النص المفهرس
صفحات 401-420
معنى الدخول : الدخول : هو الانتقال من خارج المكان إلى داخله . فإن حلف إنسان لا يدخل هذه الدار وهو فيها ، فمكث بعد يمينه . لا يحنث استحساناً ، والقياس أن يحنث وهو قول غير الحنفية ، ووجه ذلك أن المداومة على الفعل هي بحكم إنشاء الفعل . ووجه الاستحسان : أن معنى الدخول المذكور وهو ( الانتقال من خارج الشيء إلى داخله ) لا يتحقق ؛ لأن الدوام هو المكث ، والمكث استقرار في الشيء فيستحيل أن يكون انتقالاً . ولو حلف ألا يدخل داراً أو بيتاً أو مسجداً أو حماماً ، فعلى أي وجه دخل : من الباب أو غيره ، حنث لوجود الدخول ، فإن نزل على سطحها ، حنث عند الجمهور غير الشافعية ؛ لأن سطح الدار منها ، إذ الدار اسم لما تدور عليه الدائرة ، والدائرة أحاطت بالسطح . وكذا لو أقام على حائط من حيطانها ؛ لأن الحائط مما تدور عليه الدائرة ، فكان كسطحها ، وهذا هو مذهب المالكية والحنابلة في أن سطح الدار منها ، وحكمه كحكمها . وقال الشافعية : لا يحنث بصعود سطح من خارج الدار، لأنه لا يسمى داخل الدار لغة ولا عرفاً ، لأنه حاجز يقي الدار الحر ، والبرد ، فهو کحيطانها . ولو قام على ظلة للدار شارعة(١) أو كنيف شارع(٢): فإن كان مفتح ذلك (١) الظلة : كل ما أظلك من بناء أو جبل أو سحاب أي سترك وألقى ظله عليك من الحر والبرد . وقول الفقهاء : ظلة الدار يريدون بها السدة التي فوق باب الدار أي الساباط الذي يكون على باب الدار، ولا يكون فوقه بناء . وكذلك إذا كان فوقه بناء إلا أن مفتحه إلى الطريق ، وهو المراد بقوله : ظلة شارعة أي سقيفة تابعة للدار ، ولكنها فوق طريق يسير فيه الناس . والشارعة مؤنث الشارع . وإنما لم يحنث في الحالة الأولى : لأنه لا ينطلق عليه اسم البيت ولعدم البيتوتة فيه . وفي الحالة الثانية : لا يحنث لأنه ليس من جملة البيت المنسوب إلى شخص . (٢) الكنيف : هو الكنّة التي تشرع فوق باب الدار . الفقه الإسلامي جـ ٣ (٢٦) - ٤٠١ - إلى الدار يحنث ، لأنه ينسب إليها ، فيكون من جملة الدار وإلا فلا يحنث . وإن قام على أُسكفّة(١) الباب: فإن كان الباب إذا أغلق كانت الأسكفة خارجة عن الباب لم يحنث لأنه خارج ، وإن بقيت من داخل الدار حنث ، لأنه داخل ؛ لأن الباب يغلق على ما في داخل الدار ، لا على ما في الخارج . ولو دخل دهليز(٢) الدار حنث باتفاق الحنفية والشافعية ؛ لأنه من داخل الدار . ولو دخل ظلة باب الدار لا يحنث ، لأنها اسم للخارج . وإن أدخل الحالف إحدى رجليه في الدار ، ولم يدخل الأخرى لا يحنث بالاتفاق ؛ لأنه لم يوجد الدخول مطلقاً ، وهو الانتقال بكله ، وإنما دخل بعضه ، وكذا إذا أدخل رأسه دون قدميه(٣) . ولو حلف لا يدخل داراً ، فدخل داراً بعد انهدامها ولا بناء عليها لا يحنث . ولو عين المحلوف عليه ، فقال : ( والله لا أدخل هذه الدار ) فذهب بناؤها بعد يمينه ، ثم دخلها ، يحنث . والفرق بين الصورتين : هو أنه إذا ذكر الحالف لفظ الدار منكَّراً، فإن النكرة تنصرف إلى المتعارف ، وهي الدار المبنية ، فما لم يوجد البناء وهو وصف الدار لا يحنث ، وأما إذا قال : ( هذه الدار) فهو إشارة إلى الشيء المعين الحاضر، فيراعى ذات المعين ، لا صفته ؛ لأن الوصف للتعريف ، والإشارة كافية للتعريف ، وذات الدار قائمة بعد الانهدام ؛ لأن الدار في اللغة اسم للعَرْصة يقال : (١) الأَسْكفَّة - بضم الألف والكاف وتشديد الفاء : وهي خشبة الباب التي يوطأ عليها . (٢) الدهليز - بكسر الدال : ما بين الباب والدار . (٣) انظر ما ذكر في البدائع: ٣ ص ٣٦، المبسوط: ٨ ص ١٦٨، الفتاوى الهندية: ٢ ص ٦٤ ، تبيين الحقائق: ٣ ص ١١٨، فتح القدير: ٤ ص ٢٩، ٣٤، الدر المختار: ٣ ص ٨٠ . وانظر ماذكر من مذاهب غير الحنفية في كتاب المغني: ٨ ص ٧٧٢، ٧٧٥، ٧٧٨ ، مغني المحتاج: ٤ ص ٣٣٢، المهذب : ٢ ص ١٣٢، القوانين الفقهية: ص ١٦٢، الشرح الكبير: ٢ / ١٥٤. - ٤٠٢ - دار عامرة ودار غير عامرة ، وقد شهدت أشعار العرب بذلك ، والعرصة قائمة بعد انهدام الدار. ولو أعيد البناء فدخلها يحنث سواء ذكر الدار منكراً أو معيناً(١) . وقال الشافعية والمالكية : إن حلف لا يدخل هذه الدار فانهدمت ، وصارت ساحة ، أو جعلت حانوتاً أو بستاناً ومسجداً أو حماماً ، فدخلها ، لم يحنث ، لأنه زال عنها اسم الدار . ثم إن أعيدت بغير تلك الآلة أي بأدوات بناء جديدة من حجارة واسمنت ونحوها لم يحنث بدخولها ، لأنها غير تلك الدار . وإن أعيدت بآلتها الأولى ففيه وجهان: أحدهما وهو الأصح: يحنث ، والآخر : لا يحنث(٢). الحلف على عدم دخول مسجد: لو قال شخص: (( لا أدخل هذا المسجد )) فهدم فصار صحراء ثم دخله ، فإنه يحنث لأنه مسجد ، وإن لم يكن مبنياً . وإذا دخل سطح المسجد يحنث ، لأنه مسجد . الحلف على عدم دخول بيت : ولو حلف : لا يدخل بيتاً أو هذا البيت ، فدخله بعد ما انهدم ولا بناء فيه ، لا يحنث ؛ لأن البيت اسم لما يبات فيه ، ولا يبات إلا في البناء ، وكذلك لا يطلق اسم البيت إلا على المبنى المسقف . الحلف على عدم دخول الفسطاط: لو حلف: (( لا يدخل هذا الفسطاط )» وهو مضروب في مكان ، فقلع وضرب في مكان آخر ، فدخله ، يحنث ؛ لأن اليمين يقع على عين الشيء ، والعين باقية لا تتبدل بنقلها من مكان إلى مكان . (١) البدائع، المرجع السابق: ص ٣٧، الدر المختار: ٣ ص ٨١ ، فتح القدير: ٤ ص ٣٠ - ٣٢ قال الشاعر: والبيت ليس ببيت بعد تهديم الدار دار وإن زالت حوائطها (٢) المهذب: ٢ ص ١٣٢، مغني المحتاج: ٤ ص ٣٣٢، الشرح الكبير للدردير: ٢ ص ١٥٨. - ٤٠٣ - عدم الجلوس إلى الحائط أو الأسطوانة: إذا حلف: (( لا يجلس إلى هذا الحائط ، أو إلى هذه الأسطوانة )) فهدما ، ثم بنيا بأنقاضهما ، فجلس إليه : لا يحنث ؛ لأن الشيء الجديد غير القديم ، فإن الحائط إذا هدم زال اسمه عنه ، وكذا الأسطوانة . الحلف على القلم والمقص ونحوهما: إذا حلف: ((لا يكتب بهذا القلم)) فكسر القلم ، بحيث لم تبق صورته ، ثم براه ، فكتب به ، لم يحنث ، لأنه إذا كسر، فقد زال عنه اسم القلم ، فبطلت اليمين . وكذلك إذا حلف على مقص أو سكين أو سيف ، فكسر ، ثم أعيد ثانية : لا يحنث ؛ لأن اسم الشيء قد زال بالكسر. ولو نزع الحالف مسمار المقص ونصاب السكين وجعل مكانه مسماراً آخر ، أو نصاباً آخر : يحنث ؛ لأن اسم الشيء لم يزل عنه ، وإنما تغير وصف التركيب . الحلف على عدم دخول الدار ثم جعلها شيئاً آخر : لو حلف : (( لا يدخل هذه الدار)) فجعلها بستاناً أو حماماً أو مسجداً : لا يحنث ، لأنها صارت شيئاً آخر من حيث الانتفاع بها والغرض من استعمالها(١). وإن حلف: (( لا يدخل بيتاً)» فدخل مسجداً أو بيعة أو كنيسة أو بيت نار(٢) ، أو دخل الكعبة ، أو حماماً أو دهليزاً أو ظلة باب دار: لم يحنث بالاتفاق؛ لأن البيت ما أعدَّ للبيتوتة ، وهذه البقاع ما بنيت لها ولأن هذه الأشياء لا تسمى بيتاً في العرف والعادة ، ومن المعلوم عند الحنفية أن الأيمان مبنية على (١) المبسوط: ٨ ص ١٧١ ، البدائع، المرجع السابق . (٢) البيعة بكسر الباء : معبد النصارى ، والكنيسة : معبد اليهود ، وبيت النار : معبد المجوس . - ٤٠٤ - العرف. وكذلك لا يحنث إن دخل صُفَّة(١) في عرفنا الحاضر؛ لأن الصُّفَّة لا تسمى بيتاً في العرف والعادة(٢). وهذا هو الحكم المقرر أيضاً عند الشافعية(٢)؛ لأن هذه الأشياء لا تدخل في إطلاق اسم البيت ، ولأن البيت اسم لما جعل للإيواء والسكنى ، وهذه الأشياء لم تجعل لذلك ، ولا تسمى بيتاً عرفاً . ويحنث عندهم بدخول أو سکنی كل بيت من طين أو حجر أو آجر أو خية أو بيت شعر أو جلد ، لأن اسم البيت يقع على ذلك كله حقيقة في اللغة ، سواء أكان الحالف حضرياً أم بدوياً . وخالفهم المالكية(٤) ، فقالوا : إن حلف ألا يدخل على فلان بيتاً ، حنث إن دخل عليه في الحمام لا في المسجد . الحلف على عدم دخول باب الدار: لو حلف: (( لا يدخل من باب هذه الدار)) ، فدخلها من غير الباب ، لم يحنث بالاتفاق ، لعدم الشرط وهو الدخول من الباب . ولو جعل للدار باب آخر، فدخل منه يحنث ؛ لأن الحلف على باب منسوب إليها ، فيستوي القديم والحادث إلا إن عين ذلك الباب في حلفه ، ولو نواه ولم يعينه يدين فيما بينه وبين الله تعالى ، لأن لفظه يحتمله ، ولا يدين في القضاء ، لأنه خلاف الظاهر ، حيث أراد بالمطلق المقيد . ولو حلف: (( لا يدخل من باب الدار»: فمن أي باب دخل حنث إلا إذا أراد به الباب المعروف ، فيدين فيما بينه وبين الله تعالى ، دون القضاء(٥) . (١) الصفّة: موضع مظلل وهو بيت صيفي يكون مسقوفاً بجريد النخل ونحوه . وصفة المسجد : مقعد بالقرب منه مظلل . (٢) المبسوط ، المرجع السابق: ص ١٦٩، الفتاوى الهندية: ٢ ص ٦٣ ، البدائع، المرجع السابق: ص ٣٨ ، فتح القدير: ٤ ص ٢٩، ٣٢، تبيين الحقائق: ٣ ص ١١٧، الدر المختار: ٣ ص ٨٠ . (٣) المهذب: ٢ ص ١٣٢، مغني المحتاج: ٤ ص ٣٣٢، ٣٣٤ . (٤) القوانين الفقهية : ص ١٦٣ . (٥) البدائع، المرجع السابق: ص ٣٨ ، فتح القدير، المرجع السابق: ص ٣٤ ، المغني: ٨ / ٧٧٣ . - ٤٠٥ - الحلف على عدم دخول دار فلان : وإن حلف لا يدخل دار فلان فدخل داراً بين فلان وبين آخر ، فإن كان فلان ساكناً فيها بالإجارة حنث ، وإذا كان مالكاً بعضها حنث من باب أولى . وإن لم يكن ساكناً فيها لا يحنث ، لأن الدار مضافة إلى الشخصين إضافة ملك ، وكل الدار ليست مضافة إلى أحدهما ، لأن بعض الدار لا يسمى داراً ، وحينئذ لا يقال : إن الدار لفلان . وهذا يفترق عما إذا حلف لا يزرع أرض فلان ، فزرع أرضاً بين فلان وشخص آخر ، فإنه يحنث ، لأن كل جزء من الأرض يسمى أرضاً ، وبعض الدار لا يسمى داراً كما أشرنا . وكذلك قال المالكية والشافعية في الأظهر(١): من حلف لا يدخل على زيد ، فدخل بيتاً فيه زيد وغيره حنث مطلقاً ، لوجود صورة الدخول عليه . لكن لو حلف لا يسلم على فلان ، فسلّم على قوم هو فيهم واستثناه ، لا يحنث ، وإن أطلق حنث في الأظهر ، كالدخول . الحلف على عدم دخول بيت فلان : لو حلف شخص لا يدخل بيت فلان ، ولا نية له ، فدخل صحن داره ، وفلان ساكن فيها لا يحنث حتى يدخل البيت ؛ لأن البيت اسم لموضع يبات فيه عادة ، ولا يبات في صحن الدار عادة ، فإن نواه يصدق ، لأنه شدد على نفسه . الحلف على عدم دخول الدار إلا مجتازاً : لو حلف لا يدخل هذه الدار إلا مجتازاً أو عابر سبيل : فإن دخل وهو لا يريد الجلوس ، لا يحنث ، لأنه عقد يمينه على كل دخول ، واستثنى دخولاً بصفة الاجتياز، وقد دخل على الصفة المستثناة . (١) مغني المحتاج: ٤ / ٣٣٤ وما بعدها، الشرح الكبير: ٢ / ١٤٥ وما بعدها . - ٤٠٦ - فإن دخل يعود مريضاً ، ومن رأيه الجلوس عنده ، يحنث ، لأنه دخل لا على الصفة المستثناة . وإن دخل لا يريد الجلوس ، ثم بدا له بعد ما دخل فجلس ، لا يحنث ، لأنه لم يحنث بدخوله ، والبقاء على الدخول ليس بدخول . وإن نوى بقوله : (( لا يدخلها إلا مجتازاً )) النزول فيها والدوام : لا يحنث بالجلوس ، لأنه يقول : دخلت عابر سبيل : بمعنى أنه لم يدم على الدخول ولم يستقر(١). الحلف بالدخول على فلان : لو حلف إنسان لا يدخل على فلان ، فدخل عليه في بيته : فإن كان يقصده بالدخول حنث ، وإن لم يقصده لا يحنث ، وكذلك إذا دخل عليه في بيت رجل آخر ، ولم يقصده بالدخول ، لا يحنث . وإنما اعتبر القصد حتى يصير داخلاً عليه ؛ لأن الإنسان إنما يحلف ألا يدخل على غيره استخفافاً به وتركاً لإكرامه عادة ، وهذا لا يكون إلا مع القصد . 8 وذكر الكرخي عن ابن سماعة في نوادره خلاف هذا ، فقال في رجل قال : ((والله لا أدخل على فلان بيتاً » فدخل بيتاً على قوم ، وفيهم فلان ، ولم يعلم به الحالف ، فإنه حانث بدخوله ، فلم يعتبر القصد للدخول على فلان . ودليله أنه جعل شرط الحنث الدخول على فلان ، وقد وجد الشرط ، والعلم بشرط الحنث ليس بشرط في الحنث ، كمن حلف لا يكلم زيداً ، فكلمه وهو لا يعرف أنه زيد . ولكن ظاهر المذهب هو الرأي الأول . ولو علم الحالف أن فلاناً في القوم ، فدخل ينوي الدخول على القوم لا عليه : لا يحنث فيما بينه وبين الله عز وجل ، لأنه إذا قصد غيره لم یکن داخلاً (١) البدائع: ص ٣٩ . - ٤٠٧ - عليه ، ولا يصدق قضاء ؛ لأن الظاهر دخوله على الجماعة وما في اعتقاده لا يعرفه القاضي . فإن دخل عليه في مسجد أو ظلة أو سقيفة أو دهليز دار : لم يحنث لأن الدخول يقع على الدخول المعتاد ، وهو الذي يدخل الناس فيه بعضهم على بعض ، ولا يكون هذا إلا في البيوت . فإن دخل في فسطاط(١) أو خيمة أو بيت شعر: لم يحنث إلا أن يكون المحلوف عليه من أهل البادية ، لأنهم يسمون ذلك بيتاً ، والتعويل في شأنه على العرف والعادة . ولو دخل عليه في داره ، وفلان في بيت من الدار: لم يحنث ، لأنه ليس بدخول عليه . وإن كان في صحن الدار، يحنث ، لأنه يكون داخلاً عليه إذا شاهده . وإن دخل عليه في المسجد أو الكعبة أو الحمام ، لا يحنث ، لأن المقصود بهذه اليمين الامتناع من الدخول في المواضع التي يُكرَّم الناس بالدخول عليهم فيها ، 5 وهذا لا يوجد في هذه المواطن . ولو دخل الحالف داراً ليس فيها فلان ، فدخل فلان تلك الدار : لا يحنث ، لأنه ما دخل على فلان ، بل فلان دخل عليه فلا يحنث(٢). وذكر المالكية (٣) : أن من حلف ألا يدخل دار فلان ، فدخل داراً مكتراة له ، حنث عندهم وعند الحنفية والحنابلة إن لم ينو دار الملك لأن الدار تضاف إلى (١) الفسطاط : بيت من شعر. (٢) انظر البدائع : ٣ ص ٤١ . (٣) القوانين الفقهية: ص ١٦٢، المغني: ٨ / ٧٧٣، الشرح الكبير: ٢ / ١٥٤. - ٤٠٨ - ساكنها . ومن حلف ألا يدخل دار فلان ، فانتقلت عن ملكه ، لم يحنث بدخولها. وإن قال: ((هذه الدار)) حنث . وقال الشافعية : لا يحنث إلا بدخول دار يملكها ؛ لأن الإضافة إلى المالك . واتفق الفقهاء(١) على أن من حلف لا يدخل داراً ، فأكره على دخولها ، ولم يمكنه الامتناع ، لم يحنث ؛ لأن الفعل غير موجود منه ولا منسوب إليه . المطلب الثاني - الحلف على الخروج : الخروج مقابل للدخول وهو : الانتقال من داخل الشيء إلى خارجه . فلا يكون المكث بعد الخروج خروجاً ، كما لا يكون المكث بعد الدخول دخولاً ، والخروج كما يكون من البلدان والدور والمنازل والبيوت ، يكون من الأخبية والفساطيط والخيم والسفن لوجود تعريف الخروج ، وذلك كالدخول . والخروج من الدور المسكونة : أن يخرج الحالف بنفسه ومتاعه وعياله ، كما إذا حلف لا يسكن فيها . والخروج من القرى والبلدان : أن يخرج الحالف ببدنه خاصة . وهذا مبني على العرف ، فإن من خرج من الدار ، وأهله ومتاعه فيها لا يعد خارجاً من الدار، ومن خرج من البلد يعد خارجاً منها ، وإن كان أهله ومتاعه فيها(٢) . وهذا هو مذهب الحنابلة أيضاً(٣) ، فالحلف على الخروج يقتضي الخروج بنفسه وأهله ، كما لو حلف لا يسكنها . أما من حلف على الخروج من هذه البلدة ، فتتناول يمينه عند الحنابلة الخروج بنفسه ؛ لأن الدار يخرج منها صاحبها (١) المغني : ٨ / ٧٧١ . (٢) البدائع: ٣ص٤٢، فتح القدير: ٤ص٣٨، الدر المختار: ٣ص٨٥، الفتاوى الهندية: ٢ص٦٩، ٧٣ . (٣) المغني: ٨ص٧٧٠ . - ٤٠٩ - عادة في اليوم مرات ، فظاهر حاله أنه لم يرد الخروج المعتاد ، أما الخروج من البلد فهو بخلاف ذلك . وقال الشافعية : يتحقق معنى الخروج بأن يخرج الحالف بنفسه بنية الانتقال ، لأنه المحلوف عليه ، ولا يضر بقاء أهله ومتاعه(١) . ويترتب على مذهب الحنفية ما يأتي(٣) : الحلف على الخروج من البيت: لو قال رجل لامرأته: ((إن خرجت من البيت فأنت طالق )) فخرجت من البيت إلى صحن الدار ، حنث ، لأنه نوى ما يحتمله لفظه : وهو الانتقال من داخل الشيء إلى خارجه ، ولأن البيت غير الدار ، لأن البيت اسم لمسقف واحد ، والدار اسم لحدود يجمع البيوت والمنازل ، وبناء عليه إذا قال: (( إن دخل فلان بيتك )» فدخل صحن دارها ، دون بيتها ، لم يحنث . والحكم في هذين المثالين مبني على عرف الذين كانوا في عصر المجتهدين ، أما في عرف المتأخرين ، فإن اسم البيت يطلق على الدار والمنزل ، فيحنث في الثاني دون الأول . الحلف على الخروج من الدار: وإن قال: ((إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق )) فخرجت من هذه الدار من أي باب كان ، ومن أي موضع كان : من فوق حائط ، أو سطح أو نقب : حنث ، لوجود شرط الحنث ، وهو الخروج من الدار . الخروج من الباب: ولو قال: (( ان خرجت من باب هذه الدار فأنت (١) مغني المحتاج: ٤ص٣٢٩ . (٢) انظر البدائع : ٣ص٤٢ وما بعدها ، المبسوط : ٨ص١٧٣ وما بعدها . - ٤١٠ - طالق )) فخرجت من أي باب كان ، سواء من الباب القديم أو من الباب الحادث بعد اليمين ، حنث في يمينه لوجود شرط الحنث : وهو الخروج من باب الدار . فلو خرجت من السطح أو من فوق حائط أو نقب : لا يحنث ، لأنه ليس بباب . ولو عين باباً في يمينه فقال: ((ان خرجت من هذا الباب)» لا يحنث مالم تخرج من الباب المعين . وان خرجت من باب آخر ، لا يحنث ، لأنه قد يكون للتعيين فائدة أو غرض معين ، فيعتبر ذلك . الخروج لأمر معين: لو قال: (( ان خرجت من هذه الدار إلا في أمر كذا )» فخرجت في ذلك الأمر مرة ، ثم خرجت لأمر آخر : يحنث ، لأنه حرم عليها جميع حالات الخروج إلا خروجاً مقيداً بصفة معينة ، فإذا وجد منها الخروج المستثنى لا يحنث ، وان وجد خروج آخر يحنث . وان عنى بيمينه الخروج مرة يصح. وتكون ((إلا)» بمعنى ((حتى )» مجازاً، كأنه قال: ((ان خرجت من هذه الدار حتى تخرجي في أمر كذا)» فإذا خرجت في ذلك الأمر يسقط اليمين ، لتحقق الغاية من اليمين ، ولكن هذا يثبت ديانة لا قضاء ، لأنه مخالف لحقيقة اللفظ . الخروج مع فلان: لوقال: (( ان خرجت من الدار مع فلان فأنت طالق )) فخرجت وحدها أو مع غير فلان ، ثم خرج فلان ولحقها : لم يحنث ، لأن حرف (( مع)) للمصاحبة والقرآن ، فيقتضي مقارنتها في الخروج ، ولم يوجد ، لأن الدوام على الخروج ليس بخروج . بعض الحالات المتعلقة بالخروج من الدار : لوقال : « ان خرجت من هذه الدار فأنت طالق )» فدخلت في صحن الدار أو في بيت علو أو كنيف - ٤١١ - شارع (١) إلى الطريق العام ، فإنه لا يحنث ، لأن هذا لا يسمى خروجاً من الدار . هل الدوام على الشيء بحكم ابتداء الشيء ؟ لو قال لها وهي خارجة من الدار: ((إذا خرجت من الدار فأنت طالق)) لا يحنث . وكذلك إذا كانت في الدار، فقال: ((ان دخلت هذه الدار .. الخ )) لا يحنث ، ويقع اليمين على خروج ودخول مستأنف . أما لو قال: (( ان قمت أو قعدت أو لبست أو ركبت )) وهي قائمة أو قاعدة أو لابسة أو راكبة ، فدامت على ذلك ساعة ، يحنث . هذا هو مذهب الحنفية ؛ لأن الخروج معناه الانتقال من الداخل إلى الخارج والدخول عكسه ، وهذا مما لا دوام له ، فلا يعتبر الدوام على الخروج خروجاً . أما الركوب ونظائره ففعل له دوام أي تتجدد أمثاله ، فيكون له حكم الابتداء . ودليل التفرقة أنه يقال : ركبت أمس واليوم ، ولبست أمس واليوم ، ولا يقال : دخلت أمس واليوم إلا لدخول مبتدأ جديد(٢). وزعم الحنفية أن مذهب الشافعي يعتبر الدوام على الدخول والخروج له حكم ابتداء الفعل ، وهذا غير صحيح ، فإن نصوص المذهب الشافعي صريحة في أنه لو حلف إنسان ألا يدخل الدار وهو فيها ، أو لا يخرج منها ، وهو خارج ، فلا حنث في الصورتين ؛ لأن الدخول هو الانفصال من خارج إلى داخل ، والخروج عكسه ، ولم يوجد المعنى في الاستدامة ، فلهذا لا يسمى دخولاً ولا خروجاً . أما (١) أي السقيفة الممتدة خارج البيت إلى الشارع . (٢) البدائع : ٣ص٣٦ . - ٤١٢ - الدوام على اللبس والركوب والقيام والقعود فله حكم الابتداء ، فلو استمر في هذه الأحوال حنث(١) كما لاحظنا عند الحنفية . ومثل الركوب : الأكل والضرب : فلو قال لها وهي في الأكل والضرب : ((إذا أكلت أو ضربت، فأنت طالق)) فدامت على ذلك : يقع اليمين ؛ لأن كل جزء من هذا الفعل يسمى أكلا وضرباً . ومثل الدخول والخروج: ((الحيض والمرض)»: فلو قال رجل لامرأته وهي حائض أو مريضة : ((ان حضت أو مرضت، فأنت طالق)) فإن اليمين يقع على ما يستجد ويحدث من الحيض والمرض، كما هو عرف الناس . ولو نوى ما يحدث من الحيض في هذه المدة أو يزداد من المرض : يصح ، لأن الحيض ذو أجزاء ، يحدث حالا فحالاً ، فتصح نيته . ولو قال: ((ان حضت غدا)» وهو لا يعلم أنها حائض ، فإن اليمين يقع على الحيض المستجد الحادث . وان كان يعلم أنها حائض ، فإن اليمين يقع على هذه الحيضة إذا دام الحيض منها إلى أن يطلع الفجر واستمر ثلاثة أيام ، لأنه لما علم أنها حائض وقد حلف ، فقد أراد استمرار الحيض ، وما لم يكن ثلاثة أيام لا يكون حيضاً . الحلف على الخروج بدون إذن : قد يحلف الرجل بطلاق امرأته إذا لم يأذن لها بالخروج ، يإحدى الصيغ الآتية : ١ - أن يقول: ((أنت طالق ان خرجت من هذه الدار إلا بإذني أو برضاي )» ونحوه . (١) مغني المحتاج: ٤ص٣٣١. - ٤١٣ - ٢ - أن يقول: ((أنت طالق ان خرجت من هذه الدار حتى آذن لك أو حتى أرضى )) . ٣ - أن يقول: ((أنت طالق ان خرجت من هذه الدار إلا أن آذن لك أو إلا أن أرضى )). ونبدأ بالحالة الأولى وهي : ١ - أن يقول: ((إلا بإذني أو برضاي)): إذا قال رجل لامرأته: ((أنت طالق ان خرجت إلا بإذني أو بأمري أو برضائي أو بعلمي)) أوقال: ((ان خرجت من هذه الدار بغير إذني ، أو بغير أمري ، أو بغير رضائي ، أو بغير علمي )) ففي هذه الحالات كلها يحنث ان خرجت بغير اذنه ، ويشترط الاذن في كل مرة ، حتى لو أذن لها مرة فخرجت ، ثم عادت ، ثم خرجت بغير اذنه مرة أخرى ، حنث . وكذلك لو أذن لها مرة ، فقبل أن تخرج نهاها عن الخروج ، ثم خرجت بعدئذ يحنث . وان وجد خروج بإذن فهو خروج مستثنى من يمينه ، فلا یکون داخلاً تحت الپین ، فلا يحنث . والسبب فيه أنه جعل كل خروج شرطا لوقوع الطلاق ، واستثنى خروجاً موصوفاً بصفة : وهو أن يكون الخروج مصحوباً بالإذن ؛ لأن الباء في اللغة للإلصاق ، مثل كتبت بالقلم أي أنه التصقت الكتابة بالقلم ، فكل خروج لا يكون بتلك الصفة ، كان داخلاً في اليمين ، وصار شرطاً للحنث . قال الله تعالى: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ أي لا يوجد نزول إلا بهذه الصفة. ونظيره: مالو قال لامرأته: (( ان خرجت إلا بملاءة ، أو بقناع أو إلا راكبة فأنت طالق )) فإن وجد الخروج المستثنى لا يحنث ، وإن وجد لا على ذلك الوصف : يحنث ؛ لأن المستثنى غير داخل في اليمين ، وغير المستثنى داخل ، فيحنث ، لوجود الشرط . - ٤١٤ _ فإن أراد بقوله: ((إلا بإذني)) مرة واحدة: تصح نيته ، ويعمل بمقتصى نيته ديانة فيا بينه وبين الله عز وجل . أما قضاء فيعمل أيضا بموجب النية عند أبي حنيفة ومحمد ، وفي رواية عن أبي يوسف . وقيل : لا يعمل بنيته قضاء ، لأنه نوى خلاف الظاهر ؛ لأن ظاهر هذا الكلام يقتضي تكرار الإذن في كل مرة كما بينا ، وهو الرأي الراجح الذي عليه الفتوى . أما وجه قول الطرفين : فهو أن تكرار الإذن لم يثبت بظاهر اللفظ ، وإنما ثبت ياضار الخروج ، فإذا نوى مرة واحدة ، فقد نوى ما يقتضيه ظاهر كلامه . والحقيقة أن ظاهر الكلام : هو تكرار الإذن . وأما إذا أريد باليمين الإذن مرة واحدة ، فهذا مما يحتمله الكلام فقط ، ولذا كان المعول عليه في الفتيا ، هو رأي أبي يوسف ، فيصدق الحالف في أنه نوى مرة واحدة ديانة لا قضاء ، لأنه نوى التخفيف عن نفسه ، فلا يصدق في القضاء . والحيلة في هذه اليمين المتطلبة تكرار الإذن : أن يقول الزوج لامرأته : ((أذنت لك الدهر كله)) أو ((أذنت لك أبداً)) أو (( كلما شئت الخروج فقد أذنت لك)» فيثبت الإذن في كل مرة وجد فيها الخروج؛ لأن كلمة ((كلما)» توجب التعميم والتكرار . وكذلك لا يحنث إذا قال الزوج: (( أذنت لك عشرة أيام)) فخرجت مراراً في مدة العشرة . ولو أذن الزوج لامرأته في قوله: ((إلا بإذني )» مرة واحدة ، ثم نهاها عن الخروج بعد صدور الإذن الخاص يصح نهيه ، حتى لو خرجت بعد ذلك بغير اذنه : يحنث في يمينه ؛ لأنه صح رجوعه عن الإذن ، واليمين باقية ، فجعل كأنه لم يأذن . - ٤١٥ - أما لو أذن الزوج لامرأته إذناً عاماً : ثم نهاها عن الخروج بعدئذ نهياً عاماً عن جميع حالات الخروج ، فهل يؤثر هذا النهي أم لا ؟ قال محمد : يعمل بموجب النهي ، ويبطل إذنه الصادر منه بالخروج ، حتى أنها لو خرجت بعدئذ بغير إذنه ، يحنث ، بدليل أنه لو أذن لها مرة ، ثم نهاها يصح نهيه ، فكذا إذا أذن لها في كل مرة ، وجب العمل بنهيه ، ويزول الإذن بالنهي . ـي وقال أبو يوسف : لا يؤثر نهيه في الإذن السابق ويظل ساري المفعول ، لأن الإذن العام بالخروج يرفع اليمين ، لأنه بالإذن ألغى شرط وقوع الطلاق : وهو الخروج بدون إذن ، فإذا وجد النهي العام عن الخروج فلا يؤثر ، لأنه لا يمين هناك . وهذا بخلاف الإذن الخاص بالخروج مرة واحدة ، فإنه لم ترتفع اليمين ، فجاء النهي عن الخروج واليمين باقية ، فصح النهي(١) . ٢ - أن يقول: ((حتى آذن لك)): إذا قال رجل لامرأته: ((أنت طالق إن خرجت من هذه الدار حتى آذن لك أو آمر، أو أرضى أو أعلم » فيكفي الإذن مرة واحدة ، وتسقط اليمين ، حتى لو أذن لها مرة ، فخرجت ثم عادت ، ثم خرجت بغير إذن لا يحنث ، وكذا إذا أذن لها مرة ثم نهاها قبل أن تخرج ، ثم خرجت بعدئذ لا يحنث؛ لأن كلمة ((حتى)) تفيد الغاية، وهي بمعنى ((إلى)) وكلمة ((إلى)) لانتهاء الغاية، فينتهي اليمين بانتهاء مابعد ((حتى )» فيصير وجود الإِذن من الحالف غاية لمنع الخروج ، فلا تبقى اليمين بعد وجود الغاية . فإذا حدث خروج بعدئذ ، لا يحنث إذ لا يمين هناك ؛ لأن اليمين سقطت بالإذن ، فلا يعتبر النهي بعده . أما قبل الإذن فاليمين باقية فيحنث بالخروج . (١) المبسوط: ٨ص١٧٣، البدائع: ٣ص٤٣ وما بعدها، فتح القدير: ٤ص٤٠، تبيين الحقائق: ٣ص١٢٢ ، الدر المختار: ٣ص٨٩ وما بعدها . - ٤١٦ - ولو نوى بقوله: «حتى آذن لك » حصول الإذن في كل مرة : يصدق دیانة ـة: وقضاء ، لأنه نوى التشديد على نفسه(١) . ٣ - أن يقول: ((إلا أن آذن لك)): إذا قال رجل لامرأته: ((أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا أن آذن لك ، أو آمر أو أعلم ، أو أرضى » فهذا بمنزلة قوله: (( حتى آذن )) عند عامة العلماء . فلو أذن لها مرة واحدة ، فخرجت ، ثم خرجت مرة أخرى بغير إذنه لم يحنث، لأن ((إلا أن )) كلمة تفيد معنى الغاية ، فتنتهي اليمين بها، كما إذا قال: ((حتى آذن لك)). والسبب في أن كلمة (( إلا أن)) تفيد معنى الغاية ، مع أنها من حروف الاستثناء : هو أن صدر الكلام الذي قبل أداة الاستثناء ليس من جنس الإذن ، حتى يستثنى الإذن منه ، فيجعل مجازاً عن كلمة ((حتى)) لمناسبة بينهما : وهو أن حكم ما قبل الغاية مخالف لما بعدها ، كما أن حكم ما قبل الاستثناء يخالف ما بعده . وقال الفراء من علماء النحو: قول القائل: ((إلا أن آذن لك)) مثل قوله : ((إلا بإذني)) يتطلب تكرار الإذن في كل مرة من مرات الخروج، لأن المعنى ((إلا خروجاً بإذني))، إذ (( أن)) والفعل المضارع بعدها في تأويل المصدر، فصار تقدير الكلام: ((إن خرجت من الدار إلا خروجاً إذني )» وهذا كلام غير مستقيم ، فلزم تقدير الباء ، فيصير ((إلا خروجاً بإذني)) وإسقاط الباء في اللفظ مع ثبوتها في التقدير أمر جائز في اللغة ، كما روي عن رؤية بن العجاج أنه قيل له : كيف أصبحت؟ فقال: (( خير، عافاك الله )) أي بخير . وكذا يحذفون الباء في القسم، فيقولون: ((اللّهِ)) مكان قولهم: ((بالله )) وإذا كان حذف الباء جائزاً (١) انظر المراجع السابقة . - ٤١٧ - الفقه الإسلامي جـ٣ (٢٧) قدرت في الكلام لضرورة تصحيحه ، والدليل عليه قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بیوت النبي إلا أن يؤذن لكم ﴾ أي إلا بإذن لکم یتکرر بتكرار الدخول في كل مرة . ورد الحنفية بأن تصحيح الكلام بجعل ((إلا)) بمعنى ((حتى)) و((إلى)) أولى من تصحيح الكلام بالتقدير الذي قاله الفراء ؛ لأن التصحيح بجعل كلمة قائمة مقام أخرى أولى من التصحيح بطريق الاضمار والتقدير ، لأن الأول تغيير بتصرف في الوصف ، والاضار اثبات أصل الكلام ، ولا شك أن التصرف في الوصف بالتغيير والتبديل أولى من إثبات أصل الكلام . وأما قوله عز وجل : ﴿ إلا أن يؤذن لكم ) فإنه اقتضى تكرار الإذن في كل مرة لا بمقتضى اللفظ ، بل بدليل آخر: وهو أن دخول دار الغير بغير إذنه حرام ، ولأن الله تعالى قال ؛ ﴿ ان ذلكم كان يؤذي النبي ) ومعنى الأذى موجود في كل ساعة ، فشرط الإذن في كل مرة(١) . وقال الحنابلة والمالكية(٢) : الحكم في أنواع الألفاظ الثلاثة السابقة واحد ، وهو أنه متى خرجت بغير إذنه، طلقت وانحلت يمينه؛ لأن حرف ((إن )) لا يقتضي تكراراً ، فإذا حنث مرة انحلت اليمين ؛ لأنه علق الطلاق على شرط ، وقد وجد فيقع الطلاق ، كما لو لم تخرج بإذنه . تعليق الخروج بإذن فلان : لوقال الرجل لامرأته : (( ان خرجت إلا يإذن فلان )) فمات فلان قبل الإذن ، بطلت اليمين عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله . وقال أبو يوسف رحمه الله : اليمين باقية ، حتى لو خرجت بعدئذ يحنث . وهذا الخلاف مفرع على اختلافهم فيمن حلف (( ليشربن الماء الذي في هذا الكوز ، (١) المراجع السابقة . (٢) المغني: ٧٩٦/٨، الشرح الكبير : ١٤٨/٢، ١٥٧ - ٤١٨ - ولا ماء فيه)) . فعند الطرفين : لا تنعقد اليمين ؛ لأن تصور البرشرط لانعقاد اليمين ولبقائها في المستقبل عندهما . وعند أبي يوسف : تنعقد اليمين ، لأنه لا يشترط هذا الشرط عنده ، وإنما يكفي أن تكون اليمين على أمر في المستقبل . الإذن بالخروج دون أن تسمع المرأة : إن أذن الرجل لامرأته المحلوف عليها بالخروج من حيث لا تسمع عادة ، فخرجت ، بغير الإذن : يحنث عند أبي حنيفة ومحمد ، لأن الإذن اعلام ، قال الله تعالى: ﴿ وأذان من الله ورسوله ﴾ أي اعلام ، والإذن بحيث لا تسمع يكون اعلاماً ، فلا يكون إذناً ، فلم يوجد خروج مأذون فيه ، فيحنث ، ولأنه حرم عليها الخروج إلا خروجاً مأذوناً فيه مطلقاً بحيث يأذن وتسمع ، والخروج الذي حصل مأذون فيه من جهة واحدة ، فلم يكن هذا خروجاً مستثنى ، فبقي داخلاً تحت الحرمة . وقال أبو يوسف : لا يحنث ؛ لأن شرط الحنث وجود خروج غير مأذون فيه مطلقاً ، والخروج الذي حصل مأذون فيه من وجه لوجود كلام الإذن فلم يوجد شرط الحنث ، فلا يحنث بالشك . الحلف مقيد ببقاء الولاية : إذا حلف رجل على زوجته ألا تخرج من الدار، أو سلطان حلف رجلا ألا يخرج من بلدة إلا بإذنه ، ثم بانت المرأة من الزوج ، أو عزل السلطان عن عمله ، ثم خرجت المرأة والرجل بغير إذن : لم يحنث الحالف ، وسقطت اليمين ؛ لأن اليمين تقع على الحال التي يملك الحالف فيها الإذن : وهي بقاء الولاية ، فإذا زالت الولاية زالت اليمين . وتنطبق هذه القاعدة على ما إذا حلَّف الدائن مدينه ألا يخرج من بلدة إلا بإذنه ، فاليمين مقيدة بحال قيام الدين ، فإن خرج وعليه دين : يحنث . وإن خرج بعد أداء الدين أو إبراء المدين منه : لا يحنث ؛ لأن اليمين سقطت ، وإنما تتقيد اليمين ببقاء الدين . وهذا من تطبيقات يمين الفور التي تتقيد بدلالة الحال . ويترتب عليه أنه إن عاد - ٤١٩ - الدين أو غيره على المدين لم تعد اليمين(١) . والخلاصة : أن مذهب الحنفية يشترط تكرار الإذن في کل خروج في قول الحالف: ((إلا بإذني)). أما قوله: ((حتى آذن)) أو ((إلا أن آذن)) فلا يقتضي تكرار الإذن ، وإنما يكفي الإذن مرة واحدة ، ثم يسقط اليمين . مذاهب غير الحنفية في هذه الألفاظ : قال المالكية والشافعية : يكفي إذن واحد بالخروج في هذه الصور الثلاث: (( إلا بإذني » و « حتى آذن لك)» و (( إلا أن آذن لك)). فإذا أذن الحالف مرة واحدة تنحل اليمين ، ولا يحنث بخروجها بعدئذ ، لآن اليمين تعلقت بخروج واحد بحرف لا يقتضي التكرار، وإذا خرجت بغير إذن حنث . وإن خرجت بإذن بر في يمينه ؛ لأن البر يتعلق بما يتعلق به الحنث . وقال الحنابلة : لابد من تكرار الإذن في كل حالة من حالات الخروج في الصور الثلاث السابقة ؛ لأن الحالف علق الطلاق بشرط ، فإذا وجد الشرط وقع الطلاق ، وتنحل اليمين إن حنث مرة واحدة (٢). المطلب الثالث - الحلف على الكلام : لابد من وقوع الكلام من الانسان ، لأنه يحتاج إلى إيصال ما في نفسه إلى غيره للوصول إلى مقاصده وأغراضه . وللكلام أهميته في التوفيق أو التنازع بين (١) انظر هذه القضايا الثلاث في البدائع: ٣ ص٤٥ - ٤٦. (٢) انظر المغني: ٨ص٧٩٦ وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: ٢ص١٤٨، ١٥٧، الميزان للشعراني : ٢ ص١٣٢. - ٤٢٠ -