النص المفهرس

صفحات 341-360

ورفيقيه ووزيريه ومشيريه والمعاونين له على القيام في الدين ، القائمين بعده
بمصالح المسلمين ، جزاكما الله أحسن الجزاء )) .
ثم يعود إلى رأس قبر النبي مع الله ، في زاوية الحجرة المسورة ، ويستقبل
القبلة ، ويحمد الله تعالى ويمجده ، ويدعو لنفسه بما أهمه وما أحبه ، ولوالديه ،
ولمن شاء من أقاربه ، وأشياخه وإخوانه وسائر المسلمين ، ويبتدئ بقوله : اللهم
إنك قلت وقولك الحق: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله ،
واستغفر لهم الرسول ، لوجدوا الله تواباً رحيماً ﴾ وقد جئناك سامعين قولك ،
طائعين أمرك ، مستشفعين بنبيك ، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا
بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا ، ربنا إنك رؤوف رحيم . ربنا آتنا
في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، سبحان ربك رب العزة عما
يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
ثم يأتي الروضة ، فيكثر فيها من الدعاء، والصلاة ، فقد ثبت في الصحيحين
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله معد ◌ّل، قال: ((ما بين قبري ومنبري
روضة من رياض الجنة ، ومنبري على حوضي )» ويقف عند المنبر ويدعو .
ثم يأتي اسطوانة أبي لبابة التي ربط نفسه بها حتى تاب الله عليه ، وهي بين
القبر والمنبر ، فيصلي ركعتين ويتوب إلى الله ويدعو بما شاء . ثم يأتي الأسطوانة
الحنانة التي فيها بقية الجذع الذي حن إلى النبي مع تل حين تركه ، وخطب على
المنبر ، حتى نزل ، فاحتضنه ، فسكن .
٨ - لا يجوز أن يطاف بقبر النبي ماته ، ويكره مسحه باليد وتقبيله ، بل
الأدب أن يبعد عنه كما يبعد منه لو حضر في حياته معد له .
٩ - ينبغي له مدة إقامته بالمدينة أن يصلي الصلوات كلها بمسجد رسول الله
عَّ ، وينبغي له أن ينوي الاعتكاف فيه، كما ينويه في المسجد الحرام . وإذا
- ٣٤١ -

أراد وداع المدينة صلى ركعتين وقال: (( اللهم لا تجعله آخر العهد بحرم رسولك ،
وسهل لي العود إلى الحرمين سهلة ، وارزقني العفو والعافية في الآخرة والدنيا ،
وردنا إليه سالمين غانمين )).
·اً - كره مالك رحمه الله لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد وخرج
الوقوف بالقبر ، قال : وإنما ذلك للغرباء ، أو لمن قدم من أهل المدينة من سفر أو
خرج إلى سفر أن يقف عند قبر النبي متر ، فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر
وعمر رضي الله عنهما . والفرق أن أهل المدينة مقيمون بها ، وقد قال عليه السلام :
((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)).
سادساً - زيارة أهم المعالم الأثرية في المدينة :
يسن أن يأتي المشاهد بالمدينة ، وهي نحو ثلاثين موضعاً يعرفها أهل
المدينة ، وأهمها ما يأتي(١).
١ - زيارة مساجد المدينة الأخرى : يستحب زيارة المساجد الأخرى ، مثل
مسجد قباء وهو في الجنوب الغربي من المدينة ، وهو أول مسجد أسس في
المدينة ، وذلك يوم السبت ناوياً التقرب بزيارته والصلاة فيه ، لحديث :
((صلاة في مسجد قباء كعمرة))(٢)، وفي الصحيحين عن ابن عمر، قال: ((كان
رسول الله مراتٍ يأتي مسجد قباء راكباً وماشياً ، فيصلي فيه ركعتين )» وفي رواية
صحيحة: ((كان يأتيه كل سبت)) ويدعو بما شاء من كشف الكرب والحزن كما
كشف عن رسول الله ◌َ ◌ّ حزنه وكربه في هذا المقام .
(١) الإيضاح: ص ٩٠ - ٩١، مغني المحتاج: ٥١٢/١ وما بعدها
(٢) رواه الترمذي وغيره عن أسيد بن ظهير رضي الله عنه ، وهو صحيح .
- ٣٤٢ -

ومثل مسجد المصلى أو مسجد الغمامة : في المكان الذي كان رسول الله
◌َاتٍ يصلي فيه صلاة العيدين .
ومثل مسجد الفتح : الواقع شمال البلدة الغربي على قطعة من جبل
سَلْع ، ويقع حيث كان الخندق .
ومسجد القبلتين : وهو مسجد صغير أقيم على حافة وادي العقيق شمال
غربي المدينة ، وسمي بذلك لأن فيه قبلتين : الأولى منهما نحو الشمال لبيت
المقدس ، والثانية إلى الجنوب نحو مكة .
٢ - زيارة البقيع: على بضع مئات من الأمتار من المسجد النبوي من
جهة الشرق . فيه رفات أكثر من عشرة آلاف من كبار الصحابة رضي الله عنهم ،
منهم آل البيت وشهداء أحد ، وبعض شهداء بدر . وتكون الزيارة خصوصاً يوم
الجمعة أو يوم الخميس ، بعد السلام على رسول الله مد لله ، ويقول الزائر:
((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، اللهم اغفر
لأهل بقيع الغرقد ، اللهم اغفر لنا ولهم )) .
ويزور القبور الظاهرة كقبر إبراهيم ابن رسول الله ما لاتج وعثمان والعباس
والحسن بن علي وعلي بن الحسين ، وجعفر بن محمد وغيرهم ، ويختم بقبر صفية عمة
رسول الله مَ اتٍ . وفي فضل زيارة هذه القبور أحاديث صحيحة كثيرة .
٣ - زيارة الأماكن الأثرية : يستحب أن يزور بئر أريس التي روي
أن النبي ◌َ ◌ّ تفل فيها، فيشرب من مائها ويتوضأ منه، وهي عند مسجد
قباء .
ويأتي دار أبي أيوب الأنصاري شرقي المسجد النبوي من ناحيته
الجنوبية . ودار عثمان بن عفان التي استشهد فيها ، بجوار دار أبي أيوب ، وفيها
- ٣٤٣ -

اليوم قبر أسد الدين شيركوه عم السلطان صلاح الدين الأيوبي ، وقبر والد صلاح
الدين الذي دفن مع أخيه .
ودار عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ودار أبي بكر ، ودار خالد بن الوليد ،
حول المسجد النبوي .
وتزار قرية بدر في الجنوب الغربي من المدينة ، على مسافة ١٥٦ كم ، ففيها
انتصر المسلمون على المشركين في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة ،
وعلى مسيرة ميل جنوب القرية توجد قبور شهداء بدر .
ويزار جبل أحد : على بعد أربعة كيلو مترات شمال المدينة ، وطوله من
الشرق إلى الغرب ٦ كم، وارتفاعه (١٢٠٠ م). وفيه قال الرسول الله معالطاقمٍ:
((أحد جبل يحبنا ونحبه)) (١). وفي سفحه قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب
رضي الله عنه عم الرسول ◌َ ◌ّ الذي استشهد في غزوة أحد. وعلى مقربة منه مقابر
الصحابة رضي الله عنهم الذين استشهدوا في هذه المعركة .
(١) رواه البخاري عن سهل بن سعد، والترمذي عن أنس ، وهو صحيح .
- ٣٤٤ -

الفصل الثالث
آداب السفر للحج وغيره ، وآداب الحاج العائد
وفيه مبحثان :
المبحث الأول - آداب السفر للحج وغيره :
ذكر النووي آداباً عظيمة مفيدة للسفر وهي ما يأتي(١) :
١ - المشاورة: يستحب أن يشاور من يثق بدينه وخبرته وعلمه في حجه ،
وعلى المستشار أن يبذل له النصيحة ، فإن المستشار مؤتمن والدين النصيحة .
٣ - الاستخارة : ينبغي إذا عزم على الحج أو غيره أن يستخير الله تعالى ،
فيصلي ركعتين من غير الفريضة ، ثم يقول بعدها :
(( اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك ،
فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم
أن ــ ذهابي إلى الحج في هذا العام - خير في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري
وعاجله وآجله ، فاقدره لي ، ويسره لي ، ثم بارك لي فيه . اللهم وإن كنت تعلم
أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله ، فاصرفه عني ،
واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضني به )) .
ويستحب أن يقرأ في هذه الصلاة بعد الفاتحة في الركعة الأولى ((الكافرون))
(١) الإيضاح: ص٤ - ١١ .
- ٣٤٥ -

وفي الثانية (( الإخلاص)). ثم ليمض بعد الاستخارة لما ينشرح إليه صدره.
٣ - التوبة ورد المظالم والديون: إذا عزم على السفر تاب من جميع المعاصي
ورد المظالم إلى أهلها ، وقضى ما أمكنه من ديونه ، ورد الودائع ، وطلب
المسامحة ممن كان يعامله أو يصاحبه ، وكتب وصيته وأشهد عليها ، ووكل من
يقضي عنه ديونه مالم يتمكن من وفائها ، وترك لأهله ما يحتاجونه من نفقة .
٤ - إرضاء الوالدين والزوج : يجتهد في إرضاء والديه وكل من يبره ،
وتسترضي المرأة زوجها وأقاربها ، ويستحب للزوج أن يحج مع امرأته .
وليس للوالد منع الولد من حج الفريضة ، وله المنع من حج التطوع ، فإن
أحرم فللوالد تحليله من هذا الحج على الأصح عند الشافعية :
وللزوج أيضاً منع الزوجة من حج التطوع ، وحج الفريضة على الأظهر
عند الشافعية ؛ لأن حقه على الفور . وإن كانت مطلقة حبسها للعدة وليس له
التحليل إلا أن تكون رجعية ، فيراجعها ، ثم يحللها أي يأمرها بذبح شاة تنوي بها
التحلل ، وتقصر من رأسها ثلاث شعرات فأكثر .
٥ - كون النفقة حلالاً : ليحرص على أن تكون نفقته حلالاً خالصة من
الشبهة ، فإن حج بما فيه شبهة أو مال مغصوب صح حجه عند الجمهور ، لكنه
ليس حجاً مبروراً . وقال أحمد : لا يجزيه الحج بمال حرام .
٦ - الاستكثار من الزاد الطيب والنفقة : يستحب الاستكثار منها ليواسي
منه المحتاجين ، ولقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات
ما كسبتم ، ومما أخرجنا لكم من الأرض ، ولا تيموا الخبيث منه تنفقون ﴾ والمراد
بالطيب هنا : الجيد ، وبالخبيث : الرديء .
- ٣٤٦ -

٧ - ترك المماحكة في الشراء: يستحب ذلك بسبب الحج وكل ما يتقرب به إلى
الله تعالى .
٨ - عدم المشاركة في الزاد والراحلة والنفقة : يستحب ذلك إيثاراً للسلامة
من المنازعات .
٩ - تحصيل مركوب قوي مريح : يستحب ذلك ، والركوب في الحج أفضل
من المشي في المذهب الصحيح للشافعية ، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن
رسول الله وم لائّ حج راكباً، وكانت راحلته زاملته . والزاملة : البعير الذي يُحمل
عليه الطعام والمتاع .
١٠ - تعلم كيفية الحج: لابد إذا أراد الحج أن يتعلم كيفيته ، وهذا فرض
عين ، إذ لا تصح العبادة ممن لا يعرفها . ويستحب أن يستصحب معه كتاباً
واضحاً في مناسك الحج ، وأن يديم مطالعته ، ويكررها في جميع طريقه لتصير
محققة عنده .
١١ - اصطحاب الرفيق: ينبغي أن يطلب له رفيقاً موافقاً، راغباً في
الخير، كارهاً للشر، إن نسي ذكره ، وإن ذكر أعانه . ويحرص على رضا رفيقه
في جميع طريقه ، ويتحمل كل واحد صاحبه ، ويرى لصاحبه عليه فضلاً
وحرمة ، ولا يرى ذلك لنفسه ، ويصبر على ما وقع منه أحياناً من جفاء
ونحوه. وقد كره الرسول صل اقل الوحدة في السفر، وقال: ((الراكب شيطان،
والراكبان شيطانان والثلاثة ركب))(١) وإذا ترافق ثلاثة أو أكثر أمروا على أنفسهم
أفضلهم وأجودهم رأياً، لحديث ((إذا كانوا ثلاثة فليؤمروا أحدهم))(٢) .
(١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن عبد الله بن عمرو، وهو صحيح.
(٢) رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة .
- ٣٤٧ -
٠٠

١٢ - التفرغ للعبادة والإخلاص : يستحب أن يتفرغ للعبادة ، خالياً عن
التجارة ؛ لأنها تشغل القلب ، فإن اتجر مع ذلك صح حجه ، لقوله تعالى :
﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) ، ويريد بعمله وجه الله تعالى ،
لقوله سبحانه : ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴾ . وقوله عليه
السلام: (( إنما الأعمال بالنيات )).
والأفضل في الحج عن الغير أن يكون متبرعاً ، ولو حج بأجرة فقد ترك
الأفضل ، ويحصل لغيره العبادة ، ويحصل له حضور تلك المشاهد الشريفة .
١٣ - كون السفر يوم الخميس والتبكير : يستحب أن يكون سفره يوم
الخميس، إذ قلما خرج رسول الله مع المه في سفر إلا يوم الخميس(١) ، فإن فاته فيوم
الاثنين ، إذ فيه هاجر الرسول من مكة . ويستحب أن يبكر لحديث صخر
الغامدي: ((اللهم بارك لأمتي في بكورها))(٢).
١٤ - صلاة سنة السفر: يستحب إذا أراد الخروج من منزله أن يصلي
ركعتين، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة ((الكافرون)) وفي الثانية: ((الإخلاص))(٣)،
ويستحب أن يقرأ بعد سلامه آية الكرسي، ولإيلاف قريش(٤) ، وسورة
الإخلاص والمعوذتين ، ثم يدعو بحضور قلب وإخلاص بما تيسر من أمور الدنيا
والآخرة ، ويسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق في سفره وغيره من أموره ، فإذا
نهض من جلوسه ، قال مارواه أنس :
(١) رواه الشيخان في الصحيحين عن كعب بن مالك .
(٢) رواه أبو داود والترمذي ، وقال : هذا حديث حسن .
(٣) جاء في الحديث: (( ماخلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين ، يركعهما عندهم حين يريد السفر)).
(٤) جاء فيها آثار للسلف ، منها ((من قرأ آية الكرسي عند خروجه من منزله لم يصبه شيء يكرهه حتى
يرجع من منسكه عن جماعة )» .
- ٣٤٨ -

((اللهم إليك توجهت ، وبك اعتصمت ، اللهم اكفني ما أهمني ومالم أهتم به ،
اللهم زودني التقوى ، واغفر لي ذنبي » .
١٥ - الوداع : يستحب أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه وأن يودعوه
ويستسمحهم ، ويقول كل واحد منهم لصاحبه: (( أستودع الله دينك وأمانتك
وخواتيم عملك ، زودك الله التقوى ، وغفر ذنبك ، ويسرلك الخير حيث
كنت )) .
١٦ - الدعاء عند الخروج من البيت : السنة إذا أراد الخروج من بيته أن
يقول ماصح عن رسول الله مُ اللّه: ((اللهم إني أعوذ بك من أن أضل أو أُضل، أو
أزل أو أُزل، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل أو يجهل علي)) وعن أنس أن النبي محمد التّ
قال: ((إذا خرج الرجل من بيته، فقال : بسم الله ، توكلت على الله ، لا حول
ولا قوة إلا بالله ، يقال : هديت وكفيت ووقيت)).
ويستحب له أن يتصدق بشيء عند خروجه ، وكذا بين يدي كل حاجة
يريدها .
١٧ - الدعاء عند الركوب: يستحب إذا أراد الركوب أن يقول: (( بسم
الله)) وإذا استوى على دابته قال: ((الحمد لله ، سبحان الذي سخر لنا هذا ،
وماكنا له مقرنين(١) ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون)).
ثم يقول: ((الحمد لله)) ثلاث مرات ((الله أكبر)) ثلاث مرات .
ثم يقول: ((سبحانك، اللهم إني ظلمت نفسي، فاغفر لي ، فإنه لا يغفر
الذنوب إلا أنت )» للحديث الصحيح في ذلك .
(١) أي مطيقين .
- ٣٤٩ -

ويستحب أن يضم إليه: (( اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ،
ومن العمل ما تحب وترضى ، اللهم هوّن علينا سفرنا وأطوعنا بُعْده ، اللهم أنت
الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل والمال . اللهم إنا نعوذ بك من وَعْثاء السفر
وكآبة المنقلب ، وسوء المنظر في الأهل والمال والولد )) للحديث الصحيح في
ذلك .
١٨ - السفر بالليل والرفق بالدابة: يستحب إكثار السفر في الليل ، لحديث
أنس: ((عليكم الدُّلْجة، فإن الأرض تطوى بالليل))(١)، وأن يريح دابته بالنزول
عنها غدوة وعشية ، ويتجنب النوم على ظهرها ، للحديث الصحيح في النهي عن
اتخاذ ظهور الدواب منابر ، لكن يجوز للحاجة ؛ لما ثبت في الصحيحين أن رسول
الله مطٍّ خطب على راحلته .
ويحرم عليه أن يحمل على الدابة فوق طاقتها ، وأن يجيعها من غير ضرورة .
ولا بأس بالارتداف على الدابة إذا أطاقته ، فقد صحت الأحاديث في ذلك .
١٩ - التقشف والرفق في السفر: أن يتجنب الشبع المفرط والزينة والترفه
والتبسط في ألوان الأطعمة ، فإن الحاج أشعث أغبر ، روى الترمذي وابن ماجه
عن ابن عمر قال: ((قام رجل إلى النبي ◌َّ فقال : من الحاج ؟ قال: الشَعِث
التفِل )) .
وينبغي أن يستعمل الرفق وحسن الخلق مع الناس ، ويتجنب المخاصمة
والمخاشنة ومزاحمة الناس في الطريق وموارد الماء إذا أمكنه ذلك .
ويصون لسانه من الشتم والغيبة ولعن الدواب وجميع الألفاظ القبيحة ،
(١) رواه أبو داود والحاكم والبيهقي عن أنس ، وهو صحيح.
- ٣٥٠ _

للحديث المتقدم: (( من حج فلم يرفث ، ولم يفسق ، خرج من ذنوبه كيوم
ولدته أمه )» .
٢٠ - عدم اصطحاب الكلب أو الجرس : يكره أن يستصحب كلباً أو
جرساً، لقوله مَ التّ: ((إن العير التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة))(١) وقوله :
(( لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس))(٢) ((الجرس مزمار
الشيطان)) (٣).
٢١ - التكبير والتسبيح: السنة التكبير عند العلو، والتسبيح عند الهبوط في
واد ونحوه ، بدون رفع الصوت .
٢٢ - الدعاء عند رؤية بلد : يستحب إذا أشرف على قرية أو منزل يقول :
((اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها ، وأعوذ بك من شرها وشر
أهلها وشر ما فيها )).
٢٣ - الدعاء عند نزول منزل: السنة إذا نزل منزلاً أن يقول: ((أعوذ
بكلمات الله التامات من شر ما خلق )) لحديث خولة بنت حكيم فيما رواه مسلم :
(«من نزل منزلاً ثم قال : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ، لم يضره
شيء ، حتى يرتحل من منزله ذلك)).
ويستحب أن يسبح في حال حطه الرحل، لقول أنس: (( كنا إذا نزلنا
سبحنا حتى نحط الرحال )).
(١) رواه أبو داود بإسناد حسن عن أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها .
(٢) رواه مسلم عن أبي هريرة .
(٣) رواه أبو داود وغيره .
- ٣٥١ -

ويكره النزول في قارعة الطريق، لحديث أبي هريرة: (( لا تعرسوا على
الطريق فإنها مأوى الهوام بالليل )»(١) .
٢٤ - الدعاء عند دخول الليل : السنة إذا جن عليه الليل أن يقول ما رواه
أبو داود عن ابن عمر قال: ((كان رسول الله مُ التّ إذا سافر، فأقبل الليل ، قال :
يا أرض ، ربي وربك الله ، أعوذ بالله من شرك وشرما فيك وشر ما خلق
فيك ، وشر ما يدب عليك ، أعوذ بالله من أسد وأسود ، والحية والعقرب ، ومن
ساكن البلد(٢)، ومن والد وما ولد)).
٢٥ - الدعاء عند الخوف : إذا خاف قوماً أو إنساناً أو غيره ، قال مارواه أبو
موسى الأشعري: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ كان إذا خاف قوماً، قال: اللهم إنا نجعلك في
نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم ))(١) .
ويستحب أن يكثر من دعاء الكرب هنا وفي كل موطن وهو: (( لا إله إلا
الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات
ورب الأرض ، ورب العرش الكريم ))(٤) .
وكان ◌َّاتٍ إذا كربه أمر قال: ((يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث))(٥) .
٢٦ - أذكار المسافر في الأزمات: إذا استصعبت دابته ، قرأ في أذنيها ﴿ أفغير
دين الله يبغون ، وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً ، وإليه
(١) ورواه ابن ماجه عن جابر بلفظ آخر، والتعريس: النزول ليلاً .
(٢) الأسود: الشخص ، قال أهل اللغة: كل شخص يقال له أسود، وساكن البلد: الجن ، والبلد : الأرض
التي هي مأوى الحيوان ، وإن لم يكن فيها بناء .
(٣) رواه أبو داود والنسائي وغيرهما .
(٤) رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس .
(٥) رواه الترمذي عن أنس بن مالك، قال الحاكم : إسناده صحيح .
- ٣٥٢ -

يرجعون﴾ وإذا انفلتت دابته نادى مرتين أو ثلاثاً ((يا عباد الله احبسوا)) ..
وإذا ركب سفينة قال : ﴿بسم الله مجريها ومرساها ، إن ربي لغفور رحيم .
وما قدروا الله حق قدره .. ) الآية .
٢٧ - الدعاء في السفر : يستحب الإكثار من الدعاء في جميع سفره لنفسه
ولوالديه وأحبائه وولاة المسلمين وسائر المسلمين بمهمات أمور الآخرة والدنيا ،
لقوله مَافّ: (( ثلاث دعوات مستجابات ، لاشك فيهن: دعوة المظلوم ودعوة
المسافر، ودعوة الوالد على ولده))(١) .
٢٨ - التزام الطهارة والصلاة : يستحب له المداومة على الطهارة والنوم على
الطهارة ، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها المشروعة ، وله عند الشافعية أن يقصر
ويجمع ، وله ترك الجمع والقصر ، وله عند الشافعية فعل أحدهما وترك الآخر ،
لكن الأفضل أن يقصر وألا يجمع خروجاً من الخلاف ؛ لأن أبا حنيفة رحمه الله
يوجب القصر ويمنع الجمع ، إلا في عرفات والمزدلفة.
وإذا جمع أذِّن في وقت الأولى ، وأقام لكل صلاة ، كما بينا في صلاة المسافر .
ويستحب صلاة الجماعة في السفر، ولكن لا تتأكد كتأكدها في الحضر .
وتسن السنن الراتبة مع الفرائض في السفر ، كما تسن في الحضر .
المبحث الثاني - آداب رجوع الحاج من سفره :
للحاج وكل مسافر عند عودته إلى بلده آداب أهمها ما يأتي (٢):
اً - السنة أن يقول ما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول
(١) رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة، وليس في رواية أبي داود ((على ولده)).
(٢) الإيضاح: ص١٠٠ وما بعدها ، المغني: ٥٥٩/٣ .
الفقه الإسلامي جـ٣ (٢٣)
- ٣٥٣ -

الله ◌َ ◌ّ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة ، كبر على كل شرف من الأرض
ثلاث تكبيرات ، ثم يقول: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله
الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، آیبون تائبون ، عابدون ساجدون ، لربنا
حامدون، صدق الله وعده ، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده))(١) .
٢ - السنة إذا قرب من وطنه أن يبعث قدامه من يخبر أهله، كيلا يقدم
عليهم بغتة .
٣ - يحسن أن يقول إذا أشرف على بلده: « اللهم إني أسألك خيرها ، وخير
أهلها ، وخير ما فيها ، وأعوذ بك من شرها وشر مافيها )) واستحب بعضهم أن
يقول: ((اللهم اجعل لنا بها قراراً أو رزقاً حسناً، اللهم ارزقنا جناها ، وأعذنا
من وباها ، وحببنا إلى أهلها ، وحبب صالحي أهلها إلينا )) رواه ابن السني في
الأذكار .
٤ - إذا قدم ، فلا يطرق أهله في الليل ، بل يدخل البلدة غدوة ، وإلا ففي
آخر النهار، روى مسلم عن أنس («أنه لو كان لا يطرق أهله ليلاً، وكان
يأتيهم غدوة أو عشية )).
ه ـ إذا وصل منزله ، فالسنة أن يبتدئ بالمسجد ، فيصلي فيه ركعتين ،
وإذا دخل منزله صلى أيضاً ركعتين ، ودعا وشكر الله تعالى .
٦ - يستحب لمن يسلم على الحاج أن يقول: (( قبل الله حجك ، وغفر
ذنبك، وأخلف نفقتك)) لقوله عَ ◌ّ: ((اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له
الحاج ))(٢) . هذا وإن قيام العوام بذبح الشاة بين رجلي الحاج يؤدي إلى تحريم
(١) رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر .
(٢) رواه الحاكم عن ابن عمر وأبي هريرة ، قال الحاكم: وهو صحيح على شرط مسلم ، والدعاء المذكور رواه ابن
السني مرفوعاً .
- ٣٥٤ _

أكلها ، إذ إن الذبح بنية تعظيم فلان يحرم أكلها ولو ذكر اسم الله عليها ، أما
مظاهر الاستقبال الزائدة فهو رياء ينافي الإخلاص في العبادة .
٧ - يستحب أن يقول إذا دخل بيته ما كان يقوله النبي مثل فيا رواه ابن
عباس: ((كان النبي ◌َّ إذا رجع من سفره ، فدخل على أهله، قال : توباً
توباً ، لربنا أوباً، لا يغادر حوباً)» توباً : أي نسألك توبة كاملة ، ولا يغادر
حوباً أي لا يترك إثماً .
٨ - ينبغي أن يكون رجوعه خيراً مما كان ، فهذا من علامات قبول الحج ،
وأن يكون خيره مستمراً في ازدياد .
فـ
لله تعالى
لله
C
- ٣٥٥ _

لله تعالى

الباب السادس
الأيمان والنذور والكِّرات
الأيمان والنذور تشتمل لغة وفقهاً على معنى العقد والتصميم ؛ لأن الأيمان :
هي التي يعقدها الحالف بإرادته المنفردة قاصداً بها التصميم والعزم على فعل شيء أو
تركه ، وأما النذور : فهي التي يلتزم بها الناذر بقصد التوصل إلى تحقيق هدف
معين . والكفارة : هي جزاء الحنث بالعقد الملتزم به .
ومن الواضح أن في اليمين والنذور والكفارة معنى العبادة والتعظيم والطاعة
لوجود الالتزام بها نحو الله عز وجل .
ونبدأ ببحث الأيمان نظراً لأهميتها وخطورتها وشيوعها بين الناس وأصالتها
بالنسبة لغيرها ، وذلك في فصول ثلاث :
- ٣٥٧ -

قفـ
C
S

الفصل الأول
الأيمان
الكلام عن الأيمان يتناول المباحث الأربعة الآتية :
المبحث الأول - تعريف اليمين ومشروعيتها وأنواعها وحكم كل نوع .
المبحث الثاني - صيغة اليمين .
المبحث الثالث - شروط اليمين
المبحث الرابع - أحوال اليمين التي يحلف عليها فعلاً ، وفيه أحد عشر
مطلباً :
الله تعالى
المطلب الأول - الحلف على الدخول .
المطلب الثاني - الحلف على الخروج .
المطلب الثالث - الحلف على الكلام .
المطلب الرابع - الحلف على الأكل والشرب .
المطلب الخامس - الحلف على اللبس والكسوة .
المطلب السادس - الحلف على الركوب .
المطلب السابع - الحلف على الجلوس .
المطلب الثامن - الحلف على السكنى .
المطلب التاسع - الحلف على الضرب والقتل .
المطلب العاشر - الحلف على ما يضاف إلى غير الحالف .
المطلب الحادي عشر - الحلف على أمور شرعية .
- ٣٥٩ -

المبحث الأول - تعريف اليمين ومشروعيتها وأنواعها وحكم كل
نوع :
تعريف اليمين : اليمين في اللغة لها معان ثلاث : أولها - القوة ، ومنه قوله
تعالى: ﴿لأخذنا منه باليمين ﴾ أي بالقوة ، ثانيها - اليد اليمنى وقد سمي العضو
باليمين لوفور قوته . ثالثها - القسم أو الحلف ، وأطلقت اليمين على الحلف ؛ لأن
الناس كانوا إذا تحالفوا يأخذ كل واحد منهم بيمين صاحبه .
وفي اصطلاح الفقهاء كما قال الحنفية : عبارة عن عقد قوي به عزم الحالف
على الفعل أو الترك . وسمي هذا العقد باليمين ؛ لأن العزيمة تتقوى بها(١).
مشروعية اليمين : اليمين مشروعة ؛ لأن الله تعالى أقسم وأمر نبيه ماقل
بالقسم ، مثل قوله سبحانه: ﴿والليل إذا يغشى﴾ ﴿ والشمس وضحاها)
﴿ والنجم إذا هوى﴾ ﴿والتين والزيتون﴾ أي وربّ هذه الأشياء على اعتبار
أن المحلوف به محذوف . والنبي أمر بالحلف في ثلاثة مواضع : فقال سبحانه :
﴿ويستنبئونك أحق هو ؟ قل: إي وربي ، إنه لحق وما أنتم بمعجزين ﴾ ،
وقال تعالى: ﴿قل: بلى وربي لتأتينكم)، وقال عز وجل: ﴿قل: بلى
وربي لتبعثن ﴾ .
وقد ثبت في السنة تشريع اليمين(٢)، فقال ◌َ الَ: ((إني - والله - إن شاء الله،
لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها))(٣).
(١) راجع المبسوط السرخسي: ٨ ص ١٢٦، فتح القدير: ٤ ص ٢، تبيين الحقائق للزيلعي: ٣ ص ١٠٦ وما بعدها،
الدر المختار بهامش رد المحتار: ٣ ص٤٨ وما بعدها، مغني المحتاج: ٤ ص ٣٢٠، الفتاوى الهندية: ٢ ص٤٨.
(٢) المغني لابن قدامة الحنبلي: ٨ ص ٦٧٦ - ٦٨٢ ، تبيين الحقائق ، المرجع السابق .
(٣) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي موسى الأشعري، وفي رواية: (( إلا كفرت عن يميني ،
وأتيت الذي هو خير)) وفي لفظ بالعكس (راجع جامع الأصول: ١٢ ص ٣٠١، نصب الراية: ٣ / ٢٩٧).
- ٣٦٠ -