النص المفهرس
صفحات 621-640
ويجوز التضحية بالخصي لأنه ((({الّ ضحى بكبشين موجوءين لله)) (١) أي
خصيين ، لكن الفحل أفضل منه ان لم يحصل منه ضراب . ولا يضر فقد قرن
خلقة ، وتسمى الجلحاء ، ولا كسره مالم يعب اللحم ، وان دمى بالكسر ، لأن
القرن لا يتعلق به كبير غرض ، فإن عيب اللحم ضر کالجرب وغيره . لکن ذات
القرن أولى لخبر ((خير الأضحية الكبش الأقرن))(٢) ، ولأنها أحسن منظراً ، بل
يكره غيرها . ولا يضر ذهاب بعض الأسنان أو أكثرها ، ويجزئ مكسور سن أو
سنين ؛ لأنه لا يؤثر في الاعتلاف ونقص اللحم ، فلو ذهب الكل ، ضر ، لأنه
يؤثر في ذلك .
وكذا لا يضر شق أذن ولا خرقها ، ولا ثقبها في الأصح بشرط ألا يسقط
من الأذن شيء بذلك ، لأنه لا ينقص به من لحمها شيء .
والخلاصة : أن كل ما ينقص اللحم لا يجوز، ومالا ينقص اللحم يجوز .
وعند الحنابلة(٣): لا تصح الأضحية بالعجفاء والعوراء البين عورها ،
والعمياء ، والعرجاء البين عرجها ، والمريضة التي لا يرجى برؤها بمرض مفسد
للحمها كجرب أو غيره ، والعضباء ( وهي التي ذهب أكثر من نصف الأذن أو
القرن)(٤) ، ومثلها التي ذهب أكثر من نصف أليتها . ولا تجزئ الكسيرة
كالمريضة ، ولا الجداء أو الجدباء ( جافة الضرع ) ولا الهتماء ( التي ذهبت ثناياها
من أصلها ) ، ولا العصماء ( التي انكسر غلاف قرنها ) .
(١) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي رافع وعائشة وأبي هريرة ( نيل الأوطار: ١١٩/٥).
(٢) رواه الحاكم وصحح إسناده .
(٣) المغني: ٦٢٣/٨ وما بعدها، كشاف القناع: ٣/٣.
(٤) لما روى علي رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله مَّ أن يضحى بأعضب القرن والأذن)) قال قتادة:
فسألت سعيد بن المسيب ، فقال نعم ، العضب: النصف فأكثر من ذلك)) رواه الشافعي وابن ماجه وأحمد وبقية
أصحاب السنن ( نيل الأوطار : ١١٥/٥).
- ٦٢١ -
ويجزئ الخصي ( الذي قطعت خصيتاه أوسلتا ، أو رضتا ) لفعل النبي عليه
السلام ، ولا يجزئ مقطوع الذكر مع قطع الخصيتين ، وتجزئ الجماء ( وهي التي
خلقت بلا قرن ) ، والصعاء ( وهي الصغيرة الأذن ، أو خلقت بلا أذن ) ،
والبتراء ( التي لا ذنب لها خلقة ، أو مقطوعاً ) لأن ذلك لا يخل بالمقصود ،
وتجزئ التي بعينها بياض لا يمنع النظر ، لعدم فوات المقصود من البصر . وتجزئ
الحامل من الإبل والبقر والغنم كالحائل .
والخلاصة : أن هناك عيوبا متفقاً على كونها مانعة الإجزاء ، وعيوبا خَلْقية
غير مانعة ، وعيوبا مختلفا فيها كمقطوعة بعض الأذن ، فالمالكية والحنفية :
لا يجيزون مقطوعة الأكثر من الثلث ، والحنابلة : الأكثر من النصف ،
والشافعية : لا يجيزون قطع البعض وإن كان يسيرا . ومثل مكسورة القرن :
تجزئ عند الحنفية مالم يصل الكسر إلى المخ أي رأس العظم ، وعند المالكية :
تجزئ إن برئ ولو كسر كله . وعند الشافعية : تجزئ مالم ينقص اللحم ، وعند
الحنابلة : تجزئ إن ذهب أقل من النصف .
والأفضل : ما كان كامل الخلقة ، دون أي نقص فيه .
وإذا أوجب المرء أضحية صحيحة سليمة من العيوب ، ثم حدث بها عيب يمنع
الإجزاء ، ذبحها ، وأجزأته عند غير الحنفية(١) ، لما رواه ابن ماجه عن أبي سعيد
قال: ((ابتعنا كبشا نضحي به، فأصاب الذئب من أليته، فسألنا النبي عَ لّ
فأمرنا أن نضحي به )) فالعيب المانع إذاً هو القديم لا الطارئ ، وعند الحنفية إن
كان غنياً غيَّرها .
١
(١) المغني : ٦٢٦/٨ وما بعدها .
- ٦٢٢ -
وأما الصفات المكروهة في الحيوان المضحى به : فهي ما يأتي عند
الفقهاء : قال الحنفية(١): تكره التضحية بالشرقاء ( المشقوقة الأذن ) ، والخرقاء
( التي يخرق أذنها الوسم ) والمدابرة ( التي يقطع شيء من مؤخر أذنها ) والمقابلة
( التي يقطع شيء من مقدم أذنها )، لحديث علي المتقدم ، وفيه: (( وألا نضحي
بعوراء ، ولا مقابلة ، ولا مدابرة، ولا خرقاء ولا شَرقاء » والنهي فيها محمول
على الندب ، وفي الخرقاء على الكثير .
وتكره المجزوزة ( التي جز صوفها قبل الذبح لينتفع به ) ، والحولاء ( التي
في عينها حول ) .
وقال المالكية(٢) : تكره الشرقاء وما ذكر معها في الحديث السابق ، وكل
عيوب الأذن الأخرى ، وهي السَّكاء ( المخلوقة بغير أذن ) ، والجَذعاء ( المقطوعة
جزءاً يسيراً من أذنها ) كما تكره عيوب القرن كالعضباء ( وهي الناقصة الخلقة في
قول ، أو المكسورة القرن ). وتكره ساقطة بعض الأسنان لكبر ونحوه . وفي
الجملة : يندب الجيد من أعلى النعم ، والسالم من العيوب التي تجزئ معها ،
کخفيف مرض ، وکسر قرن بريء .
وقال الشافعية(٢) : يكره تنزيها المذكور في الحديث السابق بسبب شق الأذن
أو خرقها أو ثقبها في الأصح ؛ وتكره التضحية بالجلحاء ( وهي التي لم يخلق لها
قرن ) وبالقصاء ( وهي التي انكسر غلاف قرنها ) ، وبالعضباء ( وهي التي
انكسر قرنها ) ؛ لأن كل ذلك يشينها ، وقد قال ابن عباس عن الأضاحي :
تعظيها استحسانها .
(١) تبيين الحقائق: ٥/٦، ٩، البدائع: ٧٦/٥، ٧٨، الدر المختار: ٢٣١/٥.
(٢) الشرح الكبير : ١٢١/٢ ، القوانين الفقهية: ص١٨٩ .
(٣) مغني المحتاج: ٢٨٧/٤، المهذب: ٢٣٨/١ - ٢٣٩.
- ٦٢٣ -
وكذلك قال الحنابلة(١) : تكره المشقوقة الأذن ، والمثقوبة ، وما قطع شيء
منها ، لحديث علي المنهي فيه عن تلك العيوب . وهذا نهي تنزيه ، ويحصل
الإجزاء بها ، ولا خلاف في ذلك ما عدا الظاهرية ، ولأن اشتراط السلامة من
أي عیب یشق ، إذ لا یکاد یوجد سالم من هذا كله .
المبحث الخامس - مندوبات الأضحية ومكروهاتها وما يسن لمريد
التضحية :
يكاد أن يكون هناك اتفاق بين الفقهاء في أغلب مواضع هذا المبحث.
١ - قال الحنفية(٢) يستحب للمضحي قبل التضحية : ربط الأضحية قبل
أيام النحر بأيام ، لما فيه من الاستعداد للقربة واظهار الرغبة فيها ، فيكون له
فيه أجر وثواب ، وأن يقلدها(٣) ويجللها كالهدي ، ليشعر بتعظيمها ، لقوله
تعالى: (( ومن يعظم شعائر الله ، فإنها من تقوى القلوب)) وأن يسوقها إلى المذبح
سوقاً جميلا لا عنيفا ، وألا يجرها برجلها .
ويكره لمن اشترى أضحية أن يحلبها أو يجز صوفها ، أو ينتفع بها ، ركوبا
أو حملا ، أو ينتفع بلحمها إذا ذبحها قبل وقتها ؛ لأنه عينها للقربة ، والانتفاع
بها يوجب نقصا فيها . وان كان في ضرعها لبن ، وهو يخاف عليها الهلاك ان لم
يحلبها ، نضح ضرعها بالماء البارد ، حتى يتقلص اللبن . وان حلبها تصدق
باللبن ؛ لأنه جزء من شاة متعينة للقربة . وان ذبحها أو جزها تصدق باللحم أو
بقيمته ، وبالصوف والشعر والوبر .
(١) المغني : ٦٢٦/٨ .
(٢) البدائع: ٧٨/٥ - ٨٠، الدر المختار: ٢٣١/٥.
(٣) تقليد البدنة مثلا : أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي .
- ٦٢٤ -
ويكره له بيعها لتعينها قربة بالشراء ، وان باعها ، جاز عند أبي حنيفة
ومحمد ، وعليه مثلها أو أرفع منها (١) ؛ لأنه بيع مال مملوك مقدور التسليم . ولم يجز
البيع عند أبي يوسف ، لأنها بمنزلة الوقف ، ولا يجوز بيع الموقوف .
وان ولدت الأضحية ولدا ، ذبح ولدها مع الأم . وإن باعه تصدق بثمنه ،
لأن الأم تعينت للأضحية ، فيتبعها الولد .
وفي حال التضحية : يستحب لمريد التضحية : أن يذبح بنفسه ، ان
قدر عليه ، لأنه قربة ، فمباشرتها بنفسه أفضل من توليتها غيره ، كسائر
القربات . بدليل أن النبي مع تز ساق مائة بدنة هدية للحرم ، فنحر منها نيفا
وستين بيده الشريفة ، ثم أعطى الُدية سيدنا عليا رضي الله عنه، فنحر الباقي(٢).
فإن لم يكن المضحي يحسن الذبح أناب عنه غيره مسلما ، لا كتابيا ؛ لأن
ذبح الكتابي مكروه ولأن الأضحية قربة ، وهو ليس من أهلها ، لكن لو ذبح
بالنيابة عن المسلم جاز؛ لأنه أهل الذكاة . وأما المجوسي فيحرم ذبحه لأنه ليس من
أهله .
ويستحب أن يتوجه الذابح إلى القبلة ، كما فعل النبي عَاقعٍ في حديث أنس
المتقدم الذي رواه الجماعة .
ويستحب أن يحضر المضحي الذبح، لقول النبي مَ اّ لفاطمة: ((قومي إلى
أضحيتك ، فاشهديها ، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب
عملتيه ... )) (٣).
(١) وأن اشترى دونها ، فعليه أن يتصدق بفضل ما بين القيمتين .
(٢) رواه أحمد ومسلم من حديث جابر في صفة حج النبي ◌َ ◌ّ (نيل الأوطار: ١٠٥/٥).
(٣) روي من حديث عمران بن حصين عند الحاكم والبيهقي والطبراني ، ومن حديث أبي سعيد الخدري عند
الحاكم أيضا ، والبزار، ومن حديث علي عند أبي القاسم الأصبهاني ، وفي إسناد الأولين مقال ( نصب الراية : ٢١٩/٤).
- ٦٢٥ -
الفقه الإسلامي جـ٣ (٤٠)
ويدعو المضحي ، فيقول : اللهم منك ، ولك صلاتي ، ونسكي ومحياي ومماتي
لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا من المسلمين ، لما ثبت في
حديث فاطمة السابق . ثم يقول : بسم الله ، والله أكبر ، اللهم تقبل مني ،
لحديث جابر: قال: ((صليت مع رسول الله مظالم عيد الأضحى، فلما انصرف ،
أتي بكبش ، فذبحه ، فقال : بسم الله، والله أكبر ، اللهم هذا عني ، وعمن لم يضح
من أمتي )»(١) .
والمستحب في الأضحية ، كما بينا أن تكون أسمنها وأحسنها وأعظمها ؛ لأنها
مطية الآخرة .
وأفضل الشاء : أن يكون كبشا أملح أقرن ، موجوءاً : خصيا ، لحديث
جابر السابق .
ويستحب أن تكون آلة الذبح حادة من الحديد .
والمستحب بعد الذبح الانتظار قدر ما يبرد الذبيح وتسكن جميع أعضائه ،
فلا يسلخ قبل أن يبرد .
٢ - وقال المالكية والشافعية وجماعة من الحنابلة(٢): المستحب لمريد
التضحية إذا دخل عليه عشر ذي الحجة ألا يحلق شعره ، ولا يقلم أظفاره ، حتى
يضحي ، بل يكره له ذلك . وقال بعض الحنابلة : يحرم عليه ذلك . بدليل
حديث أم سلمة أن رسول الله مُ الإ قال: ((إذا رأيتم هلال ذي الحجة ، وأراد
(١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي (نيل الأوطار: ١٠٩/٥).
(٢) الشرح الكبير: ١٢١/٢، الشرح الصغير: ١٤٤/٢، القوانين الفقهية: ص١٩٠، بداية المجتهد: ٤٢٤/١،
مغني المحتاج: ٢٨٣/٣ وما بعدها، ٢٩٠، المهذب: ٢٣٨/١ وما بعدها، المغني: ٦١٨/٨، ٦٤٠ وما بعدها، كشاف
القناع : ٥/٣ ، حاشية الباجوري على ابن قاسم : ٣٠٩/٢ .
- ٦٢٦ -
أحدكم أن يضحي ، فليسك عن شعره وأظفاره))(١) . ولا شك بأن هذا الرآي هو
الأرجح لصحة الحديث . والدليل على عدم حرمة المذكور قول عائشة: (( كنت
أفتل قلائد هدي رسول الله عَل الله، ثم يقلدها بيده ، ثم يبعث بها ، ولا يحرم عليه
شيء أحله الله له ، حتى ينحر الهدي))(٢).
ولم ير الحنفية كراهة ما ذكر ؛ لأن المضحي لا يحرم عليه الوطء واللباس ،
فلا يكره له حلق الشعر وتقليم الأظفار، كما لو لم يرد أن يضحي (٣).
وأضاف الجمهور كالحنفية : أنه يندب توجيه الذبيحة إلى القبلة على جنبها
الأيسران كانت من البقر والغنم ، ويقول الذابح: (( بسم الله والله أكبر، اللهم
هذا منك وإليك)) لما روى ابن عمر: ((أن النبي ◌ّ الّ ذبح يوم العيد كبشين ، ثم
قال حين وجههما : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا ، وما أنا
من المشركين ، ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ،
وبذلك أمرت ، وأنا أول المسلمين ، بسم الله ، والله أكبر ، اللهم هذا منك
ولك)) (٤) فإن قال بعدئذ: ((اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك))
فحسن . وان اقتصر على التسمية فقد ترك الأفضل .
وقد عدد الشافعية خمسة أشياء تستحب عند الذبح وهي : التسمية بالبسملة
كلها أو بسم الله، والصلاة على النبي عاقل ، واستقبال القبلة بالذبيحة ، والتكبير
(١) رواه الجماعة إلا البخاري، ولفظ أبي داود، وهو لمسلم والنسائي أيضا: (( من كان له ذِبْح يذبحه، فإذا
أهل هلال ذي الحجة ، فلا يأخذن من شعره وأظفاره حتى يضحي)) (نيل الأوطار: ١١٢/٥). والحكمة في النهي:
أن يبقى كامل الإجزاء للعتق من النار، وقيل : للتشبه بالمحرم في الحج . والوجه الثاني غلط عند بعض الشافعية ، لأن
المضحي لا يعتزل النساء ، ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم.
(٢) متفق عليه .
(٣) المغني : ٦١٩/٨.
(٤) رواه أبو داود ، ويقول غير النبي : وأنا من المسلمين لمناسبة المعنى .
- ٦٢٧ -
قبل التسمية أو بعدها ، والدعاء بالقبول فيقول الذابح : اللهم هذه منك وإليك ،
أي نعمة صادرة منك ، تقربت بها إليك .
i
والأفضل أن يذبح الرجل بنفسه ان أحسن الذبح ، اتباعاً لفعل النبي
عَاقٍ(١) . والسنة للمرأة أن توكل عنها . وأن يحضر المضحي أضحيته بنفسه ، عملا
بالسنة وطلبا للمغفرة ، والمستحب أن يذبحها مسلم ، لأنها قربة ، فلا يليها غير
أهل القربة، قال جابر: ((لا يذبح النسك إلا مسلم)). ويجوز توكيل مسلم
بالذبح ، لأن النبي وكل عليا رضي الله عنه بذبح ما بقي من المائة بدنة . ويكره
استنابة ذمي ( كتابي ) وصبي وأعمى . وان وكل مسلم ذميا فذبح ، جاز؛ لأنه
يجوز للكافر أن يتولى ما كان قربة للمسلم كبناء المساجد والقناطر .
1
وليس على الوكيل أن يقول عند الذبح عمن ؛ لأن النية تجزئ ، وإن ذكر
من يضحي عنه، فحسن، لأن النبي عَ ◌ّ حينما ضحى، قال: ((اللهم تقبل من
محمد وآل محمد، وأمة محمد، ثم ضحى))(١) وقال الحسن: يقول: ((بسم الله والله
أكبر ، هذا منك ولك ، تقبل من فلان )) .
وقال الحنفية : يكره أن يذكر الذابح اسم غير الله ، لقوله تعالى :
وما أهل لغير الله به ﴾ .
وان عين الشخص أضحية ، فذبحها فضولي غيره بغير اذنه ، أجزأت عن
صاحبها ، ولا ضمان عليه عند غير المالكية ، لأنه فعل لا يفتقر إلى النية ، فإذا
فعله غير الصاحب أجزأ عنه ، كغسل ثوبه من النجاسة . وقال مالك : هي شاة
لحم ، لصاحبها أرشها أي قيمتها ، وعليه بدلها ؛ لأن الذبح عبادة ، فإذا فعلها غير
(١) رواه الشيخان .
(٢) رواه مسلم .
- ٦٢٨ -
صاحبها عنه ، بغير إذنه ، لم تقع الموقع كالزكاة (١) .
ويكره عند المالكية(٢): جز صوف الأضحية قبل الذبح إلا إذا تضررت ببقاء
الصوف لحر ونحوه ، وشرب لبنها ، لأنه نواها لله ، والإنسان لا يعود في قربته .
ويكره للإمام عدم إبراز الضحية للمصلى ، ولغيره يندب ؛ لأن النبي مؤازٍ كان
يذبح وينحر بالمصلى(٢): وهو مكان صلاة العيد، والحكمة فيه أن يكون بمرأى من
الفقراء فيصيبون من لحم الأضحية .
وفصل الشافعية والحنابلة(٤) في الأمر فقالوا : لا يشرب المضحي من لبن
الأضحية المعينة إلا الفاضل عن ولدها ، فإن لم يفضل عنه شيء ، أو كان الحلب
يضر بها ، أو ينقص لحمها، لم يكن له أخذه . وإن لم يكن كذلك فله حلب
اللبن والانتفاع به ؛ لأن بقاء اللبن معها يضرها . ولو تصدق به كان أفضل ،
خروجاً من الخلاف . ودليل جواز الانتفاع، قول علي: ((لا يحلبها إلا ما فضل
عن تيسير ولدها )» ولأنه انتفاع لا يضر بها ولا بولدها .
ويجوز لصاحب الأضحية المعينة الركوب عليها لحاجة فقط ، بلا ضرر ؛
لأن النبي عَّ قال: ((اركبها بالمعروف، إذا ألجئت إليها، حتى تجد ظهراً))(٥) ،
ولأنه تعلق بها حق المساكين ، فلم يجز ركوبها من غير ضرورة أو حاجة کملکهم
.
فإن تضررت بالركوب لم يجز ؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، ويضمن النقص
الحاصل بر كوبه ، لتعلق حق غيره بها .
(١) المغني: ٦٤٢/٨، كشاف القناع: ١١/٣، الكتاب مع اللباب: ٢٣٧/٣، مغني المحتاج: ٢٩٠/٤ ، الشرح
الكبير : ١٢٣/٢ وما بعدها .
(٢) الشرح الكبير : ١٢٢/٢، الشرح الصغير: ١٤٦/٢.
(٣) رواه البخاري وأصحاب السنن إلا الترمذي عن ابن عمر .
(٤) مغني المحتاج: ٤ / ٢٩٢، المهذب: ١ / ٢٣٦، ٢٤١، المغني: ٨ / ٦٢٩ وما بعدها، كشاف القناع:
٣ / ٩ وما بعدها .
(٥) رواه أبو داود .
- ٦٢٩ -
وأما صوفها : فإن كان جزه أنفع لها ، كأن كان في وقت الصيف أو الربيع ،
وبقي إلى وقت النحر مدة طويلة ، جاز جزه ؛ لأنها تخف بجزه وتسمن ،
ويتصدق به وهو الأفضل ، أو ينتفع به كاللبن . وإن كان لا يضر بها الصوف
لقرب مدة الذبح ، أو كان بقاؤه أنفع لها ، كما في وقت الشتاء ، لاحتياجها له
للدفء ، لم يجز جزه ولا أخذه ؛ لأن الحيوان ينتفع به ، في دفع البرد عنه ،
وينتفع به المساكين عند الذبح .
المبحث السادس - أحكام لحوم الضحايا :
يتحقق المقصود من الأضحية ، وهو القربة بإراقة الدم(١)، وأما الأكل منها
وتوزيعها ونحوهما ففيه خلاف يسير بين الفقهاء ، الجمهور في جانب ، والشافعية
في جانب آخر ، ورأي الجمهور أولى لاتفاقه مع ظاهر السنة النبوية .
١ - قال جمهور الفقهاء ( الحنفية والمالكية والحنابلة)(٢):
يجوز الأكل من الأضحية المتطوع بها ، أما المنذورة ، أو الواجبة بالشراء عند
الحنفية فيحرم الأكل منها ، كما يحرم الأكل من ولد الأضحية التي تلده قبل
الذبح ، أو من المشتركة بين سبعة نوى أحدهم بحصته القضاء عن الماضي . أما عند
المالكية والحنابلة فيجوز الأكل من المنذورة كالمتطوع بها . والمستحب أن يجمع
المضحي في حالة التطوع ، أو في حالة النذر عند المالكية والحنابلة بين الأكل
منها ، والتصدق ، والإهداء ، ولو أكل الكل بنفسه أو ادخره لنفسه فوق ثلاثة
(١) مغني المحتاج : ٤ / ٢٩١ .
(٢) البدائع: ٥ / ٨٠ وما بعدها، الدر المختار: ٥ / ٢٣٠، تبيين الحقائق: ٦ /٨ وما بعدها، تكملة فتح
القدير: ٨ / ٧٦ وما بعدها، اللباب: ٣ / ٢٣٦. بداية المجتهد: ١ / ٤٢٤، الشرح الكبير والدسوقي: ٢ / ١٢٢،
١٢٦، القوانين الفقهية: ص ١٩٠ وما بعدها. المغني: ٨ / ٦٣٢ - ٦٣٥، كشاف القناع: ٣ / ١٠، ١٦، ١٨
وما بعدها ، شرح العلامة زروق على رسالة القيرواني : ١ / ٣٧٧ .
- ٦٣٠ -
أيام ، جاز مع الكراهة عند الحنفية والمالكية . وجاز أكل الأكثر عند الحنابلة ،
فإن أكل الكل ضمن أقل ما يطلق عليه اسم اللحم كالأوقية . وليس للجمع بين
الأمور الثلاثة في المشهور عند المالكية حد مقدر في ذلك بثلث ولا غيره .
والمستحب عند الحنفية والحنابلة أن تكون نسبة التوزيع أثلاثاً ، فيأكل ثلث
أضحيته ، ويهدي ثلثها لأقاربه وأصدقائه ولو أغنياء ، ويتصدق بثلثها على
المساكين ، ودليلهم عليه : قوله تعالى: ﴿فكلوا منها ، وأطعموا القانع ،
والمعتر﴾(١)، ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾ وأوجب الحنابلة الإطعام عملاً
بالآيتين ؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب . ودليل نسبة التوزيع أثلاثاً عند غير
المالكية: ما روى ابن عباس في صفة أضحية النبي معَ ة: «ويطعم أهل بيته
الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السُؤَّال بالثلث))(٢).
وجهات التوزيع ثلاثة : الأكل ، والادخار، لما ثبت في الحديث ، والإطعام لما
ثبت في الآية ، فانقسم عليها ثلاثاً .
ودليل المالكية على عدم وجود نسبة للتوزيع ، وأنها مطلقة : أحاديث
عائشة وجابر ، وسلمة بن الأكوع وأبي سعيد وبريدة وغيرهم ، التي ورد فيها :
((كلوا، وادخروا، وتصدقوا)) أو: ((كلوا وأطعموا، وادخروا))(٣) .
والدليل على جواز ادخار لحوم الأضاحي عدا المذكور: قوله مؤلّ: ((كنت
نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث من أجل الدافة (٤) ، وقد جاء الله
(١) القانع: السائل الفقير، والمعتر الذي يعتريك أو يتعرض لك بالسؤال لتطعمه ، ولا يسأل.
(٢) رواه الحافظ أبو موسى الأصفهاني في الوظائف ، وقال : حديث حسن . وهو قول ابن مسعود وابن عمر ،
بدون مخالف من الصحابة .
(٣) انظر نيل الأوطار: ٥ / ١٢٦ وما بعدها .
(٤) الدافة : جماعة من الأعراب ، كانوا قد دخلوا المدينة طلباً للزاد ، لأن السنة أهلكتهم في البادية .
- ٦٣١ -
بالسعة ، فادخروا ما بدا لكم))(١) .
ويحرم بيع جلد الأضحية وشحمها ولجمها وأطرافها ورأسها وصوفها وشعرها
ووبرها ولبنها الذي يحلبه منها بعد ذبحها ، واجبة كانت أو تطوعاً ؛ لأن النبي
مَ التّ أمر بقسم جلودها ونهى عن بيعها، فقال: ((من باع جلد أضحيته،
فلا أضحية له ))(٢) .
ولا يجوز إعطاء الجزار أو الذابح جلدها أو شيئاً منها كأجرة للذبح ، لما
روى علي رضي الله عنه قال : أمرني رسول الله عَ الٍ أن أقوم على بُدْنه ( أي عند
نحرها ) ، وأن أقسم جلودها ، وجلالها(٣) ، وألا أعطي الجازر شيئاً منها)) وقال :
((نحن نعطيه من عندنا))(٤).
1
فإن أعطي الجزار شيئاً من الأضحية لفقره ، أو على سبيل الهدية ،
فلا بأس ؛ لأنه مستحق للأخذ فهو كغيره ، بل هو أولى ، لأنه باشرها ، وتاقت
نفسه إليها .
وللمضحي أن ينتفع بجلد الأضحية لاستعماله في البيت كجراب وسقاء وفرو
وغربال ونحوها ، ولكن له استحساناً عند الحنفية خلافاً لغيرهم : أن يشتري به
ما ينتفع بعينه مع بقائه أي مبادلته بعروض ( أمتعة ) أخرى ؛ لأن للبدل حكم
المبدل ، والمعاوضة بالعروض من باب الانتفاع . ولا يجوز أن يشتري به شيئاً
(١) رواه مسلم، وفي حديث عائشة: ((إنما نهيتكم من أجل الدافة، فكلوا، وادخروا وتصدقوا)) متفق عليه .
(٢) رواه الحاكم ، وقال: حديث صحيح الإسناد، ورواه البيهقي أيضاً ( نصب الراية: ٤ / ٢١٨) وروى
أحمد أيضاً حديثاً عن أبي سعيد، وفيه: ((ولا تبيعوا لحوم الهدي والأضاحي)) ( نيل الأوطار: ٥ / ١٢٩).
(٣) الجلال : ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه ، ويجمع أيضاً على : أجلة ، ومفرده : جلال بضم
الجيم .
(٤) متفق عليه .
- ٦٣٢ -
استهلاكياً كالدراهم والدنانير والمأكولات والمشروبات ، أي فلا يجوز البيع بالنقود
أو السلع الاستهلاكية .
ودليل جواز الانتفاع بالجلد : أن عائشة رضي الله عنها اتخذت من جلد
أضحيتها سقاء .
ويكره عند المالكية أن يطعم منها يهودياً أو نصرانياً .
وأجاز الحنابلة إهداء الكافر من أضحية التطوع ، أما الواجبة فلا يجوز
إهداء الكافر منها شيئاً(١) .
أما نقلها إلى بلد آخر : فقال الحنفية : يكره نقلها كالزكاة من بلد إلى بلد إلا
أن ينقلها إلى قرابته أو إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده ، ولو نقل إلى غيرهم
أجزأه مع الكراهة . وقال المالكية : ولا يجوز نقلها إلى مسافة قصر فأكثر إلا أن
يكون أهل ذلك الموضع أشد حاجة من أهل محل الوجوب ، فيجب نقل الأكثر
لهم ، وتفرقة الأقل على أهله . وقال الحنابلة كالمالكية : يجوز نقلها لأقل من
مسافة القصر ، من البلد الذي فيه المال ، ويحرم نقلها كالزكاة إلى مسافة القصر
وتجزئه . .
٢ - وقال الشافعية(٢) : الأضحية الواجبة - المنذورة أو المعينة بقوله
مثلاً: ((هذه أضحية)) أو ((جعلتها أضحية)): لا يجوز الأكل منها ، لا المضحي
ولا من تلزمه نفقته . ويتصدق بجميعها وجوباً . ويذبح ولد الأضحية المعينة
كأمه ، لكن يجوز للمضحي أكله كله قياساً على اللبن ، إذ أن له شرب فاضل لبنها
عن ولدها مع الكراهة .
(١) كشاف القناع: ٣ / ١٩ .
(٢) مغني المحتاج: ٤ / ٢٩٠ وما بعدها، المهذب: ١ / ٢٤٠.
- ٦٣٣ -
وأما الأضحية التطوع : فالمستحب للمضحي بها عن نفسه الأكل منها ، أي
أن الأفضل له تناول لقم يتبرك بأكلها ، لقوله تعالى: ﴿ فكلوا منها ، وأطعموا
البائس الفقير﴾ وعند البيهقي: ((أنه مطلقة كان يأكل من كبد أضحيته)). وإنما
لا يجب الأكل منها - كما قال الظاهرية عملاً بظاهر الآية - لقوله تعالى :
﴿ والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ﴾ فجعلها لنا ، وما جعل للإنسان فهو مخير
بین تر که وأكله .
وللمضحي أيضاً إطعام الأغنياء ، لا تمليكهم منها شيئاً ، بل يرسل إليهم
على سبيل الهدية ، دون أن يتصرفوا فيه بالبيع وغيره .
والمضحي يأكل ثلثاً على المذهب الجديد ، وفي قول قديم : يأكل نصفاً
ويتصدق بالنصف الآخر .
والأصح وجوب التصدق ببعض الأضحية ، ولو جزءاً يسيراً من لجمها ،
بحيث ينطلق عليه الاسم ، على الفقراء المسلمين ولو واحداً . والأفضل التصدق
بالكل إلا لقماً يتبرك بأكلها ، كما بينا .
ويتصدق المضحي في أضحية التطوع بجلدها ، أو ينتفع به ، كما يجوز له
الانتفاع بها ، والتصدق به أفضل . أما الواجبة : فيجب التصدق بجلدها .
ولا يجوز نقل الأضحية من بلدها كما هو المقرر في نقل الزكاة .
الأضحية عن الغير : قال الشافعية(١): لا يضحى عن الغير بغير إذنه ،
ولا عن ميت إن لم يوص بها، لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا
ما سعى ﴾ فإن أوصى بها جاز، وبا يصائه تقع له . ويجب التصدق بجميعها على
(١) مغني المحتاج: ٤ / ٢٩٢، المحلي على المنهاج: ٤ / ٢٥٥.
- ٦٣٤ _
الفقراء ، وليس لمضحيها ولا لغيره من الأغنياء الأكل منها ، لتعذر إذن الميت في
الأكل .
وقال المالكية(١) : وكره فعلها عن ميت إن لم يكن عينها قبل موته ، فإن
عينها بغير النذر ، ندب للوارث إنفاذها. وقال الحنفية والحنابلة(٢): تذبح
الأضحية عن ميت ، ويفعل بها كعن حي من التصدق والأكل ، والأجر للميت ،
لكن يحرم عند الحنفية الأكل من الأضحية التي ضحى بها عن الميت بأمره .
الله تعالى
(١) الشرح الكبير: ٢ / ١٢٢.
(٢) رد المحتار والدر المختار: ٥ / ٢٢٩، كشاف القناع: ٣ / ١٨.
- ٦٣٥ -
:
الفصل الثاني
العقيقة وأحكام المولود
وفيه مبحثان :
المبحث الأول - العقيقة :
الكلام عن العقيقة فيما يأتي :
١ - حكم العقيقة ومعناها :
قال الحنفية (١): تباح العقيقة ولا تستحب ؛ لأن تشريع الأضحية نسخ كل
دم كان قبلها من العقيقة ، والرجبية ، والعتيرة ، فمن شاء فعل ، ومن شاء لم
يفعل. والنسخ ثبت بقول عائشة: (( نسخت الأضحية كل ذبح كان قبلها)).
والعقيقة : الذبيحة التي تذبح عن المولود ، يوم أسبوعه . والأصل في معناها
اللغوي : أنها الشعر الذي على المولود ، ثم أسمت العرب الذبيحة عند حلق شعر
المولود عقيقة ، على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه ، أو ما يجاوره .
والرجبية : شاة كان العرب في الجاهلية يذبحونها في رجب ، فيأكل منها
أهل البيت ، ويطبخون ، ويطعمون .
والعتيرة : أول ولد للناقة أو الشاة ، يذبح ، ويأكله صاحبه ، ويطعم منه .
وقيل : إنها الشاة التي تذبح في رجب ، وفاء لنذر ، أو إذا انتجت الشاة عشراً ،
فتذبح واحدة منها .
(١) البدائع : ٥ / ٦٩ .
- ٦٣٦ -
والصحيح أن العتيرة هي الرجبية ، سواء بنذر أو بغير نذر ، وهي سنة
جاهلية(١) .
.(١)
وقال جمهور الفقهاء ( غير الحنفية)(٢): لا تسن العتيرة ، أو الرجبية ،
وتسن للأب من ماله العقيقة عن المولود، ولا تجب؛ لأن النبي عَ لّم ، في
حديث ابن عباس: ((عق عن الحسن والحسين عليهما السلام كبشاً كبشاً))(٣) ،
وقال: (( مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى))(٤) (( كل
غلام رهينة بعقيقته ، تُذبح عنه يوم سابعه، ويُسمى فيه ، ويحلق رأسه))(٥) .
وقال الشافعية : تسن لمن تلزمه نفقته .
٢ - جنسها وسنها وصفتها :
هي مثل الأضحية ، من الأنعام : الإبل ، والبقر ، والغنم . وقيل :
لا يعق(٦) بالبقر ولا بالإبل .
٣ - عددها :
لله تعالى
هي عند المالكية : شاة عن الذكر ، أو الأنثى ، لحديث ابن عباس السابق
(١) قال ابن سراقة: آكد الدماء المسنونة: الهدايا، ثم الضحايا ، ثم العقيقة، ثم العتيرة، ثم الفرع. والعتيرة :
ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب ، ويسمونها الرجبية . والفرع: أول نتاج البهيمة ، كانوا يذبحونه
ولا يملكونه رجاء البركة في الأم، ويكرهان لخبر البخاري: (( لا فرع ولا عتيرة ».
(٢) الشرح الكبير للدردير: ٢ / ١٢٦، القوانين الفقهية: ص ١٩١، مغني المحتاج: ٤ / ٢٩٣ وما بعدها،
المهذب: ١ / ٢٤١ وما بعدها، المغني: ٨ / ٦٤٥ وما بعدها، ٦٥٠، كشاف القناع: ٣ / ٢٠ وما بعدها، بداية
المجتهد : ١ / ٤٤٨ وما بعدها .
(٣) رواه أبو داود، والنسائي، وقال: بكبشين كبشين ( نيل الأوطار: ٥ / ١٣٥).
(٤) رواه الجماعة إلا مسلماً عن سلمان بن عامر الضَّي (نيل الأوطار: ٥ / ١٣١).
(٥) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن ) وصححه الترمذي عن سمرة ( نيل الأوطار، المكان السابق ).
(٦) عق يعق بكسر العين وضمها .
- ٦٣٧ -
أنه عليه الصلاة والسلام: (( عق عن الحسن شاة ، وعن الحسين شاة )) وهو المعقول
والأيسر .
وقال الشافعية والحنابلة : عن الغلام شاتان ، وعن الأنثى شاة . لخبر
عائشة: (( عن الغلام شاتان مكافئتان ، وعن الجارية شاة))(١) وحديث ابن
عباس محمول على الجواز . وكالشاة : سُبْع بدنة أو بقرة ، فلو ذبح بدنة أو بقرة عن
سبعة أولاد ، جاز. ولو كان المساهم في العقيقة عند الشافعية يريد اللحم فقط .
وتتعدد العقيقة بتعدد الأولاد .
٤ - وقتها :
تذبح يوم سابع ولادته ، ويحسب يوم الولادة من السبعة . فإن ولدت
ليلاً ، حسب اليوم الذي يليه . وعند المالكية : يحسب يوم الولادة إن ولد قبل
الفجر أو معه ، ولا يعد اليوم الذي ولد فيه ، إن ولد بعد الفجر . وقيل عندهم :
يحسب إن ولد قبل الزوال لا بعده . ويندب الذبح ضحى إلى الزوال لا ليلاً .
وصرح الشافعية والحنابلة : أنه لو ذبح قبل السابع أو بعده ، أجزأه .
وأضاف الحنابلة والمالكية : لا يعق غير الأب ، ولا يعق المولود عن نفسه إذا
كبر ، لأنها مشروعة في حق الأب ، فلا يفعلها غيره . واختار جماعة من
الحنابلة : أن للشخص أن يعق عن نفسه استحباباً . ولا تختص العقيقة بالصغر ،
فيعق الأب عن المولود ، ولو بعد بلوغه ؛ لأنه لا آخر لوقتها .
ويقول الذابح بعد التسمية : اللهم منك وإليك عقيقة فلان ؛ لخبر ورد فيه
(١) رواه أحمد والترمذي وصححه. وفي لفظ: ((أمرنا رسول الله عَ ل أن نعق عن الجارية شاة، وعن الغلام
شاتين)) رواه أحمد وابن ماجه . وفي معناه حديث أم كُرز الكعبية الذي رواه أحمد والترمذي وصححه ( نيل الأوطار:
٥ / ١٣٢) .
- ٦٣٨ -
رواه البيهقي بإسناد حسن، وروت عائشة أن النبي مع اقل عق عن الحسن
والحسين، وقال: ((قولوا: بسم الله، اللهم لك وإليك عقيقة فلان)).
ويكره لطخ رأس المولود بدم العقيقة ، خلافاً لما كان عليه الجاهلية من
تلطيخ رأسه بدمها ، قالت عائشة: ((كانوا في الجاهلية يجعلون قطنة في دم
العقيقة، ويجعلونها على رأس المولود، فأمرهم النبي ◌َ ◌ّ أن يجعلوا مكان الدم
خَلوقاً)) أي زعفراناً. ودليل كراهية التلطيخ أيضاً قوله عَ ل: ((مع الغلام
عقيقة ، فأهريقوا عنه دماً ، وأميطوا عنه الأذى ))(١) .
٥ - حكم لحمها وجلدها :
كالضحايا ، يؤكل من لحمها ، ويتصدق منه ، ولا يباع شيء منها . ويسن
طبخها ، ويأكل منها أهل البيت وغيرهم في بيوتهم ، وكره عند المالكية عملها
وليمة يدعو الناس إليها . ويجوز عند المالكية : كسر عظامها ، ولا يندب . وقال
الشافعية والحنابلة : لا يكره كسر العظام ، إذ لم يثبت فيه نهي مقصود ، بل هو
خلاف الأولى ، ويستحب أن تفصل أعضاؤها ، ولا تكسر عظامها ، تفاؤلاً
بسلامة أعضاء المولود، لما روي عن عائشة ، أنها قالت: ((السنة شاتان مكافئتان
عن الغلام ، وعن الجارية شاة تطبخ جُدولاً(٢)، ولا يكسر عظم، ويأكل
ويطعم ، ويتصدق ، وذلك يوم السابع )) .
وأجاز الإمام أحمد في رواية عنه بيع الجلد والرأس والتصدق به . ويستحب
إعطاء القابلة من العقيقة ؛ لما في مراسيل أبي داود أن النبي قال في العقيقة التي
(١) رواه الجماعة إلا مسلماً عن الضبي، وسبق تخريجه، وهذا يقتضي ألا يمس بدم لأنه أذى . لكن ذكر في
رواية: ((فأهرقوا عليه دماً)) وروى همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة: ((الغلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم
السابع ، ويدمى)) وهذا دليل قتادة والحسن القائلين باستحباب اللطخ بالدم. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً قال
هذا إلا الحسن وقتادة ، وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه، للحديث السابق ( المغني: ٨ / ٦٤٧ ).
(٢) تطبخ جدولاً : أي لا يكسر لها عظم ، وإنما تطبخ عضواً عضواً .
- ٦٣٩ -
عقتها فاطمة عن الحسن والحسين: (( أن يبعثوا إلى القابل برجل ، وكلوا
وأطعموا ، ولا تكسروا منها عظماً )).
المبحث الثاني - أحكام المولود :
وهي كثيرة أهمها ما يأتي :
يستحب للوالد أن يؤذن في أذن المولود اليمنى ، وتقام الصلاة في اليسرى
حين يولد(١)، لما روى أبو رافع أن النبي ◌ُّعٍ أذن في أذن الحسن ، حين ولدته
فاطمة(٢). ولخبر ابن السني عن الحسن بن علي مرفوعاً: ((من ولد له مولود
فأذن في أذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى، لم تضره أم الصبيان )) أي التابعة من
الجن. وعن ابن عباس: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ أذن في أذن الحسن بن علي يوم ولد ،
وأقام في أذنه اليسرى))(٢).
وبما أن هذين الحديثين ضعيفان ، فيقتصر في تقديري على الأذان الثابت في
حديث أبي رافع ، ليكون إعلام المولود بالتوحيد أول ما يقرع سمعه عند قدومه
إلى الدنيا ، كما يلقن عند خروجه منها ، ولما فيه من طرد الشيطان عنه ، فإنه
يدبر عند سماع الأذان ، كما ورد في الخبر .
ويسن أن يقول في أذن المولود اليمنى: (( إني أعيذها بك وذريتها من
الشيطان الرجيم )» ويقول ذلك ، ولو كان المولود ذكراً على سبيل التلاوة ،
والتبرك بلفظ الآية، بتأويل إرادة ( النسمة ) وفي مسند ابن رَزِين أنه مُظِلّ قرأ
في أذن مولود ( أي اليمنى ) سورة الإخلاص .
(١) مغني المحتاج: ٤ / ٢٩٦، المهذب: ١ / ٢٤٢، المغني: ٨ / ٦٤٩، كشاف القناع: ٣ / ٢٥.
(٢) رواه أبو داود والترمذي وصححاه . وفي رواية أحمد : الحسين .
(٣) رواه والحديث الذي قبله البيهقي ، لكن قال: في إسنادهما ضعف . لكن حديث الآذان فقط صحيح كما
بينا .
- ٦٤٠ -
م