النص المفهرس
صفحات 41-60
الطلق(١) وحرارة الشمس وضوء القمر. ٢ - إمكان الانتفاع به عادة: فكل ما لا يمكن الانتفاع به أصلاً كلحم الميتة والطعام المسموم أو الفاسد، أو ينتفع به انتفاعاً لا يعتد به عادة عند الناس كحبة قمح أو قطرة ماء أو حفنة تراب، لا يعد مالاً، لأنه لا ينتفع به وحده. والعادة تتطلب معنى الاستمرار بالانتفاع بالشيء في الأحوال العادية، أما الانتفاع بالشيء حال الضرورة كأكل لحم الميتة عند الجوع الشديد (المخمصة) فلا يجعل الشيء مالاً، لأن ذلك ظرف استثنائي . وتثبت المالية بتمول الناس كلهم أو بعضهم (٢)، فالخمر أو الخنزير مال الانتفاع غير المسلمين بها . وإذا ترك بعض الناس تمول مال كالثياب القديمة فلا تزول عنه صفة المالية إلا إذا ترك كل الناس تموله . وقد ورد تعريف المال في المادة ١٢٦ من المجلة نقلاً عن ابن عابدين الحنفي(٣) وهو: ((المال: هو ما يميل إليه طبع الإنسان، ويمكن ادخاره إلى وقت الحاجة، منقولاً كان أو غير منقول)». ولكنه تعريف منتقد ؛ لأنه ناقص غير شامل ، فالخضراوات والفواكه تعتبر مالاً، وإن لم تدخر لتسرع الفساد إليها. وهو أيضاً بتحكيم الطبع فيه قلق غير مستقر؛ لأن بعض الأموال كالأدوية المرة والسموم تنفر منها الطباع رغم أنها مال. وكذلك المباحات الطبيعية قبل إحرازها من صيود ووحوش وأشجار في الغابات تعد أموالاً ولو قبل إحرازها أو تملكها . أما الهواء المضغوط المعبأ في زجاجات فهو مال محرز. (١) (٢) البحر الرائق: ٢/ ٢٢٧، رد المحتار لابن عابدين: ٤ / ٣. رد المحتار: ٤ / ٠٣ (٣) - ٤١ - ثانياً - وأما المال عند جمهور الفقهاء غير الحنفية : فهو كل ما له قيمة يلزم متلفه بضانه(١) . وهذا المعنى هو المأخوذ به قانوناً ، فالمال في القانون هو كل ذي قيمة مالية . الأشياء غير المادية - الحقوق والمنافع : حصر الحنفية معنى المال في الأشياء أو الأعيان المادية أي التي لها مادة وجرم محسوس . وأما المنافع والحقوق فليست أموالاً عندهم وإنما هي ملك لا مال. وغير الحنفية اعتبروها أموالاً؛ لأن المقصود من الأشياء منافعها لا ذواتها، وهذا هو الرأي الصحيح المعمول به في القانون وفي عرف الناس ومعاملاتهم، ويجري عليها الإحراز والحيازة . والمقصود بالمنفعة : هو الفائدة الناتجة من الأعيان، كسكنى الدار، وركوب السيارة، ولبس الثوب ونحو ذلك. وأما الحق: فهو ما يقرره الشرع لشخص من اختصاص يؤهله لممارسة سلطة معينة أو تكليف بشيء. فهو قد يتعلق بالمال كحق الملكية وحق الارتفاق بالعقار المجاور من مرور أو شرب أو تعلي ، وقد لا يتعلق بالمال كحق الحضانة، والولاية على نفس القاصر. والمنافع ، والحقوق المتعلقة بالمال، والحقوق المحضة كحق المدعي في تحليف خصمه اليمين ليست أموالاً عند الحنفية، لعدم إمكان حيازتها بذاتها ، وإذا وجدت فلا بقاء ولا استمرارلها، لأنها معنوية، وتنتهي شيئاً فشيئاً تدريجياً . وقال جمهور الفقهاء غير الحنفية : إنها تعتبر مالاً ، لإمكان حيازتها بحيازة أصلها قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: لا يقع اسم مال إلا على ما له قيمة يباع بها ويلزم متلفه، وإن قلت، (١) ومالا يطرحه الناس مثل الفلس وما أشبه ذلك (راجع الأشباه والنظائر للسيوطي، ص ٢٥٨، ط مصطفى محمد). - ٤٢ - ومصدرها، ولأنها هي المقصودة من الأعيان ، ولولاها ما طلبت، ولا رغب الناس بها . ويترتب على هذا الخلاف بعض النتائج أو الثمرات في الغصب والميراث والإجارة. فمن غصب شيئاً وانتفع به مدة، ثم رده إلى صاحبه، فإنه يضمن قيمة المنفعة عند غير الحنفية، وعند الحنفية: لا ضمان عليه إلا إذا كان المغصوب شيئاً موقوفاً ، أو مملوكاً ليتيم، أو معداً للاستغلال كعقار معد للإيجار كفندق أو مطعم؛ لأن هذه الأملاك بحاجة شديدة للحفظ ومنع العدوان عليها . وهذا المعنى في الواقع موجود في كل المنافع ، فينبغي الإفتاء بالضمان في كل المغصوبات . والإجارة تنتهي بموت المستأجر عند الحنفية؛ لأن المنفعة ليست مالاً حتى تورث، وغير الحنفية يقولون: لا تنتهي الإجارة بموت المستأجر وتظل باقية حتى تنتهي مدتها . والحقوق لا تورث عند الحنفية كالحق في خيار الشرط أو خيار الرؤية . وتورث عند غير الحنفية . المبحث الثاني - أقسام المال قسم الفقهاء المال عدة تقسيمات يترتب عليها أحكام مختلفة بحسب كل قسم ، وأكتفي ببيان أربعة تقسيمات ، أوضحها القانون المدني : ١ - باعتبار إباحة الانتفاع وحرمته إلى : متقوم وغير متقوم. ٢ - باعتبار استقراره في محله وعدم استقراره إلى: عقارٍ ومنقول. ٣ - باعتبار تماثل آحاده أو أجزائه وعدم تماثلها إلى : مثلي وقيمي . ٤ - باعتبار بقاء عينه بالاستعمال وعدم بقائه إلى : استهلاكي واستعمالي . - ٤٣ - المطلب الأول - المال المتقوم وغير المتقوم : المال المتقوم: كل ما كان محرزاً بالفعل، وأباح الشرع الانتفاع به كأنواع العقارات والمنقولات والمطعومات ونحوها . وغير المتقوم: ما لم يحرز بالفعل، أو ما لا يباح الانتفاع به شرعاً إلا في حالة الاضطرار(١)، مثال الأول: السمك في الماء والطير في الهواء والمعادن في باطن الأرض ونحوها من المباحات كالصيد والحشيش فهي غير متقومة عرفاً. ومثال الثاني: الخمر والخنزير بالنسبة للمسلم غير متقومين شرعاً، فلا يباح للمسلم الانتفاع بها إلا عند الضرورة وبقدر الضرورة كدفع خطر جوع شديد أو عطش شديد يخشى معه الهلاك، ولا يجد الإنسان شيئاً آخر سواهما ، فيباح له الانتفاع بأحدهما بقدر ما يدفع الهلاك عن نفسه . أما بالنسبة لغير المسلم فها من الأموال المتقومة عند فقهاء الحنفية ؛ لأننا أمرنا بتركهم وما يدينون . فلو أتلفهما مسلم أو غير مسلم وجب عليه ضمانها . وقال غير الحنفية: لا يعتبران مالاً متقوماً؛ لأن غير المسلمين المقيمين في بلادنا ملزمون بأحكام المعاملات الإسلامية، فلهم ما للمسلمين ، وعليهم ما عليهم. وتظهر فائدة هذا التقسيم في موضعين : الأول - صحة التعاقد عليه وعدمها: فالمتقوم يصح أن يكون محلاً لجميع العقود التي ترد على المال كالبيع والإيجار والهبة والإعارة والرهن والوصية والشركة ونحوها . وغير المتقوم: لا يصح التعاقد عليه بشيء من تلك العقود، فيعد بيع المسلم خمراً أو خنزيراً بيعاً باطلاً، ولو اشترى المسلم بخمر أو خنزير كان الشراء فاسداً، وسبب (١) راجع المادة (١٢٧) من المجلة، الدر المختار: ٤ /١١١ وما بعدها. - ٤٤ - التفرقة بين الحالتين أن المبيع هو المقصود الأصلي من البيع ، فتقومه شرط انعقاد. وأما الثمن فهو وسيلة لا يقصد لذاته، فتقومه شرط صحة . الثاني - الضمان عند الإتلاف: إذا أتلف إنسان مالاً متقوماً لغيره وجب عليه ضمان مثله إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان قيمياً. أما غير المتقوم فلا يضمن بالإتلاف إذا كان لمسلم. فلو أراق أحد خمراً لمسلم أو قتل خنزيراً له، لا يضمنه. أما لو أتلفه أحد لذمي ( أي غير مسلم مقيم في دار الإسلام) ضمن له قيمته عند الحنفية، لأنه مال متقوم عندهم، کما أوضحنا . التقوم وعدمه عند القانونيين : يختلف معنى التقوم وعدمه بين الشرعيين والقانونيين، فهو عند الشرعيين كما عرفنا: ما يباح الانتفاع به شرعاً، أو ما لا يباح ذلك . وأما عند القانونيين: فالتقوم: ما كان ذا قيمة بين الناس. وعدم التقوم: هو خروج الأشياء عن التعامل بطبيعتها أو بحكم القانون . فالأولى هي التي يشترك كل الناس في الانتفاع بها ولا يستطيع أحد أن يستأثر بحيازتها، كالهواء والبحار وأشعة الشمس . والثانية : هي الأشياء الخارجة عن التعامل بحكم القانون كالمخدرات الممنوعة والمواد الحربية المتفجرة، وكل الأشياء المملوكة للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة أو المخصصة للنفع العام بالفعل . وقد أخذت فكرة التقوم وعدمه من مفهوم المادة (٨٣) من القانون المدني التي تنص على ما يأتي : ١ - كل شيء غير خارج عن التعامل بطبيعته أو بحكم القانون يصح أن يكون محلاً للحقوق المالية . ٢ - والأشياء التي تخرج عن التعامل بطبيعتها هي التي لا يستطيع أحد أن - ٤٥ - يستأثر بحيازتها، وأما الخارجة بحكم القانون فهي التي لا يجيز القانون أن تكون محلاً للحقوق المالية . يتبين من ذلك أن فكرة التقوم وعدمه تنبني في القانون على جواز التعامل في الشيء وعدم جوازه قانوناً . فالخمر مثلاً يجوز التعامل بها في القانون ولا يجوز التعامل بها في الشرع. المطلب الثاني - العقار والمنقول : للفقهاء اصطلاحان في بيان المقصود من العقار والمنقول، أحدهما للحنفية، والآخر للمالكية . رأي الحنفية - المنقول: هو ما يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر، سواء أبقي على صورته وهيئته الأولى، أم تغيرت صورته وهيئته بالنقل والتحويل ويشمل النقود والعروض التجارية وأنواع الحيوان والمكيلات والموزونات(١). والعقار: هو الثابت الذي لا يمكن نقله وتحويله أصلاً من مكان إلى آخر كالدور والأراضي(٣). ويلاحظ أن البناء والشجر والزرع في الأرض لا تعد عقاراً عند الحنفية إلا تبعاً للأرض، فلو بيعت الأرض المبنية أو المشجرة أو المزروعة طبقت أحكام العقار على ما يتبع الأرض من البناء ونحوه . أما لو بيع البناء وحده أو الشجر وحده من غير الأرض فلا يطبق عليها حكم العقار. فالعقار عند الحنفية لا يشمل إلا الأرض خاصة . والمنقول يشمل ما عداها (٢). (١) م ١٢٨ من مجلة الأحكام العدلية. (٢) م ١٢٩ من المجلة . رد المحتار: ٣ / ٤٠٨. (٣) - ٤٦ - رأي المالكية - ضيق المالكية من دائرة المنقول ووسعوا في معنى العقار فقالوا : المنقول: هو ما أمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر مع بقائه على هيئته وصورته الأولى كالملابس والكتب والسيارات ونحوها. والعقار عندهم: هوما لا يمكن نقله وتحويله أصلاً كالأرض، أو أمكن تحويله ونقله مع تغيير صورته وهيئته عند النقل والتحويل كالبناء والشجر. فالبناء بعد هدمه يصير أنقاضاً، والشجر يصبح أخشاباً(١) . وهذا الرأي هو المتفق مع القانون المدني السوري، كما نصت المادة ١/٨٤: «كل شيء مستقر بحیزه ثابت فيه، لا يمكن نقله منه، دون تلف، فهو عقار، وكل ما عدا ذلك من شيء فهو منقول)». لكن توسع القانون في معنى العقار في الفقرة الثانية من هذه المادة ، فأدخل فيه المنقولات التي يضعها صاحبها في عقار يملكه لخدمة هذا العقار أو استثماره، حتى السماد والسمك، وسماها ((عقاراً بالتخصيص)) وهذا سائغ في مذهب المالكية. وأدخل فيه أيضاً في المادة (٨٥) الحقوق العينية المترتبة على العقار كحقوق الارتفاق والتأمينات، حتى الدعوى المتعلقة بحق عيني على عقار، واعتبار هذه الدعوى عقاراً فيه إغراق في تصور معنى العقار. هذا وقد يتحول المنقول إلى عقار وبالعكس ، مثال الأول: الأبواب والأقفال وتمديدات الماء والكهرباء تصبح عقاراً باتصالها بالعقار على نحو ثابت. ومثال الثاني: أنقاض البناء وكل ما يستخرج من الأرض من معادن وأحجار وتراب ، تصبح منقولاً بمجرد فصلها عن الأرض . وتظهر فائدة تقسيم المال إلى عقار ومنقول في طائفة من الأحكام الفقهية التالية : (١) بداية المجتهد: ٢ / ٢٥٤. - ٤٧ - الفقه الإسلامي جـ ٤ (٤) ١ - الشفعة(١) : تثبت في المبيع العقار(٢)، ولا تثبت في المنقول، إذا بيع مستقلاً عن العقار. فإن بيع المنقول تبعاً للعقار ثبت فيهما الشفعة. وكذلك بيع الوفاء(٣) : يختص بالعقار دون المنقول. ٢ - الوقف: لا يصح عند الحنفية خلافاً لجمهور الفقهاء إلا في العقار. أما المنقول فلا يصح وقفه إلا تبعاً للعقار كوقف أرض وما عليها من آلات وحيوان ، أو ورد بصحة وقفه أثر عن السلف كوقف الخيل والسلاح، أو جرى العرف بوقفه كوڤف المصاحف والكتب وأدوات الجنازة. ويصح عند غير الحنفية وقف العقار والمنقول على السواء(٤). ٣ - بيع الوصي مال القاصر: ليس للوصي بيع عقار القاصر إلا بمسوغ شرعي کإيفاء دين أو دفع حاجة ضرورية أو تحقيق مصلحة راجحة. وقد أنيط ذلك بإذن القاضي في قانون الأحوال الشخصية؛ لأن بقاء عين العقار فيه حفاظ على مصلحة القاصر أكثر من حفظ ثمنه . أما المنقول: فله أن يبيعه متى رأى مصلحة في ذلك . وفي بيع مال المدين المحجوز عليه لوفاء دينه يبدأ أولاً ببيع المنقول، فإن لم يف ثمنه انتقل إلى العقار تحقيقاً لمصلحة المدين . ٤ - يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لبقية الفقهاء بيع العقار قبل قبضه من المشتري، أما المنقول فلا يجوز بيعه قبل القبض أو التسليم؛ لأن المنقول عرضة للهلاك كثيراً بعكس العقار. الشفعة: حتى تملك العقار المبيع جبراً عن المشتري، بما قام عليه من ثمن وتكاليف مثل رسم التسجيل وأجرة (١) السمسار ونحوهما. وتثبت عند الحنفية للشريك والجار، وعند غير الحنفية: تثبت للشريك فقط. (٢) مختصر الطحاوي: ص ١٢٠ . بيع الوفاء: هو أن يبيع المحتاج إلى النقود عقاراً بشرط أنه متى وفى الثمن استرد العقار (م١١٨ مجله). (٣) .. (٤) الدر المختار ورد المختار: ٤٠٨/٣ -٤١١، فتح القدير: ٤٨/٥ وما بعدها . - ٤٨ - ے ٥ - حقوق الجوار والارتفاق تتعلق بالعقار، دون المنقول . ٦ - لا يتصور غصب العقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف، إذ لا يمكن نقله وتحويله، ويرى محمد وسائر الفقهاء إمكان غصب العقار، وهذا الذي أخذت به المجلة (م ٩٠٥ وما بعدها). أما المنقول فيتصور غصبه باتفاق الفقهاء(١). المطلب الثالث - المال المثلي والقيمي : المال المثلي: ما له مثل أو نظير في الأسواق من غير تفاوت في أجزائه أو وحداته تفاوتاً يعتد به في التعامل(٢). والأموال المثلية أربعة أنواع هي : المكيلات ( كالقمح والشعير) والموزونات ( كالقطن والحديد) والعدديات المتقاربة في الحجم كالجوز والبيض ، وبعض أنواع الذرعيات (التي تباع بالذراع أو المتر ونحوهما): وهي التي تتساوى أجزاؤها دون فرق يعتد به كأثواب الجوخ والقطن والحرير، وألواح البلور، والأخشاب الجديدة. أما إن تفاوتت أجزاء المذروع كالنسيج غير المتماثل الأجزاء وكالأراضي، فيصبح مالاً قيمياً لا مثلياً. وكما يعد المعدود المتقارب من المحصولات الطبيعية من المال المثلي، كذلك يعد المعدود المتماثل من المصنوعات من مادة واحدة وشكل واحد مالاً مثلياً كأواني الأكل والشرب، والسيارات المتحدة النوع، وأدوات غيارها ، والكتب الجديدة المطبوعة . والمال القيمي : هو ما ليس له نظير أو مثل في السوق، أوله مثل ولكن مع التفاوت المعتد به بين وحداته في القيمة(٣)، مثل أفراد الحيوان والأراضي والأشجار (١) وهناك أحكام قانونية تختلف بين العقار والمنقول: منها أن انتقال ملكية العقار لا يتم إلا بالتسجيل، أما المنقول فلا حاجة في نقل ملكيته إلى التسجيل. ومنها أن الحيازة بسبب صحيح وبحسن نية في المنقول سند الملكية. أما العقار فإن حيازته ولو بسبب صحيح لا تثبت بها الملكية إلا بمضي خمس سنين (م٩٢٧، ٩١٨). (٢) م ١٤٥ من المجلة. (٣) م١٤٦ من المجلة. - ٤٩ - والدور وأنواع السجاد والبسط والأحجار الكريمة كالماس والياقوت والكتب المخطوطة أو المستعملة . ويدخل في المال القيمي : العدديات المتفاوتة القيمة في آحادها كالبطيخ والرمان عند اختلاف أحجامها وأنواعها . وقد ينقلب المال المثلي قيمياً وبالعكس ، وحالات انقلاب المثلي قيمياً أربعة هي : ١ - الانقطاع من السوق: إذا انقطع وجود المال المثلي من الأسواق انقلب قيمياً. ٢ - الاختلاط: إذا اختلط مالان مثليان من جنسين مختلفين كحنطة وشعير، صار الخليط قيمياً. ٣ - التعرض للخطر: إذا تعرض المال المثلي للخطر كالحريق أو الغرق ، صارله قيمة خاصة . ٤ - التعيب أو الاستعمال: إذا تعيب المال المثلي أو استعمل، صارله قيمة خاصة. وانقلاب المال القيمي إلى مثلي يكون في حال الكثرة بعد الندرة، فإذا كان المال نادر الوجود في السوق ، ثم أصبح كثير الوجود، صار مثلياً بعد أن كان له قيمة خاصة . ويلاحظ أن المال المتقوم أعم من القيمي ، فالمتقوم يشمل القيمي والمثلي. وتظهر فائدة التقسيم إلى مثلي وقيمي فيما يأتي : ١ - الثبوت في الذمة(١): يثبت المال المثلي ديناً في الذمة أي بأن يكون ثمناً في (١) سأوضح قريبا معنى الذمة وخصائصها وبدئها وانتهائها بمشيئة الله تعالى. - ٥٠ - البيع ، عن طريق تعيين جنسه وصفته . ويصح بالتالي وقوع المقاصة بين الأموال المثلية . أما القيمي : فلا يقبل الثبوت ديناً في الذمة ، فلا يصح أن يكون ثمناً ، ولا تجري المقاصة بين الأموال القيمية. وإذا تعلق الحق بمال قيمي كرأس غنم أو بقر، يجب أن يكون معيناً بذاته، متميزاً عن سواه، بالإشارة إليه منفرداً، لا مشاراً إليه بالوصف؛ لأن أفراد المال القيمي ولو من نوع واحد غير متماثلة، ولكل واحد منها صفة وقيمة معينة . ٢ - كيفية الضمان عند التعدي أو الإتلاف: إذا أتلف شخص مالاً مثلياً، مثل كمية من القمح أو السكر، وجب عليه ضمان مثله، حتى يكون التعويض على أكمل وجه، والمثل أقرب إلى الشيء المتلف صورة ومعنى، أي مالية. أما القيمي فيضمن المتعدي قیته؛ لأنه يتعذر إيجاب مثله صورة، فیکتفی پايجاب مثله معنى، أي من ناحية المالية ، وهي القيمة . ٣ - القسمة وأخذ النصيب: تدخل القسمة جبراً في المال المثلي المشترك، ولكل شريك أخذ نصيبه في غيبة الآخر دون إذنه. أما القيمي : فلا تدخل فيه القسمة الجبرية ، ولا يجوز للشريك أخذ نصيبه في غيبة الآخر بدون إذنه ؛ لأن القسمة فيها معنى الإفراز والمبادلة، فإذا كان المال مثلياً كانت جهة الإفراز هي الراجحة لتماثل أجزائه. وإذا كان قيمياً كانت جهة المبادلة هي الراجحة لعدم تماثل أجزائه، فكأنه أخذ بدل حقه لا عينه. ٤ - الربا : الأموال القيمية لا يجري فيها الربا المحرم، فيجوز بيع غنمة بغمتين ، أي يجوز بيع القليل بالكثير من جنسه . أما الأموال المثلية فيجري فيها الربا الحرام الذي يوجب تساوي العوضين المتجانسين في الكمية والمقدار، وتكون الزيادة حراماً . فلا يجوز بيع قنطار من القمح بقنطار وربع مثلاً ، لاشتمال البيع على ما يسمى بربا الفضل، وهذا الربا يختص شرعاً بالمقدرات المثلية من مكيل أو موزون فقط. - ٥١ - الذمة المالية وخصائصها : لا يتصور ثبوت دين على إنسان إلا بتصور محل اعتباري مفترض مقدر وجوده في كل إنسان . وهذا المحل المقدر المفترض هو الذمة ، فالذمة تختلف عن الأهلية ، إذ أن الأهلية: هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له وتحمل الواجبات. وتحمل الواجبات أو الالتزامات يستلزم وجود محل في الشخص تستقر فيه تلك الواجبات أو الديون. وتبدأ الأهلية ناقصة منذ بدء تكون الجنين ، وتكل أهلية الوجوب بالولادة . وبالولادة تبدأ الذمة مع بدء تصور وجود العنصر الثاني من تلك الأهلية : وهو عنصر المديونية أو الالتزام، فالأهلية هي الصلاحية، والذمة محل الصلاحية . فالذمة : هي محل اعتباري في الشخص تقع فيه الديون أو الالتزامات(١). أولاً - خصائص الذمة : للذمة الخصائص التالية : ـعا ١ - الذمة من صفات الشخصية الطبيعية وهو الإنسان أو الاعتبارية كالشركات والمؤسسات والأوقاف والمساجد. فلا ذمة للجنين قبل ولادته، فلا تصح الهبة له، لكن تصح الوصية له بشرط ولادته حياً ، ولا ذمة للحيوان ، فلو أوصى شخص لدابة وقصد تمليكها فالوصية باطلة، لكن لو كان بقصد الإنفاق عليها صحت الوصية ، ويكون المقصود بها مالكها. ولا يتعين صرف الموصى به للنفقة على الدابة عند الحنفية(٢)، ويتعين ذلك لعلف الدابة عند الشافعية(٢). المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف ١٢٣. (١) (٢) الدر المختار: ٤٥٩/٥ ، ٤٦٢. مغني المحتاج: ٤٢/٣. (٣) - ٥٢ - ٢ - لابد لكل شخص بعد ولادته من ذمة، حتى ولو كانت فارغة بريئة؛ لأن الذمة من توابع الشخصية ، وتلازم العنصر الثاني من أهلية الوجوب، وهذه الأهلية مناطها الصفة الإنسانية ، فتلازم الإنسان منذ وجوده. ٣ - لا تتعدد الذمة، فلكل شخص ذمة واحدة، ولا اشتراك بين أشخاص في الذمة . ٤ - الذمة لاحدّ لسعتها، فهي تتسع لكل الديون مهما عظمت؛ لأن الذمة ظرف اعتباري ، يتسع لكل الالتزامات . ٥ - الذمة متعلقة بالشخص، لا بأمواله وثروته، ليتمكن من ممارسة نشاطه الاقتصادي بحرية مطلقة تمكنه من تسديد ديونه، فله التجارة والبيع ولو كان مديناً بأكثر مما يملك. وله وفاء أي دين متقدم أو متأخر في الثبوت. ولا يحق للدائنين الاعتراض عليه . ٦ - الذمة ضمان عام لكل الديون بلا تمييز لدين على آخر إلا إذا وجد لصاحب دين حق عيني كالرهن ، أو كانت بعض الحقوق الشخصية ذات امتياز كنفقات التجهيز والتكفين، ودين النفقة للزوجة والأولاد الصغار، وديون الضرائب 5 الحكومية . ثانياً - انتهاء الذمة : تبدأ الذمة بالولادة وتنتهي بالوفاة، وللفقهاء آراء ثلاثة في انتهاء الذمة . الرأي الأول للحنابلة في رواية عنده(١) - انهدام الذمة بمجرد الموت: لأن الذمة من خصائص الشخصية، والموت يعصف بالشخص وبذمته. وأما الديون فتتعلق عند أكثر الحنابلة بالترکة ، فمن مات ولا تر کة له سقطت دیونه . (١) القواعد لابن رجب : ص ١٩٣ وما بعدها . - ٥٣ - الرأي الثاني للمالكية والشافعية وبعض الحنابلة (١) - بقاء الذمة بعد الموت حتى إيفاء الديون وتصفية التركة : تبقى الذمة بعد الموت حتى تصفى الحقوق المتعلقة بالتركة . فيصح للميت اكتساب حقوق جديدة بعد موته كان سبباً لها، كمن نصب شبكة للاصطياد، فوقع فيها حيوان ، فإنه يملكه، وتظل ذمة الميت باقية بعد موته حتى تسدد ديونه، لقوله عليه السلام: ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه))(٢). ويمكن أن تشغل ذمة الميت بعد موته بديون جديدة، كشغلها بثمن المبيع الذي رده المشتري على البائع بعد موته بسبب عيب ظهر فيه. وكالتزامه بضمان قيمة ما وقع في حفرة حفرها الشخص قبل موته ، في الطريق العام. وتصح الكفالة بعد الموت بما على الميت المفلس من ديون؛ لأن النبي ◌ُ الّ صحح هذه الكفالة. وتصح عند المالكية لا الشافعية والحنابلة الوصية لميت. ويقتصر أثر الموت في هذا الرأي على عدم مطالبة الميت بالحقوق وإنما يطالب ورثته بأداء الحقوق لأصحابها . الرأي الثالث للحنفية - ضعف الدمه ٨١٦ إن الموت لا يهدم الذمة، لكن يضعفها، فتبقى بقدر الضرورة لتصفية الحقوق المتعلقة بالتركة التي لها سبب في حال الحياة . فيكتسب الميت بعد موته ملكية جديدة كما في صورة نصب الشبكة للصيد، ويلتزم بالديون التي تسبب بها الشخص قبل موته، كرد المبيع المعيب عليه والتزامه بالثمن ، وضمان ماوقع في حفرة حفرها في الطريق العام. لكن لاتصح كفالة دين على ميت مفلس عند أبي حنيفة خلافاً للصاحبين(٣). ولا تصح الوصية للميت أو الهبة له . وبهذين الحكمين الأخيرين يفترق الرأي الثالث عن الرأي الثاني . (١) مغني المحتاج: ٤٠/٣، المغني: ٦/ ٢١. (٢) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن ابن هريرة، وهو صحيح. (٣) البدائع: ٦/٦، فتح القدير: ٤١٩/٥ . - ٥٤ _ المطلب الرابع - المال الاستهلاكي والاستعمالي : المال الاستهلاكي : هو الذي لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه، كأنواع الطعام والشراب والحطب والنفط والورق والنقود. فلا يمكن الانتفاع بهذه الأموال ماعدا النقود إلا باستئصال عينها . وأما النقود فاستهلاكها يكون بخروجها من يد مالكها ، وإن كانت أعيانها باقية بالفعل . والمال الاستعمالي : هو ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، كالعقارات والمفروشات والثياب والكتب ونحوها . وينظر إلى الانتفاع المميز بين النوعين لأول مرة، لا إلى حالات الاستعمال المتكررة. فإن زالت عين الشيء من أول انتفاع كان مالاً استهلاكياً، وإن بقيت عينه حينئذ كان مالاً استعمالياً . وتظهر فائدة التقسيم فيما يأتي : يقبل كل نوع من هذين المالين نوعاً معيناً من العقود. فالمال الاستهلاكي يقبل العقود التي غرضها الاستهلاك لا الاستعمال كالقرض وإعارة الطعام. والمال الاستعمالي يقبل العقود التي هدفها الاستعمال دون الاستهلاك كالإجارة والإعارة . فإن لم يكن الغرض من العقد هو الاستعمال وحده أو الاستهلاك وحده، صح أن يرد على كلا النوعين : الاستعمالي والاستهلاكي كالبيع والإيداع، يصح ورودهما على كل من النوعين على السواء. - ٥٥ _ الفصل الثالث الملكية وخصائصها يشتمل على مطالب خمسة : المطلب الأول - تعريف الملكية والملك: الملكية أو الملك: علاقة بين الإنسان والمال أقرها الشرع(١) تجعله مختصاً به، ويتصرف فيه بكل التصرفات ما لم يوجد مانع من التصرف. والملك كما يطلق على هذه العلاقة ، يطلق أيضاً على الشيء المملوك، تقول : هذا الشيء ملكي أي مملوك لي. وهذا المعنى هو المقصود في تعريف المجلة (م ١٢٥) للملك بأنه ما ملكه الإنسان، سواء أكان أعياناً أو منافع. وعلى هذا المعنى يفهم قول الحنفية : إن المنافع والحقوق ملك وليست بمال . وعلى هذا، فالملك أم من المال عندهم . والملك في اللغة: هو حيازة الإنسان للمال والاستبداد به أي الانفراد بالتصرف فيه . وقد عرف الفقهاء الملك بتعاريف متقاربة مضمونها واحد (٢)، ولعل أفضلها هو ما يأتي: (١) حق الملكية وغيره لا يثبت إلا بإقرار الشرع واعترافه به، لأن الشرع هو مصدر الحقوق، وليس الحق في الشريعة حقاً طبيعياً، وإنما هو منحه إلهية منحها الخالق للأفراد وفقاً لمصلحة الجماعة. (٢) راجع فتح القدير: ٥ / ٧٤، الفروق للقرافي: ٣ / ٢٠٨ وما بعدها. - ٥٦ - % الملك : اختصاص بالشيء يمنع الغير منه، ويمكن صاحبه من التصرف فيه ابتداء إلا لمانع شرعي . : فإذا حاز الشخص مالاً بطريق مشروع أصبح مختصاً به، واختصاصه به يمكنه من الانتفاع به والتصرف فيه إلا إذا وجد مانع شرعي يمنع من ذلك كالجنون أو العته أو السفه أو الصغر ونحوها. كما أن اختصاصه به يمنع الغير من الانتفاع به أو التصرف فيه إلا إذا وجد مسوغ شرعي يبيح له ذلك كولاية أو وصاية أو وكالة . وتصرف الولي أو الوصي أو الوكيل لم يثبت له ابتداء، وإنما بطريق النيابة الشرعية عن غيره، فيكون القاصر أو المجنون ونحوهما هو المالك ، إلا أنه ممنوع من التصرف بسبب نقص أهليته أو فقدانها ، ويعود له الحق بالتصرف عند زوال المانع أو العارض . المطلب الثاني - قابلية المال للتملك وعدمها : المال في الأصل قابل بطبيعته للتلك، لكن قد يعرض له عارض يجعله غير قابل في كل الأحوال أو في بعضها للتملك ، فيتنوع المال بالنسبة لقابليته للتملك إلى ثلاثة أنواع : ١ - ما لا يقبل التمليك ولا التملك بحال: وهو ما خصص للنفع العام كالطرق العامة والجسور والحصون والسكك الحديدية والأنهار والمتاحف والمكتبات العامة والحدائق العامة ونحوها . فهذه الأشياء غير قابلة للتلك لتخصيصها للمنافع العامة. فإذا زالت عنها تلك الصفة عادت لحالتها الأصلية، وهي قابلية التملك، فالطريق إذا استغني عنه أو ألغي جاز تملكه. ٢ - ما لا يقبل التملك إلا بمسوغ شرعي: كالأموال الموقوفة وأملاك بيت المال أي الأموال الحرة في عرف القانونيين. فالمال الموقوف لا يباع ولا يوهب إلا إذا - ٥٧ _ ص ١ تهدم أو أصبحت نفقاته أكثر من إيراده، فيجوز للمحكمة الإذن باستبداله(١). وأملاك بيت المال (أو وزارة المالية، أو الحكومة) لا يصح بيعها إلا برأي الحكومة لضرورة أو مصلحة راجحة ، كالحاجة إلى ثمنها ، أو الرغبة فيها بضعف الثمن ونحو ذلك ؛ لأن أموال الدولة كأموال اليتيم عند الوصي لا يتصرف فيها إلا للحاجة أو المصلحة . ٣ - ما يجوز تملكه وتمليكه مطلقاً بدون قيد: وهو ما عدا النوعين السابقين . المطلب الثالث - أنواع الملك : الملك إما تام أو ناقص. فالملك التام: هو ملك ذات الشيء ( رقبته) ومنفعته معاً، بحيث يثبت للمالك جميع الحقوق المشروعة . ومن أهم خصائصه: أنه ملك مطلق دائم لا يتقيد بزمان محدود ما دام الشيء محل الملك قائماً. ولا يقبل الإسقاط، فلو غصب شخص عيناً مملوكة لآخر، فقال المالك المغصوب منه: أسقطت ملكي ، فلا تسقط ملكيته ويبقى الشيء ملكاً له، وإنما يقبل النقل ، إذ لا يجوز أن يكون الشيء بلا مالك. وطريق النقل إما العقد الناقل للملكية كالبيع ، أو الميراث أو الوصية . ويمنح صاحبه الصلاحيات التامة وحرية الاستعمال والاستثمار والتصرف فيما يملك كما يشاء، فله البيع أو الهبة أو الوقف أو الوصية، كما له الإعارة والإجارة، لأنه (١) أجاز الحنفية الاستبدال بالموقوف أرضاً أخرى للحاجة والمصلحة، فقالوا: يجوز للقاضي النزيه العدل الإذن باستبدال الوقف، بشرط أن يخرج عن الانتفاع بالكلية، وأن لا يكون هناك ريع للوقف يعمر به، وأن لا يكون البيع بغبن فاحش، وأن يستبدل بعقار لا بدراهم ودنانير (الدر المختار ورد المختار: ٣/ ٤٢٥). - ٥٨ - يملك ذات العين والمنفعة معاً ، فله التصرف بهما معاً، أو بالمنفعة فقط . وإذا أتلف المالك ما يملكه لا ضمان عليه؛ إذ لا يتصور مالك وضامن في شخص واحد، لكن يؤاخذ ديانة ؛ لأن إتلاف المال حرام، وقد يؤاخذ قضاء فيحجر عليه إذا ثبت سفهه . والملك الناقص : هو ملك العين وحدها ، أو المنفعة وحدها. ويسمى ملك المنفعة حق الانتفاع. وملك المنفعة قد يكون حقاً شخصياً للمنتفع أي يتبع شخصه لا العين المملوكة، وقد يكون حقاً عينياً أي تابعاً للعين دائماً، بقطع النظر عن الشخص المنتفع ، وهذا يسمى حق الارتفاق ، ولا يكون إلا في العقار. المطلب الرابع - أنواع الملك الناقص : وعلى هذا يكون الملك الناقص ثلاثة أنواع : أ - ملك العين فقط : وهو أن تكون العين (الرقبة) مملوكة لشخص، ومنافعها مملوكة لشخص آخر، كأن يوصي شخص لآخر بسكنى داره أو بزراعة أرضه مدة حياته، أو مدة ثلاث سنوات مثلاً، فإذا مات الموصي وقبل الموصى له، كانت عين الدار ملكاً لورثة الموصي بالإرث، وللموصى له ملك المنفعة مدة حياته أو المدة المحددة. فإذا انتهت المدة صارت المنفعة ملكاً لورثة الموصي ، فتعود ملكيتهم تامة . وفي هذه الحالة : ليس لمالك العين الانتفاع بها، ولا التصرف بمنفعتها أو بالعين ، ويجب عليه تسليم العين للمنتفع ليستوفي حقه من منافعها، فإذا امتنع أجبر على ذلك . وبه يظهر أن ملكية العين فقط تكون دائمة ، وتنتهي دائماً إلى ملكية تامة، وملكية المنافع قد تكون مؤقتة دائماً ؛ لأن المنافع لا تورث عند الحنفية . - ٥٩ - ٢ - ملك المنفعة الشخصي أو حق الانتفاع(١): هناك أسباب خمسة لملك المنفعة: وهي الإعارة والإجارة، والوقف والوصية، والإباحة . أما الإعارة: فهي عند جمهور الحنفية والمالكية : تمليك المنفعة بغير عوض. فللمستعير أن ينتفع بنفسه، وله إعارة الشيء لغيره، لكن ليس له إجارته؛ لأن الإعارة عقد غير لازم (يجوز الرجوع عنه في أي وقت)، والإجارة عقد لازم، والضعيف لا يتحمل الأقوى منه، وفي إجارة المستعار إضرار بالمالك الأصلي. وعند الشافعية والحنابلة: هي إباحة المنفعة بلا عوض، فليس للمستعير إعارة المستعار إلى غيره . وأما الإجارة : فهي تمليك المنفعة بعوض. وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه، أو بغيره مجاناً أو بعوض إذا لم تختلف المنفعة باختلاف المنتفعين، حتى لو شرط المؤجر على المستأجر الانتفاع بنفسه. فإن اختلف نوع المنفعة كان لابد من إذن المالك المؤجر. وأما الوقف : فهو حبس العين عن تمليكها لأحد من الناس وصرف منفعتها (١) يرى الحنفية: أنه لا فرق بين ملك المنفعة وحق الانتفاع، وهما شيء واحد. فللمنتفع أن ينتفع بنفسه، أو أن يملك غيره المنفعة، إلا إذا وجد مانع صريح من قبل مالك العين، أو وجد مانع يقتضيه العرف والعادة، فمن وقف داره لسكنى الطلاب الغرباء كان للطالب حق السكنى فقط، وحق الانتفاع بالمرافق العامة كالمدارس والجامعات والمشافي مقيد بالمنتفع فقط، وليس له تمليك غيره. وهذا الرأي هو المعمول به قانوناً. وقال المالكية: هناك فرق بين ملك المنفعة وحق الانتفاع. فملك المنفعة اختصاص يكسب صاحبه أن ينتفع بنفسه، وأن يملكها لغيره بعوض أو بغير عوض. وأما حق الانتفاع: فهو مجرد رخصة بالانتفاع الشخصي بناء على إذن عام كحق الانتفاع بالمنافع العامة كالطرق والأنهار والمدارس والمصحات وغيرها، أو إذن خاص كحق الانتفاع بملك شخص أذن له به، كركوب سيارته، والمبيت في منزله، وقراءة كتبه ونحو ذلك. فليس للمنتفع أن يملك المنفعة لغيره، فتمليك الانتفاع: هو أن يباشر المنتفع بنفسه، وتمليك المنفعة أعم وأشمل، فيباشر بنفسه ويمكن غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالإعارة (راجع الفروق للقرافي: ١ / ١٨٧، الفرق ٣٠). - ٦٠ -