النص المفهرس

صفحات 201-220

واتفق الفقهاء أيضاً على أن ترتيب آثار العقود هي في الأصل من عمل الشارع،
لا من عمل المتعاقدين. فإرادة المتعاقدين هي التي تنشىء العقد، ولكن الشريعة هي
التي ترتب مالكل عقد من حكم وآثار، ولهذا يقول الفقهاء: إن العقود أسباب
((جعلية شرعية)) لآثارها ، أي أن الرابطة بين العقد وآثاره باعتبار أن أحدهما
مسبب والآخر سبب ليست رابطة آلية طبيعية عقلية، وإنما هي رابطة جعلها
الشارع بينهما ، حتى لا يبغي بعض الناس على بعض بما يشترطون من شروط، وحتى
يكون لكل تصرف حكمه من المشرع الحكيم.
فإرادة الإنسان مقصورة على إنشاء العقد فقط كعقد البيع، وأما ما يترتب على
العقد من آثار كنقل ملكية المبيع إلى المشتري واستحقاق الثمن في ذمة المشتري للبائع ،
فتروك لتقدير الشرع.
وتستمد إرادة العاقدين سلطانها من الشرع بالحدود التي حددها لكل عقد ، فقد
تكون حدود الشرع محققة لحاجة العاقدين ، فلا يحتاجان إلى اشتراط شروط تنقص
أو تزيد من آثار العقد المشروعة، فإن لم تحقق حاجة العاقدين وغرضهما احتاجا إلى
اشتراط شروط تحقق الغرض المطلوب .
فما مدى سلطة العاقدين على تعديل آثار العقود، أو ما هي صلاحية الفقهاء في
استنباط الحدود المقررة في الشرع أو تعديل الآثار الأصلية للعقد عن طريق اشتراط
العاقدين الشروط العقدية إما بالنقص من تلك الآثار، أو بإضافة التزامات على أحد
العاقدين لا يستلزمها أصل العقد ؟.
وحرية الاشتراط: هو مبدأ سلطان الإرادة في تعديل آثار العقد المقرر في
القوانين ، علماً بأن الشريعة والقانون متفقان على أن تقرير آثار العقود وأحكامها هو من
إرادة الشارع لا من عمل العاقد، والفارق بينهما في مدى تفويض الشارع إلى العاقدين
- ٢٠١ -

من السلطان على تعديل الأحكام التي قررها التشريع مبدئياً في كل عقد (١).
للفقهاء الشرعيين رأيان في حرية الاشتراط في العقود:
الرأي الأول - للظاهرية، وهم القائلون بأن الأصل في العقود المنع ، قالوا: إن
الأصل في الشروط المنع ، فكل شرط لم يقره الشرع في القرآن أو السنة فهو باطل .
الرأي الثاني - لسائر الفقهاء الآخرين: وهو أن الأصل في العقود والشروط
الإباحة ، لكن هؤلاء فريقان :
١ - الحنابلة يقولون: الأصل في الشروط العقدية هو الإطلاق، فكل شرط لم
يرد الشرع بتحريمه فهو جائز.
٢ - غير الحنابلة يقولون: الأصل في الشروط العقدية هو التقييد، فكل شرط
خالف الشرع أو مقتضى العقد فهو باطل، وما عداه فهو صحيح .
وقد سبق ذكر أدلة المذهبين في بحث حرية التعاقد . وفي رأيي أنه يؤخذ برأي
الحنابلة في إطلاق حرية الاشتراط للعاقدين في العقود المالية، تحقيقاً لحاجات الناس
ومصالحهم ومراعاة لما يطرأ من تطورات وأعراف في إبرام عقود لأغراض مشروعة،
وإلا لشلت حركة التجارة والنشاط الاقتصادي الذي اتسع ميدانه في العقود
والشروط على نحو لم يكن معروفاً لدى الفقهاء.
ويؤخذ برأي غير الحنابلة في عقود الزواج حرصاً على ماله من حرمة وقداسة
ولما فيه من جانب العبادة ولما تتطلبه الأسرة من استقرار ودوام، ينبغي من أجله
عدم إفساح المجال لحرية الاشتراط التي تتأثر بالأهواء، وتعصف بأغراض الزواج
السامية. وقد قال الفقهاء: ((الأصل في الأبضاع - أي المتعة الجنسية - التحريم)).
(١) المدخل الفقهي للزرقاء: ف٢١٥، وحاشية ف٢١٧: ص ٤٧٥ .
- ٢٠٢ -

وأكتفي هنا ببيان مذهبي الحنفية والحنابلة في الشروط المقترنة بالعقد. أما
مذهب الشافعية فقريب من مذهب الحنفية، ومذهب المالكية قريب من مذهب
الحنابلة .
أولاً - مذهب الحنفية في الشروط :
قسم الحنفية الشروط إلى ثلاثة أنواع: الشرط الصحيح، والشرط الفاسد،
والشرط الباطل(١).
أ - الشرط الصحيح: هو ما كان موافقاً لمقتضى العقد (٢)، أو مؤكداً لمقتضاه،
أو جاء به الشرع، أو جرى به العرف.
مثال الشرط الذي يقتضيه العقد : اشتراط البائع تسليم الثمن أو حبس المبيع
حتى أداء جميع الثمن ، واشتراط المشتري تسليم المبيع ، أو تملكه. واشتراط الزوجة على
زوجها أن ينفق عليها، واشتراطه عليها تسليم نفسها إذا قبضت مهرها . فهذه شروط
تبين مقتضى العقد أو توافق مقتضاه؛ لأن مضمونها واجب التحقق شرعاً، حتى ولو لم
يشترطها أحد العاقدين ؛ لأن ثبوت الملك والتسليم والتسلم وحبس المبيع من مقتضى
المعاوضات، والإنفاق على الزوجة وزفافها من مقتضى الزواج.
ومثال الشرط المؤكد لمقتضى العقد: اشتراط البائع تقديم كفيل أو رهن معينين
بالثمن عند تأجيله للمستقبل، فإن الكفالة والرهن استيثاق بالثمن ، فيلائم البيع
ويؤيد التسليم . ومثله اشتراط كون والد الزوج كفيلاً بالمهر والنفقة.
راجع البدائع: ٥/ ١٦٨ - ١٧٢، المبسوط: ١٣ / ١٣ - ١٨، فتح القدير: ٢١٤/٥ وما بعدها، رد المحتار لابن
(١)
عابدين : ٤/ ١٢٦ وما بعدها .
(٢)
مقتضى العقد: هو الأحكام الأساسية التي قررها الشرع لكل عقد، سواء بالنص عليها مباشرة أو باستنباط
المجتهدين، بقصد تحقيق التوازن في الحقوق بين العاقدين.
- ٢٠٣ -

والشرط الذي ورد به الشرع: مثل اشتراط الخيار أو الأجل لأحد المتعاقدين،
أو اشتراط الطلاق إذا طرأ سبب داع له، فذلك كله مشروع في الشرع.
والشرط الذي جرى به العرف : مثل اشتراط المشتري على البائع التعهد بإصلاح
الشيء المشترى مدة معينة من الزمان، كالساعة، والمذياع، والسيارة، والغسالة،
والثلاجة ، واشتراط حمل البضاعة إلى مكان المشتري، فهذا مما تعارفه الناس وإن كان
فيه زيادة منفعة لأحد العاقدين ، فجاز استحساناً خلافاً لزفر من الحنفية، بدليل
أن النبي ◌ُ ◌ّ اشترى في السفر من جابر بن عبد الله بعيراً، وشرط لجابر ركوبه
وحملانه عليه إلى المدينة .
وإقرار هذا الشرط عند الحنفية أدى إلى توسيع حرية الناس في الاشتراط ، بما
يحقق لأحد العاقدين منفعة زائدة عن مقتضى العقد. كما أدى إلى زوال الشرط الفاسد
من معاملات الناس. وأصبحت الشروط كلها صحيحة بالعرف إلا إذا كانت مصادمة
لنص تشريعي ، أو منافية لمبادئ الشريعة ومقاصدها العامة .
ب - الشرط الفاسد: هو ما لم يكن أحد الأنواع الأربعة السابقة في الشرط
الصحيح، أي أنه الذي لا يقتضيه العقد ، ولا يلائم المقتضى، ولا ورد به الشرع، ولم
يتعارفه الناس، وإنما فيه منفعة زائدة لأحد المتعاقدين، كشراء حنطة على أن
يطحنها البائع، أو قماش على أن يخيطه البائع قميصاً مثلاً، أو شراء بضاعة على أن
يتركها في ملك البائع شهراً، أو بيع دار على أن يسكنها البائع شهراً أو أكثر، أو شراء
أرض على أن يزرعها البائع سنة، أو شراء سيارة على أن يركبها البائع مدة من
الزمن ، أو على أن يقرضه قرضاً أو يهب له هبة ونحو ذلك .
وفي الزواج: اشتراط الزوجة ألا تنتقل من بلدها التي تزوجت فيها، أو ألا
يتزوج عليها ، أو أن يطلق امرأته الأولى، أو ألا يطلقها أبداً .
ويختلف أثر الشرط الفاسد على العقود بحسب نوع العقد. والقاعدة المقررة في
- ٢٠٤ -

ذلك هي : أن الشرط الفاسد في عقود المعاوضات المالية يفسدها، وفي غيرها لا يؤثر
عليها (١).
فالشرط الفاسد في المعاوضات المالية كالبيع والإجارة والقسمة والمزارعة
والمساقاة والصلح عن المال يفسدها (٢)؛ لما روي عن النبي طاقم أنه ((نهى عن بيع
وشرط))(٣) ولأن الشرط الفاسد يتنافى مع مبدأ التعادل الذي تقوم عليه المبادلات
المالية .
وأما العقود الأخرى غير المبادلات المالية كالتبرعات (هبة أو اعارة)
والتوثيقات ( كفالة أو حوالة أو رهن)، والزواج والطلاق، والإطلاقات كالوكالة،
فلا يؤثر عليها الشرط الفاسد، ويبقى العقد صحيحاً، والشرط لا غ لاأثر له، لما
ثبت في السنة النبوية من تصحيح هذه العقود وإلغاء الشروط الفاسدة، كالحكم
بصحة الهبة وبطلان شرط التأقيت مثلاً .
ج- الشرط الباطل : هو ما لم يكن أحد أنواع الصحيح، وليس فيه منفعة
لأحد المتعاقدين ولا لغيرهما، وإنما هو ما كان فيه ضرر لأحد العاقدين ، كاشتراط
بائع البضاعة على المشتري ألا يبيعها أو لا يهبها لأحد، واشتراط بائع الدار على
المشتري أن يتركها من غير سكن مدة شهر في كل سنة مثلاً، واشتراط بائع سيارة ألا
يركب المشتري فلاناً فيها أو يضعها في مكان خاص .
فالعقد صحيح، والشرط لغو باطل لاقيمة له، سواء في عقود المعاوضات، أم في
العقود الأخرى كالزواج والكفالة والهبة .
(١)
تبيين الحقائق : ٤ / ١٣١.
انفرد الإمام مالك من بين الفقهاء بأن الشرط الذي يفسد العقد إن لم يتمسك به مشترطه، ينقلب العقد
(٢)
صحيحاً لزوال سبب الفساد، لأن العلة التي أوجدت الفساد زالت بزوال المانع من صحة العقد وهو عدم تمسك
--
صاحب الشرط به (نظرية العقد لأبي زهرة: ص ٢٤٤).
رواه أبو حنيفة، وعبد الحق في أحكامه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(٣)
- ٢٠٥ -

ثانياً - مذهب الحنابلة في الشروط :
مذهب الحنابلة وعلى التخصيص ابن تيمية وابن القيم أوسع المذاهب في الأخذ
بحرية الاشتراط(١)، فهم أقرب إلى الفقه القانوني الآخذ بمبدأ سلطان الإرادة، فهم
يرون : أن الأصل في الشروط الإباحة أو الإطلاق، فيصح كل شرط فيه منفعة أو
مصلحة لأحد العاقدين ، كاشتراط صفة معينة في المبيع أو في أحد الزوجين ، واشتراط
منفعة في عقد البيع كسكنى الدار المبيعة بعد بيعها مدة معينة ، وتوصيل المبيع لدار
المشتري، وخياطة الثوب للمشتري ، واشتراط الزوجة على الزوج ألا يتزوج عليها ، أو
ألا يسافر بها ، أو ألا ينقلها من منزلها .
فهذه شروط صحيحة يجب الوفاء بها ، سواء في عقود المعاوضات المالية، أم في
عقود التبرعات ، أو في التوثيقات (أو التأمينات بلغة العصر)، أو الزواج ونحوه، فإن
لم يوف بها جاز للعاقد الآخر فسخ العقد .
وهذا رأي القاضي شريح(٣)، وابن شبرمة(٣) الكوفي، وابن أبي ليلى(٤) وجماعة من
فقهاء المالكية، بدليل أن جابراً باع النبي معد له بعيراً واشترط حملانه عليه إلى أهله
وأقره النبي على ذلك ودفع له الثمن(٥) . فاشتراط الركوب على الجمل فيه منفعة للبائع ،
5
فهو شرط فاسد، والفاسد لا يؤثر في العقد مطلقاً .
٠٠٠٠٠
(١) كشاف القناع: ٢/ ٤٠، غاية المنتهى: ٢ / ٢٣ - ٢٦، أعلام الموقعين: ٣/ ٤٠١ - ٤٠٢، ط السعادة، فتاوى ابن
تيمية: ٣ / ٣٢٦ وما بعدها، زاد المعاد: ٤ / ٤، نظرية العقد لابن تيمية: ص ٢١٤ وما بعدها .
(٢)
شريح القاضي ابن الحارث بن قيس، قاضي الكوفة والبصرة، استمر على القضاء في زمن عمر وعثمان وعلي
ومعاوية، واستعفى في أيام الحجاج، مات بالكوفة سنة ٧٩ هـ.
عبد الله بن شبرمة، قاضي فقيه تابعي، عاصر أبا حنيفة، له مذهب فقهي اندثر، ولد سنة ٧٢ هـ ومات سنة
(٣)
١٤٤ ھـ.
هو محمد بن عبد الرحمن قاضي الكوفة، فقيه عالم، مات سنة ١٤٨ هـ.
(٤)
أخرج لفظه أحمد والشيخان عن جابر (نيل الأوطار: ٥ / ١٧٨).
(٥)
- ٢٠٦ -

ولم يستثن الحنابلة ومن وافقهم من الشروط الجائزة إلا الشرط المنافي لمقتضى
العقد، أو الذي ورد النهي عنه .
١) الشرط المنافي لمقتضى العقد: كاشتراط البائع على المشتري ألا يبيع الشيء
المشترى مطلقاً، أو ألا يقفه على جهة خير مثلاً، أو ألا يسكن فيه أحداً بالإيجار
وغيره، فالعقد حينئذ صحيح والشرط لاغ؛ لأن في هذا الشرط حرمان العاقد من
الاستفادة مما يثبته العقد له من حقوق .
٢) الشرط المنهي عنه أو المخالف لحكم الله ورسوله، كاجتماع صفقتين في عقد
واحد، مثل اشتراط البائع على المشتري إيجار الدار لفلان، أو أن يهبه شيئاً، أو يبيع
له شيئاً أو يقرضه مبلغاً من المال، أو ألا يبيع الناتج الزراعي كالقطن وغيره إلا له
واشتراط الزوجة أن يطلق امرأته الأولى . فهذه شروط فاسدة تفسد العقد؛ لأن
رسول الله مَّ ((نهى عن بيعتين في بيعة)) أو ((عن صفقتين في صفقة))(١) ولأن ذلك
يؤدي غالباً إلى النزاع بين المتعاقدين في العقد الآخر المشروط ، فيسري النزاع إلى
العقد الأصلي .
وقد أفاض ابن تيمية وابن القيم في بيان نظريتها في أن الأصل في العقود
والشروط الإباحة أو الجواز والصحة حتى يقوم الدليل على المنع ؛ لأنها من العادات
التي تراعى فيها مصالح الناس. فإن حرمنا ما يجري بين الناس من عقود وشروط ،
بغير دليل من الشارع، نكون قد حرمنا ما لم يحرمه الله .
والله تعالى أمرنا بالوفاء بالعقود في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا
بالعقود)، وطالبنا النبي عليه السلام بتنفيذ الشروط في قوله المتقدم: ((والمسلمون
على شروطهم ، إلا شرطاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً)). وقررت الشريعة أن الأصل
(١) اللفظ الأول رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه عن أبي هريرة. واللفظ الثاني رواه أحمد عن ابن مسعود
(نيل الأوطار: ٥/ ١٥٢).
الفقه الإسلامي جـ ٤ (١٤)
- ٢٠٧ -

في العقود رضا المتعاقدين ، ونتيجتها هو ما أوجباه على نفسيهما بالتعاقد، وذلك في
قوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ فالتراضي هو المبيح للتجارة
وقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ فإذا كان
طيب النفس هو المبيح للصداق ، فكذلك سائر التبرعات .
أما استثناء الشرط أو العقد المناقض حكم الله ورسوله، فلقوله مع المه في الحديث
المتقدم: ((من أحدث في أمرنا - أو ديننا - هذا ماليس منه فهو رد)) وفي لفظ ((من
عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) فكل شرط يناقض حكم الله ورسوله يكون باطلاً
باتفاق المسلمين، كاشتراط التعامل بالربا أو الاتجار في الخمر ونحو ذلك، لقوله الله:
((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)» والمقصود بالشرط الذي ليس في كتاب الله
هو ما فسره عمر بن الخطاب في رسالته لأبي موسى الأشعري في القضاء: ((والصلح
جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً)).
وأما استثناء الشرط المنافي لمقصود العقد کاشتراط عدم الانتفاع بالمشتری ببيع أو
إيجار فلأنه جمع بين المتناقضين أي بين إثبات المقصود ونفيه ، فلا يحصل شيء.
ويلاحظ أن الحنابلة حصروا الشرط المنافي في المناقضة لمقصود العقد الأصلي .
فلو شرط البائع على المشتري ألا يبيع ما اشتراه، فإنه يكون منافياً أو مبطلاً للمقصود
الأصلي من العقد، وهو الملك المبيح للتصرف. أما إذا شرط البائع منفعة أخرى
كسكنى الدار أو زراعة الأرض، فإنه لا يكون منافياً لمقتضى العقد، ويكون الشرط
صحيحاً. وكذلك في الزواج لو شرط فيه ألا تحل به المتعة الزوجية يبطل العقد،
لكن لوشرط فيه عدم ممارسة الاستمتاع الزوجي يصح العقد ويلغو الشرط .
أما الحنفية فقد توسعوا في تفسير المنافاة، وقالوا: كل ما يكون من الشروط فيه
منفعة لأحد المتعاقدين ، يكون منافياً لمقتضى العقد.
والخلاصة : أن الحنابلة وموافقيهم يرون أن الشريعة فوضت لإرادة العاقدين
- ٢٠٨ -

تحديد مقتضيات العقود، أو آثارها ضمن نطاق حقوقهما ومصالحهما في كل ما لا يصادم
نصوص الشريعة أو أصولها الثابتة .
وهذا الاتجاه لعمر وشريح وابن شبرمة والحنابلة يتفق تماماً مع ما تقرره القوانين
الحديثة من مبدأ سلطان الإرادة، وإعطاء الحرية للعاقدين في اشتراط أي شرط
لا يخالف قواعد النظام العام أو الآداب أو النصوص القانونية الخاصة.
مزايا الفقه الحنبلي في الشروط :
كان للاجتهاد الحنبلي في حرية الاشتراط العقدي مزايا مهمة فيما يأتي :
أ- الزواج:
أجاز الحنبلية الأخذ بمبدأ حرية الاشتراط في الزواج، لما ثبت في الصحيحين
عن النبي ◌ُ ◌ّ أنه قال: ((إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج)) ولما
للزواج من جانب كبير من الخطورة والقدسية، إذ تقوم عليه أسرة تتطلب الحفاظ
عليها ، فتكون رعاية الشروط التي فيها منفعة أوجب وألزم من العقود الأخرى .
فأجازوا خلافاً للحنفية والشافعية والمالكية للزوجين اشتراط ما شاءا من
الشروط التي فيها منفعة مقصودة لا تتعارض مع موضوع الزواج ونصوص الشريعة .
كاشتراط المرأة ألا يسافر بها زوجها، أو ألا ينتقل بها من دارها ويسكن معها،
أو ألا يتزوج عليها، أو أن يطلق امرأته الأولى (١)، أو اشتراط أحد الزوجين كون
الآخر موسراً ونحو ذلك .
أما اشتراط توقيت الزواج، أو عدم المهر، أو عدم النفقة الزوجية أو عدم
(١) اختلف الحنابلة في صحة هذا الشرط، فنص ابن قدامة صاحب المغني على عدم صحة هذا الشرط، ولكن أكثر
الحنابلة على القول بالصحة (المغني: ٦ / ٥٦٠، تصحيح الفروع: ٣/ ٥٦).
-
- ٢٠٩ -

الاستمتاع الزوجي ونحوه، فلا يصح لمصادمته موضوع الزواج(١).
فإذا لم يوف الزوج بالشرط كان الطرف الآخر المشروط له مخيراً بين الاستمرار
وفسخ العقد بسبب عدم الوفاء بالشرط .
ب - التبرعات :
أجاز الحنابلة للمتبرع استثناء بعض منافع الشيء المتبرع به، ولو لم تكن المنفعة
معلومة، لقوله تعالى: ﴿ ما على المحسنين من سبيل﴾ فللواهب أو الواقف أو المتصدق
أن يشترط لنفسه منفعة من منافع الشيء مدة حياته، كأن يستثني غلة الوقف
ما عاش الواقف، أو منفعة الدار الموهوبة مدة الحياة .
ج - المعاوضات :
أجاز الحنابلة أيضاً استثناء بعض منفعة الشيء المبيع بشرط أن تكون المنفعة
معلومة، كأن يبيع الدار على أن يظل ساكناً فيها مدة معينة، أو السيارة على أن
يركبها مدة معينة ، والسبب في اشتراط كون المنفعة المستثناة معلومة في المعاوضات
بعكس التبرعات : هو بناء المعاوضات على التعادل بين الطرفين ، بحيث لا يغبن
أحدهما الآخر عبناً فاحشاً، فلابد من كون المنفعة معلومة حتى لا يقع نزاع بين
العاقدين ، أما التبرع فلا تعادل فيه، فلا يتأتى النزاع بين الطرفين .
وجوزوا استثناء بعض الحقوق كأن يكون البائع أحق بشراء المبيع إذا أراد
المشتري بيعه لآخر.
وأجازوا إيجاب بعض الواجبات على المالك كبيع العقار على أن يقفه المشتري ،
أو يتصدق به، أو يقضي دين فلان أو يصل به رحمه(٢). وهذا دليل على جواز
الاشتراط لمصلحة الغير.
نظرية العقد لابن تيمية: ص ٢٠٨ وما بعدها، المغني: ٦ / ٥٤٨ وما بعدها .
(١)
(٢)
فتاوى ابن تيمية : ٣ / ٣٤٧.
؛
- ٢١٠ -

وصحح الحنابلة خلافاً لبقية الفقهاء البيع بما ينقطع عليه السعر في
المستقبل بتاريخ معین من غير تقدير ثمن أو تحديده وقت العقد، لتعارف الناس
وتعاملهم به في كل زمان ومكان(١)، كبيع القطن بما يستقر عليه سعر السوق في
بورصة الأقطان في الساعة السادسة من يوم كذا. وهذا ما أخذ به القانون المدني
السوري في المادة (٣٩٢).
واعتبر الحنابلة خلافاً لجمهور الفقهاء بيع العربون صحيحاً مشروعاً: وهو أن
يبيع الشخص شيئاً، ويأخذ من المشتري مبلغاً من المال يسمى عربوناً لتوثيق
الارتباط بينهما، فإن تم البيع بينهما احتسب العربون المدفوع من الثمن ، وإن نكل
المشتري كان العربون للبائع، هبة من المشتري له (٢). وقد أخذ القانون المدني السوري
في المادة (١٠٤) بطريقة بيع العربون هذه. وأصبحت طريقة البيع بالعربون في
عصرنا الحاضر أساساً للارتباط في التعامل التجاري الذي يتضمن التعهد بتعويض
ضرر الغير عن التعطل والانتظار. ويسمى ضمان التعويض عن التعطل والانتظار في
الفقه القانوني: الشرط الجزائي(٣). وقد أقره القاضي شريح بقوله ((من شرط على
نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه))(٤) .
وأجازه الحنابلة لتعارف الناس له، ولما ثبت في السنة: ((أن رسول الله عالم
سئل عن العربان في البيع فأحله))(9) ويؤيده أثر عن عمر وهو: (( أن نافع بن عبد
أعلام الموقعين: ٤/ ٥ وما بعدها، غاية المنتهى: ١٤/٢، نظرية العقد لابن تيمية ص ٢٢٠.
(١)
غاية المنتهى: ٢/ ٢٦، المغني: ٤ / ٢٣٢، وكذلك صحح الحنابلة الإجارة بالعربون.
(٢)
مصادر الحق للسنهوري: ٣/ ٩٦ وما بعدها، المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف ٢٣٤.
(٤)
(٣)
أعلام الموقعين: ٣ / ٤٠٠، ط السعادة.
حديث مرسل أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن زيد بن أسلم، وفي إسناده إبراهيم بن يحيى، وهو ضعيف (نيل
(٥)
الأوطار: ٥/ ١٥٣) وأبطله الجمهور بما رواه أحمد والنسائي وأبو داود ومالك في الموطأ عن عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده قال: ((نهى النبي مٌَّ عن بيع العُزْبان)» وهو حديث منقطع، وفيه راو ضعيف لا يحتج به وهو
حبيب كاتب الإمام مالك (المرجع السابق).
- ٢١١ -

الحارث العامل لعمر على مكة ، اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة
آلاف درهم ، فإن رضي عمر كان البيع نافذاً، وإن لم يرض فلصفوان أربعمئة درهم))
وقد أقر عمر شرطه هذا(١) .
د- التصرفات مطلقاً:
أجاز الحنابلة تعليق التصرف بشرط معلق في جميع أنواع العقود والفسوخ
والتبرعات والالتزامات من بيع وإجارة وكفالة وإقالة وإبراء وزواج وغيرها، كأن
يقول شخص : إن وصلت بضاعتي المستوردة اليوم فقد بعتكها بكذا. أو تقول امرأة :
زوجتك نفسي على مهر كذا إن رضي أخي أوعمي مثلاً .
ودليلهم على الجواز إطلاق الحديث النبوي المتقدم: ((المسلمون عند شروطهم،
إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)) ولأن تعليق العقود وغيرها على شرط قد تدعو
إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة(٢).
ومنع جمهور الفقهاء التعليق في جميع العقود ولاسيما التملیکات والزواج،
واعتبروها باطلة. وسوغوا فقط تعليق الإسقاطات كالطلاق. كما سوغ الحنفية تعليق
عقود الالتزامات والإطلاقات كالكفالة والوكالة بالشرط الملائم فقط ، مثل إذا سافر
مدينك فأنا كفيله، إذا وصلت بضاعتي من الحديد مثلاً فقد وكلتك ببيعها .
الفرع الثالث - عيوب الإرادة أو عيوب الرضا:
عيوب الإرادة: هي الأمور التي تحدث خللاً في الإرادة أو تزيل الرضا الكامل
في إجراء العقد. وتسمى قانوناً عيوب الرضا. وهي أربعة أنواع: الإكراه، الغلط ،
التدليس (أو التغرير)، الغبن مع التغرير. ويختلف تأثيرها على العقد، فقد تجعل
(٢)
أعلام الموقعين: ٣ / ٤٠١ .
(١)
أعلام الموقعين: ٣ / ٣٩٩.
- ٢١٢ -

العقد باطلاً، كالغلط في محل العقد، وقد تجعله فاسداً أو موقوفاً كالإكراه، وقد
تجعله غير لازم كالغلط في الوصف، والتدليس، والغبن مع التغرير.
١ - الإكراه :
الإكراه في اللغة : هو حمل الغير على أمر لا يرضاه، قهراً. وفي اصطلاح الفقهاء:
حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه، ولا يختار مباشرته، لو ترك ونفسه.
والمقصود بالإرادة: هي مجرد اعتزام الفعل والاتجاه إليه، فهي أم الأحوال.
والمقصود بالاختيار: هو ترجيح فعل الشيء على تركه أو العكس وهو أخص
من الإرادة .
والرضا: هو الارتياح إلى فعل الشيء والرغبة به، وهو أخص من الاختيار.
والإكراه نوعان: ملجئ أو كامل، وغير ملجئ أو ناقص(١).
والإكراه الملجئ أو التام : هو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار،
بأن يهدده بالقتل، أو بإتلاف بعض الأعضاء، أو بالضرب الشديد الذي يخشى منه
القتل أو تلف العضو، أو تلف جميع المال.
وحكمه أنه یعدم الرضا ويفسد الاختيار.
والإكراه الناقص أو غير الملجئ: هو التهديد بما لا يضر النفس أو العضو،
كالتهديد بالضرب اليسير أو بالحبس، أو يإتلاف بعض المال، أو بإلحاق الظلم كمنع
الترقية أو إنزال درجة الوظيفة .
وحكمه : أنه یعدم الرضا، ولا يفسد الاختيار.
(١) البدائع: ١٧٥/٧، تكملة فتح القدير: ٢٩٢/٧ وما بعدها، تبيين الحقائق: ١٨١/٥، درر الحكام: ٢٦٩/٢
وما بعدها، الدر المختار: ٨٨/٥ وما بعدها .
- ٢١٣ -

وهناك نوع ثالث: وهو الإكراه الأدبي: وهو الذي يعدم تمام الرضا،
ولا يعدم الاختيار، كالتهديد بجبس أحد الأصول أو الفروع، أو الأخ أو الأخت
ونحوهم، وحكمه: أنه إكراه شرعي استحساناً لا قياساً، كما قرر الكمال بن الهمام من
الحنفية، وهو رأي المالكية ، ويترتب عليه عدم نفاذ التصرفات المكره عليها .
ويرى الشافعي أن الإكراه نوع واحد، وهو الإكراه الملجئ، وأما غير الملجئ
فلا يسمى إكراهاً(١) .
والإكراه بأنواعه لا يزيل الأهلية، وإنما يزيل الرضا، وقد يزيل الاختيار
وهو الملجئ عند الحنفية ، ويزيل الرضا والاختيار معاً عند غير الحنفية.
شروط الإكراه :
يشترط لتحقق الإكراه شروط هي ما يأتي :
١ - أن يكون المكره قادراً على تنفيذ ما هدد به، سواء أكان من الحكام أم من
غيرهم ، فإن لم يكن قادراً على تنفيذ ما هدد به لعجزه أو لتمكن المستكره من الهرب،
فلا يتحقق الإكراه.
٢ - أن يغلب على ظن المستكره إيقاع المكره ما هدد به في الحال إذا لم يمتثل،
فإن لم يغلب على ظنه وقوع ما هدد به لا يتحقق الإكراه.
٣ - أن يكون الشيء المهدد به مما يشق على النفس تحمله. وهذا يختلف
باختلاف الأشخاص، فيجب أن يبحث تأثيره في كل شخص على حدة .
٤ - أن يكون المهدد به عاجلاً: فلو كان آجلاً في المستقبل لم يتحقق الإكراه؛
لأن بالتأجيل يتمكن المستكره من الاحتماء بالسلطات العامة .
(١) تحفة الطلاب الأنصاري: ص٢٧٢.
- ٢١٤ -

وهذا شرط عند الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة . وقال المالكية : لا يشترط
أن يكون المهدد عاجلاً، وإنما الشرط أن يكون الخوف حالاً .
٥ - أن يكون الإكراه بغير حق ، أي لا يكون مشروعاً: وهو ما يقصد منه
الوصول إلى غرض غير مشروع. فإن كان الإكراه بحق : وهو الذي يقصد منه تحقيق
غرض مشروع، فلا تأثير له على التصرفات أصلاً، كبيع مال المدين جبراً عنه لوفاء
ديونه ، واستملاك الأراضي جبراً عن أصحابها للصالح العام كتوسيع مسجد أو طريق
ونحوه .
أثر الإكراه على التصرفات :
إذا وقع الإكراه على القيام بتصرف من التصرفات كالبيع والإيجار والزواج فما
أثر الإكراه عليه ؟ للفقهاء رأيان :
قال جمهور الفقهاء غير الحنفية(١): إن الإكراه يؤثر في التصرفات فيجعلها
باطلة، سواء أكانت قابلة للفسخ كالبيع والإجارة والهبة ونحوها ، أم غير قابلة للفسخ
كالزواج والطلاق واليمين والرجعة، فلا يصح البيع أو الإيجار الصادر من المستكره،
ولا يقع طلاق المكره، ولا يثبت عقد الزواج بالإكراه؛ لأن الإكراه يزيل الرضا،
والرضا أساس التصرفات .
وقال الحنفية(٢): يميز بين التصرفات المحتملة للفسخ، والتصرفات غير المحتملة
للفسخ. فإن كان التصرف لا يقبل الفسخ كالزواج والطلاق، فيصح مع الإكراه
ويلزم، لأنه تصرف يستوي فيه الجد والهزل ، والإكراه في معنى الهزل لعدم القصد
الشرح الكبير للدردير: ٣٦٧/٢، مغني المحتاج: ٢٨٩/٣، المغني: ١١٨/٧، غاية المنتهى: ٥/٢، القوانين الفقهية:
(١)
ص ٢٤٦، المحلى: ٣٨٠/٨، ٣٨٣ وما بعدها .
(٢)
البدائع: ١٨٢/٧ وما بعدها، ١٨٦، تكملة فتح القدير: ٢٩٣/٧، ٣٠٣، تبيين الحقائق: ١٨٢/٥، ١٨٨، الدر
المختار: ٨٩/٥ وما بعدها، ٩٦، الكتاب مع اللباب: ١٠٨/٤، مجمع الضمانات: ص٢٠٦.
- ٢١٥ -

الصحيح للتصرف فيها . وذلك بدليل الحديث النبوي: (( كل طلاق جائز إلا طلاق
الصبي والمجنون))(١) وروي عن ابن عمر أنه أجاز طلاق المكرّه.
وإن كان التصرف قابلاً للفسخ كالبيع والاجارة والهبة فلا يصح مع الإكراه.
ويكون العقد فاسداً عند جمهور الحنفية ( أبي حنيفة وصاحبيه ) أي أنه إذا زال
الإكراه وأصر المستكره على العقد مع الطرف الآخر ورضي به صار صحيحاً، فيكون
للمستكره بعد زوال الإكراه الخيار بين إمضاء التصرف وفسخه .
وقال زفر من الحنفية والمالكية : يعتبر تصرف المستكره موقوفاً على إجازته
عند زوال الإكراه عنه، كتصرف الفضولي. وبما أن هذا التصرف ينفذ ويلزم
بالإجازة، فهذا دليل على كون التصرف موقوفاً لافاسداً، لأن التصرف الفاسد
يفسخ فسخاً ولا يجاز إجازة.
وهذا ينبئ أن رأي زفر أوجه وأقوى وأصح؛ لأن جمهور الحنفية: قالوا: إن
تصرف المستكره يقبل الإجازة بعد زوال الإكراه، فلو كان فاسداً لما صحت إجازته،
لأن الفاسد لا يجوز بالإجازة بل يجب فسخه شرعاً، ويملك الشيء المعقود عليه
بالقبض ، وهذا لا ينطبق على عقد المستكره . هذا .. وقد نص القانون المدني السوري
في المادتين ( ١٢٨، ١٢٩ ) على أن الإ كراه یجعل العقد قابلاً للإبطال أي کما قال زفر
من الحنفية .
٢ - الغلط :
المراد به هنا هو الغلط الواقع في المعقود عليه، في جنسه أو في وصفه. والغلط في
ذات أو جنس المعقود عليه: هو أن يظن العاقد أن المعقود عليه من جنس معين ،
(١) ذكر البخاري من قول علي: ((كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه)) وأما الحديث المذكور فهو غريب كما قال
الزيلعي ( نيل الأوطار: ٢٣٥/٦، نصب الراية: ٢٢١/٣).
- ٢١٦ -

فإذا به من جنس آخر، كأن يشتري شخص حلياً على أنها ذهب أو ماس، ثم يتبين أنها
من النحاس، أو الزجاج. أو يشتري حنطة فإذا هو شعير، أو صوفاً فإذا هو قطن،
أو يشتري داراً على أنها مبنية بالإسمنت المسلح، فإذا هي مبنية باللبن.
وحكم هذا العقد المشتمل على غلط في جنس المعقود عليه : أنه باطل من أساسه،
لفوات محل العقد الذي يريده المشتري فيكون عقداً على معدوم، والعقد على المعدوم
باطل(١) .
ويلحق به حالة اتحاد الجنس مع الاختلاف الكبير أو الفاحش في القيمة كشراء
سيارة من جنس معين ومصنوع في عام معين ، فإذا هي صنع أعوام غابرة .
وأما الغلط في وصف مرغوب فيه: فهو أن يظهر المعقود عليه كالوصف الذي
أراده العاقد، ثم يتبين أنه مخالف للوصف المشروط صراحة أو دلالة. كأن يشتري
شيئاً بلون أسود، فإذا هو كحلي أو رمادي، أو شاة على أنها حلوب، فإذا هي غير
حلوب، أو كتابً لمؤلف معين فإذا هو لمؤلف آخر، أو حقيبة على أنها من جلد فإذا
هي من الكرتون المضغوط أو غيره .
وحكم العقد المشتمل على غلط في الوصف : هو أنه غير لازم بالنسبة لمن وقع
الغلط في جانبه، أي أن له الخيار بين إمضاء العقد وبين فسخه، لفوات الوصف
المرغوب فيه المؤدي إلى اختلال الرضا. وهذا إذا كان العقد قابلاً للفسخ كعقود
المعاوضات المالية ونحوها .
ويلحق به الغلط في شخص العاقد، كالتعاقد مع طبيب مشهور فإذا هو غيره،
يجعل العقد غير لازم .
(١) تبيين الحقائق: ٥٢/٤ وما بعدها.
- ٢١٧ -

أما العقود التي لا تقبل الفسخ كالزواج، فإنه يقع العقد عند الحنفية لازماً
أي لا يجوز نقضه بسبب فوات الوصف المرغوب.
وقال الإمام أحمد(١): يثبت خيار الفسخ بفوات الوصف المرغوب في عقد
الزواج أيضاً، كمن يتزوج امرأة جميلة فيظهر أنها دمية، أو على أنها متعلمة فإذا هي
جاهلة، أو على أنها بكر فإذا هي ثيب فيثبت للزوج حق الفسخ، ولا مهر للمرأة إن
حدث الفسخ قبل الدخول، أو بعد الدخول، وكان التغرير من المرأة نفسها . فإن
كان التغرير من غيرها رجع الزوج على ذلك الغير بما دفعه للمرأة .
أما القانون المدني السوري فقد نص على حالة الغلط في المواد (١٢١ - ١٢٥)
وجعل العقد قابلاً للإبطال سواء أكان الغلط في جنس المعقود عليه أم في الوصف
المرغوب فيه ، فالجزاء واحد في الحالتين ، خلافاً لما قرره الفقهاء.
هذا ... ولا عبرة في الفقه للغلط الباطني، كأن يشتري سواراً على ظن أنه
ذهب ، فإذا هو نحاس؛ لأن العبرة في العقود للإرادة الظاهرة، كما لا عبرة للغلط في
الحكم الشرعي كأن يبيع حصته من الميراث على أنها الربع فإذا هي النصف، إذ لا عذر
بالجهل بأحكام الشريعة .
٣ - التدليس أو التغرير:
التدليس أو التغرير: هو إغراء العاقد وخديعته ليقدم على العقد ظاناً أنه في
مصلحته، والواقع خلاف ذلك . وهو أنواع كثيرة منها : التدليس الفعلي، والتدليس
القولي، والتدليس بكتمان الحقيقة .
أما التدليس الفعلي : فهو إحداث فعل في المعقود عليه ليظهر بصورة غير
ما هو عليه في الواقع ، أي أنه تزوير الوصف في المعقود عليه أو تغييره بقصد الإيهام.
(١) المغني: ٥٢٦/٦ وما بعدها.
- ٢١٨ -

كتوجيه البضاعة المعروضة للبيع، بوضع الجيد في الأعلى، وطلاء الأثاث
والمفروشات القديمة ، والسيارات ، لتظهر أنها حديثة، والتلاعب بعداد السيارة،
لتظهر بأنها قليلة الاستعمال .
ومن أشهر أمثلته الشاة المصراة : وهي التي يحبس اللبن في ضرعها بربط
الثدي، مدة يومين أو ثلاثة ليجتمع لبنها ويمتلئ ، إيهاماً للمشتري بكبر ضرعها
وغزارة لبنها .
وحكم التصرية عند جمهور الفقهاء غير الحنفية (١): ثبوت الخيار للمدلس عليه
بين أمرين : إمساك المبيع دون طلب تعويض عن النقص أو الغبن ، أو رده لصاحبه،
لقوله مُ الله: ((لا تصروا (٢) الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن
يحلبها ، إن شاء أمسكها ، وإن شاء ردها، ورد معها صاعاً من تمر))(٣). وهذا هو الرأي
الراجح .
وقال الحنفية(٤) : ليس للمشتري الحق في فسخ عقد البيع ، بل له فقط أن يرجع
بالنقصان الذي أصاب ما اشترى . ولم يأخذوا بالحديث السابق لمخالفته القياس : وهو
أن ضمان العدوان يكون إما بالمثل أو القيمة ، والتمرليس منها.
وأما التدليس القولي : فهو الكذب الصادر من أحد العاقدين أو ممن يعمل
القوانين الفقهية: ص ٢٦٤، بداية المجتهد: ١٧٤/٢، نهاية المحتاج: ١٣٦/٣ وما بعدها، مغني المحتاج: ٦٣/٢ وما
(١)
بعدها، غاية المنتهى: ٣٤/٢.
التصرية: حبس اللبن في الثدي مدة معينة لإيهام المشتري بأن الشاة ونحوها غزيرة اللبن.
(٢)
(٣)
نيل الأوطار: ٢١٤/٥، ط العثمانية. والصاع: ٢٧٥١ غم. والحكمة من رد الصاع من التمر: هو التعويض عن
اللبن الذي أخذه المشتري لإنهاء النزاع بين العاقدين، وقدر بالصاع لعدم معرفة مقدار اللبن الذي يجب ضانه
للبائع بسبب اختلاط الموجود قبل القبض بالطارئ بعد القبض، وقدر بالتمر لأنه غالب قوت البلد في الماضي،
فإن لم يكن هو الغالب كان الواجب صاعاً من غالب قوت البلد. والحديث متفق عليه عن أبي هريرة.
(٤)
الدر المختار ورد المختار: ١٠١/٤، ط البابي الحلبي.
- ٢١٩ -

لحسابه حتى يحمل العاقد الآخر على التعاقد ولو بغبن ، كأن يقول البائع أو المؤجر
للمشتري أو للمستأجر: هذا الشيء يساوي أکثر، ولا مثيل له في السوق، أو دفع لي
فيه سعر كذا فلم أقبل . ونحو ذلك من المغريات الكاذبة .
وحكم هذا النوع : أنه منهي عنه شرعاً؛ لأنه غش وخداع، ولكن لا يؤثر في
العقد إلا إذا صحبه غبن فاحش لأحد المتعاقدين ، فيجوز حينئذ للمغبون إبطال
العقد ، دفعاً للضرر عنه أي أنه یثبت له خيار الفسخ بسبب الغبن مع التغرير، كما
سنبين في عيب الغبن .
وأما التدليس بكتمان الحقيقة، وهي الصورة المشهورة في الفقه باسم
((التدليس)): فهو إخفاء عيب في أحد العوضين، كأن يكتم البائع عيباً في المبيع،
كتصدع في جدران الدار وطلائها بالدهان أو الجص، وكسر في محرك السيارة،
ومرض في الدابة المبيعة، أو يكتم المشتري عيباً في النقود ككون الورقة النقدية
باطلة التعامل، أو زائلة الرقم النقدي المسجل عليها .
وحكم هذا النوع: أنه حرام شرعاً باتفاق الفقهاء(١)، لقول النبي عطفٍ: ((المسلم
أخو المسلم ، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً، وفيه عيب، إلا بينه له )) وقوله عليه
السلام: ((من غشنا فليس منا))(٢). ويثبت فيه للمدلس عليه ما يعرف بخيار
العيب: وهو إعطاؤه حق الخيار: إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أمضاه. كما سنبين
في بحث الخيارات.
ولا فرق في التدليس الموجب للخيار بين أن يصدر من أحد العاقدين ، أو من
شخص آخر أجنبي عنهما كالدلال ونحوه إذا كان بتواطؤ مع أحد العاقدين(٣).
قال في الدر المختار: ١٠٣/٤: (( لا يحل كتمان العيب في مبيع أو ثمن لأن الغش حرام)).
(١)
(٢)
الحديث الأول رواه ابن ماجه عن عتبة بن عامر، والحديث الثاني رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي عن أبي
هريرة ( نيل الأوطار: ٢١٢/٥).
(٣)
الدر المختار ورد المختار: ١٦٧/٤، ط البابي الحلبي.
- ٢٢٠ -
و