النص المفهرس
صفحات 21-40
٣ - الحقوق المجردة وغير المجردة : الحق المجرد أو المحض : هو الذي لا يترك أثراً بالتنازل عنه صلحاً أو إبراء، بل يبقى محل الحق عند المكلف (أو المدين) بعد التنازل كما كان قبل التنازل. مثل حق الدين ، فإن الدائن إذا تنازل عن دينه، كانت ذمة المدين بعد التنازل هي بعينها قبل التنازل، ولا يترتب على التنازل عن الحق أثر من الآثار. وكذلك حق الشفعة إذا أسقط الشفيع حقه في الشفعة ، كانت ملكية المشتري للعقار بعد التنازل عن الشفعة هي بعينها قبل التنازل. ومثله حق المدعي في تحليف خصمه اليمين ، وحق الخيار، والحق في وظائف الأوقاف. والحق غير المجرد : هو الذي يترك أثراً بالتنازل عنه، كحق القصاص فإنه يتعلق برقبة القاتل ودمه، ويترك فيه أثراً بالتنازل عنه، فيتغير فيه الحكم، فيصير معصوم الدم بالعفو بعد أن كان غير معصوم الدم، أي مباح القتل بالنسبة إلى ولي المقتول المستحق للقصاص، ولكن برأي الحاكم. ومثل حق استمتاع الزوج بزوجته، يتعلق بالزوجة ، ويمنعها من إباحة نفسها لغير زوجها بالعقد عليها ، فإذا تنازل الزوج عن هذا الحق بالطلاق، استردت المرأة حريتها، فتتزوج بمن تشاء(١). وتظهر فائدة هذا التقسيم فيما يأتي : الحق غير المجرد تجوز المعاوضة عنه بالمال، كحق القصاص وحق الزوجة يجوز لكل من ولي المقتول والزوج أخذ العوض المالي في مقابل التنازل عن حقه بالصلح . أما الحق المجرد : فلا يجوز الاعتياض عنه كحق الولاية على النفس والمال وحق الشفعة ، وهذا رأي الحنفية ، ويجوز عند غير الحنفية أخذ العوض عنه. (١) أحكام المعاملات الشرعية لأستاذنا الشيخ علي الخفيف: ص ٣٨. - ٢١ - التقسيم الثالث - باعتبار المؤيد القضائي وعدمه ينقسم الحق باعتبار وجود المؤيد القضائي وعدمه إلى نوعين : حق دیاني، وحق قضائي . فالحق الدياني : هو الذي لا يدخل تحت ولاية القضاء. فلا يتمكن القاضي من الإلزام به لسبب من الأسباب كالعجز عن إثباته أمام القضاء. وإنما يكون الإنسان مسؤولاً عنه أمام ربه وضميره. فالدين الذي عجز صاحبه عن إثباته أمام القضاء لا يعني أنه صار غير مستحق ، بل يجب على المدين ديانة المبادرة إلى وفائه. والزواج العرفي غير المسجل في المحاكم الشرعية تكون فيه الزوجية ثابتة ديانة. وتترتب عليها الأحكام الشرعية من نفقة وثبوت نسب الأولاد وغير ذلك . والحق القضائي : هو ما يدخل تحت ولاية القاضي ، ويمكن لصاحبه إثباته أمام القضاء . وتظهر ثمرة التقسيم في أن الأحكام الديانية تبنى على النوايا والواقع والحقيقة . وأما الأحكام القضائية فتبنى على ظاهر الأمر ولا ينظر فيها إلى النوايا وواقع الأمر وحقيقته. فمن طلق امرأته خطأ، ولم يقصد إيقاع الطلاق ، يحكم القاضي بوقوع طلاقه عملاً بالظاهر واستحالة معرفة الحقيقة، ويكون الحكم بوقوع الطلاق حكماً قضائياً. وأما ديانة فالحكم عدم وقوع الطلاق ، وللإنسان أن يعمل بذلك فيما بينه وبين الله تعالى، وللمفتي إفتاؤه بذلك؛ لأن الزوج لم يقصد الطلاق في الواقع . المبحث الثالث - مصادر الحق أو أسبابه عرفنا سابقاً أن منشأ الحق أو سببه الأساسي أو غير المباشر: هو الشرع. فالشرع هو المصدر الأساسي للحقوق، والسبب الوحيد لها ، غير أن الشرع قد ينشئ الحقوق مباشرة من غير توقف على أسباب أخرى، كالأمر بالعبادات المختلفة، والأمر بالإنفاق على القريب ، والنهي عن الجرائم والمحرمات، وإباحة الطيبات من الرزق، فإن أدلة الشرع هنا تعتبر أسباباً مباشرة للحقوق . - ٢٢ - وقد ينشئ الشارع الحقوق أو الأحكام مرتبة على أسباب أخرى يمارسها الناس، كعقد الزواج، فإنه ينشئ حق النفقة للزوجة والتوارث بين الزوجين وغير ذلك . وعقد البيع ينشئ ملك البائع للثمن والمشتري للمبيع. والغصب سبب للضمان عند هلاك المغصوب. وتعتبر العقود والغصب أسباباً مباشرة، وأدلة الشرع أسباباً غير مباشرة . والمقصود من الأسباب أو المصادر في هذا المبحث: الأسباب المباشرة، سواء أكانت أدلة الشرع أم الأسباب التي أقرتها وعينتها هذه الأدلة. فليس المراد من المصدر هنا: المصدر الآمر في إيجاب الالتزام، إذ تكون عندئذٍ جميع المصادر مردها إلى الشرع أو القانون . ومصادر الحق بالنسبة للالتزامات(١) خمسة: هي الشرع، والعقد، والإرادة المنفردة ، والفعل النافع ، والفعل الضار. فالعقد كالبيع والهبة والإجارة . والإرادة المنفردة كالوعد بشيء والنذر. والشرع كالالتزام بالنفقة على الأقارب والزوجة، والتزام الولي والوصي، وإيجاب الضرائب. والفعل الضار بالغير كالتزام المتعدي بضمان الشيء الذي أتلفه أو غصبه. والفعل النافع أو الإثراء بلا سبب كأداء دين يظنه الشخص على نفسه، ثم يتبين أنه كان بريئاً منه، أو أداء دين الغير بأمره، أو شراء شيء ثم يتبين أنه ملك الغير، فيجوز لصاحب الحق الرجوع على الآخر بالدين ، لعدم استحقاق الآخر له . ويمكن إدخال جميع هذه المصادر في الواقعة الشرعية . والواقعة الشرعية إما أن تكون طبيعية كالجوار والقرابة والمرض ونحوها ، أو اختيارية . والواقعة الاختيارية إما أن تكون أعمالاً مادية ممنوعة وهي الفعل الضار، أو أعمالاً مشروعة من جانب واحد وهي الفعل النافع ، وإما أن تكون تصرفات شرعية . (١) الالتزام: هو الحادث الذي نشأ عنه الالتزام. - ٢٣ - والتصرفات الشرعية: إما وحيدة الطرف وهي الإرادة المنفردة، أو متعددة وهي العقد(١). ويلاحظ أن هذه المصادر هي الأسباب المباشرة للالتزام، وأما المصدر غير المباشر لكل التصرفات الشرعية والأفعال المادية فهو الشرع. وأما مصادر الحق العيني فهي أسباب الملك التام أو الناقص الآتي بيانها في بحث نظرية الملكية . قال الدكتور السنهوري : إنه يمكن رد مصادر الحقوق في الفقه الإسلامي (سواء بالنسبة للالتزامات أم بالنسبة للحقوق العينية) إلى مصدرين اثنين، كما في الفقه الغربي أو القوانين الوضعية وهما: التصرف القانوني، والواقعة القانونية(٢). والتصرف الشرعي أو القانوني يشمل العقد والإرادة المنفردة. والواقعة الشرعية أو القانونية تشمل الفعل الضار والفعل النافع . ويلاحظ أخيراً أن الإقرار لا يعد منشئاً للحق، وإنما هو إخبار بالحق على الرأي الراجح عند الفقهاء. كما أن قضاء القاضي لا يعد منشئاً للحق، وإنما هو مظهر للحق وكاشف له، إلا إذا قضى القاضي بشهادة زور، ولم يكتشف الزور فيها ، فإن قضاءه يعد منشئاً للحق ظاهراً أي قضاء لا ديانة . وهذه هي المسألة المعروفة في الفقه الإسلامي بأن قضاء القاضي ينفذ ظاهراً أو باطناً، أو ظاهراً فقط ، وهي محل خلاف بين الفقهاء. المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه للأستاذ الزرقاء: ف ٤٩ - ٥٢. (١) (٢) مصادر الحق في الفقه الإسلامي للسنهوري: ١ / ٦٩ . - ٢٤ - المبحث الرابع - أحكام الحق أحكام الحق : هي آثاره المترتبة عليه بعد ثبوته لصاحبه ، وأحكامه ما يأتي : ١ - استيفاء الحق : لصاحب الحق أن يستوفي حقه بكل الوسائل المشروعة. أ - واستيفاء حق الله تعالى في العبادة يكون بأدائها على الوجه الذي رسمه الله تعالى للعبادة إما في الأحوال العادية (العزيمة)، أو في الأحوال الاستثنائية (الرخصة) مثل قصر الصلاة، وإباحة الفطر في رمضان للمريض والمسافر، والتيم بالتراب بدل الماء أثناء المرض أو فقد الماء، والنيابة في الحج للعاجز عنه، وإباحة النطق بالكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان حال الإكراه عليه . فإن امتنع الشخص عن أداء العبادة: فإن كان الحق مالياً كالزكاة أخذه الحاكم جبراً عنه ووزعه في مصارفه الشرعية. وإن كان غير مال حمله الحاكم على فعله بما يملك من وسائل إن ترك الحق ظاهراً، وإلا عاقبه الله في الدنيا بالمحن والآلام، وفي الآخرة بالعذاب الأليم . واستيفاء حق الله تعالى في منع الجرائم والمنكرات يكون بامتناع الناس عنها، فإن لم يكف الناس عنها، كان حق الله إقامة العقوبة، ويستوفيها ولي الأمر أو نائبه بعد إصدار الحكم القضائي بها منعاً من التظالم وإثارة الفتن والعداوات، وشيوع الفوضى وانهيار المجتمع . ب - واستيفاء حق الإنسان (العبد): يكون بأخذه من المكلف به باختياره ورضاه، فإن امتنع من تسليمه: فإن كان الموجود تحت يده عين الحق كالمغصوب والمسروق والوديعة، أو جنس الحق كأمثال العين المغصوبة عند هلاكها، ولكن ترتب على أخذه من قبل صاحب الحق نفسه فتنة أو ضرر في الحالتين أو كان الموجود تحت يده من خلاف جنس الحق مطلقاً، فليس لصاحب الحق باتفاق الفقهاء استيفاؤه بنفسه، وإنما بواسطة القضاء . - ٢٥ - أما إذا كان الموجود تحت يد الآخذ مالاً من جنس الحق ، ولم يترتب على الأخذ بطريق خاص فتنة أو ضرر، فالمشهور عند المالكية والحنابلة أن صاحب الحق يستوفيه بواسطة القضاء(١)، لقوله ◌َ الإ: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك))(٣)، ولأن النبي ◌ُّ قضى لهند زوجة أبي سفيان بأخذ حقها ولو لم يعلم زوجها بقوله: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)»(٣) فدل على أنه لا بد من القضاء لأخذ عين الحق أو جنسه . وقال الشافعية(٤) : لصاحب الحق استيفاء حقه بنفسه بأي طريق ، سواء أكان من جنس حقه ، أم من غير جنسه ، لقوله تعالى: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾، ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ﴾ والمثلية ليست من كل وجه ، وإنما في المال . ولقوله عليه السلام: (( من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به )) (٥) . ووافق الحنفية (٦) على رأي الشافعية فيما إذا كان المأخوذ من جنس حقه لا من غيره، والمفتى به اليوم كما قال ابن عابدين جواز الأخذ من جنس الحق أو من غيره، لفساد الذمم والمماطلة في وفاء الديون . ويلاحظ أن هذا البحث المسمى فقهاً ((الظفر بالحق)) من أهم أحكام المعاملات التي يفرق فيها بين الأحكام القضائية والأحكام الديانية. والخلاصة: أن من وجد عين حقه عند آخر مالاً أو عروضاً (سلعاً) وكان مماطلاً في رده أو جاحداً الدين ، فيباح له باتفاق الفقهاء أخذه ديانة لا قضاء للضرورة، الشرح الكبير للدردير: ٤ / ٣٣٥، القوانين الفقهية: ص ٣٥٩، المغني: ٨ / ٢٥٤ وما بعدها . (١) (٢) رواه الترمذي وأبو داود وحسنه وصححه الحاكم من حديث أبي هريرة. رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا الترمذي (نيل الأوطار: ٦ / ٣٢٣، سبل السلام: ٢١٩/٣). (٣) (٤) مغني المحتاج: ٤ / ١٦٢، المهذب: ٢ / ٢٨٢. رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن سمرة بن جندب . (٥) فتح القدير: ٤ / ٢٣٦، رد المحتار والدر المختار: ٢١٩/٣ وما بعدها، ٢٦٥. (٦) - ٢٦ - عملاً بالحديث السابق: (من وجد عين ماله فهو أحق به)(١) . نوع المأخوذ: والأصل في استيفاء الحق أن يكون بالعدل، فلا يزاد عليه فإن كان الحق معلوم النوع محدد المقدار كثمن دار وأجرتها وبدل قرض فلا تجوز الزيادة عليه في الاستيفاء وفي حكم القاضي . وإن كان الحق مطلقاً غير محدد النوع أو المقدار، فيحمل على الوسط المتعارف عليه بين الناس، فيؤخذ المتوسط من أموال الزكاة. ولا تؤخذ كرائم الأموال أو خسیسها . والدليل على استيفاء الوسط نصوص كثيرة قرنت بالمعروف أو العرف ، مثل قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ﴾ ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلّمتم ما آتيتم بالمعروف ﴾ وفي كفارة اليمين صرح باعتبار الوسط في قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم .. ﴾ والمراد بالأوسط : الوسط في نوع الطعام وعدد الوجبات . وعلى هذا فنفقة الزوجة والأقارب مقدرة بالوسط المتعارف عليه بالنص، وتجب زكاة الفطر من غالب قوت البلد: وهو الذي تعارف أهل البلد على تناوله . ويجوز التعزير للممتنع عن دفع الزكاة بأخذ أعلى الحق الواجب، أو تغريمه الضعف، لقوله عليه السلام: ((من دفعها مؤتجراً بها فله أجرها، ومن منعها فإنّا آخذوها وشطر ماله، عَزْمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى)»(٢). التسامح في الاستيفاء والأداء : الأصل أن يكون استيفاء الحق كاملاً، نظرية الضرورة الشرعية للمؤلف: ص ١٨٨ وما بعدها ط أولى. (١) (٢) رواه أحمد والنسائي وأبو داود عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده، بلفظ: ((من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها، وشطر إبله، عَزْمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى .. )» (نيل الأوطار: ٤ /١٢١ وما بعدها). - ٢٧ - لكن الشارع ندب صاحب الحق إلى عدم استيفاء حقه كله أو بعضه تسامحاً وإحساناً وإيثاراً، وبخاصة إذا كان المكلف أو المدين في ضائقة، وذلك خیر یثاب عليه فاعله، قال تعالى : ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون ﴾ والمراد بالتصدق في الآية : إبراء المدين من دينه . وفي تنازل المرأة عن شيء من حقوقها أو كل مهرها ، قال تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نِحْلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً. وإن طلقتوهن من قبل أن تمسوهن، وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ، إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عُقْدة النكاح ) وفي التنازل عن حق القصاص قال تعالى: ﴿ومن قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل، إنه كان منصوراً﴾. وهناك آية تقرر مبدءاً عاماً في التنازل عن الحقوق وهي قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها ، فمن عفا وأصلح فأجره على الله ﴾ . ٢ - حماية الحق : قررت الشريعة حماية الحق لصاحبه من أي اعتداء بأنواع مختلفة من المؤيدات منها المسؤولية أمام الله، والمسؤولية المدنية، وتقرير حق التقاضي . فالعبادات التي هي نوع من حقوق الله تعالى حماها الشرع بوازع الدين ودافع الإيمان القائمين على الرهبة من عذاب الله، والرغبة في ثوابه ونعيم الدنيا . ولذا كثيراً ما بدئت آيات القرآن في التكاليف الشرعية بوصف الإيمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. وهناك نوع آخر من الحماية للعبادة وهو الحسبة(١): وهي الأمر بالمعروف إذا الحسبة: وظيفة إدارية للدولة مهمتها مراقبة الناس والأسواق وحماية الناس من الانحراف عن آداب الدين، (١) ومن جشع التجار والصناع والغش والبيع بأكثر من ثمن المثل وعدم إجادة الصناعة، وخلاصة مهمتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتشبه ما تقوم به البلديات الآن من مراقبة الأسواق وما تقوم به إدارة الأمن العام من مراقبة الآداب. وما تقوم به النيابة العامة من تقديم الجاني إلى القضاء. - ٢٨ - ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله، وهو حق ثابت لكل فرد من أفراد الأمة ، وللمحتسب وهو والي الحسبة، فله مطالبة تارك الصلاة والزكاة ، أو المفطر في رمضان بأداء ما تركه. ولكل مسلم رفع دعوى الحسبة على المعاصي إلى المحتسب أو القاضي ليؤدب العاصي بما يردعه ويزجره عن ترك العبادات وغيرها . وهكذا بقية حقوق الله تعالى كالكف عن الجرائم تكون حمايتها أيضاً بوازع الدين وبالحسبة . وأما حقوق الناس الخاصة (العباد) فحمايتها بوازع الدين الذي یوجب على كل فرد احترام حق غيره في ماله أو عرضه أو دمه، وبالمرافعة إلى القضاء لمطالبة من وجبت عليه . وهكذا حمت الشريعة كل أنواع الحقوق الدينية والمدنية، الخاصة والعامة باحترام الحق لصاحبه، وعدم الاعتداء عليه ، وبمعاقبة المعتدي . ٣ - استعمال الحق بوجه مشروع: على الإنسان أن يستعمل حقه وفقاً لما أمر به الشرع وأذن به . فليس له ممارسة حقه على نحو يترتب عليه الإضرار بالغير، فرداً أو جماعةً ، سواء أقصد الإضرار أم لا . وليس له إتلاف شيء من أمواله أو تبذيره لأن ذلك غير مشروع . فحق الملكية يبيح للإنسان أن يبني في ملكه ما يشاء وكيف يشاء، لكن ليس له أن يبني بناء يمنع عن جاره الضوء والهواء، ولا أن يفتح في بنائه نافذة تطل على نساء جاره، لإضراره بالجار. واستعمال الإنسان حقه على وجه يضر به أو بغيره هو ما يعرف بالتعسف في استعمال الحق عند فقهاء القانون الوضعي . فإن مارس الإنسان ما ليس حقاً له فلا يسمى تعسفاً وإنما هو اعتداء على حق - ٢٩ - الغير، فالمستأجر الذي ينتفع بالدار على وجه يضر بها يعد متعسفاً ، أما الغاصب فإنه يعد متعدياً . وتجاوز الحكام والموظفين حدود الشريعة وحد . سلاحياتهم كاغتصاب بعض الأموال، وجباية ضرائب ظالمة لا يعد تعسفاً في استعمال الحق، وإنما هو استعمال لغير الحق أو تجاوز عن الحق، المستوجب التأديب أو التعزير، فقد عزل عمر عمار بن ياسر عن ولاية الكوفة والمغيرة بن شعبة عن ولاية البصرة لما شكا إليه أهل الولايتين. وأنشأ عبد الملك بن مروان ولاية المظالم (كمجلس الدولة الآن) المحاسبة الولاة والجباة وموظفي الدولة إذا ظلموا أحداً من الناس، أو تجاوزوا حدود سلطتهم أو صلاحیاتهم . أدلة حرمة التعسف : هناك أدلة كثيرة على تحريم التعسف منها ما يأتي : ١ - قال تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ، فأمسكوهن بمعروف، أو سرحوهن بمعروف، ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا﴾ نهى الشرع عن استعمال حق المراجعة بقصد الإضرار، كما كان يفعل في الجاهلية حيث يطلق الرجل زوجته، ثم إذا قاربت عدتها على الانتهاء راجعها، ثم طلقها ، فنهى الشرع عنه، والنهي يفيد التحريم، فيكون التعسف حراماً . ٢ -قال تعالى بعد بیان أنصباء الورثة: ﴿ من بعد وصیة یُوصی بها أو دین ، غیر مضار، وصية من الله ﴾ نهى الله تعالى عن الوصية الضارة بالورثة كالوصية لوارث أو بأكثر من الثلث، والنهي للتحريم، فيكون التعسف حراماً . ٣ - قال عز وجل: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم ﴾ فقد أمر الله بالحجر على السفيه الذي يبذر ماله، إذ إنه تعسف في استعمال حق الإنفاق ، فيكون التعسف ممنوعاً مستحقاً التأديب والحجر. - ٣٠ - ٤ - حديث السفينة في التضامن بإزالة المنكر (١): أمر الرسول مع الله بمنع من في أسفل السفينة من خرقها ، لما فيه من الضرر، وهو هلاك الجميع ، ففعلهم يكون تعسفاً حراماً . ٠٢٠١٠ السبب في تحريم التعسف : هناك سببان في تحريم التعسف وهما : أولاً - ليس لصاحب الحق حرية مطلقة في ممارسته، وإنما هو مقيد بعدم الإضرار بالغير، للنصوص الشرعية التي تمنع الإضرار بالغير وتحريم الاحتكار وبيع مال المحتكر جبراً عنه عند الحاجة، وتحريم العدوان على الدماء والأموال والأعراض، سواء أكان الضرر ناشئاً عن استعمال حق مشروع أم عن اعتداء محض . ثانياً - نزعة الحقوق الجماعية: فلا تقتصر المصلحة المستفادة من الحق الخاص المالي على صاحبه فقط ، وإنما تعود على المجتمع أيضاً؛ لأن ثروته جزء من ثروة الأمة التي يجب أن تبقى قوية استعداداً للطوارئ . بل إن للمجتمع في الظروف العادية نصيباً مفروضاً في المال الخاص عن طريق الزكاة والخراج والكفارات وصدقة الفطر وغيرها، ونصيباً مندوباً إليه عن طريق الصدقات والوصايا والأوقاف وسائر وجوه الخير والبر. وهذا ما يعبر عنه اليوم باشتراكية الحقوق. وإذا كان للمجتمع حق في مال الأفراد، فيجب ألا يتصرف الفرد في ماله تصرفاً ضاراً؛ لأن ذلك يعد اعتداءً على حق المجتمع ، واعتداءً على نفسه . (١) أخرج البخاري عن النعمان بن بشير أنه يَّم قال: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم تؤذ من فوقنا؟ فإن تركوهم وما أرادوا. هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً». الفقه الإسلامي جـ ٤ (٣) - ٣١ - ١ قواعد منع التعسف في استعمال الحق : القاعدة الأولى - قصد الإضرار: إذا قصد الإنسان من استعمال حقه الإضرار بغيره لا المصلحة المنشودة من الحق، كان استعماله تعسفاً محرماً، ووجب منعه. والدليل على ذلك تحريم الرجعة إضراراً بالزوجة، والوصية إضراراً بالورثة والدائنين ، وسفر الزوج بزوجته بعيداً عن بلدها وأهلها إضرارً بها . ورفع الدعوى على الفضلاء بالتهم الباطلة للتشهير بهم. وإقرار مريض الموت بالدين لحرمان الورثة أو الدائنين . وطلاق مريض الموت زوجته فراراً من ميراثها . فكل ذلك تعسف حرام ، وأساس هذه القاعدة هو قصد الضرر. ويترتب على التعسف في هذه الحالة ثلاثة أمور: تأديب صاحب الحق المتعسف وتعزيره بما يراه القاضي رادعاً لأمثاله، وبطلان التصرف إذا كان قابلاً للإبطال، وتعويض الضرر من هذا التعسف. ويعرف قصد الضرر بالأدلة والقرائن . القاعدة الثانية - قصد غرض غير مشروع : إذا قصد الشخص من استعمال حقه تحقيق غرض غير مشروع لا يتفق مع المصلحة المقصودة من الحق، وإنما يستتر وراء استعمال الحق المشروع، كاتخاذ عقد الزواج وسيلة لتحليل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول، ولا يقصد به الزواج الدائم ، واتخاذ عقد البيع وسيلة للربا أو الفائدة، ومنه بيع العينة : وهو شراء شيء بثمن مؤجل ثم بيعه لنفس البائع الأول بثمن فوري أقل من الثمن الأول، قاصداً به الربا، فذلك كله تعسف حرام، لقوله عليه السلام: «لعن الله المحلل والمحلل له))(١) وقوله: ((يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع))(١) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وأبو داود وابن ماجه عن ابن مسعود قال: ((لعن رسول الله ◌َخاتم المحلّل (١) والمحلَّل له)) (نيل الأوطار: ٦ / ١٣٨). (٢) حديث مرسل، صالح للاعتضاد به بالاتفاق، وله من المسندات ما يشهد له، وهي الأحاديث الدالة على تحريم العينة، استدل به الأوزاعي ورواه (نيل الأوطار: ٥/ ٢٠٧). - ٣٢ - ١ ٠ ولنهيه عليه السلام عن بيع العينة صراحة(١). ومنه إسلام الزوجة غير المسلمة بقصد الإرث من زوجها ، وهبة المال قبيل الحول بقصد إسقاط الزكاة الواجبة . وقد أخذت هذه القاعدة من مبدأ ((سد الذرائع)) وما يتفرع عنه من بطلان الحيل المحرمة التي يقصد بها إباحة الحرام أو تحريم الحلال أو إسقاط الواجب . وأساس هذه القاعدة هو قصد الضرر أيضاً كالقاعدة الأولى، ويعرف ذلك بالأدلة والقرائن التي تعين القصد . القاعدة الثالثة - ترتب ضرر أعظم من المصلحة : إذا استعمل الإنسان حقه بقصد تحقيق المصلحة المشروعة منه، ولكن ترتب على فعله ضرر يصيب غيره أعظم من المصلحة المقصودة منه، أو يساويها ، منع من ذلك سداً للذرائع ، سواء أكان الضرر الواقع عاماً يصيب الجماعة، أو خاصاً بشخص أو أشخاص. والدليل على المنع قول الرسول مَ الٍ: (( لا ضرر ولا ضرار))(٢) وعلى هذا فإن استعمال الحق يكون تعسفاً إذا ترتب عليه ضرر عام، وهو دائماً أشد من الضرر الخاص، أو ترتب عليه ضرر خاص أكثر من مصلحة صاحب الحق أو أشد من ضرر صاحب الحق أو مساولضرر المستحق . أما إذا كان الضرر أقل أو متوهماً فلا يكون استعمال الحق تعسفاً . من أمثلة الضرر العام بالأمة أو بجماعة : الاحتكار: وهو شراء ما يحتاجه الناس وادخاره لبيعه وقت غلاء الأسعار وحاجة الناس إليه. وهو ممنوع للحديث النبوي : (١) رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر بلفظ ((إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله به بلاء، فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم» (نيل الأوطار: ٢٠٦/٥). (٢) حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسنداً عن أبي سعيد الخدري، ورواه مالك مرسلاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه. - ٣٣ - ((الجالب مرزوق والمحتكر ملعون)) (( لا يحتكر إلا خاطئ))(١). ومنه تلقي الركبان : وهو تلقي التاجر للوافدين من الريف إلى المدينة لبيع محاصيلهم، وشراؤها بثمن أقل من السعر القائم، وبيعها لأهل المدينة بثمن مرتفع . وهذا حرام لأن النبي ◌ُ ◌ّ نهى عن تلقي الركبان(٣). ومنه بيع السلاح أثناء الفتنة، وبيعه لقطاع الطرق، وبيع العنب للخمار، وبيع السلع بأكثر من ضعف القيمة ، فذلك يضر الجماعة، فيمنع التاجر منه، ولولي الأمر عند الحنفية والمالكية تسعير السلع بالربح المعقول. فإن أبوا من ذلك بيعت السلع جبراً عنهم . كذلك لولي الأمر منع الناس من زراعة المخدرات، وزراعة أشياء لا تحتاج إليها الأمة أو تحتاج إلى غيرها . ومثال الضرر الخاص الأشد : فتح نافذة في بناء تطل على مقر نساء الجار إلا إذا كانت أعلى من مستوى النظر. وقد منع الرسول عليه السلام سمرة بن جندب من دخول بستان لأحد الأنصار لتفقد نخله بسبب تأذي الأنصاري من دخوله(٣)؛ لأن الضرر في الدخول كان أشد من عدم تفقد صاحب النخل نخله . ومثال الضرر الخاص المساوي للمصلحة : أن يفعل مالك الدار فيها شيئاً يتضرر به جيرانه . رأى أبو حنيفة منعه من ذلك دفعاً للضرر الذي يصيب غيره، والضرر يجب رفعه لقوله عليه السلام: ((لا ضرر ولا ضرار)). الحديث الأول ضعيف رواه ابن ماجه عن عمر، والحديث الثاني صحيح رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن (١) معمر بن عبد الله العدوي (نيل الأوطار: ٢٢٠/٥). (٢) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن ابن مسعود بلفظ ((نهى النبي ◌ٍَّ عن تلقي البيوع» ولفظ البخاري عن ابن عباس ((لا تلقوا الركبان» (نيل الأوطار: ١٦٦/٥، سبل السلام: ٣/ ٢٠-٢١). رواه مسلم ومالك وأحمد وابن ماجه ( شرح مسلم: ١١ / ٤٧). (٣) - ٣٤ _ وقال أبو يوسف ومحمد : لا يمنع صاحب الحق حينئذ من استعمال حقه مراعاة لحق المالك، لتساويها في الضرر، فیرجح حق المالك عملاً بما يبيحه له ملكه من استعمال وانتفاع . ومثال الضرر القليل : بناء جدار أو غرس شجر في أرضه، مما يترتب عليه حجب الهواء عن جاره، لا يمنع منه المالك ولا يكون تعسفاً؛ إذ لابد من مثل هذا الضرر القليل عادة أثناء الانتفاع بالحق . ومثال الضرر الموهوم: كثرة إنجاب النسل الذي قد يترتب عليه ضائقة اقتصادية، لا يمنع منه الإنسان؛ لأن الضررهنا متوهم، فالله تعالى أودع في الأرض من الكنوز والموارد ما يكفي حاجة الإنسان إذا استخدمت الأيدي العاملة والعقول المفكرة، وتمت مراقبة الله وتقواه في هذه الموارد، كما قال تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا، فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾. وقال سبحانه في شأن أهل الكتاب: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، منهم أمة مقتصدة، وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ . وأساس هذه القاعدة : هو مقدار الضرر الناشئ عن استعمال الحق . القاعدة الرابعة - الاستعمال غير المعتاد وترتب ضرر للغير: إذا استعمل الإنسان حقه على نحو غير معتاد في عرف الناس ، ثم ترتب عليه ضرر للغير، كان متعسفاً، كرفع صوت المذياع المزعج للجيران والتأذي به، واستئجار دار، ثم ترك الماء في جدرانها وقتاً طويلاً، أو استئجار سيارة يحملها أكثر من حمولتها ، أو دابة ويضربها ضرباً قاسياً أو يحملها ما لا تطيق. ففي كل ذلك يعتبر متعسفاً، فینع من تعسفه، ويعوض المتضرر عما أصابه من ضرر. - ٣٥ - كذلك يمنع من استعمال حقه، إذا استعمل حقه استعمالاً غير معتاد، ولم يترتب عليه ضرر ظاهر؛ لأن الاستعمال على هذا النحو لا يخلو من ضرر، وعدم ظهور الضرر لا يمنع من وجوده في الواقع ، وإن كان يمنع من الحكم عليه بالتعويض لعدم وضوح الضرر، فإن كان الاستعمال معتاداً مألوفاً، ووقع الضرر فلا يعد تعسفاً، ولا يترتب على ذلك ضان ، كالطبيب الجراح الذي يجري عملية جراحية معتادة، و یموت المریض، فلا یضمن . ومثله من یوقد فرناً یتأذى الجیران بدخانه، أو یدیر آلة يتضرر الجيران بصوتها المعتاد، فلا ضمان؛ لأن كل ذلك معتاد مألوف. وبناء عليه: من يشعل ناراً في أرضه، فطار منها شرر أحرق شيئاً لجاره، إن كان ذلك في أحوال عادية فلا ضمان عليه. وإن كان ذلك في وقت هبوب الرياح واشتدادها ، فعليه الضمان . وكذلك سقاية الأرض، إن كان سقياً عادياً، فتسرب الماء إلى أرض الجار، فلا ضمان، وإن كان سقياً غير عادي بماء لا تحتمله الأرض عادة، فعليه ضمان الضرر اللاحق بالغير (١). والمقياس في ذلك هو العرف الذي يحدد كون التصرف معتاداً أو غير معتاد. وعليه تطبق أحكام التعامل مع الخباز والكواء إذا أحرق ما سلم له، يضمن إذا تصرف تصرفاً غير معتاد بزيادة وقود النار، وحرارة الكهرباء. القاعدة الخامسة - استعمال الحق مع الإهمال أو الخطأ: إذا استعمل الإنسان حقه على وجه ليس فيه احتياط واحتراس وتثبت، فأضر بالغير، وهذا ما يعرف بالخطأ، كان متعسفاً أو مسؤولاً مسؤولية تقصيرية . سواء أكان خطأ في القصد، كما إذا رأى الصياد شبحاً من بعيد، فظنه صيداً، فأطلق عليه النار، فإذا هو إنسان . (١) الهداية: ٣ / ١٩٧، المهذب: ١ / ٤٠١. - ٣٦ - أو كان خطأ في الفعل ، كما إذا سدد الصائد الرمية على صيد، فانحرفت وأصابت إنساناً ، أو تجاوزت الصيد إلى إنسان فقتلته . فذلك كله إساءة في استعمال الحق يترتب عليه تعويض الضرر الذي أصاب الغير؛ لأنه كان يجب عليه التثبت والانتباه أو الاحتراس في كل من القصد والفعل ، فإذا قصر في ذلك تحمل نتيجة فعله صوناً لدماء الناس وأموالهم . والدليل أن الله تعالى أوجب تعويض الضرر في القتل الخطأ بالدية ، ومنع النبي من الضرر في الحديث المتقدم: ((لا ضرر ولا ضرار)) ولا سبيل إلى رفع الضرر بعد وقوعه إلا بإيجاب الضمان أو التعويض . ومجال هذه القاعدة هو الضرر الناشئ عن الخطأ في استعمال الحق، سواء أكان هذا الحق ثابتاً بإذن الشارع، أم بالعقد أم بغيرهما من مصادر الحق ؛ لأن استعمال الحقوق مقيد بشرط السلامة كما يقرر الفقهاء(١)، ولأن أموال الناس ودماءهم معصومة لا تهدر بجال، فيجب ضمانها وتعويض الضرر الواقع عليها . وأساس هذه القاعدة حصول الضرر، سواء أكان قليلاً أو كثيراً . ولا تطبق هذه القاعدة في حالتين : الأولى - إذا كان استعمال الحق لا يمكن فيه الاحتراز أو التثبت عادة، كالطبيب الذي يجري عملية جراحية على النحو المعتاد، فأفضى ذلك إلى تلف عضو أو نفس، لا يكون ضامناً . الثانية - إذا اتخذ الشخص الاحتياطات، ومع ذلك وقع الضرر، فلا یضنه كما إذا قام إنسان بالتدرب على إطلاق النار في ملكه، ووضع لافتات على أرضه بعدم (١) الهداية: ٤ / ١٥٤ وما بعدها. - ٣٧ - الدخول، فلا ضان عليه إذا أصاب أحداً دخل أرضه. كما لا ضمان على من سلك طريقاً مخوفاً أو فيه سباع فوجد مقتولاً، لا تجب ديته(١). ومن تطبيقات هذه القاعدة : حوادث السير بدون قصد من قتل وإتلاف مال، وما يترتب على ممارسة حق التأديب للزوج والمعلم والأب والحاكم من إتلافات غير مقصودة. وحالات تجاوز حدود الدفاع الشرعي من الأخف إلى الأثقل ، واستهلاك الأموال على الظن أنها مال الشخص ، فكل ذلك یوجب تعويض الضرر. آثار أو أحكام التعسف : التعسف في استعمال الحق يندرج تحت ((الفعل الضار)) أحد مصادر الحق. أما ما ينشأ عن التعسف من حقوق أو آثار وأحكام فهي ما يأتي : ١ - إزالة الضرر عيناً كهدم البناء الذي بناه المالك ملاصقاً لجاره، فسد عليه النور والهواء، وسد النافذة التي فتحها المالك، وكانت تطل على نساء جاره . ٢ - التعويض عن الضرر إذا كان تلف نفس أو عضو أومال. ٣ - إبطال التصرف كإبطال زواج التحليل وبيع العينة والوصية الضارة بالورثة . ٤ - المنع من ممارسة الحق كمنع الزوج من السفر بزوجته إذا قصد بالسفر إيذاءها . ٥۔ التعزیر کالدعاوى المرفوعة على الشرفاء للتشهير بهم . (١) الهداية: ٤ / ١٨١. - ٣٨ - ٦ - الإجبار على الفعل كإجبار التجار على البيع بسعر معين، وإجبار العمال على العمل بأجر المثل . ٤ - نقل الحق : يجوز انتقال الحق بسبب ناقل له، سواء أكان الحق مالياً كحق الملكية في المبيع، فإنه ينتقل من البائع للمشتري بسبب عقد البيع ، وحق الدين ، فإنه ينتقل من ذمة الدائن إلى تركته بسبب الوفاة، أم كان الحق غير مالي كحق الولاية على الصغير، فإنه ينتقل من الأب إلى الجد بسبب وفاة الأب، وحق الحضانة، فإنه ينتقل من الأم إلى الجدة لأم إذا تزوجت الأم بغير محرم من الصغير. وأسباب انتقال الحق كثيرة منها : العقد، ومنها الالتزام الذي يتم من جانب واحد، ومنها الوفاة، ومنها حوالة الدين من مدين إلى مدين آخر. وهي نوع من العقد لا خلاف في مشروعيته بين الفقهاء. ومنها حوالة الحق من دائن إلى دائن كأن يحيل البائع دائنه على المشتري بالثمن ، ويحيل المرتهن على الراهن بالدين، وتحيل الزوجة على زوجها بالمهر، وهي جائزة على التحقيق عند فقهاء المذاهب ، حتى عند الحنفية في نطاق ما يسمى عندهم بالحوالة المقيدة : وهي أن يحيل شخص غيره بالدين الذي له على المحال عليه . ٥ - انقضاء الحق : ينتهي الحق بسبب من الأسباب المقررة شرعاً لانتهائه، وهو يختلف بحسب نوع الحق، فحق الزواج ينتهي بالطلاق، وحق الابن في النفقة على أبيه ينتهي بقدرته على الكسب، وحق الملكية ينتهي بالبيع ، وحق الانتفاع ينتهي بفسخ عقد الإجارة أو انتهاء المدة، أو بانفساخ العقد بالأعذار أو الظروف الطارئة كانهدام المنزل، وحق الدين ينتهي بالأداء أو بالمقاصة أو بالإبراء: وهو إسقاط صاحب الحق حقه ممن هو عليه. وتفاصيل ذلك تعرف في بحث نظرية العقد . - ٣٩ - الفصل الثاني الأموال المال بطبيعته محل الملكية إلا إذا وجد مانع من الموانع، وهو في الغالب محل المعاملات المدنية كالبيع والإيجار والشركة والوصية ونحوها. وهو أيضاً عنصر ضروري من ضرورات الحياة أو المعيشة التي لا غنى عنها للإنسان . لذا سأذكر تعريف المال وأقسامه وما يقبل التملك منه وما لا يقبل، ثم أبين تعريف الملك وأقسامه وخصائص كل قسم . المبحث الأول - تعريف المال وإرثه : تعريف المال - المال في اللغة: كل ما يقتنى ويجوزه الإنسان بالفعل سواء أكان عيناً أم منفعة، كذهب أو فضة أو حيوان أو نبات أو منافع الشيء كالركوب واللبس والسكنى. أما ما لا يجوزه الإنسان فلا يسمى مالاً في اللغة كالطير في الهواء والسمك في الماء والأشجار في الغابات والمعادن في باطن الأرض. وأما في اصطلاح الفقهاء ففي تحديد معناه رأيان : أولاً - عند الحنفية: المال: هو كل ما يمكن حيازته وإحرازه وينتفع به عادة ، أي أن المالية تتطلب توفر عنصرين : ١ - إمكان الحيازة والإحراز: فلا يعد مالاً: ما لا يمكن حيازته كالأمور المعنوية مثل العلم والصحة والشرف والذكاء، وما لا يمكن السيطرة عليه كالهواء - ٤٠ -