
للبخاري ( سبل السلام : ٢٠/٣ وما بعدها ) .
مغني المحتاج : ٣٦/٢ ، المهذب : ٢٩٢/١ .
(٣)
مغني المحتاج: ٣٧/٢، المهذب : ٢٩١/١ .
(٤)
- ٢٢٣ -
الفقه الإسلامي جـ ٤ (١٥)

وقال المالكية : هذه البيوع الثلاثة صحيحة ولكنها حرام للنهي الثابت في
السنة عنها شرعاً، ويعطى الخيار بالفسخ للمشتري في حالة بيع النجش دون
غيره(١) .
الرأي الثالث - الشافعية(٢): لا أثر للغبن الفاحش في التصرفات سواء رافقه
تغرير أم لا؛ لأن الغبن لا يقع إلا بتقصير من المغبون غالباً ، فلو سأل أهل الخبرة، لما
وقع في الغبن .
والقانون المدني السوري نص في المادة ( ١٣٠) على حالة خاصة من حالات
الغبن وهي الغبن الاستغلالي: وهي حالة انعدام تعادل الأداءات المتقابلة الذي دفع
إلى وجوده وجود طيش بيِّن ( خفة ظاهرة ) أو هوى جامح ( الولع الشديد بشيء
لاقبل له بدفعه ) عند أحد المتعاقدين واستغلال المتعاقد لتلك الحالة النفسية . وقدر
الغبن في بيع العقار في المادة ( ٣٩٣ / ١) بمازاد على الخمس. وجعل جزاءه قابلية
العقد للإبطال لطلب المغبون برفع الدعوى خلال سنة من تاريخ العقد. وكل قابل
للإبطال ( البطلان النسبي ) يقبل الإجازة ممن تقرر الإبطال لمصلحته.
المبحث الثالث - شروط العقد :
عرفنا فيما مضى عناصر العقد الأساسية الأربعة: وهي صيغة التعاقد،
والعاقدان، والمحل المعقود عليه، وموضوع العقد أو المقصد الأصلي للعقد.
ويتطلب العقد بالإضافة لعناصره توافر أربعة أنواع من الشروط وهي :
شروط الانعقاد، وشروط الصحة ، وشروط النفاذ، وشروط اللزوم.
القوانين الفقهية: ص٢٦٤، الشرح الكبير للدردير: ٦٧/٣ - ٧٠، الشرح الصغير: ٨٧/٣. أما النهي عن تلقي
(١)
الركبان فهو عند البخاري ومسلم كما تقدم، وأما النهي عن النجش فهو عند أحمد والشيخين عن ابن عمر: ((نهى
النبي ◌َّجُّ عن النَّجْش ».
(٢)
مغني المحتاج: ٣٦/٢ .
- ٢٢٤ _

والقصد من هذه الشروط في الجملة منع وقوع المنازعات بين الناس، وحماية
مصالح العاقدين، ونفي الغرر (أي الاحتمال) والبعد عن المخاطر بسبب الجهالة.
والمراد بالشرط: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان خارجاً عن حقيقته(١)،
كالطهارة للصلاة شرط فيها وهي أمر خارج عن الحقيقة، وحضور الشاهدين في
الزواج شرط فيه، وتعيين العوضين في البيع أو قابلية المبيع للتمليك شرط فيه،
والقدرة على تسليم المبيع أو أهلية العاقد شرط في البيع؛ لأن كلاً منها ليس من أجزاء
العقد(٢).
ويقسم الفقهاء الشروط بحسب مصدرها إلى شرط شرعي وشرط جعلي .
فالشرط الشرعي : هو الذي يفرضه الشرع، فيصبح لا بد منه لتحقق العقد،
ولا يوجد إلا به. وهذا محل بحثنا هنا، كاشتراط أهلية العاقد لانعقاد العقد.
والشرط الجعلي (٣): هو الذي يشترطه العاقد بإرادته ليحقق له مقصداً خاصاً في
: العقد ، فيجعل مقترناً بالعقد، أو معلقاً عليه كتعليق الكفالة والطلاق ، مثل إن
سافر مدينك اليوم فأنا كفيل بدينك، وإن فعلت (مخاطباً زوجته) كذا فأنت
طالق، وكسائر القيود والالتزامات التي يشترطها المتعاقدان على أنفسهما .
وقد بحثنا ذلك في بحث حرية العاقد في الشروط .
أ- شرائط الانعقاد: هي ما يشترط تحققه لجعل العقد في ذاته منعقداً شرعاً
وإلا كان باطلاً . وهي نوعان : عامة وخاصة .
(١) أما الركن كما عرفنا: فهو عند الحنفية ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان جزءاً من حقيقته أو ماهيته.
كالركوع ركن في الصلاة لأنه جزء منها، والقراءة في الصلاة ركن؛ لأنه جزء من حقيقة الصلاة. والإيجاب
والقبول في العقد ركنان لأنها جزءان من حقيقة العقد.
(٢)
مرآة الأصول لمنلا خسرو: ٣٣٩/٢.
سمي جعلياً: لأن الشخص العاقد لا الشرع هو الذي جعله شرطاً قيد به العقد أو علقت عليه في أمر كان له
(٣)
الخيار في تنجيزه وتعليقه.
- ٢٢٥ -

فالشرائط العامة : هي التي يجب توافرها في كل عقد .
والشرائط الخاصة: هي التي يطلب وجودها في بعض العقود دون سواها.
كاشتراط الشهود في عقد الزواج، فلا ينعقد الزواج إلا بحضور الشاهدين، وإلا كان
باطلاً .
وكاشتراط التسليم في العقود العينية (وهي الهبة والإعارة والإيداع والقرض
والرهن) فلا يتم انعقاده إلا بتسليم محل العقد وإلا كان باطلاً .
وكعدم تعليق العقد على شرط في المعاوضات والتمليكات كالبيع والهبة والإبراء،
فإن التعليق يبطلها . والشرائط العامة للانعقاد: هي الشروط المطلوبة في صيغة
التعاقد وفي العاقد، وفي المحل المعقود عليه، وألا يكون العقد ممنوعاً شرعاً، وأن
يكون العقد مفيداً .
أما شروط الصيغة والعاقد ومحل العقد فقد بيناها سابقاً فلا داعي لتكرارها
هنا .
وأما كون العقد غير ممنوع شرعاً: فهو ألا يوجد نص شرعي يقتضي
بطلانه ، مثل التبرع من مال الصغير القاصر أو بيع شيء من ماله بغبن فاحش ، فلا
تنعقد الهبة من مال القاصر من أي واحد، سواء الولي أو من نفس الصغير، ويكون
العقد باطلاً، حتى ولو أجازه الصغير بعد بلوغه؛ لأن الباطل لا يقبل الإجازة.
ومثل الاستئجار على فعل المعاصي أو ارتكاب الجرائم أو بيع المخدرات والمسكرات.
ومثل بيع الغرر (أي غرر الوجود) وهو بيع الشيء المحتمل للوجود والعدم أي أن
المعقود عليه هو المحتمل الوجود والعدم كبيع اللبن في الضرع والصوف على الظهر،
واللؤلؤ في الصدف، والحمل في البطن، والسمك في الماء، والطير في الهواء قبل
صيدهما . ومنه بيع ضربة القانص (وهو أن يقول البائع: بعتك ما يخرج من إلقاء
هذه الشبكة مرة بكذا)، وضربة الغائص (وهو أن يقول البائع : أغوص غوصة، فما
- ٢٢٦ -

أخرجته من اللآلئ فهو لك بكذا).
ومنه بيع المضامين (ما في أصلاب الذكور) والملاقيح (ما في بطون الإناث)
وبيع الملامسة والمنابذة وإلقاء الحصاة أو الحجر: وهي أن المشتري أو البائع إذا لمس
المبيع أو نبذه البائع للمشتري، أو ألقى المشتري عليه حصاة أو حجراً، فقد لزم العقد،
فالمبيع في هذه الأحوال مجهول الذات أو المقدار، وقد ثبت النهي عنها كما تقدم،
وكانت بيوعاً متعارفة في الجاهلية، فهي باطلة أي أن غرر الوجود مبطل للبيع .
والخلاصة: أن المنع الشرعي(١) قد يكون بسبب طريقة العقد كبيع الغرر، أو
بسبب محل العقد كبيع المخدرات والاستئجار على فعل المعاصي، أو بسبب موضوع
العقد كهبة مال القاصر، والتعامل بالذهب في سوريا ومصر(٢).
وأما كون العقد مفيداً (٣): فهو أن يحقق مصلحة معقولة. فلا ينعقد الرهن
مثلاً في مقابل الأمانة كالوديعة؛ لأن المرهون به يجب أن يكون مضموناً(٤)؛ لأن
قبض الرهن مضمون ، فلا بد أن يقابله مضمون ، والوديعة ونحوها أمانة غير مضمونة.
ولا يصح التعاقد بين اثنين على عدم الاشتغال في التجارة مثلاً؛ لأن ذلك مصادم
لمبدأ حرية الإنسان الاقتصادية، وحماية هذه الحرية من النظام العام في الإسلام.
كما لا يصح التعاقد أيضاً على أمر واجب على الإنسان شرعاً، كالاتفاق على
الامتناع من فعل جريمة ، والاستئجار على فعل الواجبات الدينية كالصلاة ومجرد
يلاحظ أن النهي أو المنع الشرعي عند الحنفية قد يكون أثره البطلان أو عدم الانعقاد وقد يكون أثره الفساد
(١)
أي الانعقاد مع الخلل الفرعي.
(٢)
المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف ١٦٧ .
(٣)
المرجع السابق: ف ١٦٩ .
الأمانة: هي التي لا تضمن إذا تلفت (أي لا يدفع بدلها) إلا بالتعدي أو التقصير في الحفظ. والمضمون: هو الذي
(٤)
يضمن إذا تلف لأي سبب كان التلف.
- ٢٢٧ -

قراءة القرآن (١)، واستئجار الزوجة على القيام بأعمال المنزل أو على إرضاع طفلها؛
لأن ذلك واجب عليها ديانة .
ب - شرائط الصحة :
وهي ما يشترط شرعاً لترتيب آثار العقد، فإن فقدت كان العقد فاسداً، أي
مختلاً اختلالاً في ناحية فرعية متممة غير أساسية ، مع كونه منعقداً موجوداً في حد
ذاته .
وأغلب شرائط الصحة خاص بكل عقد على حدة. ففي البيع مثلاً يشترط عند
الحنفية خلوه من أحد العيوب الستة الآتية وهي: الجهالة، والإكراه، والتوقيت،
والغرر (غرر الوصف )، والضرر، والشرط الفاسد(٢).
أما الجهالة : فهي الجهالة الفاحشة التي تفضي إلى نزاع يتعذر حله، وهو النزاع
الذي تتساوى فيه حجة الطرفين بالاستناد إلى الجهالة. وهي أربعة أنواع: جهالة
المبيع أو الثمن جنساً أو نوعاً أو قدراً، وجهالة أجل وفاء الثمن، أو مدة خيار الشرط،
وجهالة وسائل التوثيق كتقديم كفيل أو رهن مجهولين .
وأما الإكراه بنوعيه الملجىء والناقص فيفسد العقد عند جمهور الحنفية،
ويجعل العقد موقوفاً عند زفر، على التفصيل الذي ذكرناه.
وأما التوقيت : فهو تأقيت البيع بمدة شهر أوسنة ، فيفسد ؛ لأن ملكية العين
لا تقبل التأقيت. كذلك يفسد الزواج في حال تأقيته بمدة معينة ؛ لأنه مشروع بصفة
التأبيد.
(١) لكن أفتى متأخرو الفقهاء من الحنفية، والمالكية والشافعية بجواز أخذ الأجرة على ممارسة الشعائر الدينية مثل
الأذان والإقامة والإمامة في صلاة الجمعة والجماعة، وعلى تعليم القرآن للضرورة خشية ألا يقوم بها أحد فتتعطل
(تبيين الحقائق: ١٢٤/٥، البدائع: ١٩١/٤ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢٢١/١، مغني المحتاج: ٣٤٤/٢،
المهذب: ٣٩٨/١).
(٢)
رد المحتار: ٦/٤، فتح القدير ٢١٩/٥، البدائع: ١٨٨/٧ .
- ٢٢٨ -

وأما غرر الوصف: فهو كبيع بقرة على أنها تحلب كذا رطلاً، فهو بيع فاسد؛
لأن المقدار المذكور من الحليب موهوم التحقق ، فقد ينقص. وأما غرر الوجود: وهو
ما كان المبيع فيه محتملاً للوجود والعدم ، فيجعل البيع باطلاً كما بينا .
وأما الضرر: فهو كبيع جذع معين من سقف مبني لا يمكن تسليمه إلا بهدم
ما حول الجذع، و کبیع ذراع من ثوب يضره التبعيض .
وأما الشرط الفاسد عند الحنفية(١) فهو كل شرط فيه نفع لأحد
المتبايعين، ولم يتعارفه الناس كبيع سيارة على أن يستخدمها شهراً بعد البيع ، أو دار
على أن يسكنها مدة معينة، أو كبيع بشرط إقراض مبلغ من المال. وحكمه أنه يفسد
البيع ونحوه من المعاوضات المالية، ولا يؤثر في غيرها كما بينا سابقاً في بحث حرية
الاشتراط .
كذلك يشترط في البيع المماثلة في الكمية بين البدلين والتقابض في العوضين في
مبادلة الأموال الربوية بجنسها كالنقدين ( الذهب والفضة ) والحبوب من حنطة
وشعير ونحوهما .
ويشترط أيضاً قبض المبيع المنقول قبل التصرف به من المشتري لشخص آخر.
ج - شرائط النفاذ :
يشترط لنفاذ العقد شرطان(٢):
أولاً - الملك أو الولاية . أما الملك : فهو حيازة الشيء متى كان الحائز له قادراً
وحده على التصرف فيه عند عدم المانع الشرعي ، أي أن المالك له حرية التصرف
(١)
الدر المختار: ١٢٧/٤.
(٢)
الدر المختار ورد المختار: ٦/٤، ١٠٤ البدائع: ١٥٥/٥.
- ٢٢٩ -

والاستقلال بمنافع الشيء إلا إذا وجد مانع كالجنون أو السفه أو الطفولة أو عدم
التمييز.
وأما الولاية: فهي سلطة شرعية بها ينعقد العقد وينفذ، وهي إما أصلية :
وهي أن يتولى الإنسان أمور نفسه بنفسه. أو نيابية: وهي أن يتولى الشخص أمور
غيره من ناقصي الأهلية، إما يإنابة المالك كالوكيل، أو بإنابة الشارع كالأولياء
( الأب أو الجد ) والأوصياء ( وصي الأب أو الجد أو وصي القاضي ).
ويترتب على هذا الشرط أن محل العقد ينبغي أن يكون مملوكاً للعاقد، فإن لم
يكن مملوكاً له بأن كان فضولياً، كان العقد غير نافذ أو موقوفاً على إجازة المالك .
وقد اعتبر الشافعي وأحمد الملك أو الولاية من شرائط الانعقاد، فتعتبر
تصرفات الفضولي باطلة . كما بحثنا سابقاً .
ثانياً - ألا يكون في محل العقد حق لغير العاقد : فإن تعلق به حق الغير كان
العقد موقوفاً غير نافذ، وتعلق حق الغير له ثلاثة أوجه(١) .
١ - أن يكون حق الغير متعلقاً بعين المحل المعقود عليه، كبيع ملك الغير وتبرع
المريض مرض الموت بما يزيد عن ثلث أمواله، يكون موقوفاً على إجازة الوزثة.
٢ - أن يكون متعلقاً بمالية المحل المعقود علیه دون عینه، کتصرف المدین غير
المحجور عليه بما يضر حقوق الدائنين ، تتعلق حقوقهم بمالية أموال المدين لاستيفاء
ديونهم ، وليست حقوقهم متعلقة بأعيان أمواله، فلو أتى المدين بمال آخر يفيهم به
حقوقهم نفذت تصرفاته الموقوفة على إجازتهم .
٣ - أن يكون متعلقاً بصلاحية التصرف نفسه، لا بمحله المعقود عليه، كتصرف
(١) الدر المختار: ١٤٦/٤، المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف٤/١٩٤.
- ٢٣٠ -

ناقص الأهلية المحجور عليه إما حجراً شرعياً بسبب الصغر كالمميز، أو حجراً قضائياً
بسبب السفه أو الدين المستغرق ( المحيط بكل ماله ).
فناقص الأهلية لا يملك التصرف في أمواله، ويكون تصرفه موقوفاً على إجازة
وليه الشرعي من أب أو جد أو وصي . فإن أجازه نفذ، وإن رده بطل .
وكما أن حق الغير ( أي غير العاقدين ) مانع من نفاذ التصرف، هناك مانع آخر
من النفاذ وهو الإكراه .
د - شرائط اللزوم: الأصل في العقود اللزوم، ويشترط للزوم العقد كالبيع
والإيجار خلوه من أحد الخيارات التي تسوغ لأحد العاقدين فسخ العقد، والتي تثبت
إما باشتراط العاقد أو بإيجاب الشرع (١). فإن وجد في العقد خيار كخيار الشرط أو
خيار العيب أو الرؤية منع لزوم العقد في حق من له الخيار، فكان له أن يفسخ العقد
أو أن يقبله، إلا إذا حدث مانع من ذلك، كما سنبين في بحث الخيارات. ويسمى
العقد المشتمل على الخيار غير لازم.
الله تعالى
المبحث الرابع - آثار العقد :
لكل عقد أثر خاص وأثر عام(٣) :
فالأثر الخاص : هو حكم العقد، وحكم العقد: هو الأثر الأصلي ( أو النوعي )
للعقد أو الغاية الجوهرية الأساسية المقصودة من العقد كانتقال الملكية في عقد البيع
والهبة، وتملك المنفعة في عقد الإيجار والإعارة، وحل المتعة الزوجية في عقد الزواج،
وحق احتباس المرهون في عقد الرهن، وتفويض التصرف في عقد الوكالة، ونحو
ذلك .
حاشية ابن عابدين : ٦/٤ .
(١)
راجع المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف١٩٣ وما بعدها.
(٢)
- ٢٣١ -

ويقال للحكم الأصلي للعقد موضوع العقد كما بينا سابقاً في بحث السبب.
وبهذا يفترق الحكم الأصلي للعقد عن الالتزام. فالالتزام هو كون الشخص مكلفاً
بفعل، أو بامتناع عن فعل. مثال الأول: تسليم المبيع وأداء الثمن . ومثال الثاني:
عدم التعدي على نفس أومال الغير، وعدم استعمال الوديعة .
ومصدر الالتزام قد يكون هو الشرع كالإنفاق على الأقارب، وقد يكون
مصدره العقد، كالالتزام بدفع الأجرة أو الثمن، وقد يكون مصدره غير العقد وهو
الفعل الضار كضمان المتلفات .
وحكم العقد الأصلي يتحقق آلياً بتقدير الشرع بمجرد انعقاد العقد صحيحاً، فلا
يحتاج إلى تنفيذ ، فبمجرد انعقاد البيع صحيحاً تنتقل الملكية للمشتري ، وهكذا سائر
أحكام العقود .
أما الالتزام: فيحتاج إلى تنفيذ؛ لأنه تكليف على شخص لمصلحة آخر، فملكية
المبيع وإن انتقلت إلى المشتري بمجرد البيع، لكن ذلك الأثر يحتاج إلى تنفيذ التزام
البائع : وهو القيام بتسليم المبيع إلى المشتري .
والالتزامات قد يستلزمها العقد ذاته: وهي التي نظمها الشرع آثاراً للعقد
المنشئ لها كالالتزام بتسليم المبيع وضمان العيب، والالتزام بدفع الثمن أو الأجرة .
وقد يشترطها العاقد كاستعمال المبيع مدة بعد البيع ، وإيصال المبيع لبيت
المشتري، ودفع الأجرة سلفاً، ونحو ذلك .
وأما الأثر العام: فهو ما تشترك فيه كل العقود أو معظمها من أحكام ونتائج.
وللعقود أثران عامان هما : النفاذ، والإلزام واللزوم.
والنفاذ: معناه ثبوت حكم العقد الأصلي والالتزامات منذ انعقاده، أي أن آثار
العقد الخاصة ونتائجه المترتبة عليه تحدث فور انعقاد العقد ، فنفاذ عقد البيع مثلاً
- ٢٣٢ -

معناه انتقال ملكية المبيع والثمن بمجرد انعقاده، وإيجاب تنفيذ الالتزامات على
الطرفين، كتسليم المبيع وتسلم الثمن ، وضمان العيب إن ظهر فيه عيب .
ونفاذ عقد الزواج معناه: إحلال المتعة الزوجية بمجرد انعقاده، وإيجاب
الحقوق والالتزامات التي ينشئها العقد بينهما، كالتزام الرجل بالنفقة ، ومسؤولية المرأة
عن الطاعة المشروعة .
والنفاذ يقابله التوقف، فيقال : عقد نافذ وعكسه موقوف.
وأهم أنواع العقد الموقوف سبعة هي :
عقد المكره، وعقد المميز، وعقد السفيه المحجور عليه، وعقد المدين بدين
مستغرق ، وتبرع المريض مرض الموت، وعقد الفضولي، وتصرف المرتد عن الإسلام
فإن عقوده في حال ردته موقوفة عند أبي حنيفة، فإذا عاد إلى الإسلام نفذت، وإن
مات أو قتل أو لحق بدار الحرب وقضى القاضي بالتحاقه بطلت .
والإلزام: معناه العام لغة هو إيجاب تنفيذ التزامات التعاقد، عملاً بقوله
تعالى: ﴿ ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) ومعناه الخاص فقهاً: هو إنشاء
التزامات متقابلة معينة على العاقدين ، كما في البيع، أو إنشاء التزام معين على أحد
العاقدين ، كما في الوعد بجائزة ، وهذا من آثار العقد .
وبهذا يختلف الإلزام عن اللزوم. فاللزوم: هو عدم استطاعة فسخ العقد إلا
بالتراضي، والتراضي على فسخ العقد يسمى إقالة .
ويكتسب العقد صفة اللزوم عند الحنفية والمالكية بمجرد تمام العقد. وهذا
ما أخذ به القانون وجرى عليه القضاء.
وعند الشافعية والحنابلة: لا يكتسب العقد صفة اللزوم إلا بعد انقضاء مجلس
- ٢٣٣ -

العقد، بتفرق العاقدين بأبدانهما ، عملاً بخيار المجلس الثابت في السنة النبوية، على
ما سنبين في بحث الخيارات .
المبحث الخامس - تصنيف العقود:
للعقود أقسام متعددة باعتبارات مختلفة ، أهمها النظر إلى العقد بحسب إقرار
الشرع له وعدم إقراره، أو بالنظر إلى كون العقود مسماة أو غير مسماة، أو بالنظر
إلى غاية العقد وأغراضه، أو لكون العقد عينياً أو غير عيني، أو باعتبار اتصال الأثر
به وعدم اتصاله .
التقسيم الأول - بحسب وصف العقد شرعاً :
ينقسم العقد بحسب الوصف الذي يعطيه الشرع له بناء على مقدار استيفائه
لأركانه وشروطه إلى صحيح تترتب عليه آثاره، وغير صحيح لا تترتب عليه
آثاره .
أ - العقد الصحيح :
هو الذي استكمل عناصره الأساسية من (صيغة وعاقدين ومحل عقد وموضوع
عقد)، وشرائطه الشرعية. فيصبح سبباً صالحاً لترتب حكمه وآثاره عليه. ويعرفه
الحنفية بقولهم : هو ما كان مشروعاً بأصله ووصفه(١).
وحكم العقد الصحيح: ثبوت أثره في الحال، فالبيع الصادر من كامل الأهلية
على مال متقوم شرعاً، ولغاية مشروعة، يترتب عليه ثبوت ملك المبيع والثمن
للمشتري والبائع فور انتهاء الإيجاب والقبول إذا لم يكن في البيع خيار.
(١) أصل العقد أي ركنه (الإيجاب والقبول) وعاقداه ومحله. ووصف العقد: هو ما كان خارجاً عن الركن والمحل
كالشرط المخالف لمقتضى العقد، أو كون المبيع غير مقدور التسليم، وكالثمنية فإنها صفة تابعة للعقد.
- ٢٣٤ _

ب - العقد غير الصحيح :
هو ما اختل فيه أحد عناصره الأساسية أو شرط من شروطه. وحكمه أنه
لا يترتب عليه أثر كبيع الميتة والدم والخمر والخنزير، وكبيع فاقد الأهلية . ويشمل
غير الصحيح عند جمهور الفقهاء غير الحنفية : الباطل والفاسد، وهما بمعنى واحد.
وأما الحنفية: فيقسمون غير الصحيح إلى باطل وفاسد. فلكل واحد معنى
مختلف عن الآخر، وتلك القسمة محصورة في العقود الناقلة للملكية أو العقود التي
توجب التزامات متقابلة من العاقدين ، كالبيع والإجارة والهبة والقرض والحوالة
والشركة والمزارعة والمساقاة والقسمة .
أما العقود غير المالية كالوكالة والوصاية والزواج على الأصح والعقود المالية التي
ليس فيها التزامات متقابلة كالإعارة والإيداع، والعبادات، والتصرفات المنفردة
كالطلاق والوقف والكفالة والإقرار ونحوها، فهذه لا فرق فيها بين الفاسد
والباطل .
الله تعالى
منشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور:
أساس الخلاف بين الحنفية وغيرهم راجع لقضية أصولية: وهي فهم أثر النهي
الصادر عن الشرع، كالنهي عن شراء السمك في الماء، فإنه غرر، وعن بيعتين في
بيعة، وكتحريم بيع الخمر والميتة والخنزير ونحو ذلك . فهل النهي يقتضي فساد المنهي
عنه أي عدم الاعتبار والوقوع في الإثم معاً أم أنه يقتصر على إيجاب الإثم وحده مع
اعتباره أحياناً ؟
ثم هل يستوي النهي عن ركن من أركان العقد مع النهي عن وصف عارض
للعقد لازم له أو غير لازم ؟
- ٢٣٥ -

قال جمهور الفقهاء(١): إن نهي الشارع عن عقد ما: يعني عدم اعتباره
أصلاً، وإنم من يقدم عليه. ولا فرق بين النهي عن ركن من أركان العقد (الصيغة
وأهلية العاقدين ومحل العقد) أو النهي عن وصف عارض للعقد ملازم له أو مجاور،
لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتقدم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو
رد، ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)).
وعليه إذا حدث عقد منهي عنه فهو باطل أو فاسد لا يترتب عليه أي أثر؛ لأن
نهي الشرع عنه يجعله غير مشروع أو غير موجود، وإذا كان النهي لوصف فيسري إلى
الموصوف.
وقال الحنفية(٢): قد يكون نهي الشارع عن عقد: معناه إثم من يرتكبه
فقط ، لا إبطاله، ويفرق بين النهي الراجع لأصل العقد (أي لخلل في الصيغة أو في
العاقد أو في المحل) فيقتضي بطلان العقد وعدم وجوده شرعاً وعدم ترتب أي أثر
عليه، وبين النهي العائد لأمر آخر كوصف من أوصاف العقد ملازم له، فيقتضي
بطلان هذا الوصف فقط ، ولا يتعدى البطلان إلى أصل العقد، لأنه استكمل عناصره
الأساسية ، فيكون العقد فاسداً فقط .
فالبيع الصادر عن عديم الأهلية ، وبيع غير المال كالميتة، وبيع مال غير متقوم
كالخمر والخنزير والسمك في الماء باطل؛ لأن الخلل فيه راجع لأصل العقد. والبيع
المؤقت أو المشتمل على جهالة في الثمن أو المؤدي إلى النزاع في العقد كبيعتين في بيعة
فاسد؛ لأن الخلل راجع لوصف في العقد خارج عن حقيقته وذاته وأركانه .
وإذا كان النهي بسبب أمر مجاور للعقد غير ملازم له وليس شرطاً فيه، كان
(١) بداية المجتهد: ١٦٦/٢، المستصفى: ٦١/١، الإحكام للآمدي: ٦٨/١، شرح جمع الجوامع للمحلي: ٨٠/١،
المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٩، الإبهاج: ٤٤/١.
(٢) مرآة الأصول: ٢٨٩/٢، كشف الأسرار: ص ٢٥٨، رد المحتار لابن عابدين: ١٠٤/٤.
- ٢٣٦ _

مقتضاه الكراهة للإقدام عليه في هذه الحال كالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة .
وعلى هذا فإن غير الصحيح عند الحنفية نوعان : باطل وفاسد.
أما العقد الباطل: فهو ما اختل ركنه أو محله، أوما لم يشرع بأصله ولا
بوصفه، كأن يكون أحد العاقدين فاقد الأهلية، كالمجنون وغير المميز، والمميز فيما
يضره ضرراً محضاً، أو أن تكون الصيغة غير سليمة، أو يكون محل العقد غير قابل
لحكم العقد شرعاً، كبيع ما ليس بمال، أو ما ليس مالاً متقوماً كالخمر والخنزير والسمك
في الماء، وكبيع شيء من الأموال العامة كجزء من الطريق أو من مشفى أو مسجد،
وكالبيع الذي جعل الثمن فيه غير مال أصلاً كالميتة (١)، أو الشيء المباح. وفي الزواج
كالعقد على إحدى المحارم أو التي لم تنته عدتها من مطلقها، أو المتزوجة بزوج آخر،
فكل هذه العقود باطلة .
وحكم الباطل: أنه لا يعد منعقداً أصلاً، وإن وجدت صورته في الظاهر، فلا
يترتب عليه أي أثر شرعي ، فلا يفيد نقل الملكية أصلاً، إذ لا يعد موجوداً بحال.
وأما العقد الفاسد(٢): فهو ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه، أي كان صادراً
ممن هو أهل له، والمحل قابل لحكم العقد شرعاً، والصيغة سليمة، ولكن صاحب ذلك
وصف منهي عنه شرعاً، كبيع المجهول جهالة فاحشة تؤدي للنزاع ، مثل بيع دار من
(١) إذا كان الفساد يرجع للمبيع فالبيع باطل كبيع الخمر والخنزير والميتة والدم، وإن كان الفساد يرجع للثمن: فإن
كان الثمن مالاً عند بعض الناس كالخمر والخنزير فالبيع فاسد، وإن كان الثمن ليس مالاً أصلاً كالميتة والدم
فالبيع باطل.
الفساد مرتبة متوسطة بين البطلان والصحة، وليس له نظير في القوانين. أما البطلان المطلق فيقابل البطلان
(٢)
عند الشرعيين، وأما البطلان النسبي فيقابل العقد الموقوف أحياناً وذلك في حال نقص الأهلية أو العقد غير
اللازم أحياناً وذلك في حالات عيوب الرضا؛ لأن الباطل بطلاناً نسبياً صحيح إلى أن يقضي القاضي بإبطاله
بناء على طلب صاحب المصلحة بإبطاله كالمدلس عليه. ويمكن لصاحب المصلحة إجازة الباطل نسبياً .
أما الفاسد في الفقه الحنفي فهو غير صحيح ولا يترتب عليه أثر، ويجب فسخه إما بطلب أحد العاقدين أو
بواسطة القاضي بمجرد علمه، لأنه يحمي أحكام الشريعة. ولا يملك أحد إجازة الفاسد.
- ٢٣٧ _
٠٤

دور أو سيارة من سيارات دون تعيين، وكإبرام صفقتين في صفقة، كبيع دار على أن
يبيعه سيارته. وكبيع مال متقوم جعل ثمنه مالاً غير متقوم كخمر مثلاً، وكبيع بقرة
على أنها حامل .
وحكم الفاسد: ثبوت الملك فيه بالقبض بإذن المالك صراحة، أو دلالة كأن
يقبضه في مجلس العقد أمام البائع ، دون أن يعترض عليه .
والعقد الفاسد واجب الفسخ شرعاً، إما من أحد العاقدين أو من القاضي إذا علم
بذلك، لأنه منهي عنه شرعاً. وإمكان الفسخ مشروط بشرطين :
أحدهما - بقاء المعقود عليه على ما كان قبل القبض ، فلو تغير شكله بأن هلك
أو استهلك، أو كان غزلاً فنسجه، أو محاً فطحنه، أو دقيقاً فخبزه ، امتنع الفسخ.
ثانيهما - عدم تعلق حق الغير به، فلو تصرف به المشتري لآخر بالبيع أو بالهبة
وتم قبضه من الموهوب له ، امتنع الفسخ .
العقد المكروه تحريماً :
العقد الباطل منهي عنه لأمر أساسي فيه، والفاسد منهي عنه لوصف ملازم
له، فإن كان النهي لوصف غير لازم ، أي مجاور للمنهي عنه، فهو مكروه كراهة
تحريمية عند الحنفية، وحرام موجب للإثم والمعصية عند جمهور الفقهاء.
ومن أهم هذه العقود المكروهة(١) أو المحرمة لما فيها من الضرر أو الغرر مع أنها
صحيحة ما يأتي(٢) :
المكروه تحريماً عند الحنفية: ما ثبت بدليل ظني فيه شبهة. وهو إلى الحرام أقرب.
(١)
انظر أحكام هذه البيوع في المذاهب: عند الحنفية: فتح القدير: ٢٣٩/٥ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٤ / ٦٧
(٢)
وما بعدها، الدر المختار: ١٣٩/٤، وعند المالكية: بداية المجتهد: ١٦٤/٢ - ١٦٦، ١٦٨، القوانين الفقهية:
ص ٢٥٩، ٢٦٤، الشرح الكبير للدردير: ٦٧/٣ - ٧٠، وعند الشافعية: نهاية المحتاج: ٧٤/٢، مغني المحتاج:
٣٦/٢ وما بعدها، تحفة الطلاب للأنصاري: ص ١٤٢، الباجوري على ابن قاسم: ٣٥٣/١، وعند الحنابلة:
غاية المنتهى: ١٧/٢، ٣٣، المغني: ٢١٢/٤ - ٢١٨.
- ٢٣٨ -

١ - بيع النَّجْش: وهو أن يزيد الرجل في السلعة، وليس له حاجة بها ، إلا
ليغلي ثمنها وينفع صاحبها. وهو حرام أو مكروه تحريماً، لنهي النبي ◌ُ ◌ّم عن
النجْش وقال: لا تناجشوا(١). وقال الحنفية: لا يكره النجش إلا إذا زاد المبيع عن
قيمته الحقة، فإن لم يكن بلغ القيمة فزاد لا يريد الشراء فجائز ولا بأس به لأنه عون
على العدالة .
وأما المزايدة أو البيع بالمزاد العلني: وهو أن ينادى على السلعة، ويزيد الناس
فيها بعضهم على بعض حتى تقف على آخر زائد فيها فيأخذها ، فهو بيع صحيح جائز
لا ضرر فيه .
٢ - تلقي الركبان أو الجلب: وهو مبادرة بعض أهل المدينة أو البلد لتلقي
الآتين إليها ، فيشتري منهم مامعهم، ثم يبيع كما يرى لأهل البلد. وهذا عند الحنفية
مكروه تحريماً إن أضر بالأهالي، وإلا فلا يكره إذا لم يلبّس السعر على الواردين لأنه
إن فعل هذا كان فيه تغرير بهم. وقد نهى النبي ◌ُ ◌ّ عن تلقي البيوع أو أن يتلقى
الجلب(٢).
٣ - بيع الحاضر للبادي: وهو ألا يبيع الواحد من أهل البلد (الحاضر)
ما عنده من طعام ونحوه إلا لأهل البادية، طمعاً في زيادة الثمن ، أو أن يتخصص
شخص ببيع بضاعة الغريب على التدريج مع حاجة أهل البلد ، بسعر أغلى ، مع أن
الغريب كان يريد البيع بسعر اليوم. وكراهة هذه البيوع إذا كانت تضر بأهل البلد ،
وإلا فلا ضرر، وقد نهى النبي يؤثر أن يبيع حاضر لباد(٣). وقد أجاز المالكية فسخ
هذا البيع، كالنجش .
أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: ((نهى رسول الله ◌َ ◌ّ عن النَّجْش» وأخرجا أيضاً عن أبي هريرة قال:
(١)
(نهى رسول الله مَ فل أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا)) (سبل السلام: ٣/ ١٨، ٢٢).
(٢)
أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس حديث ((لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد» (سبل السلام: ٣/ ٢٠).
رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر، وروى الجماعة إلا البخاري عن جابر أن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((لا يبيع حاضر
(٣)
لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (نيل الأوطار: ١٦٤/٥).
- ٢٣٩ -
الفقه الإسلامي جـ ٤ (١٦)

٤ - البيع وقت النداء لصلاة الجمعة: عند الجمهور من حين صعود الإمام
على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، وعند الحنفية: من الأذان الأول. وهذا البيع
صحيح مكروه تحريماً عند الحنفية، وصحيح حرام عند الشافعية ؛ لقوله تعالى:
﴿ ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا
البيع﴾ ويلحق بالبيع عند غير الحنابلة سائر العقود لما فيها من شغل عن السعي إلى
الجمعة . والنهي عنها لأمر خارج عن حقيقة العقد.
وعد المالكية(١) هذا البيع من البيوع الفاسدة، وقالوا: إنه يفسخ على المشهور
وقال عنه الحنابلة : لا يصح هذا البيع .
أنواع العقد الصحيح :
ينقسم العقد الصحيح عند الحنفية والمالكية إلى نافذ وموقوف:
فالنافذ : هو ماصدر ممن له أهلية وولاية على إصداره، كأغلب عقود الناس
مثل العقد الصادر من الرشيد في ماله، أو الولي أو الوصي للقاصر، أو الوكيل لموكله.
وحكمه: أنه تترتب عليه آثاره فور صدوره ، من غير توقف على إجازة أحد .
S
والموقوف : هو ما صدر من شخص له أهلية التعاقد، من غير أن يكون له
ولاية إصداره. كعقد الفضولي، وعقد الصغير المميز فيما يتردد بين الضرر والنفع،
وحكمه: أنه لا تترتب عليه آثاره إلا إذا أجازه صاحب الشأن الذي يملك إصداره،
فإن لم يجزه بطل العقد .
وهذا العقد عند الشافعية والحنابلة باطل .
(١)
تبصرة الحكام لابن فرحون بهامش فتح العلي: ٢ / ٣٧٨ .
- ٢٤٠ -