النص المفهرس

صفحات 421-440

اثنين ، ويحتاج المرء في الغالب إلى القسم لحمل نفسه أو غيره على التكلم أو الامتناع
من التكلم . وسنذكر أهم حالات الحلف على الكلام : وهو إما أن يكون مطلقاً أو
مؤقتاً .
أما المطلق : فهو أن يحلف ألا يكلم فلاناً، فيقع على الأبد ، حتى لو كلمه
ولو بالسلام في أي وقت وفي أي مكان وعلى أي حال ، حنث . ومن حالاته
ما يأتي :
الحلف على عدم تكليم فلان : لو حلف شخص على ألا يكلم فلاناً فناداه
من مكان بعيد : فإن كان فلان هذا في موضع بحيث يسمع مثله لو أصغى إليه
أذنه ، فإنه يحنث عند الحنفية والحنابلة وفي قول عند المالكية، وإن لم يسمعه .
وإن كان في موضع لا يسمع في مثله عادة بسبب بعد المسافة ، فإنه لا يحنث . وكذا
إذا كان الخاطب أصم بحيث لو أصغى إليه أذنه لا يسمع : لا يحنث .
والسبب : هو أن تكليم فلان: عبارة عن إسماع كلامه إياه ، إلا أن الاسماع
أمر باطن خفي ، فأقيم السبب الظاهر المؤدي إليه مقامه ، وهو إمكان السماع في
الموضع القريب .
5
ولو حلف ألا يكلم فلاناً ، فكلمه وهو نائم فأيقظه : حنث ، لأنه
كلمه وأسمعه ، ولو لم يوقظه لم يحنث ، وهو المختار عند عامة مشايخ الحنفية
خلافاً لما ذكر القدوري من أنه إذا كان بحيث يسمع لو لم يكن نائماً يحنث ؛ لأنه
قد كلمه ووصل إلى سمعه إلا أنه لم يفهم لنومه ، فصار كما إذا ناداه وهو في مكان
بحيث يسمع إلا أنه لم يفهم لاشتغاله بأمر آخر. ورأي عامة المشايخ هو الأرجح ،
لأنه إذا لم يوقظه كان كما إذا ناداه من بعيد ، وهو بحيث لا يسمع صوته ، ولأن
الانسان لا يعد مكلماً للنائم إذا لم يتيقظ بكلامه ، كما لا يعد متكلماً مع الغائب .
- ٤٢١ -

ولو مر الحالف على جماعة فيهم المحلوف عليه ، فسلم عليهم :
حنث لأنه كلمه وكلم غيره بالسلام ، فإن قصد بالسلام الجماعة دونه لم يحنث
وتصح نيته فيما بينه وبين الله تعالى ، لأنه نوى تخصيص كلامه ، وإطلاق الكل
وإرادة البعض جائز، ولكن لا يقبل منه هذا الادعاء قضاء ، لأنه خلاف الظاهر
من كلامه(١) .
ولو سلم في الصلاة والمحلوف عليه معه في الصلاة : فاما أن يكون الحالف
إماماً أو مقتدياً :
١ - فإن كان الحالف إماماً ينظر: إن كان المحلوف عليه خلفه ، فسلم ، لم
يحنث بالتسليمة الأولى . وإن كان على يمينه : لا يحنث أيضاً ؛ لأن التسليمة الأولى
كلام في الصلاة ؛ لأن المصلي يخرج بها عن الصلاة ، فلا تكون من كلام الناس ،
بدليل أنها لا تفسد الصلاة .
وإن كان على شماله فقد اختلف المشايخ فيه : فقال بعضهم : يحنث ، وقال
بعضهم : لا يحنث .
٢ - وإن كان الحالف مقتدياً: فكذلك لايحنث عند أبي حنيفة وأبي
يوسف ؛ لأن المقتدي لا يصير خارجاً عن الصلاة بسلام الإمام عندهما .
وقال محمد : يحنث لأن المقتدي يصير خارجاً عن صلاته بسلام الإمام عنده ،
فقد تكلم كلاماً خارج الصلاة مع فلان ، فيحنث .
ولو حلف لا یکلم فلاناً ، فکتب إلیه كتاباً ، فانتھی الکتاب إليه ، أو
أرسل إليه رسولاً ، فبلغ الرسالة إليه ، أو أشار إليه بالإصبع : لايحنث ؛ لأن هذا
(١) انظر البدائع: ٣ ص ٤٧ وما بعدها، الفتاوى الهندية: ٢ ص ٨٩ ومابعدها، تبيين الحقائق: ٣ ص١٣٦،
فتح القدير: ٤ ص٦٢، الدر المختار: ٣ ص١١٢، المغني: ٨٢٢/٨.
- ٤٢٢ -

ليس بكلام وهذا باتفاق الحنفية ، والشافعية في الجديد . وقال الحنابلة والمالكية
على الراجح : يحنث إلا أن يكون أراد ألا يشافهه(١) .
الحلف على عدم التكلم : من حلف لا يتكلم اليوم ، فقرأ القرآن ، أو
صلى ، أو سبح : لم يحنث ، استحساناً ، ومثله التهليل والتكبير ، وهو يتناول
القراءة والتسبيح في الصلاة وخارجها ؛ لأن هذا لا يسمى كلاماً عرفاً ، أما في
الصلاة فليس بكلام عرفاً ولاشرعاً، قال عليه الصلاة والسلام: ((إن صلاتنا هذه
لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، وإنما هي التهليل والتسبيح وقراءة
القرآن)) (٢) وقوله مَ له: ((إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث
ألا نتكلم في الصلاة ))(٣)، ولأن الكلام مفسد، ولو كانت هذه الأشياء من كلام
الناس لأفسدت .
وأما في غير الصلاة فلا يحنث ، لأنه لا يسمى متكلماً في عرفنا المتأخر بل
قارئاً ومسبحاً ، ومبنى الأيمان على العرف(٤). وكذلك قال الشافعية والحنابلة :
لا يحنث مطلقاً سواء قرأ في الصلاة أم في غيرها ؛ لأن الكلام في العرف لا يطلق
إلا على كلام الآدميين .
وهذا هو مذهب الشافعية خلافاً لما زم الحنفية من أن مذهب الشافعي
(١) البدائع المرجع السابق: ص ٤٨، تبيين الحقائق، المرجع السابق، القوانين الفقهية: ص ١٦٤ ، مغني
المحتاج: ٣٤٥/٤. المغني: ٨٢٠/٨. الشرح الكبير: ١٤٦/٢.
(٢) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود وابن حبان والبيهقي والطبراني عن معاوية بن الحكم السلمي ( نصب
الراية: ٢ ص ٦٦ ، نيل الأوطار: ٢ ص ٣١٥).
(٣) رواه أحمد والنسائي وأبو داود وابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود ( انظر نيل الأوطار، المرجع
السابق : ص ٣١٤ ) .
(٤) البدائع: ٣ ص ٤٨، فتح القدير: ٤ ص ٦٥، تبيين الحقائق: ٣ ص ١٣٧، الدر المختار، ٣ ص ١١٤،
المغني : ٨٢٤/٨ .
- ٤٢٣ -

مخالف لهم ، فإنهم قالوا : لو حلف لا يتكلم فسبح الله تعالى أو حمده أو هلله أو
كبره أو دعا أو قرأ قرآناً في الصلاة أو خارجها ، ولو كان عليه حدث أكبر، فلا
حنث بذلك ، لانصراف الكلام إلى كلام الآدميين في محاوراتهم(١).
وأما الحلف على الكلام مؤقتاً : فهو نوعان : معين ومبهم .
أما المعين : فنحو أن يحلف الرجل بالليل : لا يكلم فلاناً يوماً ، فيحنث
بكلامه من وقت الحلف إلى أن تغيب الشمس من الغد ، فيدخل في يمينه بقية
الليل . وكذلك لو حلف بالنهار لا يكلمه ليلة : إنه يحنث بكلامه من حين حلف
إلى طلوع الفجر . ولو حلف في بعض النهار لا يكلمه يوماً فاليمين على بقية اليوم
والليلة المستقبلة إلى مثل تلك الساعة التي حلف فيها من الغد .
فان قال في بعض اليوم : والله لا أكلمك اليوم ، فاليمين على باقي اليوم ،
فإذا غربت الشمس سقطت اليمين . وكذلك إذا قال بالليل : والله لا أكلمك
الليلة ، فإذا طلع الفجر ، سقطت اليمين .
ولو حلف لا يكلمه شهراً : يقع على ثلاثين يوماً تبتدئ من حين الحلف .
ولو قال : الشهر، يقع على بقية الشهر ، ولو حلف لا يكلمه السنة ، يقع على
بقية السنة .
ولو قال : والله لاأكلمك يوماً ولا يومين ، فهو مثل قوله : والله
لا أكلمك ثلاثة أيام في قول أبي حنيفة ومحمد ، وفي رواية عن أبي يوسف . وذكر
محمد في الجامع الصغير أنه يقع على يومين . ودليله : أن كل واحد منهما يمين
منفردة ، فصار لكل يمين مدة على حدة ، وبذلك أصبح على اليوم الأول يمينان ،
وعلى اليوم الثاني يمين واحدة .
(١) مغني المحتاج : ٤ ص ٣٤٥ .
- ٤٢٤ -

ودليل الرأي الأول : أن الحالف عطف اليومين على اليوم ، والمعطوف غير
المعطوف عليه ، فاقتضى يومين آخرين غير الأول(١) .
وأما المبهم : فنحو أن يحلف ألا يكلم فلاناً زمناً أو حيناً أو الزمان
أو الحين : فإنه يقع على ستة أشهر ؛ لأن الحين يستعمل ، ويراد به الوقت
القصير: قال الله تعالى : ﴿ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ وقد
يراد به الوقت الطويل ، وهو أربعون سنة ، قال تعالى: ﴿ هل أتى على الإنسان
حين من الدهر﴾ وقد يراد به الوقت الوسط : وهو ستة أشهر، قال تعالى :
و تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ) قيل : أي ستة أشهر، فحمل على الوسط ،
لأنا لا نعلم أنه يريد القليل أو الكثير .
ولو قال: ((لا أكلمه دهراً أو الدهر)) فقال أبو حنيفة: إن كانت له نية
فهو على ما نوى ، وإن لم تكن له نية ، فلا أدري ما الدهر .
وقال الصاحبان: إذا قال: دهراً أي (منكَّراً ) فهو ستة أشهر ، وإذا قال :
الدهر أي ( معرفاً ) فهو على الأبد .
:
وقال بعض مشايخ الحنفية : لا خلاف في الدهر أنه الأبد ، وإنما قال أبو
حنيفة: ((لا أدري ما الدهر)) إذا قال: ((دهراً))(٢).
وقال الشافعية والحنابلة(٣): إن حلف ألا يكلمه زمناً أو وقتاً أو دهراً أو عمراً
فإنه يقع على القليل والكثير ، فيبر بالقليل والكثير لأن هذه الأسماء لاحد لها في
اللغة ، وتقع على القليل والكثير ، فوجب حمله على أقل ما يتناوله اسمه . أما إذا
(١) البدائع، المرجع السابق: ص٤٨ وما بعدها ، تبيين الحقائق ، المرجع السابق .
(٢) البدائع: ٣ص٥٠ ، فتح القدير : ٤ص٧٢ .
(٣) المغني : ٧٨٩/٨
- ٤٢٥ -

حلف ألا يكلمه الدهر أو الأبد أو الزمان ، فذلك على الأبد ، لأن ذلك بالألف
واللام ، وهي للاستغراق ، فتقتضي الدهر كله .
ولو قال: (( والله لا أكلمك یوم الجمعة )» فله أن یکلمه في غير يوم
الجمعة ؛ لأن الجمعة اسم ليوم مخصوص . وكذلك لو قال : ( جمعاً ) له أن يكلمه في
غير يوم الجمعة ، لأن الجُمَع جمع جمعة وهي يوم الجمعة فلا يتناول غيره ، بخلاف
ما إذا قال: (( لا أكلمه أياماً)): إنه يدخل فيه الليالي.
ثم إذا قال ((والله لا أكلمك جمعاً)» فهو على ثلاث جمع ؛ لأن أقل الجمع
الصحيح ثلاثة، فيحمل عليه. وإذا قال: ((الجمع)) يقع اليمين على عشر جمع عند
أبي حنيفة ، وكذلك الأيام والأزمنة والأحايين والشهور والسنين : يقع
اليين على عشرة أيام ، وعشرة أحايين أو أزمنة وعشرة أشهر وعشر سنين ؛ لأن
أكثر ما تناوله اسم الأيام ونحوه : هو عشرة ؛ لأن بعد العشرة لا يقال : أيام ،
بل يقال : أحد عشر يوماً ، ومائة يوم ، وألف يوم .
وقال الصاحبان : في الجُمَع والسنين يقع على الأبد ، وكذا في الأحايين
والأزمنة ، وفي الأيام يقع على سبعة ، وفي الشهور على اثني عشر؛ لأن الأصل
عندهما فيا دخل عليه حرف التعريف هو ( اللام ) من أسماء الجمع : أن ينظر إن
كان هناك معهود ينصرف إليه كالسبعة في الأيام بحسب أيام الأسبوع ، والاثني
عشر في الشهور، وإن لم يكن هناك معهود ينصرف إلى جميع الجنس ، فيستغرق
العمر كالسنين والأحايين والأزمنة .
أما الأصل عند أبي حنيفة فهو كما لاحظنا : أن ينصرف الاسم إلى أقصى
ما يطلق عليه لفظ الجمع عند اقترانه بالعدد : وذلك عشرة (١).
(١) البدائع ، المرجع السابق: ص٥١ ، فتح القدير، المرجع السابق: ص٧٥.
- ٤٢٦ -

ومن حلف ألا يكلمه حيناً ، فكلمه قبل الستة أشهر ، حنث عند الحنفية
والحنابلة(١) ؛ لأن الحين المطلق في كلام الله أقله ستة أشهر، قال تعالى: ﴿ تؤتي
أكلها كل حين ) فسره جماعة بستة أشهر. وقال مالك : الحين سنة ؛ لأنه فسر
بعام . وقال الشافعي وأبو ثور : لا قدر له ، ويبر بأدنى زمن ؛ لأن الحين اسم
مبهم يقع على القليل والكثير
ولو حلف ((لا يكلمه أياماً)» فهو على ثلاثة أيام وهو الصحيح ، لأنه ذكر
لفظ الجمع منكراً ، فيقع على أدنى الجمع الصحيح : وهو ثلاثة . وفي رواية يقع على
عشرة أيام عند أبي حنيفة ، وعند الصاحبين : على سبعة .
ولو قال: ((لا أكلمك سنين)» فهو على ثلاث سنين باتفاق الحنفية
والمالكية ، لما ذكرنا أن أقل الجمع ثلاثة ، فيحمل عليه(٢).
والخلاصة : أن أبا حنيفة وصاحبيه يقولون في الجمع المنكر : إنه يقع على
أقل الجمع وهو ثلاثة ، أما في الجمع المعرف : فالأصل عند أبي حنيفة : أن يقع على
أقصى ما يطلق عليه لفظ الجمع عند اقترانه بالعدد وهو العشرة . والأصل عند
الصاحبين : أن يقع على المعهود ان كان هناك معهود ، وإلا فيقع على جميع
الجنس .
ولو حلف (( لا يكلمه العمر)) فهو على جميع العمر إذا لم تكن له نية . ولو
قال : عمراً : فعن أبي يوسف روايتان : في رواية وهي الأظهر : يقع على ستة
أشهر كالحين . وفي رواية يقع على يوم .
(١) المغني : ٧٨٨/٨
(٢) البدائع: ٣ص٥٢ ، فتح القدير: ٤ص٧٣ الشرح الكبير: ١٥٥/٢.
- ٤٢٧ -

...
ولو حلف ((لا يكلم فلاناً أياماً كثيرة » : فهو على عشرة أيام عند آبي
حنيفة . وعند الصاحبين : يقع على سبعة أيام .
ولو حلف (( لا يكلمه إلى بعيد )» يقع على شهر فصاعداً .
ولو حلف (( لا يكلمه إلی قریب )» فهو على أقل من شهر .
ولو حلف ((لا يكلمه عاجلاً أو آجلاً)) فالعاجل : يقع على أقل من
شهر؛ لأن الشهر في حكم الكثير ؛ لأنه يجعل آجلاً في الديون ، فكان بعيداً .
والآجل : يقع على الشهر فصاعداً .
ولو حلف (( لا يكلمه ملياً)) يقع على شهر كالبعيد.
ولو حلف ((ألا يكلمه الشتاء)) فأوله إذا لبس الناس الألبسة الشتوية ،
وآخره إذا ألقوها بحسب البلد الذي حلف فيه ، والصيف على ضده : وهو من
حين خلع الألبسة الشتوية إلى لبسها . والخريف والربيع معروفان بحسب
المعروف في اللغة (١) .
ومن حلف ألا يفعل شيئاً ففعل بعضه حنث إلا إن أراد الكل ، فمن حلف
ألا يزور شخصين أو لا يكلمهما فزار أو كلم أحدهما ، حنث ، إلا أن يكون أراد
ألا يجتمع فعله بها (٢) .
المطلب الرابع - الحلف على الأكل والشرب والذوق ونحوها :
الأكل - هو إيصال ما يتأتى فيه المضغ بفمه إلى جوفه ، مضغه أولم يمضغه ،
كالخبز واللحم والفاكهة ونحوها .
(١) البدائع ، المرجع السابق .
(٢) المغني : ٧٨٢/٨.
- ٤٢٨ -

والشرب : - هو إيصال مالا يتأتى فيه المضغ إلى جوفه ، مثل كل المائعات
من الماء والنبيذ واللبن والعمل الممزوج بالماء ونحوها(١) .
والذوق : - هو إيصال المذوق إلى الفم ابتلعه أو لا ، بعد أن وجد طعمه ،
لأن الذوق أحد الحواس الخمس التي تعلم بها الأشياء ، ولذا يتحقق العلم بالطعم
سواء ابتلع الشيء المذاق أو مجه ، فكل أكل فيه ذوق ، وليس كل ذوق أكلاً .
الحلف على الذوق : بناء عليه : إذا حلف لا يأكل ولا يشرب فذاق ، لم
يحنث . وإذا حلف لا يذوق طعاماً أو شراباً ، فأدخله في فمه وعرف طعمه ،
حنث لحصول الذوق ، وتحقق معناه الذي ذكرناه .
ولو حلف لا يذوق شيئاً وعنى به أكله وشربه : فإنه تصح نيته
ويصدق ديانة بينه وبين الله عز وجل ، ولا يصدق قضاء، ولا يحنث بالذوق ،
لأنه قد يراد بالذوق : الأكل والشرب في عرف الناس ، يقول الرجل : ما ذقت
اليوم شيئاً ، وما ذقت إلا الماء - يريد به الأكل والشرب .
وأما السبب في أنه يصدق ديانة ، فلأنه نوى ما يحتمله كلامه ، ولا يصدق
5
قضاء لعدوله عن ظاهر الكلام إلى معنى آخر .
ولو حلف لا يذوق ماء : فتضمض في الوضوء : لا يحنث في يمينه ، وإن
حصل له العلم بطعم الماء ؛ لأن ذلك لا يسمى ذوقاً عرفاً وعادة ، لأن قصده
التطهر لا معرفة طعم المذوق(٢) .
ولو حلف لا يشم شيئاً ، فالشم عند الحنابلة يشمل كل نبت أو زهر طيب
(١) المبسوط: ٨ص١٧٥، البدائع: ٣ص٥٦، تبيين الحقائق: ٣ص١٢٤، فتح القدير: ٤ص٤٤ ، الدر المختار:
٣ص٩٤ ، الفتاوى الهندية : ٢ص٧٥ .
(٢) المبسوط: ٨ / ١٧٥، البدائع: ٣ / ٦٧ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٣ / ١٢٥، الدر المختار: ٣ / ٧٣ ،
الفتاوى الهندية: ٢ / ٧٥ ، ٨٤ ٠
- ٤٢٩ -

الرائحة ، مثل الورد والبنفسج والنرجس . وقال الشافعي : لا يحنث إلا بشم
الريحان الفارسي(١) .
الحلف على الأكل :
١ - لو حلف لا يأكل الرمان أو العنب، فمصه ورمى تفله وبلع ماءه ،
لا يحنث في الأكل ، ولا في الشرب ؛ لأن المص ليس بأكل ولا شرب ، بل هو
مص . وإن ابتلع العنب أو الرمانة من غير مضغ : يحنث لأنه أكل .
٢ - مفهوم أكل الطعام: لو حلف لا يأكل طعاماً: فإن الطعام يقع.
بالاتفاق على الخبز، واللحم ، والحلوى والفاكهة وما يؤكل على سبيل الإدام مع
الخبز؛ لأن الطعام في اللغة: اسم لما يطعم ، لقوله تعالى : ﴿ كل الطعام كان
حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ﴾ ، أما في العرف فقد اختص بما
يؤكل بنفسه أو مع غيره عادة .
وكذلك إذا حلف لا يأكل من طعام فلان ، فأكل شيئاً مما ذكرنا من طعام
فلان : يحنث . فإن أخذ من نبيذ فلان أو مائه، فأكل به بخبز نفسه :
لا يحنث ؛ لأن هذا لا يسمى طعاماً ، لأنه لا يؤكل مع الخبز عادة ، ولأن
الشخص يسمى حينئذ آكلاً طعام نفسه عادة .
ولو حلف ألا يأكل قوتاً ، فأكل خبزاً أو تمراً أو زبيباً أو لحماً أو لبناً،
حنث ؛ لأن كل واحد من هذه يقتات في بعض البلدان .
٣ - كيفية أكل اللبن والخل : لو حلف لا يأكل هذا اللبن ، فأكله مع الخبز
أو التمر ، أو حلف لا يأكل هذا الخل ، فأكله مع الخبز: يحنث باتفاق الحنفية
والشافعية ؛ لأن أكل اللبن هكذا يكون عادة ، وكذلك الخل لأنه من جملة
(١) المغني : ٨ / ٨١٣ وما بعدها .
- ٤٣٠ -

الإدام، قال ◌ُ ◌ّم: ((نعم الإدام الخل))(١) ولو شربه لا يحنث، لأن هذا ليس
(٢)
بأكل(٢).
٤ - اليمين معلقة ببقاء العين لا بعد تغيرها : لو حلف لا يأكل هذا
اللبن ، فأكل مما يتخذ منه كالجبن والأقط(٣) ونحوهما ، لا يحنث بالاتفاق ؛ لأنه
قد تغير ، فلا يبقى له اسم العين المحلوف عليها . ومثله : ما لو حلف ألا يأكل
من هذه البيضة ، فصارت فرخاً ، فأكل من فرخ خرج منها ، أو حلف لا يشرب
من هذه الخمر ، فصارت خلاّ : لا يحنث ، لأنه تغير عن أصله .
وذكر الحنابلة(٤) أن اللبن يتناول لبن الأنعام أو الصيد أو لبن الآدمية ؛ لأن
الاسم يتناوله حقيقة وعرفاً، وسواء أكان حليباً أم رائباً أم مائعاً أم مجمداً؛ لأن الجميع
لبن.
ومثله أيضاً لو حلف ألا يأكل من هذا البُسْر فصار رُطَبً(٥) أو لا يأكل
من هذا الرطب فصار تمراً ، أو لا يأكل من هذا العنب شيئاً ، فصار زبيباً
فأكله : لم يحنث في جميع ما ذكر باتفاق الحنفية والشافعية والمالكية ؛ لأن الأصل
أن اليمين متى تعلقت بعين تبقى ببقاء العين ، وتزول بزوالها ، إلا أن العين في
(١) رواه أحمد في مسنده وأصحاب السنن الأربعة عن جابر بن عبد الله ، ورواه مسلم والترمذي وأحمد وابن
ماجه عن عائشة رضي الله عنها وهو حديث صحيح، ولفظ حديث جابر: ((نعم الأدم الخل)) ( نيل الأوطار:
٨ / ٢٢١) والإدام: ما يؤتدم به، وجمع الإدام أدم بضم الهمزة ، مثل: كتاب وكتب ، والأدم بإسكان الدال مفرد
کالإدام .
(٢) البدائع، المرجع نفسه: ص ٥٦ ، تبيين الحقائق، المرجع السابق، الشرح الكبير: ٢ / ١٤٤، مغني
المحتاج: ٤ / ٣٣٨، ٣٤٠، ٣٤٢. المغني: ٨ / ٨٠٦.
(٣) الأقط ( بفتح الهمزة وكسر القاف ) : ما يتخذ من اللبن الخيض : يطبخ ثم يترك حتى يمصل .
(٤) المغني : ٨ / ٨٠٣ .
(٥) البسر: هو التمر إذا تلون ولم ينضج، والرطب: ما نضج من البسر قبل أن يصير تمراً.
- ٤٣١ -

الرطب وإن لم تتبدل ، لكن زال بعضها : وهو الماء بالجفاف ، فإذا جف
الرطب ، فقد زال عنه الماء ، فصار آكلاً بعض العين المشار إليها فلا يحنث ،
وذلك كما لو حلف لا يأكل هذا الرغيف ، فأكل بعضه .
وقال الحنابلة(١): لو حلف ألا يأكل هذا الرطب ، فأكله تمراً حنث ، كما
يحنث من أكل كل ما تولد من ذلك الرطب . أما لو حلف ألا يأكل تمراً ، فأكل
رطباً ، لم يحنث ، وكذا لو حلف ألا يأكل عنباً ، فأكل زبيباً أو دبساً ، أو لا يكلم
شاباً فكلم شيخاً ، أو لا يشتري جدياً فاشترى تيساً لم يحنث ؛ لأن اليمين تعلقت
بالصفة دون العين ، ولم توجد الصفة .
ومن حلف لا يأكل طعاماً يشتريه فلان ، فاشتراه فلان وغيره ، فأكل منه
ولم تكن له نية ، حنث عند المالكية والحنفية والحنابلة(٢) لأن فلاناً مشتر لنصفه
وهو طعام وقد أكله ، فيجب أن يحنث كما لو اشتراه فلان فخلطه بما اشتراه غيره ،
فأكل الجميع . وقال الشافعية : لا يحنث ؛ لأن كل جزء لم ينفرد أحدهما بشرائه ،
فلم يحنث به ، كما لو حلف لا يلبس ثوباً اشتراه زيد ، فلبس ثوباً اشتراه زيد
وغيره .
وهذا بخلاف الحالات الآتية :
لو حلف لا يأكل من لحم هذا الحمل(٣) أو هذا الجدي(٤) فأكل منه
بعدما صار كبشاً أو تيساً : فإنه يحنث عند الحنفية ؛ لأن العين قائمة لم تتغير ،
واليمين وقعت على الذات المعينة .
(١) المغني: ٨ / ٨٠٠، ٨٠٢ .
(٢) القوانين الفقهية: ص ١٦٣، مغني المحتاج: ٤ / ٣٥٢، المغني: ٨ / ٧٨٠ .
(٣) الحمل : أي الخروف .
(٤) الجدي : ذكر الماعز في السنة الأولى .
- ٤٣٢ -

وإذا حلف ألا يكلم هذا الشاب ، فكلمه بعدما شاخ : حنث لأن العين
قائمة لم تتغير ، وإنما الذي تغير هو الوصف ، لا بعض الشخص المحلوف عليه .
أما لو حلف لا يكلم شاباً ، فكلم شيخاً : فإنه لا يحنث بالاتفاق ؛ لأن اليمين
وقعت على نكرة موصوفة بصفة الشباب ، وذكر الصفة بمنزلة اشتراط الشرط ،
ومن المعلوم أن صفة الشباب لا تنطبق على الشيوخ .
اختلاف الحنفية في حكم خلط اللبن بالماء : إذا حلف إنسان لا يذوق
من هذا اللبن شيئاً ، فصب فيه ماء فذاقه أو شربه : ينظر إذا كان اللبن غالباً :
حنث ، لأنه إذا كان غالباً يسمى لبناً ، وإذا كان الماء غالباً لا يحنث ، وهذا
ينطبق على النبيذ إذا صبه في خل ، أو الماء المالح إذا صب على ماء عذب ،
فالعبرة فيه للغلبة ، وهذا باتفاق الصاحبين ، غير أن أبا يوسف اعتبر الغلبة في
اللون أو الطعم ، لا في الأجزاء ، فإن بقي لون اللبن أو طعمه يحنث وإن كان
اللبن أقل . أما إذا ذهب طعم اللبن أو لونه فلا يحنث ، وإن كانت أجزاء اللبن
أكثر، لأنه إذا كان اللون والطعم باقيين كان اسم الشيء باقياً .
ونظر محمد إلى غلبة الأجزاء ، فقال : إن كانت أجزاء المحلوف عليه غالبة
يحنث ، وإن كانت مغلوبة لا يحنث ؛ لأن الحكم يتعلق بالأكثر ويكون الأقل
تبعاً للأكثر .
وذكر محمد: أنه لو حلف إنسان لا يأكل سمناً ، فأكل سويقاً لتَّه(١) بسمن
ولا نية له أخرى : إن كانت أجزاء السمن تستبين في السويق ويوجد طعمه
يحنث . وإن كان لا يوجد طعمه ، ولا يرى مكانه لم يحنث لأنها إذا استبانت لم
(١) السويق: هو الناعم من دقيق الحنطة والشعير، ولت السويق : خلطه بالسمن .
- ٤٣٣ -
الفقه الإسلامي جـ ٣ (٢٨)

تصر مستهلكة ضمن غيرها ، فكأنه أكل السمن بنفسه منفرداً ، وإذا لم تستبن أجزاء
السمن ، فقد صارت مستهلكة في غيرها ، فلا يعتد بها .
اختلاط الشيء بجنسه : وإذا اختلط المحلوف عليه بجنسه كاللبن المحلوف
عليه إذا اختلط بلبن آخر ، قال أبو يوسف : حكمه حكم خلط اللبن بالماء تعتبر
فيه الغلبة ، فإن كانت الغلبة لغير المحلوف عليه ، لم يحنث في يمينه ، لأنه في معنى
الشيء المستهلك في غيره .
وقال محمد : يحنث وإن كان المحلوف عليه مغلوباً ؛ لأن الشيء لا يصير
مستهلكاً بجنسه ، وإنما يصير مستهلكاً بغير جنسه ، وحينئذ يعتبر كأنه غير
مغلوب .
ولكن يلاحظ أن الإمام محمد لم يجعل خلط الجنسين استهلاكاً أي ( إعداماً
لذات الشيء ) إذا كان الجنس والنوع والصفة في كل منهما واحداً ، فإذا اختلف
النوع كلبن الضأن ولبن المعز، أو اختلفت الصفة كالماء العذب والماء المالح ،
فيجعل خلطهما استهلاكاً ، ويعتبر الحكم في الخليط للغلبة كما في حالة اختلاط
(١)
الجنسين(١) .
٥ - الحلف على الإدام: لو حلف لا يأكل إداماً، فالإدام : كل
ما يصطبغ(٢) به مع الخبز عادة كاللبن والزيت والمرق والخل والعسل ونحوها ،
وما لا يصطبغ به فليس بإدام مثل : اللحم والجبن والبيض ، وهذا قول أبي
حنيفة ، وفي رواية عن أبي يوسف . وقال محمد وبقية الفقهاء وفي رواية أخرى
(١) انظر ما ذكر في المبسوط: ٨ / ١٨٢ وما بعدها، الفتاوى الهندية: ٢ / ٧٦ وما بعدها، البدائع: ٣ / ٦٢
وما بعدها ، فتح القدير: ٤ / ٤٥ وما بعدها ، تبيين الحقائق: ٣ / ١٢٦، الدر المختار: ٣ / ٩٧.
(٢) يقال : اصطبغ بالصبغ أي الإدام : ائتدم .
- ٤٣٤ _
٠٠

عن أبي يوسف : إن كل ما يؤكل بالخبز : فهو إدام مثل اللحم والبيض والجبن ،
بدليل ما روي عن رسول الله مؤلف أنه قال: ((سيد إدام أهل الجنة اللحم)) (١)
ولأن الإدام من الائتدام وهو الموافقة ، والموافقة بين هذه الأشياء وبين الخبز في
الأكل أمرها ظاهر ، فكانت إداماً ، ولأن الناس يأتدمون بها عرفاً وعادة . وهذا
هو الرأي الأظهر المفتى به عند الحنفية .
وبناء عليه هناك ثلاثة أوجه في أكل الإدام :
آ - إن أكل ما يؤتدم به كالزيت والخل يحنث بالاتفاق ؛ لأن هذه الأشياء
تصير تبعاً للخبز ، ولا تؤكل مقصودة بنفسها ، وهذا هو معنى الإدام .
ب - إن أكل مع الخبز والجبن واللحم والبيض: يحنث على الرأي المختار،
وهو قول محمد . ولا يحنث على الرأي المرجوح وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف .
وأما الأرز : فإن كان في بلد يؤكل تبعاً للخبز يكون إداماً عند محمد ،
فيحنث بأكله ، وإن كان يؤكل مقصوداً بنفسه في عرف الناس كما في بلاد الشرق
الأقصى ، فلا يحنث ، لأنه ليس إداماً عندهم .
جـ - وإن أكل مع الخبز عنباً وسائر الفواكه أو البقول: لا يحنث
بالاتفاق ، لأنها تؤكل وحدها ، ولا تؤكل إداماً مقصوداً ، بل هي تبع للأكل مع
الإدام ، إلا في موضع تؤكل تبعاً للخبز غالباً مراعاة للعرف(٢).
(١) رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء مرفوعاً به بلفظ: (( سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة:
اللحم)» وسنده ضعيف، ورواه ابن قتيبة في غريبه والطبراني عن بريدة مرفوعاً أيضاً بلفظ: (( سيد إدام أهل الدنيا
والآخرة: اللحم)) ورواه أبو نعيم في الطب عن علي بن أبي طالب بلفظ: ((سيد طعام الدنيا والآخرة : اللحم)) أو:
((خير طعام .. )) ( انظر نيل الأوطار: ٨ / ٢٢٢، المقاصد الحسنة للسخاوي: ص ٢٤٤، الجامع الصغير: ٢ / ٣٥).
(٢) المبسوط: ٨ / ١٧٧، البدائع: ٣ / ٥٧، الدر المختار: ٣/ ١٠٣ وما بعدها، فتح القدير: ٤ / ٥٤ ،
تبيين الحقائق: ٣ / ١٣١، المغني: ٨ / ٨٠٥ .
- ٤٣٥ -

٦ - عدم أكل اللحم : لو حلف لا يأكل لحماً ، فأي لحم أكل من سائر
الحيوان غير السمك حنث . أما إن أكل سمكاً فلا يحنث وإن سماه الله عز وجل لحماً
في قوله تعالى: ﴿لَماً طرياً﴾ لأنه لا يسمى لحماً في العرف ولا يراد به عند
الاطلاق اسم اللحم ، فإن الرجل يقول : ما أكلت اللحم كذا يوماً ، وإن كان قد
أكل سمكاً ، وإطلاق القرآن عليه مجرد تسمية . وهذا هو مذهب الشافعية أيضاً(١) ،
ولا يشمل الكَرْش والكبد والطّحال والقلب في الأصح عند الشافعية ، ويشمل لحم
الرأس واللسان وشحم الظهر والجنْب .
وقال المالكية والحنابلة : يحنث بأكل شحم الظهر والجنب وبأكل السمك ،
لأن الله سماه لحماً في قوله سبحانه: ﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً
طرياً﴾، وقال: ﴿ومن كلُ تأكلون لحماً طرياً﴾، ولأنه من جسم حيوان(٢).
واللحم عند الحنابلة لا يشمل الشحم والمخ والدماغ ، إلا إن أراد اجتناب
الدسم ، فيحنث بأكل الشحم .
ولو أكل شحم الظهر يحنث عند الحنفية ؛ لأنه لحم سمين . ولو أكل شحم
البطن والآلية: لا يحنث ، لأنه لا يسمى لحماً ، ولا يباع مع اللحم أيضاً ، فإن
نواه يحنث ؛ لأنه شدد على نفسه ، ولأن فيه معنى اللحم من وجه وهو الدسومة .
وكذلك يحنث إن نوى لحم السمك ، لأنه لحم ناقص في معنى اللحمية .
ولو أكل أحشاء البطن مثل الكرش والكبد والقلب والكلي والرئة والأمعاء
والطحال : ذكر الكرخي أنه يحنث في عادة أهل الكوفة في زمن أبي حنيفة ،
(١) المهذب: ٢ / ١٣٤، مغني المحتاج: ٤ / ٣٣٦.
(٢) المغني: ٨ / ٨٠٩، ٨١١ وما بعدها، الشرح الكبير: ٢ / ١٤٣.
- ٤٣٦ -
٠٠

لأن ذلك يباع مع اللحم ، وأما في الموضع الذي لا يباع مع اللحم كما في عرفنا
الحاضر فلا يحنث به .
ولو أكل لحم الرأس من الحيوانات ، سوى السمك : يحنث ؛ لأن الرأس عضو
من أعضاء الحيوان ، فكان لحمه كلحم سائر الأعضاء ، بخلاف ما إذا حلف
لا يشتري لحماً ، فاشترى رأساً: إنه لا يحنث ، لأن مشتريه لا يسمى مشتري
لحم ، وإنما يقال: اشترى رأساً(١) .
٧ - عدم أكل الشحم : ولو حلف لا يأكل شحماً فاشترى شحم الظهر لم
يحنث عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد ؛ لأنه لا يسمى شحماً عرفاً وعادة ، بل
يسمى لحماً سميناً ، فلا يتناوله اسم الشحم عند الإطلاق ، وتسمية الله تعالى إياه
شحاً لا يدل على دخوله تحت اليمين إذا لم يكن متعارفاً ، والأيمان مبنية على
العرف ، وإنما يحنث بشحم البطن والأمعاء .
وقال الصاحبان والمالكية : يحنث بأكل شحم الظهر أيضاً ، لقوله تعالى :
ومن البقر والغنم حرمنا غليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما ﴾ والمستثنى من
جنس المستثنى منه ، فدل أن شحم الظهر شحم حقيقة(٢) وهذا ما يؤيده عرف
اليوم أنه شحم .
٨ - عدم أكل الرأس أو شرائه: لو حلف لا يأكل رأساً أو لا يشتري : إن
نوى الرؤوس كلها انصرف إليها ، لأنه نوى حقيقة كلامه وشدد على نفسه . وإن
لم يكن له نية فإن اسم الرأس يتناول جميع ما يباع في بلد الحالف من الرؤوس .
(١) المبسوط: ٨ / ١٧٦، البدائع: ٣ / ٥٨، فتح القدير: ٤ / ٤٧، تبيين الحقائق: ٣ / ١٢٧، الدر المختار:
٣ / ٩٩ .
(٢) المراجع السابقة: فتح القدير: ص ٤٨، تبيين الحقائق: ص ١٢٨، الدر المختار: ص ١٠٠، مغني
المحتاج: ٤ / ٣٣٧، الشرح الكبير : ٢ / ١٤٤.
- ٤٣٧ -

وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولاً : يدخل فيه رأس الإبل والبقر والغنم ، ثم
رجع فقال : يحنث في رأس البقر والغنم خاصة . وقال الصاحبان : لا يحنث إلا
في رأس الغنم خاصة .
قال متأخرو الحنفية : وهذا اختلاف عصر وزمان وتبدل عادة لا اختلاف
حجة وبرهان ، إذ مسائل الأيمان مبنية على العرف ، فتدور معه(١) .
وقال الشافعية(٢) : من حلف لا یأکل الرؤوس ، ولا نية له ، حنث برؤوس
تباع وحدها ، وهي رؤوس الغنم قطعاً ، وكذا الإبل والبقر على الصحيح ؛ لأن
ذلك هو المتعارف . ولا يحنث بأكل رؤوس طير وحوت وصيد وخيل إلا ببلد
تباع فيه مفردة ، لكثرتها واعتياد أهلها ، فيحنث بأكلها فيه ؛ لأنها كرؤوس
الأنعام في حق غيرهم .
٩ - عدم أكل البيض: إذا حلف لا يأكل بيضاً: فإن نوى بيض كل
شيء ، يقع عليه عند الحنفية ؛ لأنه نوى حقيقة كلامه ، وشدد على نفسه وإن لم
تكن له نية فيقع على ما له قشر : وهو بيض الطير والدجاج والأوز، بدلالة
العرف(٣) . ويقع اسم البيض عند الشافعية(٤) على كل ما يفارق بائضه في الحياة
کدجاجة ونعامة وحمام ، لا سمك وجراد .
١٠ - عدم أكل الطبيخ: لو حلف لا يأكل طبيخاً : فإن نوى اللحم وغيره
يقع عليه ، لأنه طبيخ حقيقة ، وفيه تشديد على نفسه . وإن لم ينو شيئاً ينصرف
(١) انظر المبسوط، المرجع السابق، فتح القدير، المرجع السابق: ص ٥٢ ، تبيين الحقائق: ص ١٣٠، الدر
المختار: ص ١٠٢ ، البدائع : ص ٥٩ .
(٢) مغني المحتاج : ٤ / ٣٣٥.
(٣) البدائع : ٣ / ٥٩ .
(٤) مغني المحتاج : ٤ / ٣٣٦.
- ٤٣٨ -

إلى المتعارف عليه وهو كل مطبوخ بالماء . وكان العرف السابق يعني بالطبيخ :
اللحم المطبوخ بالماء ليسهل أكله ، ويعني أيضاً المرقة المتخذة منه لما فيها من
أجزاء اللحم .
١١ - عدم أكل الشواء: لو حلف لا يأكل شواء ونوى أكل لحم مشوي
بالنار : يحنث بأكل أي مشوي ، لأنه نوى حقيقة كلامه وإن لم يكن له نية فإنما
يقع على اللحم خاصة لتعارف الناس في السابق عليه ، وأما اليوم فينصرف إلى
ما يتعارفه الناس أيضاً .
١٢ - عدم أكل الحلو: إذا حلف لا يأكل حلواء أو حلواً أو حلاوة :
فالأصل الذي كان مقرراً عند السابقين : هو أن الحلو : هو ما ليس من جنسه
حامض . وغير الحلو : ما كان من جنسه حامض ، والمرجع فيه إلى العرف .
فيحنث بأكل الخبيص والعسل والسكر والرطب والتمر والتين وأشباهها ،
لأنه ليس من جنسها حامض ، ولا يحنث بأكل العنب الحلو والبطيخ الحلو
والرمان الحلو والإجاص الحلو والتفاح الحلو والزبيب ؛ لأن من جنسها ما ليس
بجلو ، فلم يخلص معنى الحلاوة فيها .
وأما الحلواء : فيقع على المصنوع من الحلاوة وحدها ، أو مع غيرها
كالخبيص والناطف: وهو ما يصنع من الطحينة والسكر (١) .
والحقيقة أن تفسير الحلوى وغيرها مرجعه إلى العرف كما قالوا ، ففي عرفنا
يراعى ما هو المقصود من الحلويات أو الحلاوة عند الناس .
قال ابن عابدين : وفي زماننا الحلو : كل ما يتحلى به من فاكهة وغيرها
٠٠٠
(١) المبسوط: ٨ / ١٧٨، البدائع: ٣ / ٥٩، فتح القدير: ٤ / ٥٢، تبيين الحقائق: ١٢٩/٣.
- ٤٣٩ -

1
كتين وعنب وخبيصة وكنافة وقطائف ، وأما الحلاوة والحلوى : فهي اسم لنوع
خاص كالجوزية والسمسمية مما يعقد ، وكذا ما يطبخ من السكر أو العسل
بطحين أو نشا(١).
١٣ - عدم أكل الفاكهة : الكلام في الحلف على ألا يأكل الفاكهة على النحو
الذي ذكره فقهاء الحنفية بحسب عرفهم السابق يتناول أصنافاً ثلاثة نعرضها هنا
عرضاً تاريخياً ، ثم نذكر الحكم الفقهي الدائم :
الصنف الأول : يحنث به باتفاق الحنفية : وهو أنه يقع على ثمرة كل شجرة
سوى العنب والرطب والرمان ، سواء منها الطري واليابس ؛ لأنه ينطبق عليها
اسم الفاكهة : وهو كل ما يتفكه به ويؤكل قبل الطعام وبعده أي يتنعم به زيادة
على المعتاد .
الصنف الثاني : لا يحنث به بالاتفاق أيضاً : وهو أن يأكل القثاء والخيار
والجزر ؛ لأن معنى التفكه غير موجود فيها بحسب المعتاد ، لأنها من البقول بيعاً
وأكلاً .
الصنف الثالث : اختلفوا فيه وهو العنب والرطب والرمان : فعند أبي
حنيفة لا يحنث بها ؛ لأن الفاكهة من التفكه : وهو التنعم بما لا يتعلق به البقاء
زيادة على المعتاد ، وهو مما لا يصلح غذاء ولا دواء ، وهذه الأشياء مما يتغذى بها
ويتداوى بها ، لأن الرطب والعنب يؤكلان غذاء ، ويتعلق بها بقاء الجسد .
وبعض الناس في بعض المواضع يكتفون بها . والرمان يؤكل للتداوي فليس في
هذه الأشياء معنى التفكه الكامل ، فلا يتناولها اسم الفاكهة ، ويؤيده قوله
تعالى: ﴿فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً، وزيتوناً ونخلاً ، وحدائق غُلْباً،
(١) رد المحتار على الدر المختار: ٣ / ١٠٣.
- ٤٤٠ -