النص المفهرس
صفحات 481-500
الحرام ، فسئل نبي الله عَ لّ عن ذلك ، فقال: ان الله لغني عن مشيها ، مروها فلتركب))(١) وأجاب جمهور الفقهاء عن حديث المرأة التي قالت للنبي مُ لّ حين قدم المدينة: (( اني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف ، فقال لها : أوفي بنذرك)»(٢) بأنه صار ذلك من القرب لما حصل السرور للمسلمين بقدومه مد لله وأغاظ الكفار ، وأرغم المنافقين . ولكن ناذر المباح ان خالف مقتضى نذره فهل عليه كفارة ؟ قال الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح: لا كفارة عليه لعدم انعقاد النذر. وقال الحنابلة : يتخير ناذر المباح بين فعله فيبر ، لحديث المرأة التي نذرت أن تضرب بالدف السابق ذكره ، وبين تركه وعليه كفارة يمين ؛ لأنه ينعقد عندهم نذر المباح (٣) بدليل حديث الضرب بالدف وأما إذا نذر الإنسان معصية مثل: ((لله علي أن أشرب الخمر)) أو ((أقتل فلانا)) أو ((أضربه)) أو ((أشته)) ونحوه : فلا يجوز الوفاء به اجماعاً لقوله عليه الصلاة والسلام (( لا نذر في معصية الله))(٤). وهل تجب الكفارة به ؟ قال الحنفية والحنابلة : يجب على ناذر المعصية كفارة يمين ، لا فعل. (١) رواه الترمذي عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث صحيح. ولم يأمرها بكفارة ( جامع الأصول: ١٨٦/١٢ ) . (٢) أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( جامع الأصول، المصدر السابق: ص١٨٨ ، نصب الراية : ٣٠٠/٣ ) . (٣) انظر الموضوع في رحمة الأمة في اختلاف الأئمة للدمشقي بهامش الميزان: ١٤٩/١ وما بعدها ، مغني المحتاج : ٣٥٧/٤، المغني : ٥/٩، تحفة الفقهاء، الطبعة القديمة: ٥٠٢/٢، بداية المجتهد: ٤١٠/١، الشرح الكبير للدردير: ١٦٢/٢، الفتاوى الهندية: ٦١/٢، القوانين الفقهية: ص١٦٨. (٤) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن عمران بن حصين بلفظ ((لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم)» وفي لفظ ((لا نذر في معصية الله)» عند مسلم (راجع جامع الأصول: ١٨٨/١٢، نصب الراية: ٣٠٠/٣، مجمع الزوائد : ١٨٧/٤) . الفقه الإسلامي جـ ٣ (٣١) - ٤٨١ - المعصية ، بدليل حديث عمران بن الحصين وحديث أبي هريرة الثابت عن النبي الفج أنه قال: (( لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين))(١) . وقال المالكية والشافعية وجمهور العلماء : لا يلزمه في ذلك شيء ، فلا كفارة عليه، لحديث عائشة عن النبي وائل أنه قال: (( من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه )) وأما حديثْ عمران وأبي هريرة ، فقال ابن عبد البر : ضعف أهل الحديث حديث عمران وأبي هريرة ، وقالوا: لأن حديث أبي هريرة يدور على سليمان بن أرقم ، وهو متروك الحديث ، وحديث عمران یدور علی زهير بن محمد عن أبيه ، وأبوه مجهول ، لم يرو عنه غیر ابنه ، وزهير أيضاً عنده مناكير، وأما حديث عقبة بن عامر: ((كفارة النذر كفارة يمين)) فهو محمول على نذر اللجاج والغضب(٢). ٢ - وقت ثبوت حكم النذر : أي الوقت الذي يجب فيه المنذور به ، ووقت الوجوب يختلف بحسب ما إذا كان النذر مطلقاً عن الشرط ، أو معلقا على شرط أو مقيداً بمكان ، أو مضافاً إلى وقت في المستقبل . ومن المعلوم أن المنذور به : إما أن يكون قربة بدنية كالصوم والصلاة ، أو قربة مالية كالصدقة(٣). (١) حديث عمران خرجناه في الحديث السابق فقد روي بلفظ: ((لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين)) وحديث أبي هريرة رواه أحمد وأصحاب السنن والبيهقي قال الحافظ ابن حجر: وإسناده صحيح إلا أنه معلول بأنه منقطع. ورواه أحمد وأصحاب السنن عن عائشة بلفظ ((لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين)» واحتج به أحمد واسحق ، وصححه الطحاوي وأبو علي بن السكن ، وضعفه جمهور المحدثين ، ورواه أبو داود عن ابن عباس بلفظ (( من نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين)» وإسناده حسن ، إلا أنه في الأصح موقوف على ابن عباس ( انظر جامع الأصول: ١٨٨/١٢، نيل الأوطار: ٢٤٣/٨ وما بعدها ، سبل السلام: ١١٢/٤). (٢) انظر الموضوع في مراجع نذر المباح: رحمة الأمة: ص١٤٧ وما بعدها ، مغني المحتاج : ص٣٥٦ وما بعدها ، المغني: ص٣، التحفة: ص٥٠٢ ، فتح القدير: ٢٢/٤، المحلى: ص٨، بداية المجتهد: ص٤٠٩ وما بعدها ، الدردير: ص١٦٢، القوانين الفقهية : ص١٦٨ . (٣) انظر البدائع: ٩٣/٥، فتح القدير: ٢٦/٤ وما بعدها، الدر المختار: ٧٥/٣، ٧٧ ، القوانين الفقهية: ص١٦٨ . - ٤٨٢ - فإن كان النذر مطلقاً : أي غير معلق بشرط ولا مقيد بمكان أو زمان مثل : لله علي صوم شهر أو حجة أو صدقة أو صلاة ركعتين ونحوه : فيجب عليه في الحال مطلقا عن الشرط والزمان والمكان ؛ لأن سبب الوجوب وجد مطلقاً فيثبت الوجوب مطلقاً ، لكن يندب التعجيل . وإن كان النذر معلقاً بشرط : مثل : إن شفى الله مريضي أو ان قدم فلان الغائب ، فلله علي صوم شهر أو صلاة ركعتين أو التصدق بليرة ونحوه ، فإذا وجد الشرط فعليه الوفاء بنفس النذر ؛ لأن المعلق بالشرط كالمنجز ، فلو فعل المشروط قبل وجود الشرط يكون نفلاً ؛ لأن المعلق بالشرط غير موجود قبل وجود الشرط . وإن كان مقيداً بمكان بأن قال: ((لله علي أن أصلي ركعتين في موضع كذا)) أو (( أتصدق على فقراء بلد كذا )) يجوز أداؤه في غير ذلك المكان عند أبي حنيفة وصاحبيه ؛ لأن المقصود من النذر : هو التقرب إلى الله عز وجل ، وليس لذات المكان دخل في القربة . وإن نذر صلاة ركعتين في المسجد الحرام ، فأداها في أقل شرفاً منه أو فيا لا شرف له أجزأه عند أئمة الحنفية المذكورين ، وأفضل الأماكن : المسجد الحرام، ثم مسجد النبي ◌ُّ، ثم مسجد بيت المقدس، ثم الجامع، ثم مسجد الحي ، ثم البيت ؛ لأن المقصود هو القربة إلى الله ، وهو يتحقق في أي مكان . وخالف زفر في الحالتين : في حالة الصدقة في مكان ، وحالة الصلاة في مكان ، فإنه يتعين عليه الوفاء بنذره في المكان المشروط ؛ لأن الناذر أوجب على نفسه الأداء في مكان مخصوص ، فإذا أدى في غيره لم يكن مؤدياً ما عليه ، وفي الصلاة في مسجد ، التزم الناذر زيادة قربة فيلزمه . - ٤٨٣ - وقال المالكية(١): إن نوى الصلاة أو الاعتكاف في مكان أو سمى المسجد كأحد المساجد الثلاثة لزمه الذهاب إليه . وقال الشافعية(٢) : إذا نذر إنسان التصدق بشيء على أهل بلد معين لزمه فيه الوفاء بالتزامه ، ولو نذر صوماً في بلد لزمه الصوم ؛ لأنه قربة ، ولم يتعين مكان الصوم في تلك البلد ، فله الصوم في غيره . ولو نذر صلاة في بلد لم يتعين لها ويصلي في غيرها ؛ لأنها لا تختلف باختلاف الأمكنة إلا المسجد الحرام أي الحرم كله ، ومسجد المدينة والمسجد الأقصى إذا نذر الصلاة في أحد هذه المساجد فيتعين لعظم فضلها، لقوله صل الّ: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى))(٣). واستدلوا بدليل نقلي على تعيين مكان التصدق بالنذر : وهو ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن امرأة أتت النبي ◌َّ، فقالت: يا رسول الله إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا - لمكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية - قال : لصنم ؟ قالت : لا ، قال : لوثن؟ قالت : لا ، قال : أوفي (٤) بنذرك )) (٤) . (١) الشرح الصغير: ٢٥٥/٢، ٢٦٥، القوانين الفقهية: ص ١٧٠. (٢) مغني المحتاج : ٤ / ٣٦٧، المهذب: ١ / ٢٤٣ وما بعدها . (٣) رواه أحمد في مسنده والشيخان : البخاري ومسلم ، والبيهقي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ، ورواه أحمد والشيخان والبيهقي والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ، ورواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وهو حديث صحيح ( انظر نيل الأوطار: ٨ / ٢٥٣ ، سبل السلام: ٤ / ١١٤) . (٤) رواه أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وهو تتمة حديث المرأة التي نذرت أن تضرب بالدف عند الرسول صل السابق تخريجه ، وفي معناه أحاديث أخرى . قال ابن الأثير في النهاية : الفرق بين الوثن والصنم : أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل ، وتنصب ، فتعبد . والصنم: الصورة بلا جثة. ومنهم من لم يفرق بينهما ، وأطلقهما على المعنيين . وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدي بن حاتم: ((قدمت على النبي صَ لّ وفي عنقي صليب من ذهب ، فقال: ألق هذا الوثن عنك)» ( انظر نصب الراية: ٣ / ٢٠٠، نيل الأوطار: ٨ / ٢٤٩ وما بعدها، الإلمام: ص ٣٠٩ وما بعدها ، جامع الأصول : ١٢ / ١٨٧، مجمع الزوائد: ٤ / ١٩١ ). ٠٠ - ٤٨٤ - وكذلك قال الحنابلة(١) : يتعين الاعتكاف في أحد المساجد الثلاثة إن نذر الاعتكاف فيها . وإن كان مضافاً إلى وقت في المستقبل: بأن قال: (( لله علي أن أصوم رجب)) أو: ((أصلي ركعتين يوم كذا)) أو: ((أتصدق بدرهم في يوم كذا))، فوقت الوجوب في الصدقة : هو وقت النذر باتفاق الحنفية ، حتى إنه يجوز تقديمها على الوقت المحدد . واختلف الحنفية في الصوم والصلاة : فقال أبو حنيفة وأبو يوسف : وقت الوجوب فيها وقت النذر ؛ لأن الوقت للتقدير ، لا لتعين الواجب ؛ لأن الأوقات في معنى العبادة سواء وبناء عليه يجوز تقديم المنذور به على الوقت . وقال محمد : وقت الوجوب هو حين مجيء الوقت ؛ لأن الناذر أوجب على نفسه الصوم في وقت مخصوص ، فلا يجب عليه قبل مجيئه بخلاف الصدقة ؛ لأنها عبادة مالية ، لا تعلق لها بالوقت بل بالمال ، فكان ذكر الوقت فيه لغواً بخلاف العبادة البدنية . ومن نذر أن يذبح ولده ، نحر شاة عند أبي حنيفة ، وجزوراً فداء عند مالك ، وقال الشافعي : لا شيء عليه ؛ لأنها معصية . وقال أحمد في رواية عنه : عليه كفارة يمين ، وهذا قياس المذهب ؛ لأن هذا نذر معصية أو نذر لجاج . وفي رواية ثانية كما قال أبو حنيفة : كفارته ذبح كبش ويطعمه المساكين ، عملاً بفداء ولد إبراهيم حينما أمر بذبحه (٢). ومن نذر ذبح نفسه أو أجنبي ، ففيه أيضاً عن أحمد روايتان . (١) كشاف القناع: ٢ / ٤١٢ . (٢) القوانين الفقهية: ص ١٧٠، المغني: ٨ / ٧٠٨ وما بعدها . - ٤٨٥ - ٣ - كيفية ثبوت حكم النذر: النذر إما أن يضاف إلى وقت مبهم أو إلى وقت معين : فإن أضيف إلى وقت مبهم بأن قال: ((لله علي أن أصوم شهراً)) ولا نية له : فحكمه حكم الواجب المطلق عن الوقت(١) . ومن المعروف أن علماء الأصول اختلفوا في وقت وجوب الواجب . فقال بعضهم : على الفور ، وقال الأكثرون : على التراخي ، ففي أي جزء من العمر يجوز القيام به ويتضيق الوجوب في آخر العمر إذا بقي من العمر في غالب الظن قدر ما يسع الأداء ، وهذا هو الرأي الصحيح . وهو ينطبق على نذر الاعتكاف المضاف إلى وقت مبهم بأن قال: ((لله علي أن أعتكف شهراً)) ولا نية له .. ولكن هناك فرقاً بين الصوم والاعتكاف : ففي الصوم يخير الناذر بين متابعة الصوم وتفرقته ، أما في الاعتكاف فيلزم الناذر عند الجمهور غير الشافعية بالتتابع في النهار والليل ؛ لأن طبيعة الاعتكاف وهو اللبث على الدوام تتطلب القيام به على الاتصال ، فلا بد من التتابع . وأما الصوم فليس مبنياً على التتابع لوجود فاصل الليل بين كل يومين . فإن قيد نذر الصوم بتفريق أو موالاة وجب . وإن أضيف النذر إلى وقت معين: بأن قال: (( لله علي صوم غد)) فيجب عليه صوم الغد وجوباً مضيفاً ليس له تأخيره من غير عذر ، وإذا قال : ((لله علي صوم رجب)) فيجب عليه صيام شهر، سواء أكان قبل مجيء رجب أم بمجرد مجيئه ، ولا يجوز التأخير عن رجب من غير عذر . فإن صام رجب إلا يوماً يقضي ذلك اليوم من شهر آخر ، ولو أفطر رجب كله قضى في شهر آخر ، لأنه (١) الواجب المطلق: هو ما طلب الشارع فعله حتماً، ولم يعين وقتاً لأدائه ، كالكفارة الواجبة على من حلف يميناً وحنث ، فليس لفعل هذا الواجب وقت معين ، فإذا شاء الحانث كفر بعد الحنث مباشرة ، وإن شاء كفر بعد ذلك ( انظر الوسيط في أصول الفقه للمؤلف : ص ٤٥ ) . - ٤٨٦ - فوت الواجب عن وقته ، فصار ديناً عليه(١) ، والدين مقضي على لسان رسول الله صّ اللّه (٢) علي وسلم وقال الشافعية : إن نذر صوم سنة معينة ، صامها وأفطر العيد والتشريق ، وصام رمضان عنه ولا قضاء ، ولا تقضي المرأة في الأظهر أيام الحيض والنفاس . وإن أفطر يوماً بلا عذر وجب قضاؤه . فإن شرط التتابع وجب في الأصح . ويقضي رمضان والعيدين والتشريق ؛ لأنه التزم صوم سنة ولم يصها . وكذا تقضي المرأة في الأظهر أيام الحيض والنفاس . ومن شرع في صوم نفل ، فنذر إتمامه ، لزمه على الصحيح . ولو قال: ((إن قدم زيد، فلله علي صوم اليوم التالي ليوم قدومه )) ، لزمه صومه فيه . الله تعالى (١) أنظر هذا المطلب في البدائع: ٥ / ٩٤ وما بعدها، مغني المحتاج: ٤ / ٣٥٩ وما بعدها . (٣) أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي أمامة ، قال الترمذي : حديث حسن وصححه ابن حبان . ورواه أيضاً أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو يعلى والدارقطني وابن أبي شيبة وعبد الرزاق ( نصب الراية : ٤ / ٥٧ ) . - ٤٨٧ _ الفصل الثالث الكفارات أنواع الكفارات : الكفارات أربعة أنواع : كفارة ظهار، وكفارة قتل خطأ ( ويقاس عليه القتل العمد عند الشافعية ) وكفارة جماع نهار رمضان عمداً ( ويقاس عليه الأكل والشرب عمداً عند الحنفية والمالكية)(١) وكفارة يمين . والخصال الواجبة للكفارة في الأنواع الثلاثة الأولى مرتبة : ( وهي إعتاق رقبة ، فإن عجز عن الرقبة وجب صوم شهرين متتابعين ، فإن عجز عن الصوم وجب إطعام ستين مسكيناً إلا القتل فلا إطعام فيه اقتصاراً على الوارد فيه النص ) . وأما خصال كفارة اليمين فهي مرتبة مخيرة : ( وهي كما سنعلم إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، أو تحرير رقبة مؤمنة ، فإن عجز عن ذلك وجب صوم ثلاثة أيام)(٢) وسنفصل موضوع الكفارة الأخيرة محل بحثنا. كفارة اليمين خطة الموضوع : نتكلم في هذه الكفارة عن الأصل في مشروعيتها ، وسبب وجوبها ، ونوع الواجب فيها ، والخصال الواجبة فيها . (١) راجع الوسيط في أصول الفقه الإسلامي للمؤلف ، الطبعة الثانية ص ٤٥٤ . (٢) تحفة الطلاب للشيخ زكريا الانصاري: ص ١٠٣ وما بعدها . - ٤٨٨ - مشروعية الكفارة : الكفارة مشتقة من الكفر بفتح الكاف أي الستر ، فهي ستارة للذنب الحاصل بسبب الحنث في اليمين ، فاليمين سبب للكفارة . والأصل في كفارة اليمين : الكتاب والسنة والإجماع . أما الكتاب : فقول الله تعالى : ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم ، أو كسوتهم أو تحرير رقبة ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ، واحفظوا أيمانكم ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ﴾ . وأما السنة: فقول النبي عَ ◌ّ: ((إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها ، فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك)) (١) . وأجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله تعالى(٢). سبب وجوبها : تجب الكفارة بالحنث في اليمين ، سواء أكانت في طاعة أم في معصية أم مباح ، ولا يجوز التكفير قبل اليمين باتفاق العلماء ؛ لأنه تقديم للحكم قبل سببه ، فلم يجز كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب . تقديم الكفارة على الحنث : وهل الكفارة قبل الحنث أفضل أم بعده ؟ قال الحنابلة : الكفارة قبل الحنث وبعده سواء في الفضيلة . وقال مالك والشافعي : الكفارة بعد الحنث أفضل لما فيه من الخروج من الخلاف ، وحصول اليقين ببراءة الذمة ، فيجوز تقديم الكفارة المالية للصوم . وقال أبو حنيفة : لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث مطلقاً ، إنما تجزئ إذا (١) رواه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه عن عبد الرحمن بن سمرة، ورواه بعض هؤلاء وآخرون عن غيره ، وقد سبق تخريجه ( انظر جامع الأصول لابن الأثير الجزري : ١٢ / ٣٠٠). (٢) المغني: ٨ / ٧٣٣، فتح القدير: ٤ / ١٨، المبسوط: ٨ / ١٤٧. - ٤٨٩ _ أخرجها بعد الحنث(١) . وهذا أولى الآراء ؛ لأن المسبب يكون عادة بعد السبب. نوع الواجب في الكفارة : الكفارة واجب مطلق ، أي ليس له وقت محدد لأدائه ، فيجوز القيام به بعد الحنث مباشرة أو بعده في أثناء العمر . ثم إن الواجب في الكفارة واجب مخير حالة اليسار : ( توفر المقدرة المالية ) يعني أن الموسر مخير بين أحد أمور ثلاثة : إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، أو إعتاق رقبة . وهذا بإجماع العلماء المستند إلى صريح الآية القرآنية السابق ذكرها: ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ﴾ لأن الله تعالى عطف بعض هذه الخصال على بعض بحرف ( أو ) وهو للتخيير(٢) فإذا عجز الإنسان عن كل واحد من الخصال الثلاثة المذكورة ، لزمه صوم ثلاثة أيام ، الآية السابقة : ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) والمراد بالعجز: ألا يقدر على المال الذي يصرفه في الكفارة ، كمن يجد كفايته في يومه وليلته وكفاية من تلزمه نفقته فقط ، ولا يجد ما يفضل عنها (٣)، وينظر إلى العجز وقت الأداء ، أي أداء الكفارة عند الحنفية والمالكية والشافعية ، فلو حنث الحالف ، وكان موسراً وقت الحنث ، ثم أعسر، جازله الصوم عندهم ؛ لأن الكفارة عبادة لها بدل ، فينظر فيها إلى وقت الأداء ، (١) المغني، المرجع السابق: ص ٧١٢ - ٧١٤، بداية المجتهد: ١ / ٤٠٦، الميزان للشعراني: ٢ / ١٣٠، مغني المحتاج: ٤ / ٣٢٦، الدر المختار: ٣ / ٦٧، المهذب: ٢ / ١٤١، شرح تحفة الطلاب للشيخ زكريا الانصاري : ٢ / ٤٨١، المبسوط السرخسي: ٨ / ١٤٧، فتح القدير: ٤ / ٢٠، القوانين الفقهية: ص ١٦٦. (٢) المبسوط: ٨ / ١٢٧، الفتاوى الهندية: ٢ / ١٥٧، المغني: ٨ / ٧٣٤، بداية المجتهد: ١ / ٤٠٣ ، البدائع : ٥ / ٩٧، مغني المحتاج : ٤ / ٣٢٧ . (٣) مغني المحتاج: ٤ / ٧٢٨، المغني: ٨ / ٧٥٦، الفتاوى الهندية: ٢ / ٥٧ ، نهاية المحتاج للرملي : ٨ / ٤٠ ، المهذب: ٢ / ١٤١، الشرح الكبير: ٢ / ١٣٣. - ٤٩٠ - لا وقت الوجوب كالصلاة إذا فاتت في حال الصحة ، فقضاها قاعداً أو بالإيماء حال المرض فإنه يجوز . ويشترط عند الحنفية استمرار العجز إلى الفراغ من الصوم ، فلو شرع في الصوم ثم قدر على الإطعام أو الكسوة أو العتق ، ولو قبل فراغه من صوم اليوم الثالث بساعة مثلاً : لا يجوز له الصوم، ويرجع إلى التكفير بالمال(١) . كذلك ينظر عند المالكية والشافعية إلى العجز وقت إرادة التكفير . أما إذا شرع في الصوم ، ثم قدر على المال فلا يلزمه عند هؤلاء الرجوع عن الصوم إلى الكفارة المالية ؛ لأن الصوم بدل عن غيره ، فلا يبطل بالقدرة على المبدل عنه ، ولو وجبت الكفارة على موسى ثم أعسر لم يجزئه الصوم عند هؤلاء(٢) ، بعكس الحنفية في المسألتين . والمعتبر عند الحنابلة وقت الوجوب أي حالة الحنث . خصال الكفارة : عرفنا أن كفارة اليمين هي إما الإطعام أو الكسوة أو العتق ، فإن عجز الإنسان عن أحد هذه الخصال صام ثلاثة أيام . فما هو الواجب في كل حالة ؟ 5 ١ - ما مقدار الإطعام وما المقصود به ؟ قال الحنفية: إن المقصود من الإطعام هو مجرد الإباحة لا التمليك ؛ لأن النص القرآني ورد بلفظ الإطعام : ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين ﴾ والإطعام في متعارف اللغة : هو التمكين من المطعم أي ( الآكل ) لا التمليك ، وكذا إشارة النص دليل على قولهم ، لأن الله (١) البدائع: ٣ / ٩٧، الدر المختار: ٣ / ٦٧، تبيين الحقائق: ٣ / ١١٣. ٥٠٠٠ (٢) الشرح الكبير للدردير: ٢ / ١٣٣، حاشية قليوبي وعميرة على شرح المنهاج للمحلي : ٤ / ٢٧٥ ، المغني : ٨ / ٧٥٥ ، ٧٦٢ وما بعدها . - ٤٩١ _ تعالى قال: ﴿ إطعام عشرة مساكين﴾ والمسكنة : هي الحاجة، وهو محتاج إلى أكل الطعام دون تملكه ، فكان في إضافة الإطعام إلى المساكين إشارة إلى أن الإطعام هو الفعل الذي يصير المسكين به متمكناً من الطعام لا التمليك ، بخلاف الزكاة وصدقة الفطر والعشر الواجب على الزروع البعلية ، لا بد فيها من التمليك ؛ لأن النص ورد فيها بلفظ الإيتاء لا بلفظ الإطعام(١). وقال الجمهور : لا بد من تمليك الطعام للفقراء ككل الواجبات المالية ؛ لأن الواجب المالي لا بد من أن يكون معلوم القدر ليتمكن المكلف من الإتيان به ، والطعام المباح للغير ليس له قدر معلوم ، لا سيما وأن كل مسكين يختلف عن الآخر صغراً وكبراً ، جوعاً وشبعاً(٢) . والخلاصة : أن التمليك عند الحنفية ليس بشرط لجواز الإطعام ، بل الشرط هو التمكين ، فيكفي دعوة المساكين إلى قوت يوم : وهو غداء وعشاء ، فإذا حضروا وتغدوا وتعشوا كان ذلك جائزاً . وعند غير الحنفية : لا بد من التمليك بالفعل أخذاً . ويجب أن يكون المخرج سالماً من العيب ، فلا يكون الحب مسوساً ، ولا متغيراً طعمه ولا فيه زوان أو تراب يحتاج إلى تنقية ، وكذلك دقيقه وخبزه ؛ لأنه مخرج في حق الله تعالى عما وجب في الذمة ، فلم يجز أن يكون معيباً كالشاة في الزكاة . وأما مقدار الإطعام: فاختلف العلماء فيه بسبب اختلافهم في تأويل قوله (١) المبسوط: ٨ / ١٥١، البدائع: ٥ / ١٠٠، الدر المختار ورد المختار لابن عابدين: ٣ / ٦٧، الفتاوى الهندية : ٢ / ٥٨ . (٢) الشرح الكبير للدردير: ٢ / ١٣٢، حاشية قليوبي وعميرة على شرح المحلي للمنهاج : ٤ / ٢٧٤ ، المغني : ٨ / ٧٣٤، ٧٣٦، ٧٣٨، ٧٣٩، ٧٤١ . - ٤٩٢ - تعالى: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم ) فمن قال : المراد أكلة واحدة قال : المد وسط في الشبع ، ومن قال : المراد قوت اليوم وهو غداء وعشاء قال : الواجب نصف صاع أي مدان(١) . وبناء عليه قال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة : يعطى لكل مسكين مد من الحنطة كصدقة الفطر إلا أن الإمام مالك قال : المد خاص بأهل المدينة فقط لضيق معايشهم ، وأما سائر المدن فيعطون الوسط من نفقتهم . وقال ابن القاسم : يجزئ المد في كل مدينة(٢) . ويجوز عند الشافعية : مدّ حب من غالب قوت بلد الحانث . والأفضل بالاتفاق إخراج الحب ؛ لأن فيه خروجاً من الخلاف . ولا يجوز عند الجمهور إخراج قيمة الطعام والكسوة ، عملاً بنص الآية: ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين ... ﴾ . وقال الحنفية : مقدار الإطعام نصف صاع من بر ، أو صاع من تمر أو شعير أو من دقيق الحنطة أو الشعير أو قيمة هذه الأشياء من النقود : دراهم أو دنانير أو من عروض التجارة كما هو المقرر في صدقة الفطر . قالوا : وقد ثبت ذلك عن سادتنا عمر وعلي وعائشة ، وبه قال جماعة من التابعين : سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد والحسن . وأما مقدار طعام الإباحة عند الحنفية : فأكلتان مشبعتان : غداء وعشاء ، وكذلك إذا غداهم وسحرهم ، أو عشاهم وسحرهم ، أو غداهم غداءين ونحوهما ؛ لأنهما أكلتان مقصودتان . (١) الصاع: أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالرطل العراقي، والرطل العراقي (١٣٠) درهماً، والدرهم ٣,١٧ ثم ، أي أن المد يساوي ٦٧٥ ثم والصاع يساوي ٢٧٥١ غم . (٢) بداية المجتهد: ١ / ٤٠٤، مغني المحتاج: ٤ / ٣٢٧، المغني: ٨ / ٧٣٦، القوانين الفقهية: ص ١٦٥ . - ٤٩٣ - وسواء أكان الطعام خبزاً مع الإدام، أم بغير الإدام: لأن الله تعالى لم يفصل بين الطعام المأدوم وغيره ، في قوله سبحانه : ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين ﴾ . وكذلك لو أطعم خبز الشعير أو تمراً أجزأه ؛ لأنه قد يؤكل وحده في طعام الأهل . ولو أطعم مسكيناً واحداً عشرة أيام غداء وعشاء ، أو أعطى مسكيناً واحداً عشرة أيام ، كل يوم نصف صاع ، جاز ؛ لأن المقصود سد حاجة عشرة مساكين ، وقد تحقق . ولو أطعم عشرة مساكين في يوم غداء ، ثم أعطى كل واحد مداً من الحنطة جاز؛ لأنه جمع بين التمليك ، وطعام الإباحة ، ولأن كل وجبة طعام مقدرة بمد . وكذلك لو غدى رجلاً واحداً عشرين يوماً ، أو عشى رجلاً في شهر رمضان عشرين يوماً جاز ؛ لأن المقصود قد حصل . أما لو أعطى مسكيناً واحداً طعام عشرة ، في يوم واحد ، دفعة واحدة : لم يجز ؛ لأن الله تعالى أمر بسد جوعة عشرة مساكين إما مرة واحدة أو موزعة على الأيام ، وهذا لم يحصل هنا . وأجاز أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إعطاء فقراء أهل الذمة من الكفارات والنذور لا الزكاة ، لعموم قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ من غير تفرقة بين المؤمن والكافر. واستثنيت الزكاة بقول النبي مع الإ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (( خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم))(١) . (١) رواه الجماعة: أحمد وأصحاب الكتب الستة عن ابن عباس أن رسول الله خاتم لما بعث معاذاً إلى اليمن، = - ٤٩٤ - وقال أبو يوسف : لا يجوز إعطاء الذميين من الأموال الإسلامية إلا النذور والتطوعات ودم التمتع في الحج ؛ لأن الكفارة صدقة أوجبها الله ، فلا يجوز صرفها إلى الكافر كالزكاة ، بخلاف النذر ، لأنه وجب بإيجاب الإنسان ، والتطوع ليس بواجب أصلاً ، والتصدق بلحم المتعة في الحج غير واجب ؛ لأن التقرب إلى الله في إراقة الدم(١) . المدفوع إليهم الطعام : الإطعام يكون لمن توافرت فيه أوصاف أربع هي : الأول - أن يكونوا مساكين فلا يدفع إلى غيرهم ؛ لأن الله تعالى أمر يإطعام المساكين ، وخصهم بذلك . الثاني - أن يكونوا أحراراً، فلا يجزئ دفعه إلى عبد ومكاتب . الثالث - أن يكونوا مسلمين فلا يجوز عند الجمهور صرفه إلى كافر ، ذمياً كان أو حربياً . وأجاز الحنفية دفعه إلى الذمي ، لدخوله في اسم المساكين ، فيدخل في عموم الآية . الرابع - أن يكونوا قد أكلوا الطعام في رأي الحنابلة والمالكية ، فلا يجوز دفعه لطفل لم يطعم . وأجاز الحنفية والشافعية دفعه إلى الصغير الذي لم يطعم ، ويقبضه عنه وليه . ويجوز بالاتفاق للمكفر أن يعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله . وكل من يمنع الزكاة من الغني والكافر والرقيق يمنع أخذ الكفارة . إلا أن الحنفية أجازوا دفعها لذمي . = وفيه: ((فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم)) ( انظر نيل الأوطار: ٤ / ١١٤ ، نصب الراية: ٢ / ٣٢٧ ) . (١) انظر المبسوط: ٨ / ١٤٩ وما بعدها، البدائع: ٥ / ١٠١ - ١٠٥، فتح القدير: ٤ / ١٨، الدر المختار: ٣ / ٦٦، الفتاوى الهندية: ٢ / ٥٨. - ٤٩٥ - ٢ - الكسوة ، صفتها وقدرها : صفة الكسوة : هي أنها لا تجوز إلا على سبيل التمليك حتى عند الحنفية ؛ لأن الكسوة للوقاية من الحر والبرد ، وهذه الحاجة لا تتحقق إلا بالتمليك ، بخلاف الإطعام ، فإنه لدفع الجوع ، وهو يحصل بتناول الطعام . وتكون الكسوة للمساكين كالإطعام . وأما قدر الكسوة : فاختلف فيه (١)، فقال الحنفية: أدنى الكسوة ما يستر عامة البدن ، وقال الحنابلة : تتقدر الكسوة بما تجزئ الصلاة فيه : فإن كان رجلاً كساه ثوباً تجزئ الصلاة فيه ، وإن كانت امرأة كساها قميصاً وخماراً ؛ لأن الكسوة إحدى خصال الكفارة ، فلم يجز فيها أدنى ما يطلق عليه اسم الكسوة ، كما هو مقرر في الإطعام والإعتاق ، ولأن اللابس حينما لا يستر العورة يسمى عرياناً لا مكتسياً . وقال المالكية : أقل ذلك للرجل ثوب يستر جميع جسده ، وللمرأة : ما يجوز لها فيه الصلاة ، وذلك ثوب وخمار. وقال الشافعية : يجزئ أقل ما يطلق عليه اسم الكسوة من إزار أو رداء أو جبة أو قميص أو ملحفة ؛ لأنه يقع عليه اسم الكسوة ، ولأن الله تعالى لم يذكر في الكسوة تقديراً ، فكل ما يسمى لابسه مكتسياً يجزئ . ولا تجزئ بالاتفاق القلنسوة(٢) والخفان والنعلان والقفازان والمنطقة(٣)؛ لأن لابسها لا يسمى مكتسياً إذا لم يكن عليه ثوب ، بل ولا تسمى هذه كسوة ٣(٤) عرفاً (٤) . (١) بداية المجتهد: ١ / ٤٠٥، الشرح الكبير: ٢ / ١٣٢، المغني: ٨ / ٧٤٢، القوانين الفقهية: ص ١٦٥ . (٢) القلنسوة بفتح القاف واللام : وهي ما يغطى به الرأس ونحو ذلك مما لا يسمى كسوة ، كدرع من حديد . (٣) المنطقة : بكسر الميم : هي النطاق الذي يشد به وسط الإنسان . (٤) المبسوط: ٨ / ١٥٣، البدائع: ٥ / ١٠٥، فتح القدير: ٤ /١٩، المهذب: ٢ / ١٤١، مغني المحتاج: ٤ / ٣٢٧ ، الفتاوى الهندية : ٢ / ٥٧ ، القوانين الفقهية: ص ١٦٥ . - ٤٩٦ - ولم يجز الحنفية على الصحيح عندهم الكسوة بالسراويل والعمامة ؛ لأن أدنى الكسوة عندهم كما بينا ما يستر عامة البدن ، ولأن لابسها لا يسمى مكتسياً عرفاً وعادة ، بل يسمى عرياناً ، فلو أمكن اتخاذ العمامة ثوباً أجزأه ، وكذا إذا بلغت قيمتها وقيمة السراويل قيمة المقدار الواجب من الطعام ، فإنه يجزئ ، ويقع ذلك عن الطعام بغير نية إذا نوى الكفارة عند محمد . وأما عند أبي يوسف فلا يقع عن الطعام ما لم ينو الكسوة عن الطعام . وأجاز الشافعية الكسوة بالسراويل والعمامة ؛ لأنها تسمى كسوة . ويجزئ عند المالكية أقل ما يطلق عليه اسم قميص أو إزار ، أو سراويل أو عمامة . ٣ - عتق الرقبة : الكلام في إعتاق الرقبة في كفارة اليمين وغيرها تاريخي فقط بسبب عدم وجود الرقيق في عصرنا ، وحينئذ يسقط هذا الواجب ويظل الخيار للحانث محصوراً بين الإطعام والكسوة . ونكتفي هنا بذكر ضابط الرقبة التي يجوز عتقها في الكفارة . قال الحنفية : يشترط أن تكون الرقبة مملوكة ملكاً كاملاً للمعتق ، وأن تكون كاملة الرق ، سليمة من العيوب التي تزيل جنساً من أجناس المنفعة ، سواء أكانت الرقبة صغيرة أم كبيرة ، ذكراً أم أنثى ، مسلمة أم كافرة . فلا يجوز في الكفارة إعتاق عبد غيره ، ولا أن يعتق عبداً مشتركاً بينه وبين غيره ، ولا مدبراً أو أم ولد ، إلا أنه يجوز تحرير المكاتب استحساناً ، ولا يجوز أن يعتق عبداً مقطوع اليدين أو الرجلين أو مقطوع يد واحدة ، أو رجل واحدة من جانب واحد ، أو يابس الشق مفلوجاً ، أو مقعداً أو زمناً أو أشل اليدين ، أو مقطوع الإبهامين من اليدين أو مقطوع ثلاثة أصابع من كل يد سوى الإبهامين ، أو - ٤٩٧ - الفقه الإسلامي جـ ٣ (٣٢) أعمى ، أو مفقود العينين ، أو معتوهاً يغلب العته عليه ، أو أخرس لفوات جنس من أجناس المنفعة كمنفعة البطش باليدين ، والمشي بالرجلين ، والنظر في العينين ، والكلام والعقل(١) . واشترط المالكية والشافعية والحنابلة : أن تكون الرقبة مؤمنة ، كما تشترط في كفارة الفطر في رمضان ، وفي كفارة الظهار . 1 وسبب الاختلاف بين الحنفية والجمهور في اشتراط الإيمان في الرقبة : هو اختلافهم في مسألة أصولية وهي : هل يحمل المطلق على المقيد في الأمور التي تتفق أحكامها وتختلف أسبابها ككفارة اليمين وكفارة القتل الخطأ ، فقد ورد النص القرآني في كفارة اليمين مطلقاً بدون تقييد بشرط الإيمان وهو : ﴿ أو تحرير رقبة) ، وورد النص مقيداً بشرط الإيمان في كفارة القتل الخطأ وهو: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ فقال الجمهور : يحمل المطلق على المقيد ، فيشترط الإيمان في كفارة اليمين حملاً على اشتراطه في كفارة القتل الخطأ ؛ لأنها يشتركان في ستر الذنب ، كما حمل قوله تعالى : ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ على المقيد في قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ . وقال الحنفية : لا يحمل المطلق على المقيد ، وإنما يجب أن يبقى موجب اللفظ في كفارة اليمين على إطلاقه ، ويعمل بكل نص على حدة ؛ لأن شرط الإيمان في كفارة القتل غير معقول المعنى ، فيقتصر على مورد النص(٢). ٤ - الصوم ، مقداره وشرطه : اتفق الفقهاء على أن الحانث إن لم يجد (١) المبسوط: ٨ / ١٤٤، البدائع: ٥ / ١٠٧ وما بعدها، فتح القدير: ٤ / ١٨، الدر المختار: ٣ / ٦٦، القوانين الفقهية : ص ١٦٦ . (٢) بداية المجتهد: ١ / ٤٠٦، البدائع: ٥ / ١١٠، مغني المحتاج: ٤ / ٣٢٧ وما بعدها، المغني: ٨ / ٧٤٣ ، القوانين الفقهية : ص ١٦٥ . - ٤٩٨ - طعاماً ولا كسوة ولا عتقاً يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام ، لقوله سبحانه : ﴿ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ﴾ . واختلفوا في اشتراط تتابع الأيام الثلاثة في الصيام ، فقال المالكية والشافعية في الأظهر عندهم : لا يشترط التتابع ، ولكنه مستحب ، لإطلاق الآية القرآنية : فصيام ثلاثة أيام ﴾ فليس فيها اشتراط التتابع ، وقد نسخت هذه الآية القراءة الشاذة لابن مسعود تلاوة وحكماً(١) . وقال الحنفية والحنابلة : يشترط التتابع(٣) بدليل قراءة أبي وعبد الله بن مسعود: ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾(٢) . وهذا إن كان قرآناً فهو حجة ، وإن لم يكن قرآناً فهو رواية عن النبي ◌ّ فهو إذاً خبر واحد ، وخبر الواحد حجة ، وتجوز الزيادة في الجملة على الكتاب بخبر واحد (٤) . وبناء على اشتراط التتابع لو أفطر المكفر لعذر مرض أو سفر أو حيض ، أو (١) بداية المجتهد، المرجع السابق: ٤٠٥، مغني المحتاج، المرجع السابق، حاشية قليوبي وعميرة : ٤ / ٢٧٥ ، المهذب : ٢ / ١٤١ . (٢) قال الحنفية : أربعة صيامات متتابعة بالنص : أداء رمضان وكفارة الظهار والقتل واليمين . والخير فيه قضاء رمضان وفدية الحلق لأذى برأس المحرم ، والمتعة والقرآن ، وجزاء الصيد ، وثلاثة صيامات لم تذكر في القرآن وثبتت بالأخبار : صوم كفارة الإفطار عمداً وهو متتابع ، والتطوع متخير فيه ، والنذر متتابع إن نذر أياماً متتابعة معينة أو غير معينة بخصوصها ، ومنه ما لزم بنذر الاعتكاف ، وهو متتابع وإن لم ينص عليه ، إلا أن يصرح بعدم التتابع في النذر ( نور الإيضاح: ص ١١٦، العناية بهامش فتح القدير: ٢ / ٨١). (٣) حكاه أحمد ورواه الأثرم عن أبي بن كعب وابن مسعود أنها قرآ: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وروى ابن أبي شيبة حديث ابن مسعود عن الشعبي قال: ((قرأ عبد الله: فصيام ثلاثة أيام متتابعات)) ورواه عبد الرزاق عن عطاء يقول: بلغنا في قراءة ابن مسعود: (( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ، وكذلك نقرؤها)) وأخرج الحاكم حديث أبي عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرأ: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ (انظر نيل الأوطار: ٨ / ٢٣٨، نصب الراية : ٣ / ٢٩٦ ) . (٤) المبسوط: ٨ / ١٤٤، فتح القدير: ٤ / ١٨، البدائع: ص ١١، المغني: ٨ / ٧٥٢ ، تبيين الحقائق: ٣ / ١١٣، الفتاوى الهندية : ٢ / ٥٧ . - ٤٩٩ - لغير عذر : فإنه عند الحنفية يستأنف الصوم من جديد مرة أخرى ، كذلك يستأنف الصوم إذا أفطر في يوم العيد أو أيام التشريق ، ويبطل التتابع ؛ لأن الصوم في هذه الأيام لا يصلح لإسقاط ما في الذمة . وهذا بخلاف صوم شهرين متتابعين كفارة عن الجماع في نهار رمضان ، فإن الحيض والمرض لا ينقطع التتابع بسببها ؛ لأن الغالب أن الشهرين لا يخلوان عنهما . وأما عند الحنابلة فلا ينقطع التتابع بالحيض والمرض في كفارة اليمين ، وكفارة انتهاك حرمة رمضان(١). الله تعالى (١) البدائع ، المرجع السابق ، المغني ، المرجع السابق . - ٥٠٠ -