النص المفهرس
صفحات 181-200
فإذا كان الشيء محل الالتزام مما يعين بذاته وجب أن تكون ذاتيته معروفة. وإذا كان الشيء مما يعيّن بنوعه لزم أن يذكر جنسه ونوعه ومقداره(١). والشرع والقانون وإن اتفقا على هذا الشرط من حيث المبدأ، لكنهما يختلفان في التطبيق، فالشرعيون يوجبون تعيين محل العقد تعييناً تاماً لا يتطرق إليه أي احتمال، وإلا كان العقد فاسداً عند الحنفية باطلاً عند غيرهم ، ولا يجيزون كون المحل قابلاً للتعيين ، والقانون يكتفي بكون المحل قابلاً للتعيين ، وإن لم يكن معيناً وقت التعاقد، كالتعهد بتوريد أغذية معينة النوع لمدرسة أو مشفى . وأخيراً اشترط غير الحنفية(٢) شرطاً خامساً: وهو أن يكون المبيع طاهراً لا نجساً ولا متنجساً؛ لأن جواز البيع يتبع الطهارة، فكل ما كان طاهراً أي ما يباح الانتفاع به شرعاً يجوز بيعه عندهم . وأما النجس والمتنجس فيبطل بيعه ، والنجس : مثل الكلب ولو كان معلماً للنهي عن بيعه، والخنزير والميتة والدم والزبل والحشرات والبهائم الكاسرة التي لا يؤكل لحمها كالأسد والذئب، والطيور الجارحة كالنسر والغراب والحدأة، والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره كالخل والدبس واللبن. لكن أجاز هؤلاء الفقهاء بيع المختلف في نجاسته كالبغل والخمار، وبيع الهر وطيور الصيد كالصقر والعقاب المعلم ، والطير المقصود صوته كالهزار والبلبل والببغاء. ولم يشترط الحنفية(٢) هذا الشرط، فأجازوا بيع النجاسات كشعر الخنزير وجلد الميتة للانتفاع بها إلا ما ورد النهي عن بيعه منها كالخمر والخنزير والميتة والدم(٤)، كما موجز النظرية العامة للالتزام لأستاذنا الدكتور عبد الحي حجازي: ص ٦٦ وما بعدها. (١) (٢) مواهب الجليل: ٤ / ٢٥٨ وما بعدها، الشرح الكبير: ٣/ ١٠، بداية المجتهد: ٢ / ١٢٥ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٢٤٦، المهذب: ١ / ٢٦١ وما بعدها، مغني المحتاج: ٢ / ١١، المغني: ٤ / ٢٥١، ٢٥٥ وما بعدها، غاية المنتهى: ٢/ ٦ وما بعدها. (٣) البدائع: ٥/ ١٤٢ وما بعدها، فتح القدير: ٥ / ١٨٨، ٨/ ٠١٢٢ روى أحمد والشيخان عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صل يقول عام الفتح - فتح مكة في رمضان سنة = (٤) - ١٨١ - أجازوا بيع الحيوانات المتوحشة، والمتنجس الذي يمكن الانتفاع به في غير الأكل . والضابط عندهم: أن كل ما فيه منفعة تحل شرعاً، فإن بيعه يجوز، لأن الأعيان خلقت لمنفعة الإنسان بدليل قوله تعالى : ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ . العنصر الرابع - موضوع العقد : إن موضوع العقد : هو أحد مقوماته الأربعة التي لا بد من وجودها في کل عقد . وموضوع العقد : هو المقصد الأصلي الذي شرع العقد من أجله. وإذا كان القانون عند القانونيين هو الذي يحدد مقصد العقد أو آثاره، لا إرادة العاقد، فإن المشرع في الشريعة الإسلامية هو الذي يحدد الآثار الخاصة لكل عقد ، وبهذا التحديد وفي نطاقه المقرر تتحقق الأغراض الصحيحة التي يقصدها العاقدان من إنشاء العقد . وموضوع العقد واحد ثابت في كل فئة أو نوع من أنواع العقود، ويختلف باختلاف فئات العقود أو أنواعها ، فهو في عقود البيع واحد : وهو نقل ملكية المبيع للمشتري بعوض. وفي الإجارات : هو تمليك المنفعة بعوض، وفي الهبات: هو تمليك العين الموهوبة، بلا عوض، وفي الإعارات: هو تمليك المنفعة بلا عوض، وفي الزواج : هو حل الاستمتاع المشترك بين الزوجين . وموضوع العقد يتحد في الحقيقة مع عبارتي : المقصد الأصلي للعقد (أو الغاية النوعية من العقد)، وحكم العقد، فهذه المصطلحات الثلاثة مترادفة يمثل كل واحد منها وجهاً لحقيقة واحدة. فإذا نظر إلى هذه الحقيقة من وجهة نظر الشارع قبل إيجاد العقد سميت مقصداً أصلياً للعقد أي مآل العقد. وإذا نظر إلى هذه الحقيقة ثمان من الهجرة - وهو بمكة: ((إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام .. )) (سبل السلام٥/٣) وروى أحمد وأبو داود عن ابن عباس: (( ... وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه» (نیل الأوطار: ٥/ ١٤١ _ ١٤٢). - ١٨٢ - من وجهة نظر الشارع بعد وجود العقد سميت حكم العقد أي الأثر المترتب عليه. وإذا لاحظنا المرحلة المتوسطة التي تقع إبان التعاقد أي بين مرحلة إيجاده وتمامه فتسمى هذه الحقيقة موضوع العقد (١). فهذه العبارات الثلاثة تطلق على حقيقة واحدة مثلثة الوجوه (٢) . والمقصد الأصلي للعقد في الشريعة ربما يلتقي في بعض الخصائص مع المفهوم التقليدي للسبب عند القانونيين ، وهو الذي لم تأخذ به قوانيننا العربية في سوريا ومصر وليبيا وغيرها . وهو المسمى : السبب الفني للالتزام: وهو السبب القريب المجرد الذي يكون واحداً في كل الالتزامات التي من نوع واحد، وهو لازم لنشوء الالتزام ولاستمراره. فكل من المقصد الأصلي والسبب الفني موضوعي وواحد في العقد. ففي عقد البيع مثلاً السبب الفني لالتزام البائع بنقل ملكية المبيع : هو التزام المشتري بدفع الثمن . والمقصد الأصلي لعقد البيع : هو نقل الملكية بعوض، أي أن السبب الفني هو واحد في كل التزام بنقل الملكية، لا يختلف من التزام إلى آخر بحسب اختلاف الأشخاص. فسبب التزام البائع بنقل الملكية هو رغبته في الحصول على ثمن ما باع. وكذلك المقصد الأصلي هو واحد كما عرفنا في النوع الواحد من العقود، لا يختلف إلا باختلاف نوع العقد . لكن الفرق بين السبب الفني والمقصد الأصلي: هو أن السبب الفني ملازم لإرادة العاقد الخاصة، وإن كان متميزاً عنها. أما المقصد الأصلي فهو في الأصل منفك عن المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف ١٤٩، التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامي للدكتور وحيد سوار: ف (١) ۵٣١، ص٥٠١ وما بعدها . يلاحظ أن هناك فرقاً بين موضوع العقد ومحل العقد، أما موضوع العقد فهو المقصد الأصلي للعقد منظوراً إليه (٢) إبان تكوين العقد، وأما محل العقد فهو المعقود عليه الذي يثبت فيه حكم العقد، كالمبيع والثمن . - ١٨٣ - الإرادة الخاصة للعاقد، غير متلازم معها، وإنما هو متلازم مع إرادة الشارع(١). فالسبب في الفقه الإسلامي هو المقصد الأصلي للعقد (٢)، أي أن السبب هو مجموع الآثار المتولدة، فإن كانت هذه الآثار سليمة، ذات محل مشروع، كان العقد صحيحاً، وإلا كان العقد باطلاً. وهذه الآثار: هي التي دفعت العاقد إلى التعاقد . والحقيقة : أن التقاء المقصد الأصلي في الشريعة مع السبب الفني في بعض الخصائص لا يعني أن أحدهما هو بمعنى الآخر؛ لأن السبب الفني هو سبب الالتزام وسبب الالتزام يختلف عن سبب العقد. ففي العقود التبادلية : سبب التزام أحد المتعاقدين هو التزام المتعاقد الآخر، فسبب التزام البائع بنقل الملكية هو التزام المشتري بدفع الثمن . وسبب التزام المشتري بدفع الثمن هو التزام البائع بنقل الملكية . وهذا المعنى للسبب المدني يختلف عن المقصد العام للعقد في الشريعة، المعتبر في جميع العقود التي تبرم من نوع واحد، فالبيوع كلها مقصدها واحد هو المقصد العام لهذا النوع من العقد. وهو يختلف عن السبب الفني؛ لأن الثاني خاضع لإرادة العاقد، والمقصد النوعي خاضع لإرادة الشرع. والسبب الفني يختلف عن الباعث؛ لأن الأول: هو الغرض الدافع والمباشر الذي التزم المدين من أجله. والباعث: هو ما قبل ذلك من الدوافع(٣). وإذا كان الفقه الإسلامي لا يعتد بالسبب الفني في المفهوم التقليدي للسبب عند القانونيين فإنه يتوصل إلى نفس الدور الذي يقوم به السبب الفني من ناحيتين : أولاهما - من طريق تحديد شرائط العقد والمحل، كعنصر نشوء أو تكوين ، وثانيهما - من طريق فكرة . (٤) ((التعادل)) في التبادل كعنصر تنفيذ . التعبير عن الإرادة، للدكتور سوار: ف ٥٣٤. (١) (٢) المرجع السابق: ف ٥١٧ . موجز نظرية الالتزام، للدكتور حجازي: ص ١٠٤. (٣) التعبير عن الإرادة: المرجع السابق: ف ٥٢٦، النظرية العامة للالتزام، سوار: ص ١٥٤ . (٤) - ١٨٤ - السبب في النظرية الحديثة عند القانونيين : السبب في القضاء اليوم والذي أخذت به القوانين المدنية العربية في سوريا (م ١٣٧، ١٣٨) وفي مصر (م ١٣٦، ١٣٧): هو المسمى: سبب العقد، أو السبب المصلحي أوسبب السبب وهو الباعث الذاتي أو الدافع البعيد الذي دفع العاقد إلى العقد. والسبب بهذا المعنى ليس عنصراً موضوعياً، وإنما يختلف في النوع الواحد من الالتزامات باختلاف الأشخاص، فهو إذاً عنصر شخصي ، غير ثابت، بعكس السبب الفني الذي يعد عنصراً موضوعياً ثابتاً في النوع الواحد من الالتزام. وإذا كانت وظيفة السبب الفني أو التقليدي: هي سلامة الالتزام من الناحية الفنية، فوظيفة سبب العقد أو السبب في النظرية الحديثة : هي منع صحة عقد يبتغى بوسائل مشروعة للوصول إلى نتائج غير مشروعة ، فبه تتحقق مصلحة المجتمع ، وهي حماية الأخلاق أو النظام العام، أي أن السبب المصلحي يتضمن فكرة الجزاء على خطأ: وهو إرادة المتعاقدين تحقيق غاية غير مشروعة . موقف الفقهاء من نظرية السبب بالمعنى الحديث ( الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة ): في الفقه الإسلامي حول نظرية السبب هذه اتجاهان(١): اتجاه تغلب فيه النظرة الموضوعية، واتجاه يلاحظ فيه النوايا والبواعث الذاتية . أما الاتجاه الأول : فهو مذهب الحنفية والشافعية(٢) الذين يأخذون بالإرادة الظاهرة في العقود، لا بالإرادة الباطنة ، أي أنهم حفاظاً على مبدأ استقرار المعاملات مصادر الحق للسنهوري: ٥١/٤ وما بعدها . (١) (٢) راجع عند الحنفية مختصر الطحاوي: ص ٢٨٠، تكملة فتح القدير: ١٢٧/٨، البدائع: ١٨٩/٤، تبيين الحقائق: ١٢٥/٥، وعند الشافعية: الأم /٨٥/٣، المهذب ٢٦٧/١، مغني المحتاج: ٣٧/٢ وما بعدها، الباجوري على ابن القاسم : ٣٥٣/١. - ١٨٥ - لا يأخذون بنظرية السبب أو الباعث، لأن فقههم ذو نزعة موضوعية بارزة كالفقه الجرماني، والسبب أو الباعث الذي يختلف باختلاف الأشخاص عنصر ذاتي داخلي قلق يهدد المعاملات . ولا تأثير للسبب أو للباعث على العقد إلا إذا كان مصرحاً به في صيغة التعاقد ، أي تضمنته الإرادة الظاهرة كالاستئجار على الغناء والنوح والملاهي وغيرها من المعاصي. فإذا لم يصرح به في صيغة العقد بأن كانت الإرادة الظاهرة لا تتضمن باعثاً غير مشروع، فالعقد صحيح لاشتماله على أركانه الأساسية من إيجاب وقبول وأهلية المحل لحكم العقد، ولأنه قد لا تحصل المعصية بعد العقد ولا عبرة للسبب أو الباعث في إبطال العقد، أي أن العقد صحيح في الظاهر، دون بحث في النية أو القصد غير المشروع، لكنه مكروه حرام، بسبب النية غير المشروعة . وبناء عليه قال الحنفية والشافعية بصحة العقود التالية مع الكراهة التحريمية عند الحنفية او الحرمة عند الشافعية وهي : ١ - بيع العينة : ( أي البيع الصوري المتخذ وسيلة للربا ) كبيع سلعة بثمن مؤجل إلى مدة بمئة ليرة ، ثم شراؤها في الحال مئة وعشر ، فیکون الفرق ربا . لكن أبا حنيفة استثناء من مبدئه في عدم النظر إلى النية غير المشروعة اعتبر هذا العقد فاسداً إن خلا من توسط شخص ثالث بين المالك المقرض والمشتري المقترض . ٢ - بيع العنب لعاصر الخمر، أي لمن يعلم البائع أنه سيتخذه خمراً، أو يظنه ظناً غالباً ، فإن شك في اتخاذه خمراً أو توهمه فالبيع مكروه . ٣ - بيع السلاح في الفتنة الداخلية أو لمن يقاتل به المسلمين أو لقطاع الطرق المحاربين ومثله بيع أدوات القمار، وإيجار دار للدعارة أو للقمار، وبيع الخشب لمن يتخذ منه آلات الملاهي والإجارة على حمل الخمر لمن يشربها ونحو ذلك . ٤ - زواج المحلِّل: وهو الذي يعقد زواجه على امرأة مطلقة طلاقاً ثلاثاً ( أي - ١٨٦ - البائن بينونة كبرى ) بقصد تحليلها لزوجها الأول بالدخول بها في ليلة واحدة مثلاً ثم يطلقها ليصح لزوجها الأول العقد عليها من جديد، عملاً بظاهر الآية القرآنية: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ . والخلاصة: أن هذا الاتجاه لا يأخذ بالسبب أو الباعث إلا إذا كان داخلاً في صيغة العقد وتضمنه التعبير عن الإرادة ولو ضمناً، ولا يعتد به إذا لم تتضمنه صيغة العقد . وأما الاتجاه الثاني: فهو مذهب المالكية والحنابلة والشيعة (١) الذين ينظرون إلى القصد والنية أو الباعث ، فيبطلون التصرف المشتمل على باعث غير مشروع بشرط أن يعلم الطرف الآخر بالسبب غير المشروع ، أو كان بإمكانه أن يعلم بذلك بالظروف والقرائن التي تدل على القصد الخبيث كإهداء العدو هدية لقائد الجيش ، والإهداء للحكام والموظفين ، فذلك مقصود به الرشوة ، فتكون للدولة . وهبة المرأة مهرها لزوجها ، يقصد به استدامة الزواج ، فإن طلقها بعدئذ ، كان لها الرجوع فيما (٢) وهبت (٢) . فهذا الاتجاه يأخذ تقريباً بنظرية السبب أو بمذهب الإرادة الباطنة في الفقه اللاتيني، مراعاة للعوامل الأدبية والخلقية والدينية، فإن كان الباعث مشروعاً، فالعقد صحيح، وإن كان غير مشروع فالعقد باطل حرام، لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، قال الشوكاني(٣): لاخلاف في تحريم بيع العنب لمن يعصره خمراً في (١) راجع عند المالكية: بداية المجتهد: ١٤٠/٢، الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي: ٩١/٣، مواهب الجليل للحطاب: ٤٠٤/٤، ٢٦٣، القوانين الفقهية: ص٢٥٨، ٢٧١ وما بعدها، الموافقات: ٢٦١/٢، الفروق: ٢٦٦/٣ وما بعدها. وعند الحنابلة: المغني: ١٧٤/٤ وما بعدها و٢٢٢/٤، أعلام الموقعين: ١٠٦/٣، ١٠٨، ١٢١ وما بعدها، ١٣١، ١٤٨، غاية المنتهى : ١٨/٢، وعند الشيعة الجعفرية: المختصر النافع في فقه الإمامية: ص ١٤٠، وعند الزيدية: المنتزع المختار: ١٩/٣ وما بعدها . (٢) القواعد لابن رجب: ص٣٢٢. (٣) نيل الأوطار: ١٥٤/٥ . - ١٨٧ - حال القصد وتعمد البيع إلى من يتخذه خمراً. وأما مع عدم القصد والتعمد للبيع فذهب جماعة من أهل العلم إلى جوازه مع الكراهة مالم يعلم أنه يتخذه لذلك . وبناء عليه قال المالكية والحنابلة ومن وافقهم ببطلان العقود السابقة ، وأضاف لها المالكية أنهم لا يجيزون بيع أرض بقصد بناء كنيسة، أو بيع خشب بقصد صنع صليب، أو شراء عبد بقصد أن يكون مغنياً، أو استئجار كراريس فيها عبارات النوح، وبيع ثياب حرير ممن يلبسها (١). أما عدم صحة بيع العنب للخمار وبيع السلاح للأعداء ونحوهما فلأنه إعانة على الحرام، أو عقد على شيء لمعصية الله به فلا يصح. وأما فساد زواج المحلل فلأنه يتنافى مع أغراض الزواج السامية: وهو أنه عقد مؤبد قصد به تكوين أسرة دائمة ، وهذا الزواج اتخذ لتحليل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول في وضع مؤقت ، فهو حيلة لرفع تحريم مؤبد، وهو قصد غير مشروع. وأما فساد بيع العينة ( أو بيوع الآجال ) فلأنه اتخذ البيع حيلة لتحليل التعامل بالربا، ولم يكن الغرض الحق هو البيع والشراء. فهو وسيلة لعقد محرم غير مشروع ، فيمنع سداً للذرائع المؤدية إلى الحرام. والخلاصة : أن هذا الاتجاه يعتد بالمقاصد والنيات ولو لم تذكر في العقود بشرط أن يكون ذلك معلوماً للطرف الآخر، أو كانت الظروف تحتم علمه؛ لأن النية روح العمل ولبه. ويكون هذا الاتجاه آخذاً بنظرية السبب ، التي تتطلب أن يكون السبب مشروعاً ، فإن لم يكن سبب العقد مشروعاً فلا يصح العقد . المطلب الثالث - الإرادة العقدية : الإرادة هي القوة المولدة للعقد، والعقد كما بينا: هو توافق إرادتين على وجه ينتج أثره الشرعي ، وهو الالتزام المطلوب للمتعاقدين . والكلام أو التعبير هو (١) مواهب الجليل للحطاب: ٢٦٣/٤ وما بعدها . - ١٨٨ - ترجمان الإرادة، فينبغي أن يكون معبراً تماماً عن الإرادة. والإرادة نوعان: باطنة حقيقية، وظاهرة . والإرادة الباطنة : هي النية أو القصد. والإرادة الظاهرة : هي الصيغة التي تعبر عن الإرادة الباطنة، أو ما يقوم مقامها كالتعاطي، فإذا تطابقت الإرادتان وجد العقد. وإذا وجدت الإرادة الظاهرة وحدها كالتعبير الصادر من الطفل غير المميزأو النائم أو المجنون ، لم تفد شيئاً، كما أن التصرف لا يوجد بمجرد النية أو الإرادة الباطنة، فمن نوى الطلاق أو الوقف لا يصبح بمجرد نيته مطلقاً أو واقفاً . وقد عرفنا في بحث صيغة التعاقد ما تتحقق به الإرادة الظاهرة . وأما الإرادة الباطنة فتتحقق بالرضا والاختيار. والحنفية يقررون أن الرضا والاختيار شيئان متغايران. فالاختيار: هو القصد إلى النطق بالعبارة المنشئة للعقد، سواء أكان ذلك عن رضا أم لا. والرضا: هو الرغبة في أثر العقد عند التلفظ بما يدل على إنشائه. فإذا وجد الرضا وجد الاختيار، وإذا وجد الاختيار لا يلزم وجود الرضا . وغير الحنفية : الرضا والاختيار بمعنى واحد . لكن في الحياة العملية: قد توجد الإرادة الظاهرة وحدها، ولا توجد معها إرادة باطنة، فما حكم العقد ؟ هذا مانبحثه في الفرع الأول من هذا المطلب وهو صورية العقد، ويأتي بعده بحث الفرعين الآخرين . فإذا لم توجد الإرادة الباطنة الحقيقية كان العقد صورياً. وإذا وقع الشك في وجود الإرادة الحقيقية كان العقد معيباً بعيب من عيوب الرضا أو الإرادة . - ١٨٩ - الفرع الأول - صورية العقود: قد توجد الإرادة الظاهرة وحدها، وتنعدم الإرادة الباطنة، فيكون العقد صورياً، ويظهر ذلك في الأحوال التالية : ١ - حالة السكر والنوم والجنون وعدم التمييز والإغماء: إن العقود التي تصدر من النائم والمجنون وغير المميز ونحوهم لاأثرلها، لانعدام الإرادة الحقيقية في إنشاء العقد . والسكران أيضاً ليست له إرادة حقيقية في التصرف، لكن مع ذلك اختلف الفقهاء في تصرفاته، كما بينا سابقاً . فقال الإمام أحمد وبعض المالكية(١): لا تعتبر تصرفات السكران، لعدم توفر القصد الصحيح عنده، فلا يصح بيعه وشراؤه وعقوده وطلاقه وسائر أقواله. وبه أخذ قانون الأحوال الشخصية في سوريا ومصر، وهو الرأي الراجح والمعقول لدينا . لكن المشهور في مذهب المالكية : نفوذ طلاق السكران . وقال الحنفية والشافعية(٢): إذا كان السكر بمباح كحالة البنج والاضطرار والإكراه ونحوها ، فلا تعتبر أقواله وأفعاله، ولا أثر لعبارته، لعدم تحقق القصد منه. وإذا كان السكر بمحرم فيؤاخذ بأقواله عقاباً وزجراً له، فتصح عقوده كالبيع والزواج، وتصح تصرفاته كالطلاق ، وتترتب عليها آثارها . ٢ - عدم فهم العبارة : إذا لم يفهم الشخص عبارة غيره الذي نطق بعبارة تدل على الرضا بالتصرف لم المغني: ٧ / ١١٣، الشرح الكبير: ٣/ ٥، القوانين الفقهية: ص ٢٢٧، وهذا رأي الكرخي والطحاوي من (١) الحنفية . فتح القدير: ٣ / ٤٠، نهاية المحتاج: ٣/ ١٢. (٢) - ١٩٠ - ينعقد العقد، سواء في الإيجاب أو القبول؛ لأن العبارة الصادرة منه لاتدل على قصد صحيح، ولا تعبر عن إرادته، والإرادة أو القصد أساس الرضا . لكن قال الحنفية(١): إذا كان التصرف مما يستوي فيه الجدل والهزل كالزواج والطلاق والرجعة واليمين، وعلم العاقدان أن اللفظ المستخدم ينعقد به التصرف، وإن لم يعلما حقيقة معناه، فينعقد به التصرف؛ لأن فهم اللفظ أمر مطلوب لأجل القصد، وهذه التصرفات لا يشترط فيها القصد، فلا يشترط في الناطق بما يدل عليها أن يكون فاهماً لمعناها. لكن في هذا مغالاة؛ لأن عدم اشتراط القصد في هذه التصرفات يكون بعد فهم المعنى. ولا يعقل ترتيب الآثار على تصرف غير مفهوم المعنى . ٣ - حالة التعلم والتعليم والتمثيل : إذا ردد المتكلم عبارات التصرفات، ولكنه لا يريد إنشاء التزام أو عقد ، بل یرید غرضاً آخر کالتعلم والتعليم والتمثيل ، فلا یترتب على عبارته أي أثر. کما إذا ردد القارئ عبارة البيع أو الشراء أو الطلاق المسطرة في كتب الفقهاء بقصد تعلمها أو حفظها، أو بقصد تعليها لغيره، فلا يترتب على كلامه أي أثر. وكذلك ترديد الممثلين عبارات التمثيل وحكاية أقوال الآخرين ، مثل زوجيني نفسك، فقالت: زوجتك نفسي، لا يترتب عليه أي أثر؛ لأن المتكلم في هذه الأمثلة لا يقصد إنشاء العقد، بل قصد غرضاً آخر، وهو التمثيل أو الحفظ أو توضيح الحكم للتلاميذ. ٤ - الهزل أو الاستهزاء: الهزل ضد الجد: وهو أن يراد بالشيء مالم يوضع له ولا ما يصلح اللفظ له استعارة . فإذا نطق الشخص بعبارة لا يريد بها إنشاء التصرف، وإنما قصد بها الهزل أو الاستهزاء والعبث، مستخدماً صورية التصرف (١) فتح القدير: ٢/ ٢٤٩، الدر المختار ورد المختار: ٢/ ٣٦٧، ط الأميرية. الفقه الإسلامي جـ ٤ (١٣) - ١٩١ - القولي أو العقد، كانت العبارة الصادرة من الهازل عند الشافعية على الراجح (١) صالحة لإنشاء العقود وترتيب الآثار عليها ، سواء في المعاوضات المالية كالبيع والإيجار أم في الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق، وذلك عملاً بالإرادة الظاهرة، لا بالقصد الداخلي ، وحفاظاً على مبدأ استقرار العقود والمعاملات، ولا يلتفت إلى دعوى الهزل . وفصل الحنفية والحنابلة وأكثر المالكية(٢) بين عقود المبادلات المالية وغيرها. فعقود المبادلات المالية كالبيع أو التي محلها المال كالهبة والوديعة والعارية لا يترتب على عبارة الهازل بها أي أثر لعدم تحقق الرضا أو القصد الذي تقوم عليه الإرادة . وأما التصرفات الخمسة التي سوى الشارع فيها بين الجد والهزل (وهي الزواج والطلاق والرجعة والإعتاق واليمين ) فصححوا عبارة الهازل فيها ، ورتبوا عليها آثارها، أخذاً بحديث نبوي سابق هو: ((ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتاق)) (٣) وفي رواية ((الرجعة)) وفي رواية أخرى ((اليمين))، ولأن هذه التصرفات خطيرة مشتملة على حق لله، وهو ليس موضعاً للهزل والاستهزاء. ٥ - الخطأ : الخطأ: هو وقوع الفعل بدون قصد، كأن يقصد المتكلم النطق بكلمة فيسبق لسانه إلى كلمة أخرى فيتلفظ بها، كأن يقول: طلقت، وهو يريد أن يقول : بعت. (١) راجع المجموع شرح المهذب للنووي: ٩ / ١٨٤، نهاية المحتاج: ٦ / ٨٢. رد المحتار: ٢ / ٣٦٣، ٣٦٧، ط الأميرية، ٤ /٧، ٢٥٥، الشرح الكبير للدسوقي: ٣/ ٤، المغني: ٦ / ٥٣٥، (٢) كشاف القناع: ٢/ ٥ وما بعدها، غاية المنتهى: ٣ / ١٧. رواه الخمسة (أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) إلا النسائي عن أبي هريرة (نيل الأوطار: (٣) ٢٣٤/٦) وقال الترمذي: حديث حسن غريب. - ١٩٢ - والخطىء كالناسي أو المجنون عند الشافعية والمالكية والحنابلة(١) لا يترتب على عبارته أي عقد أو التزام، عملاً بقول النبي مؤاقل: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهو عليه))(٢). وقال الحنفية(٢): المخطىء والناسي يترتب على عبارتهما أثرها في التصرفات والعقود؛ لأن الإرادة أمر باطني خفي لا اطلاع لنا عليه، فلو قبلنا دعوى الخطأ والنسيان في التصرفات لتزلزلت المعاملات ، وضاعت الحقوق . والخلاصة : أن رأي الحنفية في الخطأ على عكس رأيهم في الهزل. ٦ - التلجئة أو المواضعة (٤): هي أن يتظاهر أو يتواطأ شخصان على إبرام عقد صوري بينهما إما بقصد التخلص من اعتداء ظالم على بعض الملكية، أو بإظهار مقدار بدل أكثر من البدل الحقيقي ابتغاء الشهرة والسمعة ، أو لتغطية اسم الشخص الذي يعمل لمصلحته باطناً ( قضية الاسم المستعار ). أي أن المواضعة إما أن تكون في أصل العقد، أو في مقدار البدل، أو في الشخص . مثال الحالة الأولى: أن يخاف إنسان اعتداء ظالم على بعض ما يملك، فيتظاهر هو ببيعه لثالث فراراً منه، ويتم العقد مستوفياً أركانه وشرائطه. ومثله بيع المدین (١) الفروق للقرافي: ٢/ ١٤٩، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام الحنبلي: ص ٣٠ وما بعدها، الأشباه والنظائر للسيوطي : ٦٩ . (٢) حدیث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس. البحر الرائق: ٣/ ٣٦٣، التلويح على التوضيح: ٢/ ١٦٩، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ١ / ١٠٦، ٢/ ١٣٥، (٣) كشف الأسرار: ص ١٣٩٦، مرآة الأصول: ٢ / ٤٤١. (٤) وتسمى عقد الأمانة أو التواطؤ. - ١٩٣ - أمواله لتهريبها من وجه الدائنين، أو عقد قروض صورية لبعض الناس لمزاحمة الدائنين الحقيقيين، أو إقرار المورث لبعض ورثته بدين لتفضيله في نصيب الإرث . ومثال الحالة الثانية : إعلان زيادة في المهر في عقد الزواج بعد الاتفاق سراً على مقدار المهر الحقيقي بقصد الرياء والسمعة والشهرة . أو زيادة الثمن في عقد بيع العقار لمنع الشفيع من الأخذ بالشفعة . فلا يجب في هذه الحالة إلا المهر المتفق عليه سراً في عقد الزواج، أو الثمن الحقيقي الذي تم به البيع، وكل من الزواج والبيع صحيح . ومثال الحالة الثالثة: تواطؤاثنين على إخفاء وكالة سرية في عمل معين ، والتظاهر بأن الوكيل يعمل باسمه لمصلحته الشخصية أو أنه هو الأصيل في العمل، ثم يعلن أن اسمه مستعار، كأن يقر شخص بأن الدكان أو السند أو الأموال التي في يده هي لشخص آخر، فيعد قوله إقراراً بالحق لذلك الشخص (راجع المجلة : م ١٥٩١ - ١٥٩٣). وقد اختلف الفقهاء في حكم عقد التلجئة أي بالنسبة للحالة الأولى : فقال الحنفية والحنابلة (١): إنه عقد فاسد غير صحيح كحالة الهزل تماماً؛ لأن العاقدين ما قصدا البيع ، فلم يصح منهما كالهازلين . كما لا يصح عقد القرض الصوري أو الإقرار كما في حالة الهزل(٣). وقال الشافعية(٣): هو بيع صحيح؛ لأن البيع تم بأركانه وشروطه، وأتي باللفظ مع قصد واختيار خالياً عن مقارنة مفسد، أي أن رأيهم في هذه العقود كرأيهم في عقود الهازل . (١) رد المحتار والدر المختار: ٢٥٥/٤، المغني: ٢١٤/٤، ١٨٩. الهزل أعم من التلجئة لأنه يجوز ألا يكون العاقد فيه مضطراً إليه وأن يكون الهزل سابقاً للعقد أو مقارناً له، (٢) والتلجئة إنما تكون عن اضطرار، ولا تكون مقارنة. هذا في قول، والأظهر كما حقق ابن عابدين أنها سواء في الاصطلاح. (٣) مغني المحتاج: ١٦/٣، المجموع للنووي: ١٦٨/٨. - ١٩٤ - .-- ٧ - الإكراه : يقصد الشخص في حالة الإكراه التلفظ بالعبارة مع فهمه لمعناها، ولكنه لم يرض بترتب الآثار عليها . فالإكراه بنوعيه الملجىء وغير الملجىء يعدم الرضا، أي الإرادة الحقيقية . وبما أن الإكراه يعدم الرضا لم يترتب عند غير الحنفية ( الجمهور) على عبارة المستكره أي أثر في جميع العقود والتصرفات، للحديث السابق: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )) فلا يصح طلاقه وزواجه وغيرهما، كالسكران. وبهذا أخذ قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة (٨٩)(١) والقانون المصري . إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا: بيع المكره باطل(٢). وقال المالكية : بيع المكره غير لازم ، فيكون للعاقد المستكره الخيار بين فسخ العقد أو إمضائه. وقال ابن جزي المالكي : بيع المكره وشراؤه باطلان(٣). وأما الحنفية(٤) فاعتبروا الإكراه كالهزل تماماً. فالعقود المالية كالبيع والإجارة والرهن ونحوها ، أو التي محلها المال كالهبة والوديعة والإعارة تكون موقوفة على إجازة المستكره بعد زوال ظرف الإكراه، فإن رضي بها وأجازها في مدة ثلاثة أيام وبقي العاقد الآخر راضياً نفذت، وإن لم يجزها بطلت. وهذا رأي زفر وهو الأصح. (١) نص المادة: ((١- لا يقع طلاق السكران ولا المدهوش ولا المكره. ٢ - المدهوش: هو الذي فقد تمييزه من غضب أو غيره، فلا يدري ما يقول)). (٢) مغني المحتاج: ٧/٢ وما بعدها، غاية المنتهى: ٥/٢. (٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: ٦/٣، القوانين الفقهية: ص٢٤٦. مختصر الطحاوي: ص ١٩١، ٤٠٨، رد المحتار لابن عابدين: ٤/٤، ٢٥٥ و٨٩/٥ - ٩١، الفرائد البهية في القواعد (٤) للشيخ محمود حمزة: ص٣٢٤ . - ١٩٥ - والتصرفات الخمسة التي لله فيها حق ( وهو الزواج والطلاق والرجعة واليمين والعتاق ) تكون صحيحة كالهزل تماماً ؛ لأن الشارع جعل العبارة فيها عند القصد إليها قائمة مقام الإرادة، فيترتب عليها أثرها . ٨ - القصد غير المشروع : إذا اتخذ العاقد عقداً مباحاً وسيلة لتحقيق غرض غير مباح شرعاً، أي كان الدافع له سبباً غير مشروع ، فللفقهاء بالنسبة للعقد في حد ذاته رأيان ، وذلك مثل بيع السلاح لأهل الفتنة، وبيع العصير لمن يتخذه خمراً، وبيع العينة وزواج المحلل ونحوها . قال الإمام الشافعي : العقد صحيح ، لتوافر ركنه وهو الإيجاب والقبول والنية غير المشروعة متروك أمرها لله عز وجل يعاقب صاحبها . وقال الصاحبان وسائر الأئمة الآخرين : العقد غير صحيح، وليس للإيجاب والقبول أثر متى قام الدليل على هذا القصد الآثم. وقد سبق بحث الرأيين في نظرية السبب عند الفقهاء. الفرع الثاني - سلطان الإرادة العقدية ( أو مدى الحرية في العقود والشروط ) : يأخذ فقهاء القانون الحديث بمبدأ سلطان الإرادة العقدية أي أن الإرادة حرة في إنشاء العقود واشتراط الشروط لتحديد التزامات التعاقد وآثاره المترتبة عليها ، ولكن في حدود النظام العام(١): وهي الحدود التي يضعها التشريع وفقاً لمصالح الفرد والمجتمع ومقتضيات السياسة والاقتصاد، فلا يصح مثلاً الاستئجار على ارتكاب جريمة أو على فعل ما ينافي الآداب الاجتماعية، أو النظام الاقتصادي والسياسي. (١) لا تعترف الشريعة بما يسمى بالنظام العام، وإنما بما حدّه الله ورسوله. - ١٩٦ - ويعبر القانونيون عن حرية الاشتراط وتحديد التزامات التعاقد بقاعدة مشهورة هي ((العقد شريعة المتعاقدين )) أي أنه قانون ملزم لكل من الطرفين المتعاقدين فيما تقضي به بنوده وشروطه. وقد نص القانون المدني السوري على ذلك في المادة ( ١٤٨ / ١ ). وهذا يعني أن السلطان المطلق في إنشاء العقد وآثاره المترتبة عليه هو لإرادة المتعاقدين ، دون نظر إلى فكرة التعادل في الغنم والغرم أي ماقد يكون من غبن فاحش على أحد المتعاقدين . كما أنه يمكن الاتفاق على أنواع جديدة من العقود بحسب ما تقتضيه المصالح الاقتصادية والتطورات الزمنية، دون اقتصار على ما يعرف بالعقود المسماة وهي التي نظمها التشريع وحدد لها التزامات معينة . وسنعرف أن الفقه الحنبلي يلتقي مع مبدأ سلطان الإرادة المعمول به في نطاق القوانين المدنية المعاصرة . وسأبحث هذا المبدأ في الفقه الإسلامي من ناحيتين : 8 أولاهما - حرية التعاقد ورضائیته . وثانيتهما - حرية الاشتراط وترتيب آثار العقد . الأولى - حرية التعاقد ورضائيته : اتفقت الاجتهادات الإسلامية على أن الرضا أساس العقود(١) لقوله تعالى في المعاملات المالية: ﴿ ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) ( النساء: ٢٩) وقوله سبحانه في استحقاق أخذ شيء من حقوق الزوجات: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ (١) راجع نظرية العقد لابن تيمية: ص١٥٢ وما بعدها. - ١٩٧ - (النساء: ٤) وقال النبي ◌ّ ((إنما البيع عن تراض)) (١) (( لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)) (٢). وبناء عليه فإن مجرد التراضي هو الذي يولد العقد والتزاماته، دون حاجة لمارسة شكلية معينة ، إلا عقد الزواج الذي يخضع لخطورته الشكلية الإعلان بالإشهاد عليه. والإرادة حرة في إبرام العقد دون خضوع لأي نوع من أنواع الإكراه العقدي، سواء في المعاملات المالية، أم في عقود الزواج، إلا ما توجبه قواعد العدالة ومصلحة الجماعة، كبيع القاضي أموال المدين الماطل جبراً عنه الإيفاء ديونه، وبيع الأموال المحتكرة لصالح الجماعة، واستملاك الأراضي للمصالح العامة . واختلفت الاجتهادات الإسلامية على رأيين في مبدأ حرية إنشاء العقود ( حرية التعاقد ) أي اختيار نظام معين ليكون عقداً بين طرفين ، أو اختيار نوع معين من أنواع العقود الجديدة بالإضافة إلى العقود المتعارف عليها في الماضي . وهذان الرأيان هما ما يأتي : الرأي الأول - للظاهرية : ( أتباع داود بن علي وابن حزم الأندلسي )(٣) وهم المضيقون الذين يقولون : الأصل في العقود المنع حتى يقوم دليل على الإباحة ، أي أن كل عقد أو شرط لم يثبت جوازه بنص شرعي أو إجماع فهو باطل ممنوع(٤). واستدلوا على رأيهم بأدلة ثلاثة : ١ - إن الشريعة شاملة لكل شيء، وقد تكفلت ببيان ما يحقق مصالح الأمة، ومنها العقود، على أساس من العدل، وليس من العدل ترك الحرية للناس في عقد ما يريدون من العقود، وإلا أدى ذلك إلى هدم نظام الشريعة . حديث حسن رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري. (١). رواه الدارقطني عن أنس، وفيه مجهول ( نيل الأوطار: ٣١٦/٥). (٢) (٣) وليس لهم أتباع في العصر الحاضر. فتاوى ابن تيمية: ٣٢٣/٣، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ٥٩٣/٥ وما بعدها ط الإمام. (٤) - ١٩٨ - ٢ - بقول النبي مع الإ: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ))(١) فكل عقد أو شرط لم يشرعه الشرع بنص أو إجماع يكون باطلاً؛ لأنه إذا تعاقد الناس بعقد لم يرد في الشريعة وأصولها يكونون قد أحلوا أو حرموا غير ماشرع الله، وليس لأحد من المؤمنين سلطة التشريع. قال ابن حزم معلقاً على هذا الحديث: (( فصح بهذا النص بطلان كل عقد عقده الإنسان والتزمه، إلا ماصح أن يكون عقداً جاء النص أو الإجماع بإلزامه باسمه أو بإباحة التزامه بعينه ))(٢). ٣ - يؤيده الحديث النبوي: « ما كان من شرط ليس في کتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط))(٣) أي أن الشرط غير المنصوص عليه باطل، فيقاس عليه العقد ، غير المنصوص عليه . الرأي الثاني - للحنابلة وبقية الفقهاء : وهم الموسعون الذين يقولون: الأصل في العقود وما يتصل بها من شروط الإباحة مالم يمنعها الشرع أو تخالف نصوص الشرع. واستدلوا على رأيهم بما يأتي : ١ - إن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية السابق ذكرها لم تشترط لصحة العقد إلا الرضا والاختيار، وكذلك آية ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ أوجبت الوفاء بكل عقد دون استثناء أي أنها نصت على مبدأ القوة الالزامية للعقد، وأوجبت على الإنسان الوفاء بعقده الذي باشره بإرادته الحرة، فيصبح العقد ملزماً له بنتائجه، ومقيداً لإرادته حفظاً على مبدأ استقرار التعامل. وهذا يدل على أن تحريم شيء من العقود أو الشروط التي يتعامل بها الناس تحقيقاً لمصالحهم، بغير دليل شرعي ، تحريم لما لم يحرمه الله، فيكون الأصل في العقود والشروط هو الإباحة. رواه مسلم عن عائشة، وفي لفظ البخاري: ((من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد)». (١) الإحكام في أصول الأحكام: ٦١٥/٥. (٢) رواه مسلم عن عائشة بلفظ «مابال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في (٣) كتاب الله فهو باطل، ولو كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق )). - ١٩٩ - ٢ - هناك فرق بين العبادات والمعاملات. أما العبادات فيجب ورود الشرع بها، وأما المعاملات ومنها العقود فلا تتطلب ورود الشرع بها. فيكفي في صحتها ألا تحرمها الشريعة استصحاباً للمبدأ الأصولي وهو أن الأصل في الأفعال والأقوال والأشياء هو الإباحة؛ وذلك لأن القصد من المعاملات رعاية مصالح الناس، فكل ما يحقق مصالحهم يكون مباحاً. ويصح التعامل بعقود جديدة لم تعرف سابقاً من طريق القياس أو الاستحسان أو الإجماع أو العرف الذي لا يصادم أصول الشريعة ومبادئها . وهذه المصادر لابد لها من سند في الكتاب أو السنة . ٣ - يؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً))(١) ((الناس على شروطهم ما وافقت الحق)) ويقاس على الشروط الصحيحة كل عقد لا يصادم أصول الشريعة، ويحقق مصالح الناس. وهذا الرأي هو الأصح ، إذ لم نجد في الشرع ما يدل على أي حصرٍ لأنواع العقود وتقييد الناس بها ، فكل موضوع لم يمنعه الشرع ولا تقتضي قواعد الشريعة وأصولها منعه جاز التعاقد عليه، على أن تراعى شرائط انعقاد العقود كالأهلية والصيغة وقابلية المحل لحكم العقد . الثانية - حرية الاشتراط وترتيب آثار العقود والقوة الملزمة للعقد : اتفق الفقهاء على أن العقد المستكمل لأركانه وشرائطه يتمتع بالقوة الإلزامية أي أن كل عقد باشره الإنسان بإرادته الحرة ملزم له بنتائجه ، ومقيد لإرادته ؛ لقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) وقوله: ﴿وأوفوا بالعهد، إن العهد كان مسؤولاً (١) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي عن عمرو بن عوف، وقوله: ((والمسلمون .. )) من زيادة رواية الترمذي، وقال عنه: هذا حديث حسن صحيح. وقولهم ((الناس على شروطهم)) في معنى ((المسلمون على شروطهم ... الحديث )). - ٢٠٠ -