النص المفهرس

صفحات 561-580

لأن الله تعالى حرم المرأة إذا شبهها بظهر الأم ، فيحرم النظر إليه ، والبطن أولى
من الظهر ، لأنه أدعى للشهوة .
وتشدد المالکیة فقالوا : الأصح جواز رؤية وجهها ویدیہا ، دون سائر
جسدها .
وتوسط الشافعية فحرموا نظر البالغ من محرمه الأنثى ما بين سرة وركبة ،
وأباحوا بغير شهوة نظر ما عدا ما بين السرة والركبة ، فيجوز النظر إلى السرة
والركبة ، لأنهما ليسا بعورة بالنسبة لنظر المحرم .
جـ - وإن كانت المرأة أجنبية : حرم النظر إليها عند الحنفية إلا وجهها
وكفَّيها ، لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ . قال علي
وابن عباس : ما ظهر منها الكحل والخاتم أي موضعهما وهو الوجه والكف ،
والمراد من الزينة في الآية موضعها ، ولأن في إبداء الوجه والكف ضرورة لحاجتها
إلى المعاملة مع الرجال أخذاً وعطاء .
وإن وقع البصر على محرَّم من غير قصد ، وجب أن یصرف عنه ، وليس على
المرء إثم في المرة الأولى غير المقصودة ، فقد روى مسلم عن جرير بن عبد الله
البجلي قال: ((سألت النبي ◌ُ ◌ّ عن نظر الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري)).
وروى أبو داود عن بريدة قال: قال رسول الله صَ ارٍ لعلي: ((يا علي لا تتبع
النظرة النظرة ، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة)).
وإن كان لا يأمن الشهوة : لا ينظر إلى وجهها إلا لحاجة ضرورية . وبه
يظهر أن حل النظر مقيد بعدم الشهوة ، وإلا فحرام . والواجب المنع في زماننا من
نظر الشابة. ويدل لحرمة النظر: حديث صحيح: (( العينان تزنيان ، وزناهما
النظر ، واليدان تزنيان ، وزناهما البطش))(١) . وحد الشهوة: تحرك الآلة .
(١) أخرجه مسلم عن أبي هريرة ( نصب الراية: ٤ / ٢٤٨).
الفقه الإسلامي جـ٣ (٣٦)
- ٥٦١ -

ويتفق المالكية مع الحنفية في ذلك ، فإنهم أجازوا رؤية الوجه والكفين من
العجوز ، وحرموا ذلك من الشابة إلا لعذر من شهادة أو معالجة أو خطبة .
والخصي في المذهبين في حرمة النظر إلى الأجنبي كالفحل .
وكذلك قال الشافعية : يحرم نظر فحل بالغ عاقل مختار، ولو شيخاً
كبيراً، وعاجزاً عن الوطء ومخنثاً (وهو المتشبه بالنّساء ) إلى المرأة الأجنبية،
وكذا يحرم نظر وجهها وكفيها سواء عند خوف الفتنة أو عند الأمن من الفتنة فيما
يظهر له من نفسه من غير شهوة ، على الصحيح ؛ لأن النظر مظنة الفتنة ،
ومحرّك للشهوة ، وقد قال تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ وقال
النبي ◌َّ: ((المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان))(١).
والمنع من النظر ، لا لأن الستر واجب عليهن في ذاته ، بل لأن فيه مصلحة
عامة . فقد حكى القاضي عياض عن العلماء أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في
طريقها ، وإنما ذلك سنة ، وعلى الرجال غض البصر عنهن للآية .
وحرم الحنابلة أيضاً نظر الرجل إلى الأجنبية جميعها من غير سبب ، وعلى
هذا فإن بدن الحرة كله عورة عند الشافعية والحنابلة . وأما عند الحنفية والمالكية
فليس الوجه والكفان بعورة . وروي عن أبي حنيفة أن القدمين ليستا من
العورة . وأباح بعض الحنابلة النظر إلى الوجه والكفين مع الكراهة ، إذا أمن
الفتنة ونظر لغير شهوة .
وقالوا : لا بأس بالنظر إلى ما يظهر غالباً من العجوز التي لا يشتهى مثلها
. أو الشوهاء التي لا تشتهى ، لقوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء اللاتي
لا یرجون نكاحاً ﴾ ..
(١) أخرجه الترمذي عن ابن مسعود . وهو حديث صحيح .
- ٥٦٢ -

وعندهم أن الخصي والخنث الذي لا شهوة له والشيخ ومن ذهبت شهوته لکبر
أو عنة أو مرض لا يرجى برؤه : حكمه حكم ذوي المحارم في النظر لقوله تعالى :
﴿ أو التابعين غير أولي الإربة ﴾ أي غير ذوي الحاجة إلى النساء.
والأحوال التي يجوز النظر فيها للمرأة لحاجة استثنائية هي عند الفقهاء :
الخطبة ، والمعالجة ، والمعاملة كبيع وشراء ، والشهادة أو القضاء ، والتعليم ، ونحو
ذلك والنظر بقدر الحاجة ، فلا يجوز أن يجاوز ما يحتاج إليه ؛ لأن ما حل
لضرورة يقدر بقدرها .
ففي أثناء الخطبة يجوز النظر للوجه والكفين فقط دون ما عداهما ،
وللخاطب تكرير نظره ، ولا ينظر غير الوجه والكفين ، بلا مس شيء منها ،
لدلالة الوجه على الجمال ، والكفين على خصوبة البدن .
وفي المعالجة للطبيب يجب أن يكون النظر إلى موضع المرض من المرأة
للضرورة مع وجود مانع الخلوة كمحرم أو زوج ، أو امرأة ثقة ، وبشرط عدم
وجود امرأة تحسن ذلك ؛ لأن نظر الجنس إلى جنسه أخف وأسهل عاقبة ، وألا
يكون الطبيب غير أمين مع وجود أمين ، وألا يكون ذمياً مع وجود مسلم ، أو
ذمية مع وجود مسلمة .
ويعتبر في النظر إلى الوجه والكف أدنى حاجة ، وفيما عداهما كل ما يبيح
التيم يبيح النظر ، إلا الفرج وقريبه ، فيزاد على ذلك وهو أن تشتد الضرورة ،
حتى لا يعد الكشف عليه هتكاً للمروءة .
وفي المعاملة من بيع وشراء يباح النظر للوجه فقط ، للمطالبة بالثمن أو
تسليم المبيع مثلاً .
وفي الشهادة أداء وتحملاً للمرأة أو عليها ، ولو كان النظر للفرج للشهادة
- ٥٦٣ -

بالزنا ، أو الولادة ، أو العَبَالة ( كبر الذكر) أو الالتحام أو الافضاء بين القبل
والدبر ، فإن تيسر وجود النساء أو المحارم للشهادة بذلك كان هو المتعين .
ويجوز للقاضي النظر إلى المرأة إذا أراد أن يحكم عليها ، فينظر إلى الوجه ،
وإن خاف أن يشتهى للحاجة إلى إحياء حقوق الناس بالقضاء .
وفي التعليم لما يجب تعلمه وتعليمه كالفاتحة وما يتعين من الصنائع المحتاج
إليها ، يجوز النظر بشرط فقد وجود أحد من جنس النساء أو محرم صالح ،
وتعذره من وراء حجاب ، ووجود مانع الخلوة من محرم ونحوه .
الثاني - نظر المرأة للرجل :
إن حكم نظرها للرجل كحكم الأحوال الثلاثة الماضية في نظر الرجل للمرأة.
فإن كان زوجها ، جاز أن ترى منه ما يرى منها .
وإن كانت ذات محرم ، جاز أن ترى منه جسده كله إلا عورته .
وإن كانت أجنبية عنه ، جازلها عند الحنفية إن أمنت الشهوة أن تنظر إلى
جمیع بدنه إلا ما بين سرته وركبته .
وعند المالكية والحنابلة قولان : قول بأن لها النظر إلى ما ليس بعورة
( ما بين السرة والركبة ) أي كما قال الحنفية ، كالرجل مع ذوات محارمه ، ويظهر
أن هذا هو الراجح؛ لأن النبي عَ التّ في الحديث المتفق عليه قال لفاطمة بنت
قيس: (( اعتدي في بيت ابن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك ،
فلا يراك)»(١) .
(١) وقالت عائشة: ((كان رسول الله طفل ورائي يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد))
متفق عليه .
- ٥٦٤ -

وقول آخر ، وهو الأصح عند الشافعية : يجوز لها النظر من الرجل ، مثل
ما ينظر إليها الرجل ؛ لأن الله تعالى أمر النساء بغض أبصارهن ، كما أمر الرجال
به . وروى أبو داود وغيره أن النبي ◌ُؤمِ أمر أم سلمة وحفصة بالاحتجاب من ابن
أم مكتوم، قائلاً لهما: ((أفعمياوان أنتما لا تبصرانه ؟)).
الثالث - نظر الرجل إلى الرجل :
يباح باتفاق المذاهب نظر الرجل للرجل ولو أمرد إذا أمن الشهوة إلى جميع
بدنه إلا العورة: وهي ما بين السرة والركبة، لقوله تع الى: ((عورة المؤمن
ما بين سرته وركبته))(١)، وقوله: ((الفخذ عورة)) (٢). وستر العورة واجب
حتى على الابن ، وفي الحمام وغيرها(٣).
ويحرم نظر أمرد ( وهو الشاب الذي لم تنبت لحيته ) بشهوة ، بالإجماع .
كذلك يحرم النظر إلى الملتحي ، وإلى النساء المحارم بشهوة .
الرابع - نظر المرأة إلى المرأة :
المرأة مع المرأة في النظر كالرجل مع الرجل ، لوجود المجانسة وانعدام الشهوة
غالباً ، وقد تحققت الضرورة إلى الانكشاف فيما بين النساء . فيمنع النظر إلى
العورة أي ما بين السرة والركبة ، ويجوز ما سواها مع أمن الشهوة ، ويحرم مع
الشهوة وخوف الفتنة .
والأصح عند الجمهور غير الحنابلة تحريم نظر كافرة ( ذمية أو غيرها ) غير
(١) رواه سَّويَه ( إسماعيل بن عبد الله - ٢٦٧ هـ ) عن أبي سعيد، وهو حديث حسن ( الفتح الكبير، والجامع
الصغير ) .
(٢) رواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان وغيرهم عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد عن أبيه ( نصب
الراية : ٤ / ٢٤٢ وما بعدها ) .
(٣) نقل القاضي حسين من الشافعية عن علي رضي الله تعالى عنه أن الفخذ في الحمام ليس بعورة .
- ٥٦٥ _

مَحْرم إلى مسلمة ، فتحتجب المسلمة عنها وترتدي خمارها أمامها ، ما عدا الوجه
والكفين ، أي أنها كالرجل لقوله تعالى: ﴿أو نسائهن﴾ [ النور: ٣١]، فلو
جازلها النظر لم يبق للتخصيص بالنساء فائدة . وصح عن عمر أنه منع
الكتابيات دخول الحمام مع المسلمات ، ولأنها ربما تحكي أوصاف المسلمة للكافر .
فالمراد بنسائهن خصوص النساء المسلمات أي المتفقات في الدين ، وعلى هذا
فلا يحل للمسلمة أن تبدي شيئاً من زينتها الباطنة للكافرة .
والأصح عند الحنابلة : ألا فرق بين المسلمتين ، وبين المسلمة والذمية ، كما
لا فرق بين الرجلين المسلمين ، وبين المسلم والذمي في النظر ؛ لأن النساء الكوافر
من اليهوديات وغيرهن، قد كن يدخلن على نساء النبي مَ ◌ّه، فلم يكنَّ
يحتجبن ، ولا أمرن بحجاب ، ولأنّ الحجب بين الرجال والنساء لمعنى لا يوجد
بين المسلمة والذمية ، فوجب ألا يثبت الحجب بينهما ، كالمسلم مع الذمي . فأما
قوله : ﴿ أو نسائهن ﴾ فيحتمل أن يكون المراد جملة أو عموم النساء، فالمراد
بالآية عموم النساء : المسلمات أو الكافرات . فيجوز للمرأة المسلمة أن تبدي من
زينتها للمرأة الكافرة ما يحل لها أن تبديه للمسلمة(١١)
وفي هذا الرأي سعة ويسر ، يتناسب مع أوضاع العصر الحاضر .
ثالثاً - اللمس :
متى حرم النظر ، حرم المس أي مس الشهوة ؛ لأنه أبلغ منه في اللذة ،
وإثارة الشهوة ، بدليل أنه لو مس فأنزل أفطر ، ولو نظر فأنزل لم يفطر . ومتى
جاز النظر، جازمس الأعضاء ، إذا أمن الشهوة على نفسه وعلى المرأة ، لأنه عليه
الصلاة والسلام كان يقبل رأس فاطمة . وإن لم يأمن اللامس ذلك أو شك ، لم
(١) مذكرة تفسير آيات الأحكام للسايس: ٣ / ١٦٤.
- ٥٦٦ -

يحل له المس ولا النظر (١).
وهذا في غير الأجنبية الشابة ، أما الشابة فلا يحل مس وجهها وكفيها ، وإن
أمن الشهوة ، لعدم الضرورة ، بخلاف النظر .
وتحرم مصافحة المرأة، لقوله مع الإ: ((إني لا أصافح النساء)) (٢).
لكن الجمهور غير الشافعية أجازوا مصافحة العجوز التي لا تشتهى ، ومس
يدها ، لانعدام خوف الفتنة ، قال الحنابلة : كره أحمد مصافحة النساء ، وشدد
أيضاً ختى لمحرم ، وجوزه لوالد ، وأخذ يد عجوز شوهاء .
وحرم الشافعية المس والنظر للمرأة مطلقاً ، ولو كانت المرأة عجوزاً .
وتجوز المصافحة بحائل يمنع المس المباشر .
ومتى جاز المس ، جاز سفر الرجل مع المرأة ، ويخلو بها إذا أمن على نفسه
وعليها ، فالخلوة بالمحرم مباحة إلا الأخت رضاعاً والصهرة الشابة . ومتى حرم
المس حرم السفر والخلوة ، فلا يجوز أن يخلو رجل بامرأة ليست زوجته ولا ذات
محرم منه، ولا السفر معها، لقوله ◌ّ التّ: «لا تسافر المرأة فوق ثلاث، إلا
ومعها زوجها، أو ذو رحم محرم منها))(٣) وقوله: ((ألا لا يخلون رجل بامرأة ،
إلا كان ثالثهما الشيطان ، عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع
(١) راجع تكملة الفتح: ٨ / ٩٨، ١٠٢، ١٠٦، الدر المختار: ٥ / ٢٥٩ وما بعدها، ٢٦٣، ٢٦٩ وما بعدها،
اللباب: ٤ / ١٦٤، القوانين الفقهية: ص ٤٤٦، مغني المحتاج: ٣ / ١٣٢، ١٣٤، غاية المنتهى: ٣ / ٨، كشاف
القناع: ٢ / ١٧٩، ٥ / ١٤، الأذكار للنووي: ص ١٤٨ - ١٥٠، الدرر المباحة في الحظر والإباحة للشيباني: ص ٣٦
وما بعدها .
(٢) رواه الموطأ والترمذي والنسائي عن أمية بنت رقيقة (جامع الأصول: ١ / ١٦٨).
(٣) أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري . وفي لفظ للبخاري : ثلاثة أيام ، وأخرج الشيخان عن أبي هريرة :
(( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم وليلة، إلا مع ذي محرم عليها)) ( نصب الراية:
٤ / ٢٤٩ ) .
- ٥٦٧ -
٠

الواحد ، وهو من الاثنين أبعد))(١).
وكل ما حرم نظره متصلاً ، حرم نظره منفصلاً ، ولو بعد الموت ، كشعر
عانة ( عورة ) ولو من رجل ، وشعر رأس امرأة ، وعظم ذراع حرة ميتة
وساقها ، وقلامة ظفر رجلها دون يدها عند الحنفية ، ولو من يديها عند
الشافعية ، فيندب مواراة ذلك لئلا ينظر إليه أحد ، ويستثنى ما تناثر في
الحمامات من امتشاط شعور النساء ، وحلق عانات الرجال .
ووصل الشعر بشعر الآدمي حرام، سواء أكان شعر المرأة أم شعر غيرها،
لما فيه من التزوير، ولقوله ◌َ له: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة ، والواشمة
والمستوشمة، والنامصة والمتنمصة))(٢) .
وحيث منع النظر منعت المجالسة والمواكلة إلا لضرورة (٣).
وأما إعفاء اللحية: فلا شك بأنه سنة مطلوبة لقوله معلقة: ((خالفوا
المشركين ، أحْفُوا الشوارب، وأوفوا اللّحى))، (جُزَّوا الشوارب وأرْخُوا اللحى،
خالفوا المجوس)) وروت عائشة: ((عشر من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء
اللحية، والسواك ... )) الحديث، وعن ابن عمر عن النبي صَلّةٍ: (( أنه أمر
بإحفاء الشوارب ، وإعفاء اللحية))(٤).
(١) روي من حديث عمر، وابن عمر، وجابر بن سمرة ، وعامر بن ربيعة، وحديث عمر رواه الترمذي ،
وقال : حديث حسن صحيح غريب ( نصب الراية: ٤ / ٢٤٩ وما بعدها ) .
(٢) فيه أحاديث كثيرة منها ما هو متفق عليه بين أحمد والشيخين عن ابن عمر ، وأسماء وعائشة ( نيل
الأوطار: ٦ / ١٩٠) والنامصة: التي تنتف الشعر من الوجه، والمتنمصة : التي يفعل بها ذلك. وهو محمول على
ما لا ضرورة إليه لما في نتفه بالمنماص ( المنقاش ) من الإيذاء . جاء في تبيين المحارم : إزالة الشعر من الوجه حرام إلا
إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب فلا تحرم إزالته ، بل تستحب . وفي التتارخانية : لا بأس بأخذ الحاجبين وشعر وجهه
ما لم يشبه المخنث ( رد المحتار: ٥ / ٢٦٤) .
(٣) راجع القوانين الفقهية: ص ٤٤٦ وما بعدها ، مغني المحتاج : ٤ / ١٣٥.
(٤) روى مسلم في صحيحه هذه الأحاديث ، الأول عن ابن عمر ، والثاني عن أبي هريرة ، والثالث عن عائشة ،
والرابع عن ابن عمر ( شرح مسلم : ٣ / ١٤٧ ) .
- ٥٦٨ -

ومعنى إحفاء الشوارب : قص ما طال على الشفتين ، حتى يبين بياضهما .
ومعنى إعفاء اللحية : توفيرها ، خلافاً لما كان من عادة الفرس من قص
اللحية ، فنهى الشرع عن ذلك .
وقد حرم المالكية والحنابلة حلقها ، واعتبر الحنفية حلقها مكروهاً تحريمياً ،
والمسنون في اللحية هو القبضة ، وأما الأخذ منها دون ذلك أو أخذها كلها
فلا يجوز(١) . وقال الشافعية بكراهية حلقها ، فقد ذكر النووي أن العلماء ذكروا
عشر خصال مكروهة في اللحية ، بعضها أشد من بعض ، منها حلقها إلا إذا نبت
للمرأة لحية ، فيستحب لها حلقها(٢).
وأما خصال الفطرة العشرة(٣) فهي بمقتضى حديث عائشة السابق: قص
الشارب وإعفاء اللحية ، والسواك ، واستنشاق الماء ، وقص الأظفار، وغسل
البَرَاجم(٤)، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء ( الاستنجاء ) ،
والمضمضة ، أو الختان وكونه العاشر أولى ، كما في رواية أبي هريرة .
وأما المضاجعة : فلا يجوز أن يجتمع رجل وامرأة غير زوجته في مضجع
واحد ، لا متجردين ، ولا غير متجردين . ولا يجوز أن يجتمع رجلان
ولا امرأتان في مضجع واحد ، وقد نهي عن المكامعة أو المكاعمة ومعناها المضاجعة
التي لا ستر بينهما(9) . وقد حرم الشافعية تلك المضاجعة بين رجلين أو امرأتين
عاریین في ثوب واحد .
٩
(١) الدر المختار: ٢ / ١٥٥.
(٢) شرح مسلم : ٣ / ١٤٩، نيل الأوطار: ١ / ١١٦.
(٣) وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه: ((الفطرة خمس: الختان ، والاستحداد ( حلق العانة ) ، وقص
الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط )) .
(٤) البراجم : هي عقد الأصابع ومفاصلها كلها ، ويلحق بها معاطف الأذن وداخل الأنف وأي موضع من
البدن عليه وسخ مجتمع .
(٥) رواه ابن أبي شيبة عن عامر الحجري (نصب الراية: ٤ / ٢٥٧) .
- ٥٦٩ -

ويجب التفريق بين الصبيان أو البنات في المضاجع بين ابن عشر سنين
وإخوته وأخواته لخبر: (( مروا أولادكم بالصلاة ، وهم أبناء سبع ، واضربوهم عليها
وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم بالمضاجع ))(١) .
وتسن مصافحة الرجلين والمرأتين لقوله عليه السلام فيما يرويه الطبراني
والبيهقي: ((إن المؤمن إذا لقي المؤمن ، فسلم عليه وأخذ بيده ، فصافحه ،
تناثرت خطاياهما، كما يتناثر ورق الشجر)). ولخبر: ((ما من مسلمين يلتقيان
يتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا))(٢) والسنة في المصافحة بكلتا يديه . قال
النووي في الأذكار : اعلم أن المصافحة مستحبة عند كل لقاء ، وأما ما اعتاده
الناس من المصافحة بعد صلاة الصبح والعصر ، فلا أصل له في الشرع على هذا
الوجه ، ولكن لا بأس به، فإن صل المصافحة سنة، وتقييدها بما بعد الصبح
والعصر عادة كانت في زمانه ، وإلا فعقب الصلوات كلها كذلك . والراجح عند
الحنفية جواز المصافحة مطلقاً ولو بعد العملوات . وكره بعض الحنفية المصافحة
بعد الصلاة .
وتكره مصافحة من به عاهة كجذام أو برص ٢)
ويكره تحريماً عند الحنفية تقبيل الرجل فى الرجل ، أو يده ، أو شيئاً
منه . وكذا تقبيل المرأة المرأة عند لقاء أو وداع ، إذا كان عن شهوة ، أما لو كان
على وجه البر ، فجائز .
وتكره عند الشافعية المعانقة والتقبيل في الرأس ، ولو كان أحدهما أو كلاهما
(١) رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عمرو، وهو حديث صحيح .
(٢) رواه أبو داود والترمذي عن البراء (نصب الراية : ٤ / ٢٦٠).
(٣) انظر الدرر المباحة في الحظر والإباحة: ص ٤٢ وما بعدها، مغني المحتاج: ٣ / ١٣٥، تكملة الفتح:
٨ / ١٢٠، شرح الرسالة: ٢ / ٣٩٣، الدر المختار: ٢٦٩/٥ - ٢٧١.
- ٥٧٠ _

صالحاً، للنهي عن ذلك في حديث رواه الترمذي، إلا لقادم من سفر، أو تباعُد لقاء
عرفاً، فيكون سنة؛ لحديث رواه الترمذي أيضاً .
ويكره حني الظهر مطلقاً لكل أحد من الناس ، ويحرم تقبيل الأرض بين
يدي العلماء والعظماء . ولا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان العادل ، وتقبيل
رأس العالم أجود .
ويسن القيام لأهل الفضل من علم أو صلاح أو شرف ، أو نحو ذلك إكراماً ،
لا رياء وتفخيماً ، قال النووي في الروضة : قد ثبت فيه أحاديث صحيحة .
رابعاً - اللهو :
اللعب: أ - يحرم بالاتفاق كل لعب فيه قمار(١) : وهو أن يغنم أحدهما ،
ويغرم الآخر ، لأنه من الميسر أي القمار الذي أمر الله باجتنابه في قوله تعالى :
﴿ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه ﴾ .
ومن تكرر منه ذلك سقطت عدالته ، وردت شهادته .
وإن أخرج أحدهما مالاً على أنه إن غلب ، أخذ ماله ، وإن غلبه صاحبه ،
أخذ المال ، لم يصح العقد ؛ لأنه ليس من آلات الحرب، فلا يصح بذل العوض
فيه ، ولا ترد به الشهادة ، لأنه ليس بقمار ، كما بينا معناه .
ب - وما خلا من القمار، وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين
ولا من أحدهما ، فمنه ما هو محرم ، ومنه ما هو مباح ، لكن لا يخلو كل لهو غير
نافع من الكراهة ؛ لما فيه من تضييع الوقت والانشغال عن ذكر الله وعن الصلاة
وعن كل نافع مفيد .
(١) انظر البدائع: ٥ / ١٢٧، تكملة الفتح: ٨ / ١٣٢، القوانين الفقهية: ص ١٩٤، شرح الرسالة:
٢ / ٤١٧، ٤٢٠، الشرح الكبير مع الدسوقي: ١ / ١٩٨ وما بعدها، المهذب: ٢ / ٣٢٥ - ٣٢٨، المغني: ٩ / ١٧٠ -
١٧٦، الدر المختار: ٥ / ٢٧٩، ٣ / ٣٣٧، الفتاوى الهندية: ٥ / ٣٦٣، تبيين الحقائق: ٦ /١٣ وما بعدها .
- ٥٧١ -

الفرد : فأما المحرم : فهو اللعب بالفرد ، وترد به الشهادة . وعبر عنه
الحنفية : بالمكروه تحريماً حسب اصطلاحهم في كون دليل الحكم فيه ظنياً ، لما
روى أبو موسى الأشعري: « من لعب بالفرد فقد عصى الله ورسوله ))(١) وروى
بريدة أن النبي صَ لٍّ قال: ((من لعب بالفردشير ، فكأنما غمس يده في لحم الخنزير
(٢)
ودمه )»(٢) .
فمن تكرر منه اللعب به ، لم تقبل شهادته ، سواء لعب به قماراً أو غير قمار .
وهذا باتفاق المذاهب الأربعة ، لأنه إن لم يقامر ، فهو عبث ولهو ، وقال عليه
السلام: (( كل شيء ليس من ذكر الله ، فهو لهو ، ولعب ، أو: وهو سهو ولغو ،
إلا أربعة : ملاعبة الرجل امرأته ، وتأديب الرجل فرسه ، ومشي الرجل بين
الغرضين، وتعلم الرجل السباحة))(٣) وقال اللّ: «لست من دَد ، ولا الدَّد
(٤)
مني ))(٤) .
ويحرم اللعب بالأربعة عشر ؛ لأن المعول فيها على ما يخرجه الكعبان (9)
فشابه الأزلام والفرد ، لكن الحقيقة أن تحريم الفرد ( أي الطاولة ) هو لأنه اللعب
الذي كان يدور عليه قار أهل فارس .
الشطرنج : ويحرم عند الجمهور غير الشافعية أيضاً الشطرنج ، قال علي
رضي الله عنه : الشطرنج من الميسر . ومرّ علي رضي الله عنه بقوم يلعبون
(١) رواه أحمد وأبو داود ومالك ( المنتقى على الموطأ: ٧ / ٢٧٨، نيل الأوطار: ٨ / ٩٤).
(٢) رواه أبو داود، ولمسلم: ((من لعب بالفردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه)) ( نصب الراية :
٤ / ٢٧٤ ) .
(٣) أخرجه النسائي من حديث جابر بن عبد الله ، وفيه أحاديث أخرى عن عقبة بن عامر ، وأبي هريرة ،
وعمر بن الخطاب . والمشي بين الغرضين أو الهدفين أي تعلم الرماية ( نصب الراية: ٤ / ٢٧٣ وما بعدها ) .
(٤) روي من حديث أنس ، ومعاوية بن أبي سفيان ، روى الأول البخاري وغيره ، وروى الثاني الطبراني
( تخريج أحاديث التحفة : ٣ / ٤٩٧) . والدد : اللعب .
(٥) الكعاب : هي فصوص الفرد .
- ٥٧٢ -

الشطرنج ، فقال : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟
وقال الشافعية : يكره اللعب بالشطرنج ، لأنه لعب لا ينتفع به في أمر
الدين ، ولا حاجة تدعو إليه ، فكان تركه أولى . ولا يحرم ، لأنه روي اللعب به
عن ابن عباس وابن الزبير ، وأبي هريرة ، وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم ، إذ
لم يرد نص بتحريمه ، ولا هو في معنى المنصوص عليه ، والأصل في الأشياء
الإباحة . وقيل : فيه تشحيذ الخواطر ، وتذكية الأفهام .
وإن كان على عوض من الجانبين أو من جانب واحد يأخذه الغالب من
المغلوب ، فهو حرام ، كما بينا في بدء بحث اللهو .
الغناء وآلاته : قال بعض الحنفية وبعض الحنابلة : يحرم الغناء وسماعه من
غير آلة مطربة، لما روى ابن مسعود أن النبي عائل قال: (( الغناء ينبت النفاق
في القلب ))(١) .
وقال بعض آخر من الحنفية والحنابلة ، والمالكية : يباح الغناء المجرد من غير
كراهة . ويظهر أن رأي هذا البعض هو الراجح .
وقال الشافعية : يكره الغناء وسماعه من غير آلة مطربة ، ولا يحرم ، لما
روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ((كانت عندي جاريتان تغنيان ،
فدخل أبو بكر ، فقال : مزمار الشيطان في بيت رسول الله طائرٍ ؟ فقال رسول
الله: دعهما ، فإنها أيام عيد)) (٢). وقال عمر: الغناء زاد الراكب . والخلاصة أن
الغزالي في بعض تأليفه نقل الاتفاق على حل مجرد الغناء من غير آلة(٣).
(١) الصحيح أنه من قول ابن مسعود ( المغني: ٩ / ١٧٥ ).
(٢) متفق عليه .
(٣) نيل الأوطار: ٨ / ١٠١، الإحياء: ٢ / ٢٣٨ وما بعدها .
- ٥٧٣ -

وأما الآلات: فيحرم في المشهور من المذاهب الأربعة (الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة ) استعمال الآلات التي تطرب كالعود والطنبور والمعزفة
والطبل والمزمار والرباب وغيرها من ضرب الأوتار والنايات والمزامير كلها (١).
فمن أدام استماعها، ردت شهادته، لقوله سؤال: (( ليكونن من أمتي أقوام
يستحلون الخمر والخنازير والخز والمعازف)) (٢) وفي لفظ: (( ليشربن ناس من أمتي
الخمر ، يسمونها بغير اسمها ، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات ، يخسف الله
بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير))(٣).
واستدلوا على تحريم المعازف من القرآن بقوله تعالى: ﴿ومن الناس من
يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ﴾ قال ابن عباس : إنها الملاهي .
وبالمعقول : وهو أن هذه الآلات تطرب ، وتدعو إلى الصد عن ذكر الله
تعالى وعن الصلاة ، وإلى إتلاف المال ، فحرمت کالخمر .
ويكره عند الشافعية والحنابلة القضيب الذي يزيد الغناء طرباً ،
ولا يطرب إذا انفرد ، لأنه تابع للغناء ، فكان حكمه حكم الغناء أي أنه مكروه إذا
انضم إليه محرم أو مكروه كالتصفيق والغناء والرقص . وإن خلا عن ذلك لم
يكره ، لأنه ليس بآلة ولا يطرب ، ولا يسمع منفرداً بخلاف الملاهي :
وأباح مالك والظاهرية وجماعة من الصوفية السماع ولو مع العود واليراع .
(١) انظر بحث السماع في الإحياء للغزالي: ٢ / ٢٣٧ - ٢٦٨ ويلاحظ أن الغزالي أباح سماع القضيب والطبل
والدف وغيره ، ولم يستثن إلا المعازف والأوتار والمزامير التي ورد الشرع بالمنع منها ، لا للذتها ، مثل البَرْبَط
والطُّنْبُور. وانظر أيضاً نيل الأوطار: ٨ / ١٠٠ - ١٠٥، الشرح الصغير وحاشية الصاوي: ٢ / ٥٠٢ وما بعدها .
(٢) رواه البخاري .
(٣) رواه ابن ماجه ( نيل الأوطار في الحديثين: ٨ / ٩٦) وروى الترمذي حديثاً عن علي: (( إذا فعلت أمتي
خمس عشرة خصلة حل بها البلاء ، وفيه: وشربت الخمور، ولبست الحرير، واتخذت القيان والمعازف )) لكنه حديث
غريب ، وفيه راوٍ ضعيف ( نيل الأوطار: ٨ / ٩٩).
- ٥٧٤ -

وهو رأي جماعة من الصحابة (ابن عمر، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير،
ومعاوية، وعمرو بن العاص وغيرهم) وجماعة من التابعين كسعيد بن المسيب .
وأما الرقص الذي يشتمل على التثني والتكسر والتمايل والخفض والرفع
بحركات موزونة فهو حرام ومستحله فاسق .
وأما اللعب المباح : فهو - كما سنبين في بحث السبق - المسابقة المشروعة
بالخيل وغيرها من الحيوانات ، أو على الأقدام ، أو التدرب على السلاح .. ويجوز
ذلك على عوض من غير المتسابقين ، أو من واحد منهما يأخذه السابق .
ويجوز الغناء المباح وضرب الدف(١) في العرس والختان، لقوله مع اليه:
((أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغربال)) (٢).
وتحرم الأغاني المهيجة للشرور المشتملة على وصف الجمال والفجور ومعاقرة
الخمور في الزفاف وغيره ، ويحرم كل الملاهي المحرمة (٣).
وحكى الرُوياني عن القفال أن مذهب مالك بن أنس إباحة الغناء بالمعازف،
وهو مذهب الظاهرية. ولا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود(٤)، وبه قال
بعض الشافعية. ودليلهم على الإباحة: أنه لم تصح عندهم أحاديث المنع. قال
الفاكهاني: لم أعلم في كتاب الله، ولا في السنة حديثاً صحيحاً صريحاً في تحريم
الملاهي، وإنما هي ظواهر وعمومات يتأنس بها، لا أدلة قطعية(٥).
(١) وهو المدور من وجه واحد كالغربال. وأما المدور من وجهين وهو المزهر ففيه عند المالكية أقوال ثلاثة:
الجواز ، والمنع ، والكراهة .
(٢) رواه ابن ماجه عن عائشة ( نيل الأوطار: ٦ / ١٨٧).
(٣) نيل الأوطار: ٦ / ١٨٨.
(٤) نيل الأوطار: ٨ / ١٠٠ - ١٠٥.
(٥) نيل الأوطار : ٨ / ١٠٤.
- ٥٧٥ -

وأقول : إن الأغاني الوطنية أو الداعية إلى فضيلة ، أو جهاد ، لا مانع
منها ، بشرط عدم الاختلاط ، وستر أجزاء المرأة ما عدا الوجه والكفين . وأما
الأغاني المحرضة على الرذيلة فلا شك في حرمتها ، حتى عند القائلين بإباحة
الغناء ، وعلى التخصيص منكرات الإذاعة والتلفاز الكثيرة في وقتنا الحاضر .
ولا شك بأن الامتناع عن السماع في الوقت الحاضر أولى ؛ لأن في ذلك
شبهة ، والمؤمنون وقافون عند الشبهات كما صرح به الحديث الصحيح ، ومن ترك
الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ،
ولا سيما إذا كان مشتملاً على ذكر القدود والخدود ، والجمال والدلال ، والهجر
والوصال ، ومعاقرة الراح (الخمر) ، كما ذكر الشوكاني(١).
ولا بأس بسماع الموسيقا لعلاج بعض الأمراض النفسانية ، أو العصبية .
الحداء والشعر : وأما الحداء وهو الإنشاد الذي تساق به الإبل ، فمباح ،
لابأس في فعله واستماعه. وقد أقره النبي متهم ، كما أقر نشيد الأعراب . فيجوز
سائر أنواع الإنشاد مالم يخرج إلى حد الغناء، وقد كان النبي مح لم يسمع إنشاد
الشعر ، فلا ينكره(٢) .
ويجوز قول الشعر، لأنه كان للنبي مؤهل شعراء منهم حسان وكعب بن
مالك وعبد الله بن رواحة ، وقد مدحوه ، وأعطى الرسول بردة كانت عليه
كعب بن زهير لما أنشده القصيدة اللامية : بانت سعاد .
وحكم الشعر حكم الكلام في حظره وإباحته ، وكراهيته واستحبابه ورد
الشهادة به ، فحسنه كحسنه، وقبيحه كقبيحه، قال النبي مع في: ((إن من
(١) نيل الأوطار : ١٠٥/٨
(٢) راجع المهذب: ٣٢٧/٢ وما بعدها، المغني: ١٧٦/٩، الإحياء : ١٠٩/٣
- ٥٧٦ _

الشعر لحكما)) (١) وقال أيضاً: ((الشعر بمنزلة الكلام: حسنه كحسن الكلام،
وقبيحە کقبیح الكلام ))(٣) .
تلحين القرآن : لابأس بقراءة القرآن من غير تلحين . والأفضل تحسين
الصوت بالقرآن، لقوله مُ له: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) أو ((زينوا أصواتكم
بالقرآن)»(٣) .
أما القراءة بالتلحين : فإن لم يفرط في التمطيط والمد وإشباع الحركات ،
فلابأس به لأن النبي ◌َ ◌ّ قد قرأ ورجع ورفع صوته . فإن جاوز الحد في
التطويل وادغام بعضه في بعض ، كان مكروها(٤) .
خامساً - السلام :
السلام : هو اسم من أسماء الله تعالى ، ومعناه : اسم الله عليك أي أنت في
حفظه ، كما يقال : الله يصحبك ، الله معك . وللسلام أحكام هي ما يأتي (٥) :
ابتداء السلام سنة، لقوله عَّ: ((أفشوا السلام بينكم)) (٢) ورده من الفرد
فرض عين ومن الجماعة فرض كفاية ، لقوله تعالى : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا
بأحسن منها أو ردوها ﴾ وابتداء السلام من جماعة سنة كفاية ، والأفضل السلام
من جميعهم ، ولو سلم جماعة على شخص ، وقصد الرد عليهم جميعاً ، جاز ذلك ،
(١) رواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس بلفظ: ((إن من البيان سحراً، وإن من الشعر حكماً)).
(٢) رواه البخاري في الأدب والطبراني في الأوسط عن ابن عمرو، ورواه أبو يعلى عن عائشة ( الفتح
الكبير ) .
(٣) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن البراء بن عازب ( الجامع الصغير) .
(٤) المهذب : ٣٢٨/٢ ، المغني : ١٧٩/٩ وما بعدها .
(٥) كشاف القناع: ١٧٥/٢ - ١٧٩
(٦) رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا
حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحابيتم ؟ أفشوا السلام بينكم)) (الترغيب والترهيب: ٤٢٤/٣).
- ٥٧٧ _
الفقه الإسلامي جـ ٣ (٣٧)

وسقط الفرض في حق الجميع. ويجزئ ((السلام عليكم)) وفي الرد ((وعليكم
السلام)» ويجب زيادة الواو في رد السلام . وقال جماعة : لا تجب وإنما تندب ،
وأكمله ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)) وفي الرد: (( وعليكم السلام ورحمة الله
وبركاته )) .
ورفع الصوت بابتداء السلام سنة ، ليسمعه المسلّم عليه سماعاً محققاً ،
للحديث السابق: (( أفشوا السلام بينكم )) وإن كان هناك أيقاظ ونيام ، خفض
صوته ، بحيث يسمع الأيقاظ ، ولا يوقظ النيام ، جمعاً بين الفرضين .
ولو سلم على إنسان ، ثم لقيه على قرب ، سن أن يسلم عليه ثانياً وثالثاً وأكثر
من ذلك ، لعموم حديث ((أفشوا السلام)).
ويسن أن يبدأ بالسلام قبل كل كلام ، للخبر السابق .
ولا يترك السلام إذا كان يغلب على ظنه أن المسلم عليه لا يرد السلام،
لعموم ((أفشوا السلام)) ولا بأس بالسلام على الصبيان تأديباً لهم ، ولا يجب الرد
عليهم ، فإن سلم الصبي على البالغ وجب عليه الرد .
ورفع الصوت برد السلام واجب قدر الإبلاغ أو الإسماع أي للمسلّم .
ويكره الانحناء في السلام ، ويكره أن يسلم على امرأة أجنبية ( غير زوجة
له ولا محرم ) إلا أن تكون عجوزاً أي غير حسناء ، أو ألا تشتهى لأمن الفتنة .
ويكره السلام في الحمام ، وعلى من يأكل أو يقاتل لاشتغاله ، وعلى تال
للقرآن وعلى ذاكر لله تعالى ، وعلى ملبّ ومحدّث ( أي يحدث بحديث النبي
عَّ) ، وخطيب وواعظ ، وعلى من يستمع للمذكورين من التالي ومن بعده ،
وعلى مكرر فقه ومدرس في أي علم كان ، وعلى من يبحثون في العلم ، وعلى من
- ٥٧٨ -

يؤذن أو يقيم(١) ، وعلى من هو على حاجته ، ويكره أيضاً رده منه ، وعلى من
يتمتع بأهله ، أو مشتغل بالقضاء ونحوهم .
ومن سلم في حالة لا يستحب فيها السلام مما سبق ، لم يستحق جواباً
لسلامه .
ويكره أن يخص بعض طائفة لقيهم أو دخل عليهم بالسلام ، وأن يقول :
سلام الله عليكم ، لمخالفته الصيغة الواردة ، وأن يقول : عليك سلام الله ؛ لأن
النبي ماتّ كرهه.
والهجر المنهي عنه ( وهو هجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام ) يزول بالسلام ؛
لأنه سبب التحابب، فيقطع الهجر، وروي مرفوعاً: ((السلام يقطع
الهجران)) .
ويسن السلام عند الانصراف عن القوم ، وإذا دخل على أهله ، فإن دخل
بيتاً خالياً ، أو مسجداً خالياً ، قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ،
للخبر في كل ذلك .
وإذا دخل بيته، قدم رجله اليمنى، وليقل: ((اللهم إني أسألك خير المولج
وخير المخرج ، باسم الله ولجنا ، وباسم الله خرجنا ، وعلى الله ربنا توكلنا )) ثم
يسلم على أهله ، لخبر أبي مالك الأشعري مرفوعاً ، رواه أبو داود .
المبحث الخامس - مسائل في البيع والتعامل :
أورد الحنفية فروعاً فقهية في المعاملات مشتملة على شبهة أو مانع شرعي أو
معصية ، يحسن ذكرها باختصار :
(١) مذهب الحنابلة : لا يكره السلام على المصلي .
- ٥٧٩ -

أولاً - بيع السماد الطبيعي :
لابأس ببيع روث البهائم لتسميد الأرض بها ، واستكثار الربع بها ، فينتفع
بها ، وإن كان البيع في الأصل مكروهاً؛ لأن الروث نجس ، ويكره بيع العذرة
( رجيع الآدمي ) والصحيح عند الحنفية : هو جواز بيع المتنجس كالزيت الذي
خالطته النجاسة (١) .
ثانياً - استيفاء دين المسلم من ثمن خمر الذمي :
يجوز أخذ المسلم دينه على كافر ، من ثمن خمر ، أو خنزير ، لصحة بيعهما من
الكافر لغيره ؛ لأنها مال متقوم في حقه ، بخلاف الدين على مسلم ، لا يصح أخذه
من ثمن خمر أو خنزير ، لعدم صحة البيع . لكن أجاز أبو حنيفة خلافاً لصاحبيه
أن يوكل المسلم ذمياً في بيع الخمر .
وكذلك لا يجوز استيفاء الدين من كسب حرام كالمرابي والمرتشي والغاصب
والسارق والمغنية . ولا يحل للورثة أيضاً أخذ الميراث من كسب حرام ، وعليهم
رد ما أخذوه على أربابه إن عرفوهم ، وإلا تصدقوا به ؛ لأن سبيل الكسب
الخبيث التصدق به إذا تعذر الرد على صاحبه(٢) . 5
ثالثاً - بيع العنب للخمار :
يجوز بيع العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمراً ؛ لأن المعصية لا تقوم بعين
الموجود حالة البيع ، وإنما تتحقق بعد تغييره .
كذلك أجازوا بيع السلاح من أهل الفتنة ، لأن المعصية تتحقق باستعماله ،
(١) تكملة الفتح: ١٢٢/٨، الدر المختار: ١١٠/٤ و٢٧٢/٥، الدرر المباحة في الحظر والإباحة: ص٥٣.
(٢) الدر المختار ورد المختار : ٢٧٢/٥ وما بعدها .
- ٥٨٠ _