النص المفهرس
صفحات 141-160
ولاية الأب أو الجد أو القاضي هو الشرع. ومصدر ولاية الوصي إما اختيار الأب أو الجد، أو تعيين القاضي . والولاية النيابية الإجبارية: إما أن تكون ولاية على النفس أو ولاية على المال . فالولاية على النفس : هي الإشراف على شؤون القاصر الشخصية كالتزويج والتعليم والتأديب والتطبيب والتشغيل في حرفة ونحو ذلك. وليس هنا محل بحثها . والولاية على المال : هي الإشراف على شؤون القاصر المالية من حفظ المال واستثماره وإبرام العقود والتصرفات المتعلقة بالمال. وهي محل بحثنا هنا. الأولياء ودرجاتهم : الولاية على النفس : تثبت للأقرب فالأقرب من العصبات (١) على الترتيب التالي : ١ - البنوة ( الأبناء ثم أبناء الأبناء ) فابن المجنون والمجنونة مثلاً يتولى شؤونها الشخصية . ٢ - الأبوة ( الآباء ثم الأجداد ) . ٣ - الأخوة ( الإخوة ثم أبناء الإخوة ) . ٤ - العمومة ( الأعمام ثم أبناء الأعمام ) . وهذا هو ترتيب الإرث والولاية في الزواج، وقد نصت على ذلك المادة ٢١ من قانون الأحوال الشخصية السوري . (١) العصبات: قرابة الشخص الذكور من جهة الأب ، كالأخ والعم وابن العم . - ١٤١ - والولاية على المال : بالنسبة للصغير القاصر: تثبت عند الحنفية على الترتيب التالي: الأب، ثم وصي الأب، ثم الجد، ثم وصي الجد، ثم القاضي، ثم وصي القاضي : وهو من يعينه القاضي . والسبب في هذا الترتيب(١): أن الأب أوفر الناس شفقة على ولده. ويعقبه وصيه الذي اختاره ليقوم مقامه، والظاهر أنه ما اختاره من بين سائر الناس إلا لعلمه بأن شفقته على الصغير مثل شفقته عليه. والجد يأتي بعدئذ لأن شفقته دون شفقة الأب. ووصيه يليه ويقوم مقامه، لأنه وثق به وارتضاه. والقاضي أمين على مصالح الأمة وبخاصة اليتامى فصلح أن يكون ولياً، لقوله تع الى: («السلطان ولي من لا ولي له)». يتبين من ذلك أن الأب، والجد أب الأب لهما ولاية تامة على النفس وعلى المال معاً. وقد نصت على ذلك المادة (١٧٠ ) من قانون الأحوال الشخصية السوري : ((للأب ثم للجد العصبي ولاية على نفس القاصر وماله، وهما ملتزمان بالقيام بها)). كما نصت المادة (١/١٧٢) على من تثبت له الولاية على المال: ((للأب وللجد العصبي عند عدمه دون غيرهما ولاية على مال القاصر حفظاً وتصرفاً واستثماراً )). ونصت المادة (١٧٦ / ١) على الوصي المختار: وهو من يختاره الأب أو الجد قبل موته: ((يجوز للأب وللجد عند فقدان الأب أن يقيم وصياً مختاراً لولده القاصر، أو الحمل، وله أن يرجع عن ايصائه)». ونصت المادة (١٧٧) على وصي القاضي: وهو من يعينه القاضي: ((إذا لم يكن للقاصر أو الحمل وصي مختار تعين المحكمة وصياً )). البدائع : ١٥٢/٥، ١٥٥. (١) - ١٤٢ - من يحتاج إلى الولاية : تثبت الولاية على الصغير القاصر والمجنون والمعتوه، والمغفل، والسفيه، وقد اصطلح قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة ( ١٦٣) على تسميات لأنواع الولاية على هؤلاء كما يبدو من النص التالي : ((١ - النيابة الشرعية عن الغير تكون إما ولاية، أو وصاية أو قوامة، أو وكالة قضائية . ٢ - الولاية للأقارب للأب أو غيره، والوصاية على الأيتام، والقوامة على المجانين والمعتوهين، والمغفلين والسفهاء. والوكالة القضائية عن المفقودين)). والحقيقة أن حالات النيابة الشرعية الأربعة هذه كلها داخلة تحت كلمة « الولاية )» عند فقهائنا کما تبین لدينا . أما الولاية على مال الصغير القاصر : فتكون لأحد الأولياء الستة الذين ذكرناهم سابقاً وهم ( الأب ووصيه، والجد ووصيه، والقاضي ووصيه)(١). وأما الولاية على المجنون أو المعتوه : إذا بلغ على هذه الحالة ، فإنها تكون لمن كان وليه قبل البلوغ من أب أوجد أو وصي ، باتفاق المذاهب الأربعة ، كما بينا . فإن بلغ الشخص رشيداً ثم طرأ عليه الجنون أو العته، عادت إليه ولاية من كان وليه قبل البلوغ، على الرأي الراجح عند الحنفية ، والشافعية(٢). الولاية في مذهبي المالكية والحنابلة تكون أولاً للأب ثم لوصيه، ثم للحاكم، ثم لمن يقيمه أميناً عنه ولا ولاية (١) للجد وغيره من القرابة ( الشرح الكبير للدردير: ٢٩٢/٣، غاية المنتهى: ١٤٠/٢) وعند الشافعية : الولاية للأب أولاً ثم للجد أبي الأب ، ثم لوصيها ثم القاضي أي العدل الأمين ( نهاية المحتاج: ٣٥٥/٣). (٢). تبيين الحقائق: ١٩٥/٥ ومابعدها ، مغني المحتاج: ١٧١/٢، نهاية المحتاج: ٣٥٦/٣. - ١٤٣ - الفقه الإسلامي جـ ٤ (١٠) وقال المالكية والحنابلة: تكون الولاية عليه حينئذ للقاضي ، ولا تعود لمن كانت له من أب أو جد ؛ لأن الولاية سقطت ببلوغ الصغير رشيداً، والساقط لا يعود (١) . وقانون الأحوال الشخصية السوري أخذ بالرأي الثاني في المادة ( ٢٠٠ ) وهي: ((١ - المجنون والمعتوه محجوران لذاتها، ويقام على كل منهما قيم بوثيقة)) ومعنى المادة أن تصرفات المجنون والمعتوه تعد باطلة، ولو قبل شهر قرار الحجر عليها ، حماية المصالحهما . وأما القانون المدني السوري في المادة (١١٥) فلم يعتبر تصرفات المجنون والمعتوه باطلة إلا بعد شهر قرار الحجر عليهما حماية لاستقرار المعاملات إلا في حالتين استثناهما نص المادة وهي : ١ - يقع باطلاً تصرف المجنون والمعتوه، إذا صدر التصرف بعد شهر قرار الحجر. ٢ - أما إذا صدر التصرف قبل شهر قرار الحجر، فلا يكون باطلاً إلا إذا كانت حالة الجنون أو العته شائعة وقت التعاقد، أو كان الطرف الآخر على بينة منها . وأما الولاية على السفيه وذي الغفلة : فإنها تكون للقاضي باتفاق المذاهب الأربعة(٢)؛ لأن الحجر عليهما متوقف على قضاء القاضي، حفاظاً على مالهما ومراعاة لمصلحتها . وعلى هذا تكون تصرفاتها صحيحة نافذة قبل إيقاع الحجر عليهما . نصت المادة ٢٠٠ / ٢ من قانون الأحوال الشخصية السوري على ذلك فيما يأتي: («السفيه والمغفل غاية المنتهى : ١٤٢/٢، الشرح الكبير للدردير: ٢٩٢/٣ (١) (٢) المراجع السابقة : مغني المحتاج : ١٧٠/٢ . - ١٤٤ _ يحجران قضاء، وتصرفاتهما قبل القضاء نافذة، ويقام على كل منهما قيم بقرار الحجر نفسه، أو بوثيقة على حدة )). واشترط القانون المدني السوري لإبطال تصرف المغفل والسفيه شهر قرار الحجر إلا في حالتین نصت المادة ( ١١٦ ) منه على ما يأتي : ((١ - إذا صدر تصرف من ذي الغفلة أو من السفيه بعد شهر قرار الحجر، سرى على هذا التصرف ما يسري على تصرفات الصبي المميز من أحكام . ٢ - أما التصرف الصادر قبل شهر قرار الحجر، فلا يكون باطلاً أو قابلاً للإبطال، إلا إذا كان نتيجة استغلال أو تواطؤ)». وأما الوكالة القضائية: فهي نوع من الولاية قررتها القوانين النافذة في أحوال ثلاث : ١ - المفقود والغائب: نص قانون الأحوال الشخصية السوري في المواد (٢٠٢ - ٢٠٦) على أصولهما والأحكام المتعلقة بها، ومنها أن المفقود: هو كل شخص لا تعرف حياته أو مماته، أو تكون حياته محققة، ولكن لا يعرف له مكان ( م٢٠٢) ومنها أنه يعتبر كالمفقود : الغائب الذي منعته ظروف قاهرة من الرجوع إلى مقامه أو إدارة شؤونه بنفسه، أو بوكيل عنه، مدة أكثر من سنة، وتعطلت بذلك مصالحه أو مصالح غيره . أما حكم زوجة المفقود فقد نصت المادة (١٠٩) من هذا القانون على أنه: «إذا غاب الزوج بلا عذر مقبول، أو حكم بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات، جاز لزوجته بعد سنة من الغياب أو السجن أن تطلب إلى القاضي التفريق، ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه )). والتفريق للغيبة بعد سنة في هذه المادة مأخوذ من القول المعتمد في مذهب المالكية . - ١٤٥ _ وأما أموال المفقود: فقد نصت المادة (٣٠٢) من هذا القانون على حكمها فيما يأتي : ١ - يوقف للمفقود من تركة مورثه نصيبه فيها، فإن ظهر حياً أخذه، وإن حکم بموته رد نصيبه إلى من يستحقه من الورثة وقت موت مورثه. ٢ - إن ظهر حياً بعد الحكم بموته، أخذ مابقي من نصيبه في أيدي الورثة ولا توزع تركة المفقود قبل موته أو الحكم باعتباره ميتاً عند بلوغه الثمانين من العمر ( م ٢٠٥ ). ٢ - المصاب بعاهتين من ثلاث عاهات هي الصم والبكم والعمى . نص القانون المدني السوري على ذلك في المادة (١١٨): ((١ - إذا كان الشخص أصم أبكم، أو أعمى أصم ، أو أعمى أبكم، وتعذر عليه بسبب ذلك التعبير عن إرادته، جاز للمحكمة أن تعين له مساعداً قضائياً يعاونه في التصرفات التي تقتضي مصلحته فيها ذلك )». ٣ - المحكوم عليه بالأشغال الشاقة أو بالاعتقال: نص قانون العقوبات السوري في المادة ٥٠ على عقوبة تبعية لهذا الشخص بالإضافة إلى السجن ، وهي الحجر عليه، أو منعه من التصرف بماله، وتعيين وصي يشرف على أمواله، ونص هذه المادة ما يأتي : ((١ - كل محكوم عليه بالأشغال الشاقة أو بالاعتقال يكون في خلال تنفيذ عقوبته في حالة الحجر، وتنقل ممارسة حقوقه على أملاكه، ما خلا الحقوق الملازمة للشخص ( أي كالطلاق ) إلى وصي وفقاً لأحكام قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بتعيين الأوصياء على المحجور عليهم ، وكل عمل وإدارة أو تصرف يقوم به المحكوم عليه يعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً مع الاحتفاظ بحقوق الغير من ذوي النية الحسنة، ولا - ١٤٦ - يمكن أن يسلم إلى المحكوم عليه أي مبلغ من دخله ماخلا المبالغ التي يجيزها القانون وأنظمة السجون )). مبدأ الولاية : تبدأ الولاية على الأشخاص منذ ولادتهم ، وتستمر حتى سن الرشد، أما الجنين فلا ولاية لأحد عليه قبل الولادة عند غالبية الفقهاء، فلو اشترى له شخص شيئاً أو وهب له شيء، فلا يتملكه، حتى ولو ولد حياً، وإنما تثبت له الحقوق الضرورية الأربعة التي ذكرناها . لكن قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة ( ١٧٦ ) الذي أخذ بالمقرر في فقه الشيعة الزيدية، وقانون الولاية على المال الصادر بمصر سنة ١٩٥٢ أجازا للأب أو للجد تعيين وصي للحمل المستكن . والوصي المقصود هنا في تقديري ليس مجرد أمين لحفظ المال حتى الولادة كما فهم كثير من الشراح، وإنما الذي له صلاحيات الأوصياء عادة ، عملاً بإطلاق النص، وبالمفهوم من التسوية في الحكم بين وصي الحمل، ووصي القاصر في مادة واحدة، وتحقيقاً للهدف المنشود من تعيين الوصي وهو رعاية مصلحة الجنین وتثمیر ماله وتنیته فضلاً عن حفظه . شروط الولي : الولاية مسؤولية كبرى في إدارة أموال وأعمال الغير، ويترتب عليها نفاذ التصرفات غالباً، لذا يشترط في الولي الخاص كالأب أو الجد أو الولي العام كالقاضي وناظر الوقف ومدير المؤسسة الخيرية شروط إما في شخصه أو في تصرفاته(١) . ١ - كمال أهلية الأداء بالبلوغ والعقل، فلا ولاية للمجنون ولا للصغير، لأنه لا (١) مختصر الطحاوي: ص١٦٠ وما بعدها، البدائع: ١٥٣/٥، الدر المختار ورد المختار: ٤٩٥/٥. - ١٤٧ - ولاية لهما على أنفسهما ، فلا تكون لهما ولاية على غيرهما ، إذ فاقد الشيء لا يعطيه. ٢ - اتحاد الدين بين الولي والمولى عليه، فلا تثبت ولاية لغير المسلم على المسلم، كما لا ولاية للمسلم على غير المسلم؛ لأن اتحاد الدين باعث غالباً على الشفقة ورعاية المصلحة . ٣ - العدالة: أي الاستقامة على أمور الدين والأخلاق والمروءات(١)، فلا ولاية للفاسق؛ لأن فسقه يجعله متهماً في رعاية مصالح غيره. ٤ - القدرة على التصرف مع الأمانة : لأن المقصود من الولاية تحقيق مصلحة المولى عليه، وهي لا تتحقق مع العجز وعدم الأمانة(٢). ٥ - رعاية مصلحة المولى عليه في التصرفات، لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ فليس للولي سلطة في مباشرة التصرفات الضارة بالمولى عليه ضرراً محضاً، كالتبرع من مال القاصر بالهبة أو الصدقة، أو البيع أو الشراء بغين فاحش ، أو الطلاق. فإن أمكن تنفيذها على الولي نفسه نفذت وإلا كانت باطلة . أما التصرفات النافعة نفعاً محضاً كقبول الهبة والوصية والكفالة بالمال، 5 نصت المادة ١/١٧٨ على ما يلي: ((يجب أن يكون الوصي عدلاً قادراً على القيام بالوصاية ذا أهلية كاملة ، وأن (١) يكون من ملة القاصر » . منع قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة ٢/١٧٨ الوصي من الولاية في حالات ، ونصها هو : (٢) لا يجوز أن يكون وصياً : أ - المحكوم عليه في جريمة سرقة أو إساءة الائتمان، أو تزوير أو في جريمة من الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة . ب - المحكوم يافلاسه إلى أن يعاد إليه اعتباره . ج - من قرر الأب أو الجد عند عدمه حرمانه من التعيين قبل وفاته إذا ثبت ذلك ببينة خطية . د - من كان بينه هو أو أحد أصوله أو فروعه أو زوجه وبين القاصر نزاع قضائي، أو خلاف عائلي يخشى منه على مصلحة القاصر . - ١٤٨ - ١ والتصرفات المترددة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء بغين يسير أو بمثل القيمة، فتكون صحيحة نافذة . فإذا أخل الولي بأحد هذه الشروط، جاز للقاضي تبديله بسبب نقص الأهلية أو الكفر أو الفسق. فإن صار الولي غير أمين ضم القاضي إليه مساعداً آخر يعينه. تصرفات الولي ومدى صلاحياته : يتبين من شروط الولي أنه ليس له مباشرة أي تصرف يلحق ضرراً محضاً بالمولى عليه كالتبرع من ماله، وله أن يتصرف فيما يحقق مصلحة القاصر، كحفظ أمواله وإدارتها واستثمارها، والإنفاق الضروري عليه، وشراء مالابد له منه، وبيع المنقولات، وعلى الأب الإنفاق على الصغير إن لم يكن له مال، لقوله تعالى: ﴿ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ﴾. فإن كان للصغير مال أنفق عليه من ماله. وجاز للأب المحتاج أن يأخذ نفقته الضرورية من مال الصغير، لقوله تعالى: ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾. وأما بيع عقار القاصر: فالمفتى به في مذهب الحنفية : أنه يجوز للأب بيع عقار القاصر بمثل القيمة فأكثر، ولا يجوز ذلك للوصي عند متأخري الحنفية إلا للضرورة كبيعه لتسديد دين لا وفاء له إلا بهذا المبيع(١). ثم قرر قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة (١٧٢ / ٢) أنه لا يجوز للأب ( أي ولا للوصي)(٢) بيع عقار القاصر أو رهنه إلا بإذن القاضي بعد تحقق المسوغ، كبيعه للنفقة أو لوفاء الدين . تكملة فتح القدير مع العناية : ٤٩٩/٨ وما بعدها ، مجمع الضمانات للبغدادي: ص٤٠٨ . (١) (٢) وقد نصت المادة (١٨٢) من قانوننا السوري على ذلك، فلم تجز للوصي التصرفات الناقلة للملكية في مال القاصر إلا بإذن المحكمة مباشرة . - ١٤٩ - هذا مجمل صلاحيات أوسلطات الولي في التصرفات، وتفصيل أحكام تصرفات كل ولي على حدة محله كتب الفقه(١) . الوكالة الوكالة : نيابة شرعية عن الغير حال الحياة، وهي نوع من الولاية كما بينا، ونبحث فيها ما يأتي: تعريفها، ركنها ، شروطها ، أنواعها وتصرفات الوكيل ، هل للوكيل توكيل غيره ؟ تعدد الوكلاء، الفرق بين الرسول والوكيل، حكم العقد وحقوقه في حال التوكيل ، انتهاء الوكالة . تعريف الوكالة ومشروعيتها : الوكالة في اللغة تطلق ويراد بها إما الحفظ، كما في قوله تعالى: ﴿وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ أي الحافظ. وإما التفويض، كما في قوله سبحانه: ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ ﴿ إني توكلت على الله ربي وربكم ﴾ ويقال: وكل أمره إلى فلان : أي فوضه إليه واكتفى به . وعند الفقهاء يراد بها المعنيان، وإن كان المعنى الأول تبعياً والثاني هو الأصل. وعبارة الحنفية(٢) في تعريفها: هي إقامة الشخص غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم. أوهي : تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل . وعبارة المالكية والشافعية والحنابلة(٢) في تعريفها : هي تفويض شخص ما له فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حياته . وضابط ما يقبل النيابة - هو ما يأتي : انظر الدر المختار ورد المختار: ٤٩٤/٥ وما بعدها، تكملة الفتح: ٤٩٨/٨ ومابعدها، مجمع الضمانات : ص٤٠٧ (١) ومابعدها . (٢) تبيين الحقائق: ٢٥٤/٤، البدائع: ١٩/٦، رد المحتار: ٤١٧/٤. (٣) مغني المحتاج : ٢١٧/٢، الشرح الكبير للدردير، ٣٧٧/٣ ، غاية المنتهى ١٤٧/٢ . - ١٥٠٠ _ ،۔ هو كل تصرف جاز للشخص مباشرته بنفسه ولو من حيث المبدأ جازله التوكيل فيه . والناس قديماً وحديثاً بحاجة يومية إلى الوكالة في كثير من أحوالهم وأمورهم، إما أنفة أو عدم لياقة بمباشرة الشيء بالذات كتوكيل الأمير أو الوزير، وإما عجزاً عن الأمر كتوكيل المحامين في الخصومات، والخبراء بالبيع والشراء في التجارات . لذا أقرتها الشرائع السماوية ، قال تعالى في القرآن الكريم حكاية عن أصحاب الكهف: ﴿ فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة، فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه ... ) الآية. وفي السنة النبوية: وكل النبي م فل حكيم بن حزام ( أو عروة البارقي ) بشراء شاة أضحية(١). ووكل عمرو بن أمية الضري في زواج أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي بالحبشة(٢)، ووكل في القيام بأعمال الدولة كجباية الزكاة وإدارة الجيش وولاية الأقاليم. الوكالة بأجر: تصح الوكالة بأجر، وبغير أجر، لأن النبي ماتز كان يبعث عماله لقبض الصدقات، ويجعل لهم عمولة(٣). فإذا تمت الوكالة بأجر، لزم العقد، ويكون للوكيل حكم الأجير، أي أنه يلزم الوكيل بتنفيذ العمل، وليس له التخلي عنه بدون عذر يبيح له ذلك، وإذا لم يذكر الأجر صراحة حكم العرف: فإن كانت مأجورة عادة كتوكيل المحامين وسماسرة البيع والشراء، لزم أجر المثل، ويدفعه أحد العاقدين بحسب العرف. وإن كانت غير مأجورة عرفاً، كانت مجاناً ، أو تبرعاً، عملاً بالأصل في الوكالات: وهو أن تكون بغير أجر على سبيل التعاون في الخير. وهذا النوع لا يلزم فيه المضي في العمل ، بل للوكيل التخلي عنه في أي وقت. وهذا توكيل حكيم رواه أبو داود والترمذي عن حكيم بن حزام نفسه ، وتوكيل البارقي رواه أحمد والبخاري وأبو (١) داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن عروة نفسه ( نيل الأوطار: ٢٧٠/٥). (٢) رواه أبو داود في سننه ( سنن أبي داود : ٤٦٨/١ ). التلخيص الحبير : ١٧٦/١، ٢٥١، ٢٧٥ . (٣) - ١٥١ _ مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة(١). وقال الشافعية: الوكالة ولو بجعل جائزة أي غير لازمة من الجانبين(٣). ركن الوكالة : ركن الوكالة: الإيجاب والقبول ، الإيجاب من الموكل كأن يقول: وكلتك بكذا، أو افعل كذا، أو أذنت لك أن تفعل كذا ونحوه. والقبول من الوكيل كأن يقول: قبلت ونحوه. ولا يشترط في القبول كونه لفظاً أو قولاً، وإنما يصح أن يكون بالفعل. فإذا علم الوكيل بالتوكيل ، فباشر التصرف الموكل فيه، اعتبر ذلك قبولاً ، ولا يشترط في الوكالة ( كما عرفنا في بحث مجلس العقد ) اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، وإنما يكفي العلم بالوكالة ومباشرة التصرف. والوكالة بغير أجر عقد جائز غير لازم(٣) أي يجوز لأحد العاقدين فسخه متى شاء . والوكالة باعتبارها إطلاقاً في التصرف يصح أن تكون منجزة في الحال، كأنت وكيلي من الآن في كذا، كما يصح عند الحنفية والحنابلة(٤): أن تكون مضافة إلى وقت في المستقبل، كأنت وكيلي في الدعوى الفلانية في الشهر القادم، أو معلقة على شرط ، مثل : إن قدم فلان فأنت وكيلي في بيع هذا الكتاب، لحاجة الناس إلى ذلك . وقال الشافعية في الأصح: لا يصح تعليق الوكالة بشرط من صفة أو وقت، مثل: إن قدم زيد أو رأس الشهر فقد وكلتك بكذا، لما في التعليق من غرر ( أي احتمال )، لكن يصح عندهم جعل الوكالة منجزة في الحال، واشتراط بدء التصرف تكملة فتح القدير: ١٢٣/٦، المغني: ٨٥/٥، القوانين الفقهية: ص٣٢٩، الشرح الكبير: ٣٩٦/٣ وما بعدها . (١) (٢) نهاية المحتاج : ٣٨/٤ وما بعدها . بداية المجتهد: ٢٩٧/٢، المغني: ١١٣/٥، غاية المنتهى: ١٥٤/٢، مغني المحتاج: ٢٣١/٢ وما بعدها ، الدر (٣) المختار : ٠٤٣٣/٤ (٤) البدائع: ٢٠/٦، غاية المنتهى: ١٤٧/٢، المغني: ٨٥/٥. - ١٥٢ - ٠ معلقاً على شرط ، مثل أنت وكيلي الآن في بيع هذه الأرض، ولكن لا تبعها إلا بعد شهر، أو إلا إذا تركت وظيفتي. شروط الوكالة : يشترط لصحة الوكالة شروط في الموكل وفي الوكيل وفي المحل الموكل فيه. أما الموكل : فيشترط فيه أن يكون مالكاً للتصرف الذي يوكل فيه أي أهلاً لمارسته؛ لأن من لم يملك التصرف لا يملك تلیکه لغيره. فلا يصح التوكيل أصلاً من فاقد الأهلية كالمجنون أو الصبي غير المميز، ولا من ناقص الأهلية أي المميز في التصرفات الضارة به كالطلاق والهبة. ويصح التوكيل من المميز في التصرف النافع له كقبول الهبة، كما يصح منه التوكيل بإجازة وليه في التصرفات المترددة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء والإيجار. ويصح التوكيل من المحجور عليه للسفه أو الغفلة فيما يباح له من التصرفات. ويصح للمرأة التوكيل في مباشرة عقد زواجها. وهذا عند ۔(١) الحنفية(١) . وقال غير الحنفية ( المالكية والشافعية والحنابلة) (٢): لا يصح التوكيل من الصبي مطلقاً؛ إذ لا يصح عندهم مباشرته لأي تصرف. كما لا يصح للمرأة توكيل امرأة أخرى في إبرام عقد زواجها . ويصح لها عند المالكية توكيل الرجل في ذلك . وأما الوكيل: فيشترط فيه أن يكون عاقلاً، فيصح أن يكون المميز وكيلاً، سواء أكان مأذوناً في التجارة أم محجوراً. ولا يصح جعل المجنون والمعتوه وغير المميز وكيلاً في التصرفات لعدم اعتبار عبارتهم. هذا عند الحنفية(٢). (١) البدائع: ٢٠/٦، تكملة فتح القدير : ١٢/٦. الفقه على المذاهب الأربعة: ٢٣٦/٣ وما بعدها، مغني المحتاج : ٢١٧/٢، المهذب: ٣٤٩/١ . (٢) (٣) المبسوط: ١٥٨/١٩، البدائع: ٢٠/٦، رد المحتار: ٤١٧/٤. - ١٥٣ - وقال غير الحنفية(١): وكالة الصبي غير صحيحة، لأنه غير مكلف بالأحكام. الشرعية، فلا تصح مباشرة التصرف لنفسه، فلا يصح توكيله عن غيره. ولا يصح أن تكون المرأة وكيلة عن غيرها في مباشرة عقد الزواج؛ لأنها لا تملك مباشرة عقدها بنفسها فلا تملك مباشرة عقد غيرها . وأما الموكل فيه ( محل الوكالة): فيشترط فيه ما يأتي(٢): ١ - أن يكون معلوماً للوكيل: فلا يصح التوكيل بالمجهول جهالة فاحشة، مثل : اشتر لي أرضاً أو جوهراً أو داراً، ويصح مع الجهالة اليسيرة مثل: اشتر لي صوفاً انكليزياً ، أو اشتر لي صوفاً بسعر كذا. ٢ - أن يكون التصرف مباحاً شرعاً: فلا يجوز التوكيل في فعل محرم شرعاً، كالغصب أو الاعتداء على الغير. ٣ - أن يكون مما يقبل النيابة، كالبيع والشراء والإجارة والتبرع، ورد الودائع وقضاء الدیون ونحوها . 8 وذلك لأن التصرفات بالنظر لقبولها النيابة وعدم قبولها أنواع ثلاثة : نوع یقبل النیابة اتفاقاً ، كما بينا . ونوع لا يقبل النيابة اتفاقاً، كاليمين، والعبادات الشخصية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث . ونوع مختلف فيه كاستيفاء القصاص والحدود الشرعية. فقال الحنفية (٣): (١) بداية المجتهد : ٢٩٧/٢ . البدائع: ٢١/٦ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢٩٧/٢، الشرح الكبير: ٣٧٧/٣ وما بعدها، مغني المحتاج: ٢١٩/٢ (٢) وما بعدها، المغني: ٨٣/٥. المبسوط: ٩/١٩، ١٠٦، فتح القدير: ١٠٤/٦، البدائع: ٢١/٦، رد المحتار والدر المختار: ٤١٨/٤. (٣) - ١٥٤ - لا يجوز التوكيل فيها ، بل لا بد من حضور الموكل وقت الاستيفاء (أي التنفيذ)، ولأن غيبته شبهة ، والحدود تدرأً بالشبهات. وقال غير الحنفية(١): يجوز التوكيل باستيفاء الحدود والقصاص، سواء أحضر الموكل أم غاب ؛ لأن الحاجة قد تدعو لذلك، ولأن الوكيل كالأصيل . أنواع الوكالة : للوكالة أنواع منها ما يأتي: أ- الوكالة الخاصة والعامة: قد تكون الوكالة خاصة وقد تكون عامة(٢). فالوكالة الخاصة : هي الإنابة في تصرف معين ، كبيع أرض أو سيارة معينة، وإجارة عقار محدد، وتوكيل في دعوى معينة. وحكمها: أن الوكيل مقيد بما وكل فيه، وإلا كان فضولياً . والوكالة العامة : هي الإنابة العامة في كل تصرف أوشيء، مثل أنت وكيلي في كل التصرفات، أو في كل شيء، أو اشتر لي ما شئت أوما رأيت، وحكمها أن الوكيل يملك كل تصرف يملكه الموكل وتجوز النيابة فيه، ما عدا التصرفات الضارة بالموكل كالتبرعات من هبة ووقف ونحوهما، والإسقاطات من طلاق وإبراء ونحوهما. فلا يملك الوكيل العام هبة شيء من أموال الموكل، ولا طلاق زوجة الموكل ، إلا بالنص على ذلك صراحة . ب - الوكالة المقيدة والمطلقة: قد تكون الوكالة أيضاً مقيدة أو مطلقة(٣). فالوكالة المقيدة : هي التي يقيد فيها تصرف الوكيل بشروط معينة، مثل وكلتك في بيع أرضي بثمن حال قدره كذا، أو مؤجل إلى مدة كذا، أو مقسطٍ على أقساط معينة . بداية المجتهد: ٢٩٧/٢، الشرح الكبير: ٣٧٨/٣، المغني: ٨٤/٥، مغني المحتاج: ٢٢١/٢، المهذب: ٣٤٩/١. (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ٤١٦/٤، بداية المجتهد: ٢٩٧/٢. (٢) البدائع: ٢٧/٦ وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص ١١٠ وما بعدها، المبسوط: ٣٩/١٩، الدر المختار: ٤٢١/٤ (٣) وما بعدها، مجمع الضمانات: ص ٢٤٩، تكملة فتح القدير: ٧٠/٦ ومابعدها. - ١٥٥ - وحكمها : أن الوكيل يتقيد بما قيده به الموكل ، أي أنه يراعى القيد ما أمكن ، سواء بالنسبة للشخص المتعاقد معه أو لمحل العقد، أو بدل المعقود عليه. فإذا خالف الوكيل لا يلزم الموكل بالتصرف إلا إذا كان خلافاً إلى خير، فيلزمه، كأن يبيع الشيء الموكل ببيعه بأكثر من الثمن المحدد له، أو بثمن حال بدلاً من الثمن المؤجل أو المقسط. وإذا لم يلزم الموكل بالتصرف بسبب المخالفة، كان الوكيل فضولياً، ولزمه التصرف إن كان وكيلاً بالشراء لأنه متهم بالشراء لنفسه . أما الوكيل بالبيع إذا خالف أمر الموكل فيتوقف بيعه على إجازة الموكل، ولا يلزم الوكيل بالعقد ، لتعذر تنفيذه عليه . والوكالة المطلقة : هي التي لا يقيد فيها الوكيل بشيء مثل: وكلتك في بيع هذه الأرض، من غير تحديد ثمن معين ، أو كيفية معينة لوفاء الثمن. وحكمها عند أبي حنيفة : أن المطلق يجري على إطلاقه، فللوكيل التصرف بأي ثمن قليلاً أو كثيراً، ولو بغين فاحش، معجلاً أو مؤجلاً، صحيحاً أو مريضاً؛ لأن الأصل في اللفظ المطلق أن . يجري على إطلاقه، ولا يجوز تقييده إلا بدليل، كوجود تهمة، ولا يعتمد على العرف، لأن العرف في البلاد متعارض. وقال الصاحبان، وعلى رأيهما الفتوى، ورأيها هو الراجح وبه قال الشافعية والحنابلة والمالكية(١): يتقيد الوكيل بما تعارفه الناس، فإذا خالف المتعارف كان فضولياً في تصرفه، وتوقف نفاذه على رضا الموكل. فليس للوكيل بالبيع مثلاً أن يبيع بغبن فاحش : وهو ما لا يتساهل فيه الناس عادة، ولا أن يبيع بغير النقد الغالب في البلد، ولا أن يبيع بثمن مؤجل أو مقسط إلا إذا جرى العرف في مثله؛ لأن الوكيل منهي عن الإضرار بالموكل، مأمور بالنصح له. وفي الزواج: ليس للوكيل أن يزوج الموكل بامرأة لا تكافئه، أو بمهر فيه غبن (١) الشرح الكبير: ٣٨٢/٣، المهذب: ٣٥٣/١ وما بعدها، مغني المحتاج: ٢٢٣/٢ - ٢٢٦، بداية المجتهد: ٢٩٨/٢، المغني: ١٢٤/٥، قواعد الأحكام لاين عبد السلام: ١٠٧/٢، ط الاستقامة. - ١٥٦ _ فاحش، فإن فعل ذلك كان تصرفاً موقوفاً على إجازة الموكل، فإن أجازه نفذ، وإلا بطل. حكم تصرفات الوكيل : يترتب على الوكالة ثبوت ولاية التصرف الذي تناوله التوكيل، وسأذكر أهم التصرفات في أهم أنواع الوكالات . ١ - الوكيل بالخصومة : أي بالمرافعة أمام القضاء كالمحامي اليوم، يملك كل ما يتعلق بالدعوى وما لا بد منه فيها ، ومن ذلك الإقرار على موكله عند الحنفية ما عدا زفر(١)؛ لأن مهمة الوكيل بيان الحق وإثباته، لا المنازعة فيه فقط، وبيان الحق قد يكون إنكاراً لدعوى الخصم، وقد يكون إقراراً. وقال زفر وأئمة المذاهب الثلاثة الأخرى(٢): لا يقبل إقرار الوكيل بالخصومة على موكله بقبض الحق وغيره، لأن التوكيل بالخصومة معناه التوكيل بالمنازعة، والإقرار مسالمة، لأنه يترتب عليه إنهاء الخصومة ، فلا يملكه الوكيل كالإبراء. كذلك يملك الوكيل بالخصومة قبض المال المحكوم به لموكله عند الحنفية ما عدا زفر(٣)؛ لأن هذا من تمام الخصومة ، والخصومة لا تنتهي إلا بالقبض، والوكيل أمين على مصالح موكله (٤) . وقال زفر والشافعية والحنابلة(٥): لا يملك القبض، لأن الرجل الثقة بالتقاضي والمخاصمة قد لا يكون أميناً في قبض الحقوق . (١) البدائع: ٢٤/٦، تكملة الفتح: ١٠/٦، المبسوط: ٤/١٩، الدر المختار: ٤٣٠/٤، الكتاب مع شرحه اللباب: ٠١٥١/٢ (٢) بداية المجتهد: ٢٩٧/٢، الشرح الكبير: ٣٧٩/٣، المهذب: ١ / ٣٥١، المغني: ٩١/٥. (٣) البدائع: ٢٤/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٩٦/٦، المبسوط: ١٩/١٩، مجمع الضمانات: ص ٢٦١. قال المرغيناني صاحب الهداية: والفتوى اليوم على قول زفر رحمه الله، لظهور الخيانة في الوكلاء، وقد يؤتمن (٤) على الخصومة من لا يؤتمن على المال. (٥) المهذب: ٣٥١/١، المغني: ٩١/٥. - ١٥٧ - ٢ - الوكيل بالبيع: إذا كان مقيد التصرف يتقيد بالقيد الذي حدده له الموكل بالاتفاق بين الفقهاء، فإذا خالف القيد، لا ينفذ تصرفه على الموكل، ولكن . يتوقف على إجازته، إلا إذا كانت مخالفته إلى خير؛ لأنه محقق لمقصود الموكل ضمناً. فإذا كان وكيلاً بالبيع بثمن ما ، فباع بأقل، لا ينفذ، لأنه خلاف إلى شر، وإن باع بأكثر، نفذ، لأنه خلاف إلى خير، وإذا وكل بالبيع نقداً فباع مؤجلاً لم ينفذ إلا بإجازة الموكل، وإذا وكل بالبيع مؤجلاً فباع نقداً ، نفذ . وإن كان الوكيل مطلق التصرف: فيعمل عند أبي حنيفة بمقتضى الإطلاق، فله أن يبيع بأي ثمن كان، قليلاً أو كثيراً، حتى بالغبن الفاحش، عاجلاً أوآجلاً، كما أوضحنا سابقاً، عملاً بإطلاق الحرية للوكيل بالتصرف. وقال الصاحبان وبرأيهما يفتى، وبقية الأئمة الثلاث : يتقيد الوكيل المطلق بالمتعارف، فلا يبيع إلا بالنقود المتداولة، وبمثل القيمة، وبالمعجل، فلا يبيع بالأعيان، ولا بما لا يتغابن الناس فيه عادة، أي الغبن اليسير، ولا بالنسيئة المؤجلة(١) . وفي حال المخالفة يكون العقد موقوفاً على إجازة الموكل عند الحنفية، باطلاً عند الشافعية . وليس للوكيل بالبيع عند أبي حنيفة أن يبيع لنفسه ولا لزوجته وأبيه وجده وولده وسائر من لا تقبل شهادته له؛ لأنه متهم في ذلك بمراعاة مصلحته أو إيثار العين المبيعة لأقاربه . وقال الصاحبان: يجوزله أن يبيع لهؤلاء لا لنفسه بمثل القيمة أو أكثر؛ لأن (١) المراجع السابقة في بحث الوكالة المقيدة والمطلقة. - ١٥٨ - ,٠ التوكيلَ مطلق، والبيع لأحد من هؤلاء أو غيرهم سواء، ولا تهمة هنا؛ لأن ملكه وأملاكهم متباينة، فالمنافع منقطعة فيما بينهم(١). وتوسط غير الحنفية بين الرأيين، فأجاز المالكية للوكيل بالبيع أن يبيع لزوجته ووالده الرشيد إذا لم يحابها ، ولم يجيزوا له البيع لنفسه أو من في رعايته من صغير أو سفيه أو مجنون(٢). وأجاز الشافعية في الأصح وفي رواية عن أحمد له البيع بمثل القيمة لأبيه وجده وابنه البالغ وسائر فروعه المستقلين عنه لعدم التهمة، ولم يجيزوا له أن يبيع لنفسه وولده الصغير أو المجنون أو السفيه(٣). ٣ - الوكيل بالشراء: مثل الوكيل بالبيع من التقيد بما قيده به الموكل، في الثمن وفي جنس المشترى ونوعه وصفته، أو إطلاق الحرية في التصرف إذا كانت الوكالة مطلقة. فإذا خالف الوكيل أحد القيود لا يلزم الموكل بالشراء، إلا إذا كان خلافا إلى خير، فيلزمه. ووقع الشراء للوكيل نفسه باتفاق الفقهاء(٤)، بعكس الوكيل بالبيع ؛ لأن المشتري قد يتهم بأنه كان يريد الشراء لنفسه ، فلما تبين أنه غبن غبنا فاحشا أظهر أنه يشتري باسم موكله . كذلك لا يملك الوكيل بالشراء عند أبي حنيفة كالوكيل بالبيع أن يشتري من نفسه، أو زوجته أو أبيه أو جده، أو ولده وولد ولده، وكل من لا تقبل شهادته له للتهمة في ذلك . البدائع: ٢٨/٦، تكملة فتح القدير: ٦٧/٦ وما بعدها، رد المحتار: ٤٢٤/٤، مجمع الضمانات: ص ٢٦١. (١) (٢) الشرح الكبير: ٣٨٧/٣ وما بعدها . مغني المحتاج: ٢٢٤/٢ وما بعدها، نهاية المحتاج: ٢٦/٤ وما بعدها، المغني: ١٠٧/٥ وما بعدها. (٣) البدائع: ٢٩/٦ وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص ١١٠ وما بعدها، المبسوط: ٣٩/١٩، تكملة فتح القدير: (٤) ٧٥/٦، الدر المختار: ٤٢١/٤، مغني المحتاج: ٢٢٩/٢، المهذب: ٣٥٤/١، بداية المجتهد: ٢٩٨/٢، الشرح الكبير: ٣٨٢/٣، المغني: ١٢٤/٥، ١٠٧. الفقه الإسلامي جـ ٤ (١١) - ١٥٩ - وقال الصاحبان : يجوز إذا اشترى بمثل القيمة أو بأقل أو بزيادة يتغابن الناس في مثلها عادة(١) . ٤ - الوكالة في الزواج والطلاق، والإجارة والرهن ونحوها من إدارة الأموال: يتقيد الوكيل في ذلك بما يقيده به الموكل، وليس له أن يتصرف بما فيه ضرر. ٥- هل للو کیل تو کیل غيره ؟ إذا كانت الوكالة خاصة أو مقيدة بأن يعمل الوكيل بنفسه، لم يجزله توكيل غیره فیا وكل فيه . وإن كانت الوكالة مطلقة أو عامة بأن قال له : اصنع ماشئت، جازله توكيل الغير، ويكون هذا الغير وكيلاً مع الأول عن الموكل. هذا عند الحنفية(٢). وقال المالكية(٣) : ليس للوكيل أن يوكل غيره إلا أن يكون الوكيل لا يليق به تولي ما وکل فیه بنفسه، کان یکون وجیها ، والموكل به حقیر فله التوكيل حينئذ . وقال الشافعية والحنابلة(٤): ليس للوكيل أن يوكل غيره بلا إذن الموكل متى كان قادراً على ما وكل فيه. أما إذا لم يكن قادراً على القيام بكل ما وكل فيه ، فله أن يوكل غيره ويكون الوكيل الثاني وكيلاً مع الأول عن الموكل . ٦ - تعدد الوكلاء : قد يتعدد الوكلاء عن الشخص الواحد في التصرفات والخصومات، أو المرافعة (١) المراجع السابقة . (٢) البدائع: ٢٥/٦، تكملة فتح القدير: ٨٩/٦ وما بعدها . (٣) الشرح الكبير للدردير: ٣٨٨/٣. (٤) مغني المحتاج: ٢٢٦/٢، المغني: ٨٨/٥. - ١٦٠ -