النص المفهرس

صفحات 661-680

المطلب السابع - سنن التذكية :
يستحب في التذكية ما يأتي وهي سنن الذبح(١) :
١ - التسمية عند من لا يوجبها وهم الشافعية ، والتكبير، فيقول : بسم
الله ، والله أكبر . ولا يقل : باسم الله واسم محمد ، وأضاف الشافعية : ويصلي على
النبي ◌ُّ عند الذبح؛ لأنه محل طاعة .
٢ - كون الذبح بالنهار، ويكره تنزيهاً عند الحنفية بالليل ، قياساً على
الأضحية ، خشية الخطأ في الذبح ، وقد روي عن رسول الله پ ڼ( أنه نهى عن
الأضحية ليلاً ، وعن الحصاد ليلاً(٢).
٣ - توجه الذابح والذبيحة نحو القبلة ؛ لأن القبلة جهة معظمة ، والتذكية
عبادة ، وكان الصحابة إذا ذبحوا استقبلوا القبلة ، ولأن النبي مع التع لما ضحى،
وجه أضحيته إلى القبلة ، وقال : وجهت وجهي .. الآيتين(٣) . فإن لم يستقبل
ساهياً أو لعذر ، أكلت .
٤ - إضجاع الذبيحة على شقها الأيسر برفق ، ورأسها مرفوع . ويأخذ
الذابح جلد حلقها من اللحي الأسفل ، فيده ، حتى تتبين البشرة ، ثم يمر السكين
على الحلق تحت الجوزة ، حتى يقف في عظم الرقبة . فإن كان أعسر ، جاز أن
يجعلها على شقها الأيمن . ويكره ذبح الأعسر ويستحب أن يستنيب غيره .
(١) البدائع: ٦٠/٥، الدر المختار: ٢٠٨/٥، تبيين الحقائق: ٢٩١/٥، تكملة الفتح: ٦٠/٨، بداية المجتهد :
٤٣٥/١، القوانين الفقهية: ص١٨٥، الشرح الكبير: ١٠٧/٢، مغني المحتاج: ٢٧١/٤ وما بعدها، المهذب: ٢٥١/١
وما بعدها ، كشاف القناع : ٢٠٨/٦ وما بعدها .
(٢) أخرج الطبراني عن ابن عباس أنه مَّ نهى عن الذبح ليلا، لكن في اسناده متروك . وفي البيهقي عن
الحسن: ((نهى عن جذاذ الليل وحصاده، والأضحية بالليل)) وهو حديث مرسل ( نيل الأوطار: ١٢٦/٥).
(٣) رواه ابن ماجه عن جابر ( نيل الأوطار : ١٢٦/٥ ).
- ٦٦١ _

٥ - نحر الإِبل قائمة معقولة الركبة اليسرى ، وذبح البقر والغنم مضجعة
لجنبها الأيسر وتترك رجلها اليمنى ، وتشد باقي القوائم ، لقوله تعالى في الإبل :
﴿فاذكروا اسم الله عليها صوافّ﴾ قال ابن عباس: ((أي قياما على ثلاث))(١)
أما الشاة ففي الصحيحين: ((أنه يَّامٍ أضجعها)) وقيس عليها البقر وغيره ، لأنه
أسهل على الذابح في أخذه السكين باليمين ، وامساك الرأس باليسار .
ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب نحر الإبل(٣) ، وذبح ما سواها ، قال
الله تعالى: ﴿ فصل لربك وانحر﴾ وقال تعالى: ﴿ان الله يأمركم أن تذبحوا
بقرة﴾ قال مجاهد: أمرنا بالنحر، وأمر بنو اسرائيل بالذبح(٣). وثبت ((أن
رسول الله مِ ◌ّ نحر بدنة ، وضحى بكبشين أقرنين ذبحها بيده))(٤).
٦ - قطع الأوداج كلها والتذفيف أي الإسراع بالذبح ، ويكره قطع البعض
دون البعض ، لما فيه من إبطاء فوات الحياة . ولا يبلغ بالذبح النخاع ( وهو
العرق الأبيض الذي يكون في عظم الرقبة) ولا إبانة الرأس ، ولو فعل ذلك
يكره ، لما فيه من زيادة إيلام من غير حاجة إليه ، كما بينا سابقا .
٧ - إحداد الشفرة ( السكين العظيمة ) قبل الإضجاع ، لا بمرأى البهية ؛
لأنها تعرف الآلة الجارحة كما تعرف المهالك، فتتحرز عنها ، فإذا أحد الشفرة ،
وقد أضجعها، يزداد ألمها. قال النبي ◌ُ ◌ّ: (( ان الله كتب الإحسان على كل
شيء ، فإذا قتلتم ، فأحسنوا القِتْلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبجة ، وليحد أحدكم
(١) رواه الحاكم وصححه .
(٢) معنى النحر : أن يضربها بحربة أو نحوها ، في الوهدة التي بين أصل عنقها وصدرها .
(٣) المغني : ٥٧٥/٨ وما بعدها .
(٤) متفق عليه .
- ٦٦٢ -

شفرته وليرح ذبيحته)) (١) وفي سنن البيهقي أن عمر رضي الله عنه ( رأى رجلا وقد
أضجع شاة ، ووضع رجله على صفحة وجهها ، وهو يحد الشفرة ، فضربه بالدِّرة ))
وعن ابن عباس قال: ((مر رسول الله ما اتّ على رجل واضع رجله على صفحة
شاة ، وهو يحد شفرته ، وهي تلحظ إليه ببصرها ، قال: أفلا قُتِل هذا ، أو
يريد أن يميتها موتتين))(٢) .
ويستحب ألا يذبح شاة، وأخرى تنظر إليه لما روى ابن عمر: (( أن رسول
الله مَ اتٍ أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم))(٣).
٨ - الترفق بالبهيمة، فلا يضرب بها الأرض ، ولا تجر برجلها إلى المذبح ؛
لأنه إلحاق زيادة ألم بها من غير حاجة إليها في التذكية .
المطلب الثامن - مكروهات التذكية :
يكره في الذبح أو التذكية ترك السنن السابقة ، فتكون مكروهات التذكية
ما يأتي (٤) :
١ - ترك التسمية عند من لا يوجبها أو لا يشترطها، وهم الشافعية وبعض
المالكية . أو قرن اسم الله باسم محمد أو غيره . ويكره عند الحنفية أن يقول الذابح
عند الذبح : اللهم تقبل من فلان . وإن قال ذلك قبل التسمية والإضجاع أو بعد
الذبح جاز .
(١) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن شداد بن أوس ( نيل الأوطار: ١٤١/٨) والقتلة والذبحة: هي
الهيئة والحالة .
(٢) رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، ورجاله رجال الصحيح ( مجمع الزوائد: ٣٣/٤ ).
(٣) رواه أحمد وابن ماجه .
(٤) البدائع: ٦٠/٥، تبيين الحقائق: ٢٩٢/٥، الدر المختار: ٢٠٨٥، الشرح الصغير: ١٧٣/٢، القوانين
الفقهية: ص١٨٥ ، مغني المحتاج: ١٧٢/٤، كشاف القناع: ٢٠٨/٦ وما بعدها ، المغني : ٥٨٠/٨ .
- ٦٦٣ -

٢ - التوجه بالذبيحة لغير القبلة ، لمخالفة السنة.
٣ - نحر الشياه وذبح الإبل عند الحنفية ، لمخالفة ما ثبت بالسنة ، ولا يكره
ذلك عند الشافعية والحنابلة ، لعدم ورود نهي فيه .
٤ - التعذيب أو زيادة الألم بلا فائدة مثل قطع الرأس ، وكسر الرقبة ،
وبلوغ النخاع ، والذبح من القفا (١)، وجر الحيوان برجله إلى المذبح ، وحد
الشفرة أمامه بعد الإضجاع ، والذبح أمام بهيمة أخرى مخالفة الثابت في السنة ،
والسلخ أو النخع ( قطع النخاع) قبل أن يبرد الحيوان، لما روي ((أن الفَرافِصَة
قال لعمر رضي الله عنه: إنكم تأكلون طعاما لا نأكله ، قال : وما ذاك يا أبا
حسان ؟ فقال: تُعجلون الأنفس قبل أن تزهق(٢) . فأمر عمر رضي الله عنه
منادياً ينادي : الذكاة في الحلق والَّبة لمن قدر ، ولا تعجلوا الأنفس حتى
تزهق )» (٣) .
٥ - الذبح بالسن والظفر والعظم المنزوعين عند الحنفية الذين يجيزون
م
التذكية بها ، مع الكراهة لما فيه من الضرر بالحيوان كذبحه بشفرة كليلة . أما
الذبح بالقائم غير المنزوع من الظفر ونحوه فلا يحل . 5
المطلب التاسع - أنواع التذكية :
التذكية التي تحل الأكل عند المالكية(٤) أربعة أنواع :
١ - ادماء أو صيد أو عقر في غير المقدور عليه، المتوحش، لا الإنسي الذي
(١) ان بقيت حية حتى تقطع العروق ، وإلا لم يحل لحدوث الموت بلا ذكاة .
(٢) الأنفس ههنا : الأرواح التي تكون حركة الأبدان بها ، وزهوقها : خروجها من الأبدان وذهابها .
(٣) المهذب : ٢٥٣/١.
(٤) الشرح الكبير: ٩٩/٢، ١٠٣، ١٠٧، بداية المجتهد: ٤٢٩/١ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص١٨٣
وما بعدها .
- ٦٦٤ -

يكون من الأنعام ، أما الحمام ونحوه فكله صيد ، فلو توحش أكل بالعقر .
٢ - وذبح في الحلق بقطع جميع الحلقوم وجميع الودجين للطيور ولو نعامة ،
والغنم .
٣ - ونحر في اللبة: وهي وسط الصدر للإبل والزرافة(١). وأما البقر فيجوز
فيها الذبح والنحر ، لكن يندب فيها الذبح ، أي أن الأنعام يشترط فيها الذبح أو
النحر .
٤ - فعل يزيل الحياة بأي وسيلة وهو تأثير بقطع أو غيره في الجراد ؛ لأن
المقرر عند المالكية خلافاً لعامة الفقهاء : أن الجراد لا يؤكل من غير ذكاة ، وذكاته
عندهم أن يقتل إما بقطع رأسه أو بغير ذلك .
ويجب النحر في الإبل والزرافة ، والذبح في غيرها . فإن ذبح ما ينحر أو
نحر ما يذبح ولو سهواً إن قدر ، من غير ضرورة ، لم تؤكل الذبيحة . ويجوز
للضرورة الذبح في الإبل ، والنحر في غيرها كوقوع الحيوان في هوة ، أو لعدم
وجود آلة الذبح أو النحر .
والخلاصة : أن الأنعام إذا توحشت لا تؤكل بالصيد عندهم ، لكن يؤكل بالصيد
إن تأنس المتوحش الأصل ثم هرب، أو توحش الحمام ونحوه؛ لأن كله صيد.
وقال الجمهور غير المالكية(٢) : الذكاة نوعان: اختيارية ، واضطرارية في
معنى الصيد .
(١) الذبح عند المالكية : قطع الحلقوم والودجين من المقدَّ بنية . وعقر الحيوان: هو أن يرمى بسهم في أي
موضع من جسمه ، فيجرحه ويميته . والنحر : ذبح من أعلى الصدر، ويكون في اللّبة : وهي الوحدة التي بين أصل
العنق والصدر .
(٢) تبيين الحقائق: ٢٨٦/٥، تكملة الفتح: ٦٠/٨ وما بعدها، الدر المختار وحاشيته: ٢٠٦/٥، ٢١٣ ، مغني
المحتاج: ٢٦٥/٤، ٢٦٨ وما بعدها، ٢٧١، المهذب: ٢٥٥/١، المغني: ٥٦٦/٨، ٥٧٣، ٥٧٥، ٥٧٧ ، كشاف القناع :
٢٠٥/٦، الشرح الكبير للدردير: ١٠٣/٤، ١١٠.
- ٦٦٥ -

أما الاختيارية : فهي الجرح في الحلق ( الحلقوم ) مابين اللبة واللحيين ،
عند القدرة على الحيوان . ولابد من ذبح المستأنس ؛ لأن ذكاة الاضطرار إنما
يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار .
والاضطرارية : الجرح في أي موضع كان من البدن عند العجز عن الحيوان ،
أي كأنها صيد ، فتستعمل للضرورة في المعجوز عنه من الصيد والأنعام ، أي أنها
تستعمل عند الجمهور غير المالكية في الحيوان المتوحش ، أو الحيوان المستأنس إذا
شرد ، ولم يمكن الحصول عليه ، لأن التكليف بحسب الوسع. وتسمى هذه
الحالة : العقر أي إزهاق الروح في أي موضع كان . ويكون العقر أو ذكاة
الضرورة بآلة جارحة لا يمثقل أو حجر أي بالجرح أو الطعن ، أو إنهار الدم في أي
موضع كان من البدن ، بحيث يسيل دمه . ويشترط عند الشافعية : أن يكون
الجرح مفضيا إلى الزهوق أي يؤدي إلى الموت .
وأما عند المالكية : فلا يحل الحيوان بذكاة الضرورة إذا كان مستأنساً من
الأنعام .
فلو توحش حيوان أهلي بعد أن كان إنسيا أو مستأنسا ، أو ندَّ بعير ( شرد )
أو تردى في بئر ونحوه ، ولم تمكن الذكاة الاختيارية أي عجز عنها بذبحه في
الحلق ، فذكاته عند غير المالكية حيث يصاب بأي جرح من بدنه ، ويحل حينئذ
أكله ، كصيد الطائر أو الحيوان المتوحش، لحديث رافع بن خديج، قال: (( كنا
مع رسول الله صَ لّه في سفر، فندَّ بعير من إبل القوم ، ولم يكن معهم خيل ، فرماه
رجل بسهم ، فحبسه ، فقال رسول الله طاقةٍ: إن لهذه البهائم أوابد ، كأوابد
الوحش ، فما فعل منها هذا ، فافعلوا به هكذا(١))). وهذا هو الرأي الأرجح.
(١) رواه الجماعة (نيل الأوطار: ١٤٣/٨) والأوابد جمع آبدة: أي غريبة، وتأبدت: توحشت ، والمراد أن لها
توحشاً .
- ٦٦٦ -

وإن نحر ما يذبح ، أو ذبح ما ينحر أكل مع الكراهة عند الحنفية(١)، وبلا
كراهة عند الشافعية والحنابلة ، لعدم ورود نهي فيه .
المطلب العاشر - ما يحرم أكله من المذبوح :
قال الحنفية(٢) : لا تؤكل سبعة أشياء من أجزاء الحيوان المأكول وهي : الدم
المسفوح ، والذكر ، والأنثيان ، والقبل، والغدة(٣)، والمثانة ، والمرارة . لقوله عز
شأنه: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) وهذه الأشياء السبعة مما
تستخبثه الطباع السليمة. وروي عن مجاهد أنه قال: (( كره رسول الله م اقل من
الشاة: الذكر، والانثيين ، والقبل ، والغدة ، والمرارة ، والمثانة والدم )) والمراد
منه كراهة التحريم ، بدليل أنه جمع بين الأشياء الستة وبين الدم ، في الكراهة ،
والدم المسفوح محرم . والمروي عن أبي حنيفة أنه قال: (( الدم حرام ، وأكره
الستة )) أطلق اسم الحرام على الدم المسفوح ، لأنه ثبت بدليل مقطوع به ، وهو
النص القرآني: ﴿ قل: لا أجد فيا أوحي إلي محرماً ... إلى قوله : أو دماً
مسفوحاً ) وسمى ما سواه مكروهاً ، لثبوته بدليل ظني .
المطلب الحادي عشر - أثر ذكاة الأم في الجنين :
الذكاة الجنين أربعة أحوال(٤):
الأول - أن تلقيه الأم ميتاً قبل الذبح ، فلا يؤكل اجماعاً .
(١) يجوز في قول عند الحنفية استخدام ذكاة الضرورة فيما لو أدرك صيده حياً، أو أشرف ثوره على الهلاك ،
وضاق الوقت على الذبح ، أو لم يجد آلة الذبح ، فجرحه في غير محل الذبح ، حل . وفي قول آخر: لا يحل أكله إلا إذا
قطع العروق .
(٢) البدائع : ٦١/٥، رد المحتار: ٢١٩/٥ .
(٣) الغدة : قطعة لحم صلبة تحدث عن داء بين الجلد واللحم .
(٤) البدائع : ٤٢/٥، تبيين الحقائق: ٢٩٣/٥، اللباب: ٢٢٨/٣، القوانين الفقهية: ص١٨٣ ، بداية المجتهد :
٤٢٨/١ وما بعدها، الشرح الكبير: ١١٤/٢، مغني المحتاج: ٥٧٩/٤، ٣٠٦، المغني: ٥٧٩/٨، شرح الرسالة: ٣٨١/١.
- ٦٦٧ -

الثاني - أن تلقيه حياً قبل الذبح ، فلا يؤكل إلا أن يذكى ( يذبح ) وهو
مستقر الحياة .
الثالث - أن تلقيه حياً بعد تذكيتها، فإن ذبح وهو حي أكل ، وإن لم
تدرك ذكاته في حال الحياة ، فهو ميتة ، وقيل عند المالكية : ذكاته ذكاة أمه .
الرابع - أن تلقيه الأم ميتاً بعد تذكيتها ، وهذا موطن الخلاف بين الفقهاء :
آ - فقال أبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد : لا يؤكل بتذكية الأم ؛ لأن
الله تعالى حرم الميتة ، وحرم المنخنقة ، والجنين ميتة ؛ لأنه لا حياة فيه ،
والميتة : كل حيوان مات من غير ذكاة ، أو ان الجنين مات خنقاً فيحرم بنص
القرآن .
ولا يجعل الجنين تبعاً لأمه ؛ لأنه يتصور بقاؤه حياً بعد ذبح الأم ، فوجب
إفراده بالذبح ليخرج الدم عنه ، فيحل به، ولا يحل بذكاة أمه ، إذ المقصود
بالذكاة إخراج دمه ليتميز من اللحم ، فيطيب ، فلا يكون تبعاً للأم .
والمراد بحديث ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) هو التشبيه أي كذكاتها ، فلا يدل
على أنه يكتفى بذكاة الأم . والخلاصة : أن الجنين الميت لا يؤكل عند الحنفية ،
أشعر أو لم يشعر، أي تم خلقه ، أو لم يتم ، لأنه لا يشعر إلا بعد تمام الخلق .
ب - وقال جمهور الفقهاء ومنهم صاحبا أبي حنيفة : يحل أكل الجنين إذا
خرج ميتاً بذكاة أمه ، أو وجد ميتاً في بطنها ، أو كانت حركته بعد خروجه
كحركة المذبوح .
ويشترط فيه عند المالكية : أن يكون قد كمل خلقه : ونبت شعره ، لما
روي عن ابن عمر وجماعة من الصحابة ، وقال كعب بن مالك: ((كان أصحاب
رسول الله مؤتمر يقولون: إذا أشعر الجنين، فذكاته ذكاة أمه)).
- ٦٦٨ -

وأجاز الشافعية والحنابلة أكل الجنين الميت ، أشعر أو لم يشعر ، لما روى ابن
المبارك عن ابن أبي ليلى، قال: قال رسول الله صل الله: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه،
أشعر أو لم يشعر)).
ودليل الجمهور على الجواز حديث حسن: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه))(١)،
ورأيهم بدليل الثابت في السنة هو الأصح عندي ، بل القياس يقتضي أن تكون
زكاة الجنين في ذكاة أمه ؛ لأنه جزء منها ، فلا معنى لاشتراط الحياة فيه . قال ابن
رشد المالكي : وعموم الحديث يضعف اشتراط أصحاب مالك نبات شعره ، فلا
يخصص العموم الوارد في ذلك بالقياس أي قياسه على الأشياء التي تعمل فيها
التذكية .
المطلب الثاني عشر - أثر الذكاة في المشرف على الموت أو المريض :
إذا أشرف حيوان على الموت بسبب اعتداء عليه ، أو مرض ، ثم ذبح ، فهل
يحل أكله ؟
أولاً - أثر الذكاة في المشرف على الموت بسبب اعتداء :
إذا اعتدي على الحيوان المأكول بخنق ، أو ضرب ، أو جرح سبع كذئب ، ثم
أدركه صاحبه فذبحه ، أو لم يدركه ، فمات ، فله أحوال أربعة(٢):
١ - إن مات قبل الذكاة، لم يؤكل اجماعا، لقوله تعالى: ﴿ حرمت عليكم
(١) روي عن أحد عشر صحابيا وهم الخدري ، وجابر، وأبو هريرة ، وابن عمر ، وأبو أيوب ، وابن مسعود ،
وابن عباس ، وكعب بن مالك ، وأبو الدرداء ، وأبو أمامة ، وعلي . فحديث أبي سعيد الخدري مثلا رواه أحمد
والترمذي وحسنه ، وابن ماجه ، والدارقطني وابن حبان وصححه ( نصب الراية : ١٨٩/٤ وما بعدها ، نيل الأوطار :
١٤٤/٨ ) .
(٢) رد المحتار: ٢١٧/٥، الشرح الكبير: ١١٣/٢، البدائع: ٤٠/٥، القوانين الفقهية: ص١٨٢، بداية المجتهد:
٤٢٥/١ وما بعدها، كشاف القناع: ٢٠٦/٦، أحكام القرآن للجصاص: ٣٠٦/٢، أحكام القرآن لابن العربي: ٥٣٩/٢ .
- ٦٦٩ -

الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله به ، والمنخنقة ، والموقوذة ،
والمتردية ، والنطيحة، وما أكل السبع، إلا ما ذكيتم﴾(١) فهذه الحيوانات الخمسة
المذكورة في الآية ( ما بعد المهل به لغير الله ) لم يحل أكلها إذا ماتت قبل ادراكها
حية ولم تذبح .
٢ - ان أدرك حيا أي غلب على الظن أنها تعيش ، بأن يصاب لها مقتل ،
فذبح ، أكل اجماعا ، لقوله تعالى : ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ .
٣ - إن نفذت مقاتل البهيمة: وهي المنفوذة المقاتل(٢) ( أي المقطوع
بموتها ) ، لم تؤكل عند المالكية وأجاز علي وابن عباس أكلها . وتعمل فيها الذكاة
عند الشافعية والحنابلة متى كان فيها حياة مستقرة . وتؤثر فيها الذكاة عند
الحنفية إن علمت حياتها ، أو لم تدر حياتها فتحركت أو خرج الدم ، وهذا يتأتى
فيما اعتدى عليها الذئب فبقر بطنها ، وفي المنخنقة والمتردية والنطيحة ؛ لعموم
قوله تعالى: ﴿ إلا ما ذكيتم ﴾ .
٤ - الميئوس من حياته ولم تنفذ مقاتله ؛ أو المشكوك في أمره ، تؤثر الذكاة
في حل أكله عند الحنفية ، وهو مشهور قول المالكية ما دامت حياته محققة .
وقال بعض المالكية : لا تؤثر الذكاة فيه ولا يؤكل . وأجاز الشافعية والحنابلة
(١) أي الا ما ادركتموه حيا مما سبق، فذكيتموه من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع جزءاً
منه وما أهل لغير الله به ، فإذا كانت فيه حياة ولو بسيطة بأن يطرف عينا أو يضرب برجل أو يد ثم ذبح ، صار
حلالا . والمنخنقة : هي التي ماتت خنقا بأي شكل كان . والموقوذة : هي التي ماتت بعصا أو بحجر بلا ذكاة شرعية.
والمتردية : هي ما سقطت من مكان عال كجبل أو هوت في بئر. والنطيحة : هي ما نطحتها بهيمة أخرى ، فماتت .
وما أكل السبع : هي ما قتلت بافتراس حيوان كالذئب والنمر مثلا ، وما أهل لغير الله به : أي ما ذكر عليه اسم غير
الله ، لأن أكله مشاركة لأهله في عبادة غير الله .
(٢) هي التي بلغ القتل فيها أحد أمور خمسة متفق عليها : وهي قطع الأوداج ، وانتشار الدماغ ، وانتشار
الأحشاء ، وخرق أعلى المصران في مجرى الطعام والشراب ، لا أسفله . وقطع النخاع الشوكي ( القوانين الفقهية ، المكان
السابق : الشرح الكبير : ١١٣/٢ ) .
- ٦٧٠ -

ذبح الميئوس الذي تكون فيه حياة مستقرة ، ولم يجز المشكوك في أمره .
وعلى هذا فإذا غلب على الظن أن المعتدى عليها تهلك بإصابة مقتل أو
غيره ، فقال الحنفية والشافعية : تعمل الذكاة فيها ، وقال قوم : لا تعمل الذكاة
فيها ، وعن مالك : الوجهان ، وقال ابن القاسم : تذكى وتؤكل .
ومنشأ الخلاف في الميئوس منها وفي منفوذة المقاتل : هو الاستثناء المذكور في
الآية السابقة ، هل هو استثناء متصل أو منقطع ؟ فمن قال : انه متصل ، قال :
تعمل الذكاة في هذه الأحوال . ومن قال : إنه منقطع أي ما ذكيتم من غيرها ، لم
يعمل الذكاة فيها .
والمراد بالحياة المطلوب تحققها في هذه الحالة عند الحنفية والمالكية : هو
وجود أمارة الحياة من حركة رجل أو طرفة عين أو جريان نفس ، سواء عاشت
من مثله أو لا تعيش ، بقيت لمدة قصيرة أو طويلة ، أي أن المطلوب بقدر حياة
المذبوح بعد الذبح ، وهو الحد الأدنى للحياة.
وعند الشافعية والحنابلة : أن تبقى فيه حياة مستقرة يمكن زيادتها على
حركة المذبوح ، سواء انتهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش .
ثانياً - أثر الذكاة في الحيوان المريض :
اتفق الفقهاء على تأثير الذكاة ، وحل الأكل في الحيوان المريض الذي لم
يشرف على الموت . واختلفوا في تأثير الذكاة في الحيوان الذي أشرف على الموت من
شدة المرض (١) .
فقال الجمهور : وهو المشهور عن مالك : إن الذكاة تعمل فيه .
(١) بداية المجتهد: ٤٢٨/١، القوانين الفقهية: ص١٨١ وما بعدها .
- ٦٧١ _
٠

وقال بعضهم : إن الذكاة لا تعمل فيه .
وسبب الخلاف تعارض القياس مع الأثر . فالجمهور أخذوا بحديث كعب بن
مالك المتقدم : أن جارية له كانت ترعى غنما بسَلْع ، فأبصرت شاة مشرفة على
الموت، فأدركتها وذبحتها بحجر، فسئل رسول الله مُؤ ثّرٍ فقال: كلوها(١).
والبعض أخذ بالقياس : وهو أن الذكاة إنما تؤثر في الحي ، وهذا في حكم
الميت .
والحنفية من الجمهور على المفتى به فصلوا في المريضة ، وفي الحالة الأخيرة من
أحوال المنخنقة والمتردية والنطيحة ، فقالوا (٢) :
آ - ان علمت حياة الشاة، وإن كانت حياتها خفيفة على المفتى به ، وقت
الذبح ، أكلت مطلقاً ، وان لم تتحرك ولم يخرج الدم . والحياة القليلة أو الخفيفة:
هي أن يبقى في الشاة من الحياة بقدر ما يبقى في المذبوح بعد الذبح .
ب - وإذا لم تعلم الحياة ، فتحركت، أو خرج الدم ، حلت ، وإن لم
تتحرك أو لم يخرج الدم ، لم تحل . وعلامات الحياة والموت تعرف بما يأتي : فتح
الفم ، أو العين ، ومد الرجل ، ونوم الشعر : علامة الموت ، لأنها استرخاء ،
والحيوان يسترخي بالموت . وعكس ذلك يدل على الحياة ، فضم الفم والعين ،
وقبض الرجل ، ووقوف الشعر علامة الحياة .
وذكر المالكية علامات خمسة على الحياة هي(٢):
سيلان الدم ، لا خروج القليل منه ، والركض باليد أو الرجل ، وطرف
(١) رواه أحمد والبخاري ( نيل الأوطار: ١٣٩/٨).
(٢) الدر المختار ورد المحتار : ٢١٧/٥، ٣٣٤.
(٣) القوانين الفقهية: ص١٨٢، أحكام القرآن للجصاص : ٣٠٦/٢.
- ٦٧٢ -

العين ، وتحريك الذنب ، وخروج النفَس ، فإن تحركت ولم يسل دمها ، أكلت .
وان سال دمها ولم تتحرك ، لم تؤكل ؛ لأن الحركة أقوى في الدلالة على الحياة من
سيلان الدم . وأما الاختلاج الخفيف فليس دليلاً على الحياة ؛ لأن اللحم يختلج
بعد السلخ .
والحياة عند الشافعية والحنابلة ثلاثة أنواع(١):
١ - الحياة المستمرة: وهي الطبيعية الباقية إلى خروجها بذبح ، أو نحوه.
والذكاة تؤثر فيها بالحل .
٢ - الحياة المستقرة : هي ما يوجد معها الحركة الاختيارية بقرائن وأمارات
تغلب على الظن بقاء الحياة . ومن أماراتها : انفجار الدم بعد قطع الحلقوم
والمريء . والأصح الاكتفاء بالحركة الشديدة . ولا يشترط العلم بوجود الحياة
المستقرة عند الذبح ، بل يكفي الظن بوجودها بقرينة كشدة الحركة أو انفجار
الدم . وهذه تحل الذبيحة ، فإن شك في وجودها ، حرم تغليباً للتحريم .
٣ - حياة المذبوح، أو حركة عيش المذبوح: وهي التي لا يبقى معها سمع
ولا إبصار، ولا حركة اختيار، وهذا النوع : ان وجد له سبب يحال عليه
الهلاك ، كما لو مرض الحيوان بأكل نبات مضر، حتى صار في آخر رمق ، لم يحل
على المعتمد . وإن لم يوجد سبب يحال عليه الهلاك ، كأن مرض الحيوان ، أو جاع
حتى صار في آخر رمق ، فذبحه ، حل أكله .
المطلب الثالث عشر - أثر الذكاة في غير المأكول :
المقصود بهذا أن الذكاة أو الذبح ، هل تؤثر في تحليل الانتفاع بجلود
الحيوانات غير مأكولة اللحم ، وسلب النجاسة عنها ؟
(١) بجيرمي الخطيب: ٢٤٨/٤، كشاف القناع: ٢٠٦/٦، مغني المحتاج: ٢٧١/٤، المغني: ٥٨٣/٨ - ٥٨٥ .
- ٦٧٣ -
الفقه الإسلامي جـ ٣ (٤٣)

٠
للفقهاء رأيان في ذلك :
١ - فقال الحنفية والمالكية في المشهور(١): إذا ذبح مالا يؤكل كالسباع
وغيرها يطهر لحمه وشحمه وجلده إلا الآدمي والخنزير. أما الآدمي فلحرمته
وكرامته ، وأما الخنزير فلنجاسة عينه. وقال الدردير والصاوي : مشهور
المذهب أن الذكاة لا تطهر محرَّم الأكل كالخيل والبغال والحمير ، والكلب
والخنزير . أما سباع الوحش وسباع الطير ، فتطهر بذبحها على المشهور .
وأصح ما يفتى به عند الحنفية : أن اللحم والشحم لا يطهر بالذكاة ، والجلد
يطهر بها ، وهذا التفصيل عندهم مخالف لما في متن الكنز والدر المختار والهداية من
عدم التفصيل .
ودليلهم : ان الذكاة مؤثرة في إزالة الرطوبات النجسة والدماء السيالة ، فإذا
زالت طهرت البهيمة كما في الدباغ ، وليس الجلد واللحم من الرطوبات أو الدماء .
وإذا ثبت تحريم تناول لحم غير المأكول، بقي ما سواه على الأصل : وهو
التطهير ، فتؤثر الذكاة فيه ، كما يؤثر الدباغ في تطهير الجلود . وإذا طهر الجلد
بعد الذبح ، فلو وقع في الماء القليل لا ينجسه . ويجوز الانتفاع بالجلد في غير
الأكل . وقيل بقول آخر عند الحنفية : لا يجوز قياساً على الأكل .
٢ - وقال الشافعية والحنابلة(٢): لا تؤثر الذكاة في شيء من الحيوان غير
المأكول ؛ لأن أثر الذكاة في إباحة اللحم هو الأصل ، والجلد تبع للحم ، فإن لم
تعمل الذكاة في اللحم ، لم تعمل فيما سواه ، كذبح المجوسي أو الذبح غير المشروع .
(١) تبيين الحقائق: ٢٩٦/٥، تكملة الفتح: ٦٤/٨، الدر المختار: ٢٩٠/١، ٢١٦/٥، البدائع: ٨٦/١، بداية
المجتهد: ٤٢٧/١، اللباب: ٢٣٠/٣، القوانين الفقهية: ص١٨١، الشرح الصغير: ٤٥/١، شرح الرسالة: ٣٨٤/١ الشرح
الكبير : ٥٦/١ .
(٢) مغني المحتاج: ٥٨/١، المغني: ٧١/١.
- ٦٧٤ _

ولا يقاس الذبح على الدباغ ، لكون الدبغ مزيلا للخبث والرطوبات كلها ،
مطيباً للجلد على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه لا يتغير ، والذكاة لا يحصل بها
ذلك ، فلا يستغنى بها عن الدبغ .
هذا ... وقد صرح الشافعية بأنه يحرم ذبح الحيوان غير المأكول ، ولو
الإراحته، كالحمار الزمن مثلا، لأنه تعذيب له (١)، ونهى النبي ◌ُ ◌ّ عن قتل
الكلاب إلا الأسود البهيم ، فإنه أمر بقتله(٢).
المبحث الثالث - آلة الذبح
اتفق الفقهاء على أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج من حديد أو صخر ، أو
عود ، أو قضيب ، أو زجاج تحل التذكية به .
واختلفوا في ثلاثة في السن والظفر والعظم ، على رأيين ، فأجاز الحنفية ،
والمالکیة ۔ في الجملة - الذبح بها ، ومنع الشافعية والحنابلة اجمالاً التذکیة بها ، كما
سنفصل ، والأولى أو الأصح عدم الذبح بها لصحة الحديث الذي استدل به
الشافعية وغيرهم .
١ - قال الحنفية (٣): يجوز الذبح بكل ما أفرى الأوداج، وأنهر الدم ( أساله)
ولو بنار أسالت الدم ، أو بليطَة ( قشر القصب ) ، أو مَرْوة ( حجر أبيض
كالسكين يذبح بها ) ، أو ظفر وعظم وقرن وسن منزوع من مكانه غير قائم في
محله ، ولكن مع كراهة الذبح بهذه الأربعة الأخيرة لما فيه من الضرر بالحيوان ،
(١) البجيرمي على الخطيب : ٢٤٨/٤ .
(٢) رواه أحمد وأصحاب السنن ( الخمسة) وصححه الترمذي عن عبد الله بن المُغَفَل (نيل الأوطار: ١٢٨٨).
(٣) تكملة فتح القدير: ٥٩/٨ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٢٩٠/٥ وما بعدها، الدر المختار: ٢٠٧/٥
وما بعدها ، اللباب شرح الكتاب : ٢٢٧/٣ .
- ٦٧٥ -

كذبحه بشفرة كليلة. ودليلهم قوله عليه الصلاة والسلام: ((انهر الدم بما شئت))()
ويروى (( أفر الأوداج بما شئت))(٢)، ولأن هذه آلة جارحة ، فيحصل بها ما هو
المقصود ، وهو إخراج الدم ، وصار العظم ونحوه كالحجر والحديد .
فإن كان الظفر أو العظم قائما محله ، فلا يحل الذبح به ، وإن فرى
الأوداج ، وأنهر الدم بالإجماع للنص عليه في الحديث .
واستثناء السن والظفر في حديث رافع بن خديج محمول على غير المنزوع ،
القائم محله ؛ لأن الظفر القائم ونحوه يقتل بالثقل ؛ لأنه يعتمد عليه .
وكما كرهوا الذبح بالظفر ونحوه ، كرهوه بغير الحديد والسلاح من غير
حاجة أو ضرورة ، مع وجود الحديد وأسلحته ، لما فيه من تعذيب الحيوان بلا
فائدة ، للأمر بالحديث السابق بالإحسان في القتلة والذبحة .
٢ - وقال المالكية(٣): إن وجد الحديد أي الآلة الجارحة كالسكين
ونحوها (٤) ، تعين . وإن وجد غير الحديد كالحجر والزجاج مع الظفر والسن ،
ففي الذبح بها أربعة أقوال للإمام مالك :
الأول - الجواز مطلقا متصلاً أو منفصلاً ، والثاني - المنع مطلقاً فلا يؤكل
ما ذبح بها ، والثالث - التفصيل بالجواز عند الانفصال ، والمنع عند الاتصال .
والرابع - الكراهية بالسن مطلقاً ، والجواز بالظفر مطلقاً .
(١) هذا لفظ النسائي وأحمد في حديث عدي بن حاتم، ونصه ((أنهر الدم بما شئت، واذكر اسم الله)) (نصب
الراية : ١٨٧/٤ ) .
(٢) هذا حديث غريب كما قال الزيلعي، وفي معناه روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن رافع بن خديج: ((كل
ما أفری الأوداج ، إلا سنا وظفراً)) ( نصب الراية: ١٨٥/٤ وما بعدها).
(٣) الشرح الكبير: ١٠٧/٢، الشرح الصغير: ١٧٨/٢، بداية المجتهد: ٤٣٣/١، القوانين الفقهية: ص١٨٣.
(٤) السكين تذكر وتؤنث .
- ٦٧٦ -

وان لم يوجد غيرهما ، أي غير السن والظفر جاز بها جزما . ولو تم الذبح
بقطعة عظم محددة ، فلا خلاف في الجواز .
٣ - وقال الشافعية والحنابلة(١): يحل الذبح بكل محدّد ( له حد) يجرح
( يقطع ) أو يخرق بحده لا بثقله ، كحديد ونحاس ، وذهب ، وخشب ،
وقصب ، وحجر ، وزجاج ، إلا ظفراً وسناً ، وعند الشافعية : وسائر العظام ،
متصلاً كان أو منفصلاً من آدمي أو غيره ؛ لأن منع الذبح بالسن علل بكونه عظماً
فكل عظم وجدت العلة فيه ، فيكون ممنوعاً . وأجاز الحنابلة الذبح بالعظم (٢) ،
واستدلوا على السن والظفر بحديث رافع بن خديج عند الأئمة الستة وأحمد ،
قال: ((قلت : يا رسول الله، إنا نلقى العدو غداً، وليس معنا مُدىّ(٣) ، فقال
النبي ◌ٍَّ: (( ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه ، فكلوا ، مالم يكن سناً أو
ظُفْراً، وسأحدثكم عن ذلك : أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة))(٤).
السكين الكالَّة : لو ذبح بسكين كالَّة ، حل عند الشافعية بشرطين : ألا
يحتاج القطع إلى قوة الذابح . وأن يقطع الحلقوم والمريء قبل انتهاء الحيوان إلى
حركة مذبوح . ويقرب منه قول الحنابلة : إن كانت الآلة كالة ، وأبطأ قطع
الحيوان وطال تعذيبه ، لم يبح أكله ، لأنه مشكوك في وجود ما يحله .
(١) مغني المحتاج: ٢٧٢/٤ وما بعدها، المهذب: ٢٥٢/١، المغني: ٥٧٣/٨ وما بعدها، كشاف القناع :
٢٠٣/٦ - ٢٠٥
(٢) لأن العظم دخل في عموم اللفظ المبيح ثم استثني السن والظفر خاصة ، فيبقى سائر العظام داخلاً فيا يباح
الذبح به ، والمنطوق مقدم على التعليل ، ولهذا علل الظفر بكونه من مدى الحبشة ؛ ولأن العظام يتناولها سائر
الأحاديث العامة ، ويحصل بها المقصود ، فأشبهت سائر الآلات .
(٣) مدى : جمع مُدْية : هي السكين ، سميت بذلك لأنها تقطع مدى الحيوان أي عمره . والمراد بلقاء العدو:
أنهم سيغنون منه ما يذبحونه ، أو أنهم يحتاجون إلى ذبح ما يأكلون للتقوي .
(٤) علق ابن رشد عليه فقال ( بداية المجتهد: ٤٣٣/١) : من الناس من فهم منه ان ذلك لمكان أن هذه الأشياء
ليس في طبعها أن تنهر الدم غالبا. ومنهم من فهم أن ذلك شرع غير معلل . وهؤلاء منهم من اعتقد أن النهي فيه
يدل على فساد المنهي عنه ، ومنهم من اعتقد أنه لا يدل على فساد المنهي عنه ، ومنهم من اعتقد أن النهي للكراهة .
- ٦٧٧ -
:

والخلاصة : أن الجمهور أجازوا التذكية بالعظم ، وحرم الشافعية الذبح به .
وأما السن والظفر فأجاز الحنفية الذبح بالمنزوع منهما ، وحرم الشافعية والحنابلة
الذبح بها متصلين أو منفصلين . وصحح ابن رشد المالكي الذبح بها عند
الانفصال ، ولا يجوز حالة الاتصال ، أي كما قال الحنفية .
المبحث الرابع - الحيوان الذبيح
الكلام في هذا المبحث مجمل بالقدر المتصل بالذبائح ، والتفصيل فيه سبق في
مبحث مستقل عن (( الأطعمة والأشربة )).
التذكية شرط لحل الأكل من الحيوان البري المأكول ، فلا يحل أكله - كما
بينا - بدون الذكاة، لقوله تبارك وتعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم - إلى
قوله : إلا ما ذكيتم ﴾ استثنى سبحانه المذكى من المحرم ، والاستثناء من التحريم
إباحة .
والحيوان بالنسبة للذبح أو الذكاة الشرعية أنواع ثلاثة : مائي ، وبري ،
وبرمائي ( بري - مائي ) ؛ لأن منه ما يؤكل بدون ذكاة ، ومنه ما يؤكل
بالذكاة ، ومنه مالا يؤكل وان ذكي .
النوع الأول - الحيوان المائي :
الحيوان المائي : هو الذي لا يعيش إلا في الماء فقط . وللعلماء في أكله
رأيان :
١ - مذهب الحنفية(١)، جميع ما في الماء من الحيوان محرم الأكل إلا السمك.
(١) البدائع: ٣٥/٥ - ٣٩، تبيين الحقائق: ٢٩٤/٥ - ٢٩٧، تكملة الفتح: ٦١/٨ - ٦٥، الدر المختار:
٢١٤/٥ - ٢١٧، اللباب: ٢٢٨/٣ - ٢٣١.
- ٦٧٨ -

خاصة ، فإنه يحل أكله بدون ذكاة إلا الطافي (١) منه ، فإن مات وطفا على الماء لم
يؤكل . وأدلتهم كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ حرمت عليكم الميتة ) وقوله
﴿ ويحرِّم عليهم الخبائث) وما سوى السمك : من الضفادع والسرطان والحية
ونحوها : من الخبائث .
ونهى رسول الله مُ الل عن دواء يتخذ فيه الضفدع ، ونهى عن قتل
الضفادع(٢) ، وذلك نهي عن أكله؛ لأن النهي عن قتل الحيوان ، إما لحرمته
كالآدمي، وإما لتحريم أكله ، كالصُّرَد (٣)، والهدهد. وبما أن الضفدع ليس
بمحترم ، فكان النهي منصرفاً إلى الوجه الآخر ، وهو تحريم الأكل .
وأما دليل تحريم أكل السمك الطافي، فهو حديث جابر: (( ما ألقاه البحر ،
أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه ، وطفا ، فلا تأكلوه ))(٤) .
٢ - مذهب الجمهور غير الحنفية(٥)، ورأيهم هو الأصح: حيوان الماء: السمك
وشبهه مما لا يعيش إلا في الماء كالسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيره ونحو ذلك ،
حلال يباح بغير ذكاة ، كيف مات ، حتف أنفه ، أو بسبب ظاهر ، كصدمة
(١) الطافي على وجه الماء : هو الذي مات حتف أنفه ، وهو ما بطنه من فوق . أما لو كان ظهره من فوق،
فليس بطاف ، فيؤكل . كما يؤكل الموجود في بطن الطافي لموته بضيق المكان . قال العلامة عبد البر : الأصل في اباحة
السمك أن ما مات بآفة ( أي بسبب ) يؤكل ، وما مات بغير آفة لا يؤكل . فالذي مات بحر الماء وبرده ، أو بربطه
فيه أو القاء شيء فيه ، فموته بآفة ( رد المحتار : ٢١٦/٥).
(٢) رواه أبو داود والنسائي والحاكم، وأحمد واسحق بن راهويه وأبو داود الطيالسي: ((ان طبيبا سأل رسول
الله ◌ُ فّ عن الضفدع يجعلها في دواء، فنهى عن قتلها)) نصب الراية : ٢٠١/٤ .
(٣) الصرد : الطائر ضخم الرأس أبيض البطن أخضر الظهر يصطاد صغار الطير.
(٤) رواه أبو داود وابن ماجه. وهو حديث ضعيف (نصب الراية: ٢٠٢/٤، تخريج أحاديث تحفة الفقهاء :
٧٠/٣ ) .
(٥) بداية المجتهد: ٤٢٥/١، ٤٥٦، القوانين الفقهية: ص١٧١، ١٨١، مغني المحتاج: ٢٦٧/٤، ٢٩٧ ، المهذب:
٢٥٠/١، المغني: ٦٠٦/٨ - ٦٠٨، كشاف القناع: ٢٠٢/٦.
- ٦٧٩ -

حجر، أو ضربة صياد ، أو انحسار ماء ، راسياً كان أو طافياً ، وأخذه ذكاته ،
لكن ان انتفخ الطافي بحيث يخشى منه السقم يحرم للضرر .
إلا أن الإمام مالك كره خنزير الماء ، وقال : أنتم تسمونه خنزيراً .
وقال الليث بن سعد : أما إنسان الماء ، وخنزير الماء ، فلا يؤكلان على
شيء من الحالات .
واستدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ، متاعا لكم
وللسيارة﴾ واسم ((الصيد)) يقع على ما سوى السمك من حيوان البحر، فيقتضي
أن يكون الكل حلالاً . وبقوله مع اللّ حين سئل عن التوضؤ بماء البحر ، فقال :
((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)) (١) وبقوله عليه السلام: ((أحلت لنا ميتتان
ودمان ، فأما الميتتان: فالجراد والحوت، وأما الدمان: فالكبد والطحال)) (٢)
وبحديث: ((إن الله ذبح ما في البحر لبني آدم)) (٣) وبحديث صحيح عند الشيخين
وأحمد في العنبر(٤) : أن أبا عبيدة وأصحابه وجدوه بشاطئ البحر ميتاً ، فأكلوا منه
شهراً حتى سمنوا، وادهنوا، وقدموا منه للنبي ◌ّر ، فأكل منه(٥)؛ ولأنه لا دم
لحيوان الماء .
النوع الثاني - الحيوان البري :
الحيوان البري : هو الذي لا يعيش إلا في البر . وهو أصناف ثلاثة :
(١) رواه الخمسة ومالك وابن أبي شيبة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والترمذي عن أبي هريرة ( سبل السلام:
١٤/١، نيل الأوطار : ١٤٩/٨ ).
(٢) أخرجه أحمد وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر، وفيه ضعف ( سبل السلام: ٢٥/١ ، نيل الأوطار:
١٤٧/٨ ) .
(٣) رواه الدارقطني، وذكره البخاري موقوفا على أبي شريح بلفظ ((كل شيء في البحر مذبوح)) ( نيل
الأوطار: ١٥٠/٨ ) .
(٤) حوت قد يبلغ نحو ٦٠ قدما ، ضخم الرأس ، وله أسنان .
(٥) رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة ( جمع الفوائد: ٥٤٢/١، نصب الراية : ٢٠٤/٤) .
- ٦٨٠ -