النص المفهرس

صفحات 121-140

وأما الذمة المالية فتثبت للطفل كاملة بمجرد الولادة وتلازمه طوال الحياة .
٢ - أهلية الأداء: هي صلاحية الشخص لصدور التصرفات منه (أو لمارستها
ومباشرتها) على وجه يعتد به شرعاً ، وهي ترادف المسؤولية ، وتشمل حقوق الله من
صلاة وصوم وحج وسواها ، والتصرفات القولية أو الفعلية الصادرة عن الشخص.
فالصلاة ونحوها التي يؤديها الإنسان تسقط عنه الواجب ، والجناية على مال الغير
توجب المسؤولية .
وأساس ثبوتها أو مناط هذه الأهلية هو التمييز أو العقل والإدراك، فمن ثبتت له
أهلية الأداء صحت عباداته الدينية كالصلاة والصوم، وتصرفاته المدنية كالعقود (١).
ولا وجود لهذه الأهلية للجنين أصلاً ، ولا للطفل قبل بلوغ سن التمييز وهو تمام
سن السابعة. فقبل التمييز تكون هذه الأهلية منعدمة، والمجنون مثل غير المميز
لا تترتب على تصرفاتها آثار شرعية، وتكون عقودهما باطلة، إلا أنها يؤاخذان مالياً
بالجناية أو الاعتداء على نفس الغير أو على ماله، ويقوم الولي (الأب أو الجد) أو
الوصي بمباشرة العقود والتصرفات التي يحتاجها الطفل غير المميز أو المجنون .
وأهلية الأداء نوعان : ناقصة وكاملة .
فأهلية الأداء الناقصة : هي صلاحية الشخص لصدور بعض التصرفات
منه دون البعض الآخر، وهي التي يتوقف نفاذها على رأي غيره، وهذه الأهلية
تثبت للشخص في دور التمييز بعد تمام سن السابعة إلى البلوغ. ويعد في حكم المميز:
الشخص المعتوه الذي لم يصل به العته إلى درجة اختلال العقل وفقده، وإنما يكون
ضعيف الإدراك والتمييز.
(١)
التلويح على التوضيح: ١٦٤/٢ وما بعدها، كشف الأسرار: ص ١٣٦٨ وما بعدها .
- ١٢١ -

ويفرق بالنسبة للمميز والمعتوه بين حقوق الله وحقوق العباد :
أما حقوق الله تعالى: فتصح من الصبي المميز كالإيمان والكفر(١) والصلاة
والصيام والحج، ولكن لا يكون ملزماً بأداء العبادات إلا على جهة التأديب
والتهذيب ، ولا يستتبع فعله عهدة في ذمته، فلو شرع في صلاة لا يلزمه المضي فيها ،
ولو أفسدها لا يجب عليه قضاؤها .
وأما حقوق العباد فعند الشافعي وأحمد : تعد عقود الصبي وتصرفاته باطلة .
وأما عند الحنفية: فإن تصرفاته المالية أقسام ثلاثة : نافعة نفعاً محضاً وضارة
ضرراً محضاً، ودائرة بين النفع والضرر، على النحو السابق الذي بيناه.
وأهلية الأداء الكاملة : هي صلاحية الشخص لمباشرة التصرفات على وجه
يعتد به شرعاً دون توقف على رأي غيره. وتثبت لمن بلغ الحلم عاقلاً أي للبالغ
الرشيد، فله بموجبها ممارسة كل العقود، من غير توقف على إجازة أحد .
والبلوغ يحصل إما بظهور علامة من علاماته الطبيعية كاحتلام الولد (أي
الإنزال) ومجيء العادة الشهرية (الحيض) عند الأنثى، أو بتمام الخامسة عشرة عند
جمهور الفقهاء غير أبي حنيفة لكل من الفتى والفتاة ، وعليه الفتوى والعمل، جاء في
المادة (٩٨٥ مجلة): ((يثبت حد البلوغ بالاحتلام والإحبال والحيض والحبل)»
ونصت المادة (٩٨٦ مجلة): ((على أن منتهى البلوغ خمس عشرة سنة)).
وقدر أبو حنيفة سن البلوغ بثماني عشرة سنة للفتى وسبع عشرة سنة للفتاة.
وقدره الإمام مالك لهما بتمام ثماني عشرة سنة ، وقيل بتمام السابعة عشرة سنة والدخول
اختلف الفقهاء في صحة الكفر من الصبي بالنسبة لأحكام الدنيا مع اتفاقهم على اعتبار الكفر منه في أحكام
(١)
الآخرة. فعند أبي حنيفة ومحمد: تعتبر منه ردته، فيحرم من الميراث وتبين امرأته.
وعند أبي يوسف والشافعي: لا يحكم بصحة ردته في أحكام الدنيا، لأن الارتداد ضرر محض لا يشوبه منفعة،
فلا يصح من الصبي ولا يحرم من الإرث ولا تبين منه امرأته بالردة.
- ١٢٢ -

في الثامنة عشرة (١).
والسبب في ارتباط هذه الأهلية بالبلوغ: هو أن الأصل فيها أن تتحقق بتوافر
العقل، ولما كان العقل من الأمور الخفية ارتبط بالبلوغ، لأنه مظنة العقل،
والأحكام ترتبط بعلل ظاهرة منضبطة، فيصبح الشخص عاقلاً بمجرد البلوغ،
وتثبت له حينئذ أهلية أداءٍ كاملة ما لم يعترضه عارض من عوارض الأهلية. وعندها
يصبح الإنسان أهلاً للتكاليف الشرعية، ويجب عليه أداؤها ، ويأثم بتركها، وتصح
منه جميع العقود والتصرفات ، وتترتب عليه مختلف آثارها ويؤاخذ شرعاً على جميع
الأعمال أو الأفعال الجنائية الصادرة عنه .
أدوار الأهلية :
يفهم مما سبق أن أهلية الإنسان من مبدأ حياته في بطن أمه إلى اكتمال رجولته
تمر في مراحل أو أدوار خمسة هي :
دور الجنين، ودور الطفولة ( عدم التمییز)، ودور التمییز، ودور البلوغ، ودور
الرشد (٢).
الدور الأول - دور الجنين : يبدأ من بدء الحمل وينتهي بالولادة، وفيه
تثبت للجنين أهلية وجوب ناقصة تمكنه من ثبوت أربعة حقوق ضرورية له
ذكرناها سابقاً ، وليست له أهلية أداء ولا ذمة مالية.
الدور الثاني - دور الطفولة: ويبدأ من وقت الولادة ويستمر إلى وقت
التمييز وهو بلوغ السابعة من العمر. وفيه تثبت للطفل غير المميزأهلية وجوب
(١)
تفسير القرطبي: ٣٧/٥، الشرح الكبير: ٣٩٣/٣.
راجع التقرير والتحبير: ١٦٦/٢ وما بعدها، مرآة الأصول: ٤٥٢/٢ وما بعدها، فواتح الرحموت: ١٥٦/١
(٢)
وما بعدها، حاشية نسمات الأسحار: ص ٢٧٣، التلويح على التوضيح، كشف الأسرار، المرجعان السابقان.
- ١٢٣ -

كاملة ، فيستحق الحقوق ويلتزم بالواجبات التي تكون نتيجة ممارسة وليه بعض
التصرفات نيابة عنه، فإذا اشتري له أو وهب له ملك، ووجب عليه العوض في
المعاوضات المالية . وتكون له ذمة كاملة .
وليست له أهلية أداء، فتكون أقواله كلها هدراً، وعقوده باطلة، حتى ولو
كانت نافعة نفعاً محضاً له كقبول الهبة أو الوصية وينوب عنه فيها وليه الشرعي أو
وصيه. جاء في المادة (٩٦٦ مجلة): ((لا يصح تصرفات الصغير غير المميز وإن أذن له
وليه)).
كذلك تكون أفعاله هدراً سواء أكانت دینیة کالصلاة والصيام فلا تصح منه، أو
مدنية كقبض المبيع أو الوديعة أو القرض ، فلا تصح .
وأما جناياته كالقتل والضرب والقطع فلا تستوجب العقوبة البدنية،
كالقصاص والحبس ، ولا يحرم من الميراث بقتل مورثه لسقوط المؤاخذة عنه، وإنما
يلزم في ماله بدفع التعويض أو ضمان ما أتلفه من الأنفس والأموال حفاظاً عليها .
الدور الثالث - دور التمييز: يبدأ بعد سن السابعة ويستمر إلى البلوغ
عاقلاً.
ومعنى التمييز: أن يصبح الولد بحالة يميزفيها بين الخير والشر، والنفع والضرر،
ويعرف معاني الألفاظ إجمالاً . فيدرك أن البيع مثلاً سالب للمال وأن الشراء جالب
للملك.
وفيه تثبت للمميز أهلية أداء ناقصة : دينية، ومدنية ، فتصح منه العبادات
البدنية كالصلاة والصيام، ويثاب عليها، وإن لم تكن مفروضة عليه. كما تصح منه
مباشرة التصرفات المالية ، مثل قبول الهبة أو الصدقة مطلقاً، والبيع والشراء موقوفاً
على إجازة وليه. ولا يصح منه التصرف الضار بمصلحته كالتبرع بشيء من أمواله،
على ما سبق بيانه .
- ١٢٤ _
:

الدور الرابع - دور البلوغ: يبدأ من البلوغ إلى وقت الرشد. وقد اتفق
الفقهاء عملاً بالآيات القرآنية(١) والأحاديث النبوية(٢) على أن البالغ يصبح مكلفاً
بجميع التكاليف الشرعية. وتكتمل لديه أهلية الأداء الدينية، فيطالب بالإيمان
بعناصره الستة ( بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره)
وبالإسلام بأركانه الخمس ( شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا). وبتطبيق
أحكام الشريعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله ،
واحترام الأموال والأنفس والأعراض، واجتناب المحظورات الشرعية والمعاصي
والمنكرات التي تضر بمصلحة الفرد والجماعة .
وأما أهلية الأداء المدنية : فتكتمل عند الفقهاء، خلافاً للقانون ، بسن البلوغ إذا
بلغ الولد راشداً. فتنفذ تصرفاته المالية وتسلم إليه أمواله. فإن لم يؤنس منه الرشد،
فلا تنفذ تصرفاته، ولا تسلم إليه أمواله؛ لأن الشرع جعل البلوغ أمارة على كمال
العقل ، فإن ثبت العكس عمل به .
الدور الخامس - دور الرشد: الرشد أكمل مراحل الأهلية، ومعناه عند
الفقهاء(٣) : حسن التصرف في المال من الوجهة الدنيوية، ولو كان فاسقاً من الوجهة
الدينية (م ٩٤٧ مجلة) ويتوافر بتحقق الخبرة المالية بتدبير الأموال وحسن استثمارها .
وهو أمر يختلف باختلاف الأشخاص والبيئة والثقافة .
مثل قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ... ﴾.
(١)
مثل قول النبي ◌ُ ◌ّ: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى
(٢)
يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم)) رواه أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم عن علي وعمر.
هذا ما فسره ابن عباس، وهو مذهب الحنفية والمالكية. ويرى الشافعي أن الرشد: هو أن يتصف بالبلوغ
(٣)
والصلاح لدينه وماله (الدر المختار: ١٠٥/٥، بداية المجتهد: ٢ / ٢٧٨، الشرح الصغير: ٣/ ٣٩٣،
المغني: ٤ /٤٦٧، مغني المحتاج: ٢ / ١٦٨،٧).
- ١٢٥ -

فقد يرافق البلوغ، وقد يتأخر عنه قليلاً أو كثيراً، وقد يتقدمه، لكن
لا اعتبار له قبل البلوغ، ومرجعه إلى الاختبار والتجربة عملاً بالآية القرآنية:
﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشداً، فادفعوا إليهم
أموالهم ﴾.
وبناء عليه: إذا بلغ الشخص رشيداً كملت أهليته، وارتفعت الولاية عنه،
وسلمت إليه أمواله، ونفذت تصرفاته وإقراراته.
وإن بلغ غير رشيد بقي ناقص أهلية الأداء، واستمرت الولاية المالية عليه عند
جمهور الفقهاء، فلا تنفذ تصرفاته، ولا تسلم إليه أمواله. أما الولاية على النفس
كالتأديب والتطبيب والتعليم والتزويج فترتفع عنه بمجرد بلوغه عاقلاً ، أي أن
اشتراط الرشد محصور في التصرفات المالية، وأما غير ذلك كالزواج والطلاق فإنها
نافذة منه بمجرد البلوغ عاقلاً .
وخالف أبو حنيفة في هذا فقال : إذا بلغ الشخص عاقلاً غير رشيد كملت
أهليته، وارتفعت الولاية عنه، احتراماً لادميته وحفاظاً على كرامته، ولکن
لا تسلم إليه أمواله على سبيل الاحتياط والتأديب، لا على سبيل الحجر عليه، لأنه
لا يرى الحجر على السفيه (أي المبذر)، وأما منع أمواله عنه فينتهي : إما بالرشد
فعلاً، أو ببلوغه خمساً وعشرين سنة(١).
وليس للرشد سن معينة عند جمهور الفقهاء، وإنما الأمر متروك لاستعداد
الشخص وتربيته وبيئته، وليس في النصوص الشرعية تحدید له .
أما قانون الأحوال الشخصية السوري (م١٦) والقانون المدني السوري (م ٤٦)
الدر المختار ورد المختار: ٥/ ١٠٤، بداية المجتهد: ٢/ ٢٧٦ وما بعدها.
(١)
- ١٢٦ -

فقد حدد سن الرشد فيهما بـ ١٨ سنة ميلادية كاملة، وفي القانون المصري بـ ٢١ سنة.
فما قبل هذه السن لا تسلم للشخص أمواله، ولا تنفذ تصرفاته، فإذا بلغ الإنسان هذه
السن سلمت إليه أمواله إذا لم يكن محجوراً عليه.
ورفع سن الرشد إلى هذا الحد يتفق مع ظروف الحياة الحديثة، التي تعقدت
فيها المعاملات، وتدهورت فيها الأخلاق، وشاع الخداع والاحتيال، ولا مانع في
الشريعة من ذلك عملاً بما تقتضيه المصلحة في حماية الناشئة وصيانة أموالهم .
عوارض الأهلية
أهلية الأداء: هي أساس التعامل والتعاقد كما عرفنا، إلا أن هذه الأهلية قد
يعترضها بعض العوارض فتؤثر فيها، والعوارض: هي ما يطرأ على الإنسان فيزيل
أهليته أو ينقصها أو يغير بعض أحكامها . وهي نوعان عند علماء أصول الفقه :
١ - عوارض سماوية: وهي التي لم يكن للشخص في إيجادها اختيار واكتساب.
٢ - وعوارض مكتسبة: وهي التي يكون للشخص دخل واختيار في تحصيلها .
والعوارض السماوية أكثر تغييراً وأشد تأثيراً، مثل الجنون والعته والإغماء
والنوم، ومرض الموت .
والعوارض المكتسبة : مثل السكر والسفه والدين .
وسأقتصرهنا على إعطاء فكرة موجزة عن هذه العوارض، ما عدا مرض الموت
والدين فإنها يتطلبان مزيداً من البحث والإيضاح.
١ - الجنون: اختلال في العقل ينشأ عنه اضطراب أو هيجان(١). وحكمه أنه
(١) المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف ٤٦٠.
- ١٢٧ -
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٩)

سواء أكان مطبقاً ( مستمراً ) أم غير مطبق ( متقطع ) معدم الأهلية حال وجوده ،
فتكون تصرفات المجنون القولية والفعلية كغير المميزلاغية باطلة لا أثرلها .
ولكنه يطالب بضمان أفعاله الجنائية على النفس أو المال(١). جاء في المادة (٩٧٩
مجلة): ((المجنون المطبق هو في حكم الصغير غير المميز)».
٢ - العته: ضعف في العقل ينشأ عنه ضعف في الوعي والإدراك، يصير به
المعتوه مختلط الكلام، فيشبه مرة كلام العقلاء، ومرة كلام المجانين . ويتميز المعتوه
عن المجنون بالهدوء في أوضاعه فلا يضرب ولا يشتم كالمجنون. فالمعتوه إذاً: هو من كان
عليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير. وحكمه حكم الصبي المميز كما سبق ، أي أن
لصاحبه أهلية أداء ناقصة(٢).
٣ - الإغماء: تعطل القوى المدركة المحركة حركة إرادية بسبب مرض يعرض
للدماغ أو القلب. وهو يشبه النوم في تعطيل العقل ، إلا أن النوم عارض طبيعي،
والإغماء غير طبيعي ، فيكون حكمهما واحداً في التصرفات، وهو إلغاؤها وبطلانها
لانعدام القصد عند المغمى عليه(٣).
٤ - النوم: فتور طبيعي يعتري الإنسان في فترات منتظمة أو غير منتظمة
لا يزيل العقل، بل يمنعه عن العمل، ولا يزيل الحواس الظاهرة، بل يمنعها أيضاً
عن العمل. وعبارات النائم كالمغمى عليه لا اعتبار لها إطلاقاً(٤).
مرآة الأصول: ٢ / ٤٣٩، التقرير والتحبير: ٢/ ١٧٣، كشف الأسرار: ص ١٠٨٣، التلويح على
(١)
التوضيح: ١٦٧/٢.
(٢)
المراجع السابقة: المرآة ٤٤١/٢، التقرير والتحبير: ١٧٦/٢، كشف الأسرار: ١٣٩٤/٢ الدر المختار ورد المختار:
١٠٠/٥، التلويح: ١٦٨/٢.
(٣)
المراجع السابقة .
(٤)
المراجع السابقة .
- ١٢٨ -

٥ - السُّكْر: حالة تعرض للإنسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة
إليه، فيتعطل معه عقله المميز بين الأمور الحسنة والقبيحة . وهو نوعان: سكر
بطريق مباح كالحاصل من الدواء أو البنج، أو حالة الاضطرار أو الإكراه . وسكر
بطريق حرام كالحاصل من الخمر أو أي مسكر آخر حتى البيرة. والسكر بنوعيه
لا يذهب العقل، بل يعطله فترة من الزمن، ويزيل الإرادة والقصد .
وحكمه على المشهور عند المالكية وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة(١) : أنه يبطل
العبارة ولا يترتب عليها التزام ، فتبطل عقوده وتصرفاته لعدم سلامة القصد أو
الإرادة، سواء أكان بطريق مباح أو محظور، فلا يصح يمينه وطلاقه وإقراره ولا
بيعه وهبته ولا سائر أقواله (٢). إلا أن المالكية قالوا في الطلاق: لو سكر سكراً حراماً
صح طلاقه، إلا أن لا يميز فلا طلاق عليه لأنه صار كالمجنون .
وقال جمهور الفقهاء (غير المذكورين)(٣): يفرق بين السكر بمباح فليس
لعبارته أي اعتبار، وبين السكر بمحرم فتقبل عبارته زجراً له وعقاباً على تسببه في
تعطيل عقله، فتعد تصرفاته من قول أو فعل صحيحة نافذة، عقاباً وزجراً له
ولأمثاله، سواء في ذلك الزواج والطلاق والبيع والشراء والإجارة، والرهن والكفالة
ونحوها .
٦ - السفه: خفة تعتري الإنسان، فتحمله على العمل بخلاف موجب العقل
والشرع مع قيام العقل حقيقة ، والمراد به هنا ما يقابل الرشد: وهو تبذير المال
الشرح الكبير: ٢٦٥/٢،٥/٣، أعلام الموقعين: ٤٨/٤، ط السعادة، زاد المعاد: ٤٠/٤ وما بعدها، غاية
(١)
المنتهى: ١١٣/٣.
وهذا رأي الإمام أحمد في رواية عنه اختارها جماعة من الحنابلة، والطحاوي والکرخي وأبي يوسف وزفر من
(٢)
الحنفية، والمزني وابن سريج وغيرهما من الشافعية. وبه أخذ قانون الأحوال الشخصية في سورية ومصر.
(٣)
كشف الأسرار: ص ١٤٧١، التلويح: ١٧٥/٢، التقرير والتحبير: ١٩٣/٢، مرآة الأصول: ٤٥٤/٢ .
- ١٢٩ -

وإنفاقه في غير حكمة، ولو في أمور الخير عند الحنفية(١) (م ٩٤٦ مجلة) كبناء المساجد
والمدارس والملاجئ .
والسفه لا يؤثر في الأهلية ، فيظل السفيه كامل الأهلية، لكنه يمنع من بعض
التصرفات .
الحجر على السفيه(٢): قد يبلغ الشخص سفيهاً، وقد يطرأ عليه السفه بعد
بلوغه راشداً .
أ - من بلغ سفيهاً: اتفق الفقهاء على أنّ الصبي إذا بلغ سفيهاً يمنع عنه ماله،
ويظل تحت ولاية وليه، لقوله تعالى: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم
قياماً وارزقوهم فيها). ويستمر هذا المنع أبداً عند جمهور الفقهاء والصاحبين، حتى
يتحقق رشده لقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾.
جاء في المادة (٩٨٢ مجلة): ((إذا بلغ الصبي غير الرشيد لم تدفع إليه أمواله، ما لم
يتحقق رشده، ويمنع من التصرف كما في السابق)).
وقال أبو حنيفة: تنتهي فترة منع ماله عنه ببلوغه خمساً وعشرين سنة؛ لأن
هذه السن غالباً يتحقق فيها الرشد، فإن لم يرشد لا ينتظر منه رشد بعدئذ. وأما
تصرفاته في فترة منع ماله عنه فلا ينفذ منها إلا ما كان نافعاً نفعاً محضاً له أو الوصية
في حدود الثلث، أو كانت لا تقبل الفسخ: وهي الزواج والطلاق والرجعة واليمين .
ويمنع من باقي التصرفات .
ب- من بلغ رشيداً ثم صار سفيهاً: لا يجيز أبو حنيفة الحجر عليه، لأنه
حر في تصرفاته ، والحجر ينافي الحرية ، وفيه إهدار لإنسانيته وكرامته .
الدر المختار: ١٠٢/٥ تبيين الحقائق: ١٩٢/٥. إلا أن الشافعي لم يجعل الإسراف في وجوه البرسفها (مغني
(١)
المحتاج: ١٦٨/٢).
(٢)
الحجر: هو منع نفاذ التصرفات القولية.
- ١٣٠ -

وقال جمهور الفقهاء، والصاحبان (أبو يوسف ومحمد) وبرأيها يفتى في المذهب
الحنفي : يجوز الحجر على السفيه، رعاية لمصلحته، ومحافظة على ماله، حتى
لا يكون عالة على غيره. ويكون حكمه حينئذ حكم الصبي المميز في التصرفات(١)؛
لقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ وقوله سبحانه: ﴿فإن كان الذي عليه
الحق سفيها أو ضعيفاً، أو لا يستطيع أن يمل هو، فليلل وليه بالعدل ﴾ مما يدل على
ثبوت الولاية على السفيه(٢). إلا أن الحجر على السفيه في هذه الحالة يكون بحكم
قضائي، بالتثبت من السفه أو التبذير، ومنعاً من إلحاق الضرر بمن يتعامل مع
السفيه من غير بينة وتحقق من حاله. وهذا رأي أبي يوسف والشافعي وأحمد ومالك
رحمهم الله تعالى .
والحجر في هذه الحالة محصور في التصرفات التي تحتمل الفسخ، ويبطلها الهزل
كالبيع والإجارة والرهن . أما التصرفات التي لا تحتمل الفسخ ولا يبطلها الهزل
كالزواج والطلاق والرجعة والخلع ، فلا يحجر عليه بالإجماع .
الغفلة والسفه :
تعالـ
الغفلة ملحقة بالسفه من ناحية جواز الحجر عند جمهور الفقهاء وعدمه عند أبي
حنيفة(٢). وذو الغفلة: هو من لا يهتدي إلى أسباب الربح والخسارة، كما يهتدي
غيره، وإنما يخدع بسهولة بسبب البساطة وسلامة القلب، مما يؤدي إلى غبنه في
المعاملات. وحكم المغفل والسفيه سواء. أما الفرق بينهما فهو أن السفيه كامل
وعليه نصت المادة (٩٩٠ مجلة): ((السفيه المحجور عليه هو في المعاملات كالصغير المميز ... )).
(١)
كشف الأسرار: ص ١٤٨٩، التلويح على التوضيح: ١٩١/٢، التقرير والتحبير: ٢٠١/٢، مرآة الأصول:
(٢)
٤٥٩/٢، الدر المختار: ١٠٢/٥ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢٧٦/٢، ٢٧٩، مغني المحتاج: ١٧٠/٢، المغني:
٤٦٩/٤، الشرح الصغير: ٣٨٢/٣ وما بعدها.
تبیین الحقائق: ٥/ ١٩٨ .
(٣)
- ١٣١ -

الإدراك، ويرجع سوء تصرفه إلى سوء اختياره. وأما ذو الغفلة: فهو ضعيف
الإدراك، ويرجع سوء تصرفه إلى ضعف عقله وإدراكه للخير والشر.
٧ - الدين أو المديونية :
الخلاف الذي ذكرناه في السفه والغفلة من ناحية الحجر وعدمه يجري في
الدين . فأبو حنيفة لا يجيز الحجر على المدين، وإن استغرق دينه ماله، لأنه كامل
الأهلية بالعقل، فلا حجر عليه، حفاظاً على حريته في التصرف وإنسانيته. وإنما
یؤمر بسداد دیونه، فإن أبى يحبس ليبيع ماله بنفسه و یؤدي ما عليه من الديون .
وقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد) والأئمة الثلاثة: (مالك والشافعي
وأحمد)(١): يحجر القاضي على المدين الذي ترتبت عليه ديون حالة الأجل، وكانت
ديونه مستغرقة لماله (أي محيطة بها) وطلب الدائنون الغرماء الحجر عليه(٢). وهذا
هو المفلس، والمفلس لغة: من لا مال له، وشرعاً، من دينه أكثر من ماله. وأجاز
المالكية الحجر على المدين المفلس دون حاجة لحكم قضائي ، أي على الغريم نفسه ،ولو
كان الدين المحيط بالمال مؤجلاً .
وبالحجر على المدين تنتقص أهليته، ويصبح كالصغير المميز، ومتى وقع الحجر
عليه صارت تصرفاته المالية التي تضر بدائنيه موقوفة على إجازتهم، سواء أكانت
تلك التصرفات تبرعات محضة كالهبة أو الوقف، أم معاوضات مشتملة على المحاباة في
(١) تبيين الحقائق: ١٩٩/٥، رد المحتار على الدر المختار: ١٠٢/٥، ١٠٥ وما بعدها، الشرح الصغير: ٣ / ٣٤٦،
مغني المحتاج: ٢/ ١٤٦، غاية المنتهى: ٢/ ١٢٩، القواعد لابن رجب: ص ١٤، بداية المجتهد: ٢ / ٢٨٠. هذا
مع العلم بأن أصل المذهب الحنفي عدم جواز الحجر بسبب الدين. لكن المفتى به عند الحنفية هو قول
الصاحبين وهو جواز الحجر.
نصت المادة (٩٩٨ مجلة) على ما يأتي «لو ظهر عند الحاكم مماطلة المديون في أداء دينه حال كونه مقتدراً،
(٢)
وطلب الغرماء بيع ماله وتأدية دينه حجر الحاكم ماله. وإذا امتنع عن بيعه وتأدية الدين باعه الحاكم وأدى
دينه .. )) ونصت المادة (٩٩٩) على جواز حجر الحاكم المدين المفلس الذي دينه مساوٍ لماله أو أزيد ...
- ١٣٢ -

الثمن، كالبيع بأقل من القيمة ، أو الشراء بأكثر من القيمة، فإن أجازوا التصرف نفذ،
وإن رفضوه بطل .
وهذا يعني عند الحنفية : أنه إذا صح الحجر على المدين ، صار المحجور كمريض
عليه ديون الصحة ، فكل تصرف أدى إلى إبطال حق الدائنين الغرماء، فالحجر (أي
المنع من التصرف) يؤثر فيه كالهبة والصدقة .
وأما البيع: فإن كان يمثل القيمة جاز، وإن كان بغبن فلا يجوز، ويتخير المشتري
بين إزالة الغبن ، وبين الفسخ ، كبيع المريض .
ويجوزله الزواج بمهر المثل والطلاق والخلع ونحو ذلك، كما يجوز له قبول
الهبات والتبرعات .
٨- مرض الموت :
البحث فيه يتناول تعريفه وما يلحق به، والحقوق المتعلقة به، وحقوق
المريض نفسه، وحقوق الدائنين والموصى لهم والورثة، وتصرفات المريض نفسه،
وإقراره(١) .
أ- تعريفه: هو المرض الذي يعجز الرجل أو المرأة عن ممارسة أعمالهما المعتادة
ويتصل به الموت قبل مضي سنة من بدئه، إذا لم يكن في حالة تزايد أو تغير، فإن
كان يتزايد اعتبر مرض موت من تاريخ اشتداده أو تغيره، ولو دام أكثر من سنة
(م ١٥٩٥ مجلة )
ويقال لصاحبه : المريض ؛ ويقابله : الصحيح. وهذا هو مراد فقهاء الحنفية
(١) راجع التلويح على التوضيح: ٢ / ١٧٧، كشف الأسرار: ص ١٤٢٧، التقرير والتحبير: ٢/ ١٨٦، مرآة
الأصول: ٢ / ٤٤٧، البدائع: ٧ / ٢٢٤ وما بعدها، الدر المختار: ٤ / ٤٨١ وما بعدها.
- ١٣٣ -
حـ
۔۔۔
:

عند إطلاق كلمة ((المريض)) أي من هو في مرض الموت. أو كلمة ((الصحيح)) أي من
ليس في حال مرص الموت، ولو كان مريضاً بمرض آخر.
ولابد لتوافر معنى مرض الموت من أمرين : أن يكون مما يغلب فيه الهلاك عادة
وأن يتصل به الموت فعلاً، ولو من حادث آخر كالقتل والحرق والغرق وغيرها .
وبناء عليه ألحق الفقهاء به حالات مثل(١):
ركاب سفينة جاءتها ريح عاصف، وظنوا أن الموت نازل بهم، الأسرى لدى
دولة اعتادت قتلهم .
المجاهد الذي خرج للقاء العدو بائعاً نفسه في سبيل الله والوطن .
ب - حكمه والحقوق المتعلقة به : مرض الموت لا ينافي أهلية وجوب
الأحكام الشرعية في حقه، سواء حقوق الله وحقوق العباد وأهلية العبادة، لأنه
لا تأثير له على الذمة والعقل والنطق .
ولا ينافي أيضاً أهلية الأداء؛ لأنه لا يخل بالعقل، فتجب للمصاب به حقوق
غيره، كما تجب على الصحيح. وتظل عباراته وأقواله معتبرة كالبيع والهبة والإجارة
والزواج والطلاق وسائر التصرفات .
إلا أنه يحجر عليه ويمنع من بعض التصرفات كالمديون حماية لحقوق الدائنين
التي تصبح متعلقة بماله بعد أن كانت متعلقة بذمته فقط ، وحماية لحقوق الورثة أيضاً
التي تصبح متعلقة بأعيان وموجودات التركة نفسها في رأي أبي حنيفة خلافاً
لصاحبيه .
ج - حقوق المريض الخاصة : تصرفات المريض الضرورية الخاصة بشخصه
(١)
الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص ٣٤٠.
- ١٣٤ -

وأسرته نافذة، لا تتوقف على إجازة أحد، وهي ما يلي:
أولاً - النفقات الضرورية اللازمة للطعام والكسوة والسكنى له ولمن تلزمه
نفقته، أو اللازمة للعلاج كأجر الطبيب وثمن الدواء وأجور عملية جراحية ونحوها .
ثانياً - الزواج: للمريض إبرام عقد زواج، لأنه قد يحتاج إلى من يخدمه أو
يؤنسه، بشرط ألا يزيد المهر الذي يحدده على مهر المثل، فإن زاد عليه كانت الزيادة
تبرعاً وصية موقوفة على إجازة الورثة إن زادت على ثلث التركة، فإن كانت في
حدود هذا الثلث نفذت بدون إجازتهم .
ثالثاً - الطلاق : الطلاق نافذ أثناء مرض الموت باتفاق الفقهاء ، لكنه إذا كان
بائناً بغير رضا المرأة ومات الرجل في أثناء العدة، استحقت الميراث منه، لأنه
بطلاقها يعتبر فاراً (هارباً) من ميراثها ، فيعامل بنقيض مقصوده. وهذا رأي
الحنفية، وعليه العمل في المحاكم الحالية(١). والخلع جائز أيضاً كالطلاق لكن الرجل
لا يستحق من بدل الخلع الذي تدفعه المرأة له إذا ماتت في العدة إلا الأقل من ثلاثة
(بدل الخلع ، وثلث تركة الزوجة، ونصيب الزوج من ميراثه منها). وإن ماتت
بعد العدة استحق الأقل من اثنين ( بدل الخلع ، وثلث التركة).
رابعاً - العقود الواردة على المنافع ، سواء أكانت بعوض أم بغير عوض كالإجارة
والإعارة والمزارعة والمساقاة ونحوها . للمريض مباشرة هذه العقود ولو كان العقد
بأقل من عوض المثل، دون أن يحق لأحد من الورثة أو الدائنين الاعتراض عليه؛
لأن المنافع ليست أموالاً في مذهب الحنفية، فلا يتعلق بها حق لأحد الورثة أو
الدائنين ، ولأن التصرف في المنافع ينتهي بمجرد موت أحد العاقدين ، فلا يكون
هناك آراء أخرى: يرى الحنابلة أنها تستحق الميراث ولو انقضت عدتها ما لم تتزوج قبل موته. ويرى المالكية:
(١)
أنها تستحق الميراث ولو تزوجت غيره قبل الموت. وقال الشافعية: لا تستحق الميراث أصلاً، ولو مات زوجها
وهي في العدة.
- ١٣٥ _

هناك حاجة لاعتراض الدائنين أو الورثة. وأما غير الحنفية الذين يعدون المنافع
أموالاً ، فإن التصرف فيها خاضع لإجازة أصحاب الحق .
خامساً - العقود المتعلقة بالربح ولا تمس رأس المال كالشركة والمضاربة تصحان
من المريض، ولو بغبن ؛ لأن الربح كالمنافع لا حق لأحد فيه، ولأن الشركة تبطل
بموت المريض، فلا ضرر فيها على أحد ؛ لأن حقوق الورثة أو الدائنين تتعلق بأعيان
التر کة أو بمالیتها .
والخلاصة : أن كل تصرف يضطر إليه المريض، أو لا يمس حقوق الدائنين أو
الورثة هو نافذ لا يتوقف على إجازة أحد .
د- حقوق الدائنين: تأتي بعد حقوق المريض الخاصة. فإذا كان المريض
مديناً منع من التصرف الضار بمصلحة الدائنين . وعليه إذا كان المريض مديناً بدين
مستغرق (محيط بكل ماله) منع من التبرعات أوما في حكمها، كالهبة والوقف
والوصية بشيء من أمواله، والبيع أو الشراء بالمحاباة. ويكون تصرفه موقوفاً على
إجازة الدائنين بعد وفاة المريض .
وإن كان المريض مديناً بدين غير مستغرق ، اعتبر تصرفه مع غير الوارث نافذاً
إذا لم يشتمل على غبن فاحش . أما إذا حدث التصرف مع وارث، فله حكم الوصية :
ينفذ من الثلث بعد وفاء الديون. ويتوقف على إجازة الورثة فيما يزيد عن الثلث.
هـ- حقوق الموصى له: للمريض أن يوصي بقدر ثلث التركة، فإذا مات
مديناً بدين مستغرق للتركة بطلت الوصية، إلا إذا أجازها الدائنون . وإذا لم يكن
مديناً أو مديناً بدين غير مستغرق نفذت الوصية لأجنبي في حدود ثلث التركة . وإن
كانت الوصية لوارثَ صَارَت موقوفة على إجازة الورثة، مهما كان الموصى به، لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((لا وصية لوارث)).
- ١٣٦ -

و- حقوق الورثة : تتعلق حقوق الورثة بثلثي تركة المريض بعد وفاء
الديون وتنفيذ الوصايا . فإن لم يكن هناك ديون ولا وصايا استحقوا التركة كلها .
وإذاً تأتي حقوقهم بعد حقوق الدائنين والموصى لهم. وبناء عليه: كل تصرف من
المريض لا يضر بحقوق الورثة يكون صحيحاً نافذاً لا اعتراض لأحد عليه. وإن
كان التصرف ضاراً بحقوقهم ، كان لهم مع نفاذه حال الحياة حق إبطاله بعد الموت إن
كان مما يقبل الفسخ كالتبرعات .
لكن ما هو نوع حق الورثة بالتركة: هل هو حق شخصي أم حق عيني(١)؟
قال أبو حنيفة: يتعلق حق الورثة بمالية التركة إن تصرف المريض لأجنبي غير
وارث، ويتعلق حقهم بأعيان التركة وذاتها نفسها إن تصرف المريض لوارث ، أي أن
حقهم في الحالة الثانية حق عيني، وفي الأولى حق شخصي. وبناء عليه: يصح تصرف
· المريض لغير الوارث ببعض أموال التركة بمثل القيمة ، دون اعتراض من أحد الورثة.
ولا يصح تصرف المريض لوارث ببعض أموال التركة ولو بقيمته بلا أي غين . ويحق
الباقي الورثة نقض هذا التصرف لما فيه من ضرر بمصلحتهم ؛ لأن حقهم تعلق بأعيان
التركة ، وإيثار بعض الورثة على بعض لا يجوز. أما في حال تصرف المريض مع غير
الورثة فإن حقهم تعلق بقيمة التركة أو ماليتها .
وقال الصاحبان (أبو يوسف ومحمد): يتعلق حق الورثة كحق الدائنين
العاديين بمالية التركة ، أي بقيمتها ، لا بأعيانها ، سواء أكان تصرف المريض مع وارث
أم غير وارث. فيصح تصرف المريض بمال مطلقاً (لوارث أو لغير وارث) إذا كان
الحق الشخصي: هو علاقة بين شخصين يكون أحدهما مكلفاً تجاه الآخر بعمل أو بالامتناع عن عمل كحق
(١)
الدائن في ذمة المدين، أو حق المودع على الوديع في ألا يستعمل الوديعة. والحق العيني: علاقة مباشرة بين
شخص وشيء معين بذاته مثل حق الملكية على الأموال وحق الارتفاق المقرر على عقار معين مثل حق المرور
أو المسيل.
- ١٣٧ -

بثمن المثل أي بدون غبن ، إذ ليس فيه ضرر بباقي الورثة؛ لأن حقوقهم في التركة
متعلقة بناحية أنها مال فقط .
والخلاصة: أن هناك - على الرأي الراجح رأي أبي حنيفة - فرقاً بين حق
الدائنين وحق الورثة : هو أن حق الدائنين يتعلق بمال المدين فقط، لا بأعيان
التركة نفسها. حتى جاز للمريض مبادلة مال بيعاً أو شراءً دون حاجة لإذن الدائن،
ويجوز للورثة إعطاء الدائن دينه نقداً، ثم يتصرفون بأعيان التركة كما يشاؤون .
ز - تصرفات المريض: إذا كان التصرف الصادر من المريض لا يقبل الفسخ
أو الإبطال كالزواج والطلاق والرجعة والعفو عن القصاص، نفذ بعد الموت في حدود
ثلث التركة. وإن كان التصرف قابلاً للفسخ، كان موقوفاً على إجازة أصحاب الحق
بعد الوفاة إذا كان ضاراً بمصلحتهم كالتبرع والهبة والوقف وبيع المحاباة، وكالبيع
المشتمل على غبن . فإن كان التصرف لا غبن فيه، ومع أجنبي غير وارث، نفذ ولم
يتوقف على إجازة أحد .
ح - إقرار المريض: للمريض أن يقر بدين عليه لأجنبي أولوارث. فإن كان
لأجنبي غير وارث فهو صحيح نافذ دون حاجة لإجازة الورثة، ولو أحاط الإقرار
بجميع ماله (م ١٦٠١ مجلة)، لكن تقدم عليه عند الحنفية ديون الصحة(١).
وإن كان الإقرار لوارث فلا ينفذ إلا بإجازة باقي الورثة، فإن أجازوه نفذ،
وإلا بطل. لكن يصح الإقرار لوارث استثناء كما في حال الإقرار بقبض أمانته
الموجودة عند وارث، أو باستهلاك الأمانة أو الوديعة الموجودة عنده لوارث
(م ١٥٩٨ مجلة).
ديون الصحة: هي الديون التي تثبت قبل مرض الموت، ولو بالإقرار وحده حينئذ. وقال غير الحنفية: دين
(١)
الصحة ودين المرض يتساويان، فلا يقدم دين الصحة على دين المرض، لأنها حقان ثابتان.
- ١٣٨ -

ثانياً - الولاية :
معناها والفرق بينها وبين الأهلية، صلتها بالعقد، أنواعها، الأولياء
ودرجاتهم، محتاجو الولاية، مبدأ الولاية ، شروط الولاية ، تصرفات الولي (مدى
صلاحياته).
تعريف الولاية : الولاية في اللغة: هي تولي الأمر والقيام به أو عليه. وفي
اصطلاح الشرع: هي سلطة شرعية يتمكن بها صاحبها من إنشاء العقود والتصرفات
وتنفيذها أي ترتيب الآثار الشرعية عليها . والولاية على القاصر: هي إشراف الراشد
على شؤون القاصر الشخصية والمالية .
صلتها بالعقد والفرق بينها وبين الأهلية: يتطلب العقد لوجوده
ونفاذه وترتيب آثاره الشرعية أن يكون العاقد ذا أهلية أداء، وذا ولاية على العقد
بأن يكون أصيلاً عن نفسه أو ولياً أو وصياً على غيره. فإن لم يكن أصيلاً أو ولياً أو
وصياً كان فضولياً .
وأهلية الأداء شرط انعقاد العقد ووجوده، فإن لم تتوافر كان العقد باطلاً . أما
الولاية فهي شرط لنفاذ العقد (١) وترتب الآثار الشرعية عليه. وهي لا تثبت إلا
الكامل أهلية الأداء. أما ناقص أهلية الأداء فلا ولاية له على نفسه ولا على غيره .
فأهلية الأداء : صلاحية الشخص لمباشرة العقود. والولاية: صلاحية الشخص
لإنفاذ العقود .
وبناء عليه يكون للعقد بالنظر للأهلية والولاية أحوال ثلاثة (٢):
٠٠
النفاذ في الأصل: المضي والجواز، ثم أطلق عند الفقهاء على مضي العقد دون توقف على الإجارة أو الإذن.
(١)
(٢)
الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص ٣٥١.
- ١٣٩ -

١ - إذا كان العاقد كامل الأهلية وصاحب ولاية : اعتبر العقد صحيحاً نافذاً إلا
إذا كان فيه ضرر بآخر فيصبح موقوفاً على الإجازة، كالتصرف بالمأجور أو المرهون
قبل انتهاء مدة الإجارة أو قبل أداء الدين ، وتصرف المدين الذي يضر الدائنين،
وتصرف المريض مرض الموت، على ما سبق بيانه .
٢ - إذا صدر العقد من عديم الأهلية وفاقد الولاية، كالمجنون والصبي غير المميز،
كان باطلاً. فإن كان العاقد ناقص الأهلية كالصبي المميز، توقف عقده المتردد بين
الضرر والنفع كالبيع على إجازة وليه أو وصيه، على ما سبق بيانه.
٣ - إذا صدر العقد من صاحب أهلية أداء كاملة، ولكنه فاقد الولاية، وهو
الفضولي، كان موقوفاً على إجازة المعقود له، على ما سنوضح في بحث لاحق ، أي
أنني سأخصص مبحثاً مستقلاً لكل من الوكالة والفضالة باعتبارهما من أنواع النيابة
عن الغير حال الحياة .
أنواع الولاية: الولاية إما أن تكون أصيلة: بأن يتولى الشخص عقداً أو
تصرفاً لنفسه، بأن يكون كامل أهلية الأداء (بالغاً عاقلاً راشداً)، أو نيابية: بأن
يتولى الشخص أمور غيره .
-
والولاية النيابية أو النيابة الشرعية عن الغير: إما أن تكون اختيارية أو
إجبارية(١) :
فالاختيارية : هي الوكالة أي تفويض التصرف والحفظ إلى الغير على
ما سنوضح .
والإجبارية: هي تفويض الشرع أو القضاء التصرف لمصلحة القاصر،
كولاية الأب أو الجد أو الوصي على الصغير، وولاية القاضي على القاصر. فمصدر
(١) البدائع: ١٥٢/٥.
- ١٤٠ -