النص المفهرس
صفحات 301-320
الرابع - أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج : فإن أدخل الحج على العمرة قبل حله منها ، كما فعل النبي عَ التّ والذين كان معهم الهدي من أصحابه، فهذا يصير قارناً، ولا يلزمه دم المتعة، لأمر النبي ◌َ ◌ّ في الحديث المتفق عليه عن عائشة التي حاضت بالإهلال بالحج وترك العمرة ، ولم يوجب عليها هدياً ولا صوماً ولا صدقة . ولكن عليه حينئذ دم للقران ؛ لأنه صار قارناً ، وترفه بسقوط أحد السفرين . الخامس - ألا يكون من حاضري المسجد الحرام : وهذا متفق عليه ، فلا يجب دم المتعة على حاضري المسجد الحرام ، بنص القرآن الكريم : ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) ولأن حاضر المسجد الحرام ميقاته مكة ، فلم يحصل له الترفه بترك أحد السفرين ، ولأنه أحرم بالحج من ميقاته ، فأشبه المفرد . من هم حاضر و المسجد الحرام : وحاضرو المسجد الحرام عند الحنفية : من دون الميقات ، لأنه موضع شرع فيه النسك ، فأشبه الحرم . وعند المالكية : هم أهل مكة وذي طوى . وعند الشافعية في الأصح : هم من دون مرحلتين ( مسافة القصر) من الحرم ؛ لأن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فهو الحرم ، إلا قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام) فهو نفس الكعبة ، فإلحاق هذا بالأعم الأغلب أولى . والقريب من الشيء يقال : إنه حاضره . وعند الحنابلة : هم أهل الحرم ، ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر ؛ لأن حاضر الشيء : من دنا منه ، ومن دون مسافة القصر قريب في حكم الحاضر ، كما قال الشافعية ، بدليل أن من قصده لا يترخص رخص السفر . - ٣٠١ - وإذا كان للمتمتع قريتان : قريبة وبعيدة ، فهو من حاضري المسجد الحرام ؛ لأن له أن يحرم من القريبة ، فلم يكن بالتمتع مترفهاً بترك أحد السفرين . وعليه : إن دخل الآفاقي مكة متمتعاً ناوياً الإقامة بها ، بعد تمتعه ، فعليه دم المتعة . وإذا ترك الآفاقي الإحرام من الميقات ، ثم نوى العمرة وحل منها ، وأحرم بالحج من مكة من عامه ، فهو متمتع ، عليه دمان : دم المتعة ، ودم ترك الإحرام من الميقات . الصيام بدل دم المتعة : فإن لم يجد المتمتع الهدي ، ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج ، وسبعة إذا رجع إلى وطنه . وتعتبر القدرة على الهدي في موضعه ، فمتى عدمه في موضعه ، جاز له الانتقال إلى الصيام ، وإن كان قادراً عليه في بلده ؛ لأن وجوبه موقت ، وما كان وجوبه موقتاً اعتبرت القدرة عليه في موضعه ، كالماء في الطهارة إذا عدمه في مكانه ، انتقل إلى التراب . ولا يجب التتابع في أيام الصوم ، وإنما يندب . وإذا لم يصم المتمتع الثلاثة الأيام في الحج ، فإنه يصومها بعد ذلك ، باتفاق أئمة المذاهب ، والأظهر عند الشافعية أنه يلزمه أن يفرق في قضائها بينها وبين السبعة . ومن شرع في الصيام ، ثم قدر على الهدي ، لم يكن عليه عند الحنابلة والمالكية والشافعية الخروج من الصوم إلى الهدي ، إلا إذا شاء ، لأنه صوم دخل فيه لعدم الهدي . والمرأة إذا أحرمت متمتعة ، فحاضت قبل طواف العمرة ، لم يكن لها أن تطوف بالبيت ؛ لأن الطواف بالبيت صلاة ، ولأنها ممنوعة من دخول المسجد . - ٣٠٢ - فإن خشيت فوات الحج ، أحرمت بالحج مع عمرتها ، وتصير قارنة . وهذا قول الجمهور ، بدليل رواية مسلم لقصة عائشة التي حاضت ، فإنها حجت أولاً ، ثم اعتمرت من التنعيم . وقال أبو حنيفة : ترفض العمرة ، وتهل بالحج ، بدليل حديث عائشة المتقدم حينما حاضت ، أهلت بالحج ، وتركت العمرة ، بدليل أمور ثلاثة : قوله عليه السلام لها: ((دعي عمرتك)) وقوله: ((انقضي رأسك وامتشطي)) وقوله: ((هذه عمرة مكان عمرتك)) . رابعاً - الأكل من الهدي : يرى الحنفية(١) أنه يجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقرآن ، إذا بلغ الهدي مَحِلَّه ؛ لأنه دم نُسُك ، فيجوز الأكل منه بمنزلة الأضحية . وما جاز لصاحبه الأكل منه ، جاز للغني الأكل منه أيضاً . واشتراط بلوغ المحل ، لأنه إذا لم يبلغ الحرم لا يحل الانتفاع منه لغير الفقير 8 ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا كدماء الكفارات والنذور وهدي الإحصار ، والتطوع إذا لم يبلغ مَحِلّه ، ومحله : منى أو مكة . وقرر المالكية(٢) أن صاحب الهدايا يأكل منها كلها إلا من أربعة : جزاء الصيد ، ونسك الأذى ، ونذر المساكين أي ( النذر المعين للمساكين وهدي التطوع للمساكين ) وهدي التطوع إذا عَطِب قبل محله ( منى أو مكة ) ، بأن عطب فنحره ؛ لأنه يتهم بأنه تسبب في عطبه ليأكل منه ، وليس عليه بدله . فإن أكل من هذه الأربعة ، فعليه بدل البهيمة ، إلا النذر المعين للمساكين يضمن فقط بقدر أکله منه . (١) اللباب : ٢١٧/١. (٢) الشرح الصغير: ١٢٥/٢ - ١٢٨، القوانين الفقهية: ص١٤٠، الشرح الكبير: ٨٩/٢. - ٣٠٣ - ٢ وكل ما يمنع الأكل منه ، يختص بالمساکین . وما سوى هذه الأربعة يجوز لصاحبها الأكل منها مطلقاً : قبل المحل وبعده ، وهو كل هدي وجب في حج أو عمرة ، كهدي التمتع والقرآن ، وتجاوز الميقات ، وترك طواف القدوم أو الحلق ، أو المبيت بمنى أو النزول بمزدلفة ، أو الواجب لمذي ونحوه ، أو نذر مضمون لغير المساكين . ويأكل منها أيضاً الغني والقريب . ويعد رسول صاحب الهدي غير الفقير كصاحبه في الأكل وعدمه ، أما الفقير فيجوز له الأكل مما لا يجوز لصاحبه الأكل منه . وقال الشافعية(١)؛ الهدي نوعان : واجب ومتطوع به ، أما الهدي الواجب : وهو ما يجب بفعل حرام ، أو ترك واجب من واجبات الحج ، أو بنذر ، فلا يجوز للمهدي الأكل منه ، بل يجب ذبحه في محله ، وتفرقة جمیعه على أهله من مكة أو غيرها ، ويملكهم جملته ولو قبل سلخه . أما ما يقع الآن من ذبح الهدي ورميه ، فلا يجزئ ولا يقع هدياً . كذلك لا يجوز الأكل لمن تلزم المهدي نفقته ، ورفقته ولو فقراء قافلته ، وإن كبرت كالحج المصري ، ولا للأغنياء مطلقاً . ومحل عدم جواز الأكل من الهدي المنذور إذا كانت صيغة النذر صحيحة، كقوله: لله علي أن أهدي شاة للحرم. أما ما يقع الآن من نذر شيء لسيدي أحمد البدوي وغيره، فیجوز لصاحبه الأكل منه، لعدم صحة نذره، لكن إن نذر ذلك مجاوريه أو خدامه، ووجدوا في ذلك المكان، كان نذراً صحيحاً يمتنع الأكل منه(٢). (١) حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب: ٥٠٦/١ وما بعدها، الإيضاح: ص٦٣ . (٢) ومثله نذر الشمعة للوقود : فإن كان في المكان المنذور له من ينتفع بضوئها ، جاز وإلا فلا . - ٣٠٤ _ والخلاصة : لا يأكل من واجب ؛ لأنه هدي وجب بالإحرام ، فلم يجز الأكل منه كدم الكفارة ، فلا يجوز الأكل من الهدي الواجب ، وهدي القرآن والتمتع والمنذور ودم الجناية . وأما المتطوع به : فيجوز لصاحبه كالأضحية الأكل منه ، ويلزمه التصدق بقدر ما ينطلق عليه الاسم : وهو أقل متمول . والأفضل إذا أراد تقسيمه أن يأكل منه ثلثه ، ويهدي للأغنياء ثلثه ، ويتصدق بثلثه ، لقوله تعالى: ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ والقانع : السائل أو الراضي بما عنده وبما يعطاه بلا سؤال ، والمعتر : المتعرض للسؤال . وقال الحنابلة(١) : لا يأكل الإنسان من كل واجب كالواجب بنذر أو بتعيين كأن يقول : هذا هدي أو يقلده أو يشعره ، إلا من هدي التمتع والقرآن دون ماسواهما ؛ لأن أزواج النبي ◌ُ التّ تمتعن معه في حجة الوداع ، وأدخلت عائشة الحج على العمرة ، فصارت قارنة ، ثم ذبح عنهن النبي ◌َ ◌ّ البقرة ، فأكلن من لحومها ، ولأن دم المتعة والقران دما نسك ، فأشبها التطوع . ولا يجوز أن يأكل من غير دم التمتع والقرآن ؛ لأنه يجب بفعل محظور، فأشبه جزاء الصيد . ويستحب أن يأكل من هدي التطوع : وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداء من غير أن يكون عن واجب في ذمته ، وما نحره تطوعاً من غير أن يوجبه ، لقوله تعالى : ﴿ فكلوا منها﴾ وأقل أحوال هذا الأمر الأمر بالاستحباب، ولأن النبي مافي أكل من بُدْنه(٢)، ويجوز التزود منه، لقول جابر: (( كنا لا نأكل من بدننا فوق ثلاث، فرخص لنا النبي ◌َّ، فقال: كلوا وتزودوا، فأكلنا وتزودنا))(٣). (١) المغني: ٥٣٧/٣، ٥٤١ - ٥٤٨، غاية المنتهى: ٣٨٨/١ (٢) رواه مسلم . (٣) رواه البخاري . الفقه الإسلامي جـ٣ (٢٠) - ٣٠٥ - وإن لم يأكل فلا بأس، فإن النبي مع الإ لما نحر البدنات الخمس، قال: ((من شاء اقتطع )» ولم يأكل منهن شيئاً . والمستحب أن يأكل اليسير منها، كما فعل النبي مع قله ، وله الأكل كثيراً والتزود ، كما جاء في حديث جابر . وتجزئه الصدقة باليسير منها كما في الأضحية . فإن أكلها ، ضمن المشروع للصدقة ، منها ، كما في الأضحية . وإن أكل مما منع من أكله أو أعطى الجازر منها شيئاً أو باع شيئاً منها أو أتلفه ، ضمنه بمثله لحماً . وإن أطعم غنياً مما يجوز له الأكل منه على سبيل الهدية جاز، كما يجوز له ذلك في الأضحية ؛ لأن ما ملك أكله ملك هديته . والخلاصة : يجوز الأكل من دم التمتع والقران عند الجمهور ، ولا يجوز عند الشافعية ، ولا يجوز الأكل من المنذور ودم الجزاء اتفاقاً ، ويجوز الأكل من المتطوع به بالاتفاق . خامساً - مكان ذبح الهدي وزمانه : 8 عالـ سبق بيان الكلام عن هذا الموضوع فيما يخص دم الإحصار ، ونوضحه هنا بصفة عامة . قال الحنفية(١) : لا يجوز ذبح هدي المتعة والقرآن إلا في يوم النحر لأنه دم نسك ، والصحيح أن يجوز ذبح دم التطوع قبل يوم النحر ، وذبحه يوم النحر أفضل ؛ لأن القربة في التطوعات باعتبار أنها هدايا ، وذلك يتحقق ببلوغها إلى الحرم ، فإذا وجد ذلك جاز ذبحها في غير يوم النحر ، وفي أيام النحر أفضل ؛ لأن معنى القربة في إراقة الدم فيه أظهر . (١) الكتاب مع اللباب : ٢١٧/١ وما بعدها . - ٣٠٦ - ويجوز ذبح بقية الهدايا أيَّ وقت شاء ؛ لأنها دماء كفارات ، فلا تختص بيوم النحر ، لأنها وجبت لجبر النقصان . ولا يجوز ذبح الهدايا إلا في الحرم ؛ لأن الهدي اسم لما يهدى إلى مكان ، ومكانه الحرم . وقال المالكية(١) : يجب على المعتمد نحر الهدي بمنى بشروط ثلاثة : إن سيق الهدي في إحرامه بحج ، ووقف به(٢) بعرفة كوقوفه هو في كونه بجزء من الليل ، وكان النحر في أيام النحر . فإن انتفت هذه الشروط أو بعضها ، بأن لم يقف به بعرفة ، أو لم يسق في حج ، بأن سيق في عمرة ، أو خرجت أيام النحر ، فمحل ذبحه مكة . فكان محل الذبح إما منى بالشروط الثلاثة ، وإما مكة لا غير عند فقدها . والأفضل فيما ذبح بمنى أن يكون عند الجمرة الأولى ، ولو ذبح في أي موقع منها كفى وخالف الأفضل . ونحر الهدي يوم النحر. أما فدية المحظور من لبس أو طيب ونحوهما : وهي الشاة أو إطعام ستة مساكين من غالب قوت البلد الذي أخرجها فيه ، أو صيام ثلاثة أيام ولو أيام منى ( أي ثاني يوم النحر وتاليَيْه ) فلا تختص بأنواعها الثلاثة بمكان أو زمان ، فيجوز تأخيرها لبلده أو غيره في أي وقت شاء . وقال الشافعية(٣): وقت ذبح الهدي إن كان تطوعاً أو بنذر : وقت أضحية ، أما إن كان بسبب فعل حرام أو ترك واجب ، فلا يختص بوقت . (١) الشرح الصغير: ٩٢/٢ - ٩٣، ١٢٠، الشرح الكبير: ٨٦/٢. (٢) أو وقف به نائبه ، فلا يكفي إذا اشتراه صبيحة عرفة من التجار الواقفين به جزءاً من الليل للبيع . (٣) حاشية الشرقاوي: ٥٠٦/١ ، الإيضاح: ص٦٣ - ٣٠٧ - ومكان الذبح للمحصر مكان حصره أو الحرم ، ولغير المحصر : جميع الحرم ، فالحرم كله منحر حيث نحر منه أجزأه في الحج والعمرة ، لكن الأفضل للحاج ولو متمتعاً الذبح في منى ، ولمعتمر غير متمتع الذبح في مكة عند المروة ؛ لأنها مكان تحللهما . وقال الحنابلة(١) : فدية الأذى بحلق رأس أو غيره : في الموضع الذي حلق فيه؛ لأن النبي ◌ُّظافة (( أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية)) ولم يأمره ببعثه إلى الحرم . وماعدا فدية الشعر من الدماء يكون بمكة ، وأما جزاء الصيد فهو لمساكين الحرم ، لقوله تعالى: ﴿ هدياً بالغ الكعبة) وأما الصيام فيجزئه بكل مكان ، بلا خلاف . والأفضل نحر ما وجب بحج بمنى ، وما وجب بعمرة بالمروة ، لما رواه أبو داود من قوله ما اتّ: ((كل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر وطريق ))، والعاجز عن إيصاله للحرم ، حتى بوكيله ، ينحره حيث قدر ، ويفرقه بمنحره . ويجزئ ما وجب بفعل محظور غير صيد : خارج الحرم ، ولو بلا عذر ، حيث وجد السبب ، وبالحرم أيضاً . ويدخل وقت ذبح فدية المحظور من حين فعله ، وقبله بعد وجود سببه المبيح ككفارة يمين . ويكون وقت جزاء الصيد بعد جرحه ، ووقت ترك الواجب عند تركه . ويجزئ دم إحصار حيث أحصر، وصوم وحلق بكل مكان ، ووقت نحر الهدي والأضحية ثلاثة أيام : يوم النحر ويومان بعده . سادساً - ذابح الهدي : الأفضل عند الجمهور في البدن : النحر ، وفي البقر والغنم : الذبح ، والأولى (١) المغني: ٤٣٢/٣ - ٤٣٤، ٥٤٥/٣ - ٥٤٨، غاية المنتهى: ٣٨٨/١ وما بعدها - ٣٠٨ - بالاتفاق (١) أن يتولى الإنسان ذبح الهدي بنفسه إن كان يحسن ذلك ؛ لأنه قربة ، والعمل بنفسه في القربات أولى لما فيه من زيادة الخشوع ، إلا أنه يقف عند الذبح إذا لم يذبح بنفسه ؛ لأن النبي مفر نحر هديه بيده . وقال جابر: ((نحر رسول الله مَ التّ ثلاثاً وستين بدنة بيده، ثم أعطى علياً، فنحر ما غبر)) . وإن ذبح الهدي غير صاحبه أجزأه ، والمستحب أن يشهد ذبحه ، لما روي أن النبي ◌ُ ◌ّ قال لفاطمة: ((احضري أضحيتك يغفر لك بأول قطرة من دمها)). والأفضل أن يتولى تفريق اللحم بنفسه؛ لأنه أحوط وأقل للضرر على المساكين، وإن خلى بينه وبين المساكين جاز، لقوله عليه السلام: ((من شاء اقتطع)). ويباح للفقراء الأخذ من الهدي إذا لم يدفع إليهم ، إما بالإذن الصريح لفظاً لحديث (( من شاء اقتطع)) أو بالإذن دلالة كالتخلية بينهم وبينه . سابعاً - التصدق بلحم الهدي : أجاز الحنفية(٢) أن يتصدق بلحم الهدي على مساكين الحرم وغيرهم ؛ لأن الصدقة قربة معقولة ، والصدقة على كل فقير قربة ، وعلى مساكين الحرم أفضل ، إلا أن يكون غيرهم أحوج . ويتصدق بجلال الهدايا وخطامها(٣) ، ولا يعطي الجزارة أجرة منها ، لقوله عَّ لعلي رضي الله عنه: «تصدَّق بجلالها وخُطُمها ولا تُعط الجزار منها)). وقال المالكية(٤) كالحنفية : يوزع لحم الهدي والخِطام والجلال على المساكين . (١) اللباب: ٢١٨/١، الشرح الصغير: ١٢٩/٢، الشرح الكبير: ٨٧/٢، المغني: ٥٤١/٣ . (٢) الكتاب مع اللباب : ٢١٨/١ . (٣) الجلال : جمع جُلّ ، وهو كالكساء يقي الحيوان الحر والبرد ، وخطامها : زمامها . (٤) الشرح الصغير مع حاشية الصاوي : ٢ / ١٢٨. - ٣٠٩ - ويرى الشافعية(١) : أن جزاء الصيد ، وفدية الأذى كحلق وتقليم أظفار ودم التمتع والقران يذبح ويتصدق به على مساكين الحرم ، لقوله تعالى : ﴿ ثم محلها إلى البيت العتيق وأما رأي الحنابلة(٢) : فهو أن كل هدي أو إطعام لترك نسك أو فوات أو فعل محظور فهو لمساكين الحرم ، إن قدر على إيصاله إليهم ، إلا أن فدية الأذى توزع على المساكين في الموضع الذي حلق فيه ، لما بيناه من أمر كعب بن عجرة بالفدية في الحديبية ، ولقول ابن عباس : الهدي والطعام بمكة ، والصوم حيث شاء ، ولأنه نسك يتعدى نفعه إلى المساكين ، فاختص بالحرم كالهدي . ويصح تفرقة اللحم أو إعطاؤه لمساكين الحرم ميتاً أو حياً لينحروه ، وإلا استرده ونخره ، فإن أبى أو عجز، ضمنه . ومساكين الحرم : من كان فيه من أهله ، أو وارد إليه من الحاج وغيرهم ، وهم الذين يجوز دفع الزكاة إليهم ، ويجوز إباحة الذبيحة لهم ، لما روى أبو داود عن أنس: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ نحر خمس بدنات، ثم قال: من شاء فليقتطع)). وما جاز تفريقه بغير الحرم ، لم يجز دفعه إلى فقراء أهل الذمة في رأي الجمهور؛ لأن الذمي كافر فلم يجز الدفع إليه كالحربي . وأجاز الحنفية دفعه لأهل الذمة كالأضحية . ثامناً - الانتفاع بالهدي : يجوز الانتفاع بالهدي عند الضرورة أو الحاجة ، فقال المالكية (٣): يجوزله (١) حاشية الشرقاوي : ١ / ٥٠٩ . (٢) المغني: ٣ / ٤٣٣، ٥٤٥ وما بعدها، غاية المنتهى: ١ / ٣٨٨. (٣) القوانين الفقهية: ص ١٤٠، الشرح الكبير: ٢ / ٩٢. - ٣١٠ - ركوبه إن احتاج إليه ، ويندب عدم ركوبه والحمل عليه بلا عذر ، بل يكره ، فإن اضطر لركوبه لم يكره ، ولا يشرب من اللبن وإن فضل عن الفصيل . وقال الحنفية(١) : من ساق بَدَنَة، فاضطر إلى ركوبها أو حمل متاعه عليها ، ركبها وحملها ، وإن استغنى عن ذلك لم يركبها ، لأنه جعلها خالصاً لله ، فلا ينبغي أن يصرف لنفسه شيئاً من عينها أو منافعها إلى أن تبلغ محلها، ولقوله عا طلّعٍ: ((اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً))(٢) . وإذا ركبها أو حملها، فانتقصت فعليه ضمان ما انتقص منها . وإن كان لها لبن لم يحلبها ؛ لأن اللبن متولد منها ، وينضح ضَرْعها بالماء البارد حتى ينقطع اللبن عنها ، إن قرب محلها ، وإلا حلبها وتصدق بلبنها كيلا يضر ذلك بها ، وإن صرفه لنفسه ، تصدق بمثله أو قيمته ؛ لأنه مضمون عليه . وقال الحنابلة(٣) : له ركوب الهدي على وجه لا يضر به، لما روى أبو هريرة وأنس: ((أن رسول الله مانعٍ رأى رجلاً يسوق بدنة ، فقال : اركبها ، فقال : يا رسول الله ، إنها بدنة ، فقال : اركبها ، ويلك - في الثانية أو الثالثة))(٤) وللمهدي شرب لبن الهدي ؛ لأن بقاءه في الضرع يضرُّ به ، فإذا كان ذا ولد لم يشرب إلا ما فضل عن ولده . وهذا هو الراجح لدي . 5 وقال الشافعية(٥) : للمحتاج دون غيره أن يركب الهدي المنذور ويشرب من لبنه ما فضل عن ولده ، ولو تصدق به ، كان أفضل ، ولو كان عليه صوف لا منفعة له في جزه ، ولا ضرر عليه في تركه ، لم يجز له جزه ، وإن كان عليه في بقائه ضرر ، جاز له جزه ، وينتفع به ، فلو تصدق به كان أفضل . (١) اللباب : ١ / ٢١٨ وما بعدها . (٢) رواه أبو داود . (٣) المغني : ٣ / ٥٤٠ . (٤) متفق عليه بين أحمد والشيخين . (٥) الإيضاح: ص ٦٢ ، شرح المجموع: ٨ / ٢٧٨، ٢٨١ . - ٣١١ - تاسعاً - تقليد الهدي وإشعاره : التقليد : أن يعلق في عنق الهدي قلادة ، مضفورة من حبل أو غيره ، ويعلق بها نعلان أو نعل . والإشعار : أن يشق سنام البدنة الأيمن عند الشافعية والحنابلة ، أو الأيسر عند المالكية، ويقول حينئذ: (( بسم الله والله أكبر)). والتقليد : هو المستحب بالاتفاق ، أما الإشعار فمختلف فيه . فقال الحنفية (١): الإشعار مكروه ، لأنه مُثْلة ، فكان غير جائز؛ لأن النبي مَّ نهى عن تعذيب الحيوان ، ولأنه إيلام فهو كقطع عضو منه . ولا يجب التعريف بالهدايا : وهو إحضارها عرفة ، فإن عرَّف بهدي المتعة والقرآن والتطوع ، فحسن ؛ لأنه يتوقَّت بيوم النحر ، فعسى ألا يجد من يُمسكه ، فيحتاج إلى أن يعرّف به ، ولأنه دم نسك ، ومبناه على التشهير ، بخلاف دماء الكفارات ، فإنه يجوز ذبحها قبل يوم الجناية ، فالستر بها أليق . ويُقلَّد هدي التطوع والمتعة والقرآن إذا كان من الإبل والبقر ؛ لأنه دم نسك ، فيليق به الإظهار والشهرة ، تعظيماً لشعائر الإسلام. وأما الغنم فلا يقلد ، وكل ما يقلد يخرج به إلى عرفات ، وما لا فلا . ولا يقلد دم الإحصار ؛ لأنه لرفع الإحرام ، ولا دم الجنايات ؛ لأنه دم جبر ، فالأولى إخفاؤها وعدم إشهارها . وقال المالكية(٢) : يستحب تقليد الهدي وإشعاره ، وتجليله : وهو أن تكسى (١) الكتاب مع اللباب : ١ / ٢١٨، ٢٢٠. (٢) القوانين الفقهية: ص ١٣٩ - ١٤٠، الشرح الصغير: ٢ / ١٢٢ وما بعدها . - ٣١٢ - بجل من أرفع ما يقدر عليه من الثياب ، ويشق فيه موضع السنام ، ويساق كذلك إلى موضع النحر ، فيزال عنه الجل ، وينحر قائماً وذلك يوم النحر . ويتصدق بالجل والخطام ، وتترك القلادة في الدم . والإشعار والتقليد والتجليل كله في الإبل ، وأما البقر فتقلد وتشعر ، ولا تجلل ، وأما الغنم فلا تقلد ولا تشعر ولا تجلل . وقال الشافعية(١) : إن ساق هدياً تطوعاً ومنذوراً، فإن كان بدنة أو بقرة ، استحب له أن يقلدها نعلين لهما قية ليتصدق بها ، وأن يشعرها أيضاً؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ صلى الظهر في ذي الحليفة، ثم أتى ببدنة ، فأشعرها على صفحة سنامها الأيمن ، ثم سلت الدم عنها ، ثم قلدها نعلين))(٢)، ولأنه ربما اختلط بغيره، فإذا أشعر وقلد تميز، وربما ندَّ (هرب ) فيعرف بالإشعار والتقليد ، فيرد . وإن ساق غنماً قلدها خُرَب القُرَب : وهي عراها وآذانها ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي ◌ُّ: ((أهدى مرة غناً مقلدة)) (٣) ولأن الغنم يثقل عليها حمل النعال . ولا يشعرها؛ لأن الإشعار لا يظهر في الغنم لكثرة شعرها وصوفها ، ولأنها ضعيفة . ويكون تقليد الجميع والإشعار وهي مستقبلة القبلة ، والبدنة باركة . وإذا قلد النعم وأشعرها ، لم تصر هدياً واجباً، على المذهب الصحيح المشهور، كما لو کتب الوقف على باب داره . (١) المهذب: ١ / ٢٣٥ وما بعدها، الإيضاح للنووي: ص ٦١، شرح المجموع: ٨ / ٢٦٩. (٢) رواه مسلم بلفظه . (٣) رواه مسلم بلفظه ، والبخاري بمعناه . - ٣١٣ - وقال الحنابلة(١) كالشافعية: يسن تقليد الهدي، سواء أكان إبلاً أم بقراً أم غنماً، لحديث عائشة السابق بلفظ: ((كنت أفتل القلائد للنبي مع قّ، فيقلد الغنم ، ويقيم في أهله حلالاً )). ويسن إشعار الإبل والبقر، لحديث عائشة المتفق عليه: ((فتلت قلائد هدي النبي مَّ، ثم أشعرها وقلدها)). والخلاصة : أن الإشعار عند الجمهور الإبل والبقر، وهو مكروه عند الحنفية ، ولا تقلد الغنم عند المالكية والحنفية ، وإنما تقلد الإبل والبقر ، ويقلد الكل عند الشافعية والحنابلة . عاشراً - عطب الهدي في الطريق : قال الحنفية(٢) : من ساق هدياً فعَطِب ( أي هلك ) ، فإن كان تطوعاً فليس عليه غيره ، وإن كان عن واجب ، فعليه أن يقيم غيره مقامه ؛ لأن الواجب باق في ذمته حيث لم يقع موقعه ، فصار كهلاك الدراهم المعدة للزكاة قبل أدائها . وإن أصابه عيب كبير ، أقام غيره مقامه ، لبقاء الواجب في ذمته ، وصنع بالمعيب ما شاء . وإذا عطبت البدنة في الطريق ( أي قاربت العطب ) : فإن كان تطوعاً نحرها ، وصَبَغ نعلها ( أي قلادتها ) بدمها ، وضرب بقلادتها المصبوغة بدمها صفحتها ( أي أحد جانبيها ) ، ولم يأكل منها صاحبها ، ولا غيره من الأغنياء ، ليعلم الناس أنه هدي ، فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء . (١) المغني : ٣ / ٥٤٩ . (٢) الكتاب : ١ / ٢١٩ . - ٣١٤ - وإن كانت البدنة واجبة ، أقام غيرها مُقَامها ، وصنع بها ما شاء ؛ لأنها ملکه کسائر ملاكه . وقال المالكية(١): إذا عطب هدي التطوع قبل محله ، ينحره ، ويخلي بينه وبين الناس ، ولا يأكل منه ، فإن أكل منه ، فعليه بدله . وأما ولد الهدي المولود : فإن ولد قبل التقليد فيستحب نحره ، ولا يجب حمله إلى مكة . وإن ولد بعد التقليد أو الإشعار، فيجب حمله إلى مكة على غير أمه ، إن لم يمكن سوقه . وكذلك قال الشافعية(٢) : إن عطب الهدي وخاف أن يهلك ، نحره وغمس نعله التي قلده إياها في دمه ، وضرب به صفحته وتركه موضعه ، ليعلم من مر به أنه هدي ، فيأكله . لما روى أبو قبيصة أن رسول الله ما اتّ كان يبعث بالهدي ، ثم يقول: ((إن عطب منها شيء ، فخشيت عليه موتاً ، فانحرها ، ثم اغمس نعلها في دمها ، ثم اضرب صَفْحتها، ولا تطعمها أنت، ولا أحد من رفقتك))(٣). فإن كان تطوعاً : فله أن يفعل به ما شاء من بيع وذبح وأكل وإطعام لغيره ، وتركه وغير ذلك ؛ لأنه ملكه ، ولا شيء في كل ذلك . وإن كان منذوراً : لزمه ذبحه ، فإن تركه حتى هلك ، لزمه ضانه ، كما لو فرط في حفظ الوديعة حتى تلفت . ولا يجوز للمهدي ولا لسائق هذا الهدي وقائده الأكل منه ، بلا خلاف للحديث السابق ، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه بلا خلاف ؛ لأن الهدي مستحق (١) الشرح الكبير: ٢ / ٩١ - ٩٢. (٢) المهذب: ١ / ٢٣٦، المجموع: ٨ / ٢٧٨، ٢٨١ - ٢٨٩. (٣) رواه مسلم في صحيحه . - ٣١٥ - للفقراء ، فلا حق للأغنياء منه ، ويجوز للفقراء من غير رفقة صاحب الهدي الأكل منه بالإجماع، لحديث ناجية الأسلمي أن رسول الله مع الم: «بعث معه بهدي ، فقال : إن عطب فانحره ، ثم اصبغ نعله في دمه ، ثم خل بينه وبين الناس ))(١) . والأصح أنه لا يجوز للفقراء من رفقة صاحب الهدي الأكل منه . وإذا أتلف المهدي الهدي ، لزمه على المذهب ضمانه بأكثر الأمرين من قيمته ومثله ، كما لو باع الأضحية المعينة وتلفت عند المشتري . وإن أتلف الهدي أجنبي ، وجبت عليه القيمة ، ويشترى بها المثل . وإذا اشترى هدياً، ثم نذر إهداءه ، ثم وجد به عيباً، لم يجز له رده بالعيب ، لأنه تعلق به حق الله تعالى ، فلا يجوز إبطاله . وإذا تلف الهدي قبل بلوغ المنسك ، أو بعده وقبل التمكن من ذبحه ، فلا شيء عليه ، لأنه أمانة لم يفرط فيها ، كما لو ماتت أو سرقت الأضحية المعينة أو المنذورة المعينة قبل تمكنه من ذبحها يوم النحر. وإن ذبح الهدي أجنبي بغير إذن صاحبه ، أجزأه عن النذر ؛ لأن ذبحه لا يحتاج إلى قصده ، ويلزم الذابح أرش نقصه : وهو ما بين قيمته حياً ومذبوحاً ؛ لأنه لو أتلفه ضمنه ، فإذا ذبحه ضمن نقصانه كشاة اللحم . وإذا ذبح الهدي المعين قبل المنسك ، لزمه التصدق بلحمه ، ولزمه البدل في وقته ، كما لو ذبح الأضحية المعينة أو المنذورة قبل يوم النحر ، يلزمه التصدق بلحمها ، ولا يجوز له أكل شيء منها ، ويلزمه ذبح مثلها يوم النحر بدلاً عنها . وإذا ولد الهدي أو الأضحية المتطوع بها ، فالولد ملك لصاحبه كالأم ، (١) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، قال الترمذي : حديث حسن صحيح . ٠١٦٠ يتصرف فيه بما شاء من بيع وغيره كالأم . وأما ولد المنذور فيتبع الأم بلا خلاف . ومذهب الحنابلة(١) كالشافعية إجمالاً : إن كان الهدي تطوعاً ، وخاف عطبه أو عجز عن المشي وصحبة الرفاق ، نحره بموضعه ، وخلی بینه وبین المساكين ، ولم يبح له أكل شيء منه ، ولا لأحد من صحابته ، وإن كانوا فقراء . وليس عليه بدل عنه ، لحديث أبي قبيصة السابق . وإن كان نذراً فعليه البدل، لقوله ◌ُ التّ: « من أهدى تطوعاً ، ثم ضلت ، فليس عليه البدل ، إلا أن يشاء ، فإن كان نذراً فعليه البدل))(٢). فإن أكل صاحب الهدي أو السائق أو رفقته منه ، أو باع أو أطعم غنياً أو رفقته منها ، ضمنه بمثله لحماً . وإن أتلفه أو تلف بتفريطه أو خاف عطبه ، فلم ينحره حتى هلك ، فعليه ضمانه بما يوصله إلى فقراء الحرم . وإن أطعم منه فقيراً أو أمره بالأكل منه ، فلا ضمان عليه ؛ لأنه أوصله إلى المستحق . وإن تعيب بفعل آدمي ، فعليه ما نقصه من القيمة يتصدق به . 5 (١) المغني: ٥٣٧/٣ - ٥٣٩ (٢) رواه الدارقطني عن ابن عمر . الفصل الثاني خصائص الحرمين وفيه مبحثان : حرم مكة ، وحرم المدينة المبحث الأول - حرم مكة : حدود الحرم ، بناء الكعبة ومزيتها وفضيلة المسجد الحرام ، المجاروة بمكة ، أيهما أفضل : مكة أم المدينة؟ آداب دخول مكة ، محظورات الحرم المكي وخصائصه ، زيارة أهم المعالم التاريخية في مكة . الجـ أولاً - حدود حرم مكة : الذي يحرم فيه الصيد والنبات ، ويمنع أخذ ترابه وأحجاره ، وبيان ما يتعلق به من الأحكام وما يخالف غيره من الأرض . حد الحرم : من طريق المدينة على ثلاثة أميال من مكة عند بيوت بني نفار أو السقيا وتعرف الآن بمساجد عائشة ، ومن طريق اليمن على سبعة أميال طرف أضاة لبن في ثنية لبن ، ومن طريق العراق على سبعة أميال من مكة على ثنية جبل بالمنقطع أو المقطع ، ومن الطائف وبطن نمرة على طريق عرفات على سبعة أميال من مكة عند طرف عرفة ، ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال في شعب آل عبد الله بن خالد ، ومن جُدَّة على عشرة أميال من مكة عند منقطع - ٣١٨ - الأعشاش . ومن بطن عرنة أحد عشر ميلاً . وأما وَجّ : وهو واد بالطائف فهو من الحل(١). ويلاحظ أن للحرم علامات من جوانبه كلها ، ومنصوب عليه أنصاب ، ذكر الأزرقي وغيره أن إبراهيم مؤتم عملها ، وجبريل عليه السلام يريه مواضعها ، ثم أمر النبي عائل بتجديدها ، ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية ، وهي الآن بينة واضحة . وقد صارت المدينة حرماً بتحريم رسول الله ماتم بعد أن كانت حلالاً . والصحيح أن مكة حرم منذ القديم، لقول النبي ◌ُ ◌ّ يوم فتح مكة: ((فإن هذا بلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض ، وهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة )) (٢) . ثانياً - بناء الكعبة ومزيتها وفضيلة المسجد الحرام : بنيت الكعبة المشرفة خمس مرات(٣) : بناء الملائكة أو آدم، أو شيث بن آدم كما قال السهيلي ، وبناء إبراهيم على القواعد الأولى ، وبناء قريش في الجاهلية بحضور الرسول صلاته قبل البعثة، وبناء ابن الزبير، حين احترقت ، وبناء الحجاج بن يوسف . وهذا البناء هو الموجود اليوم . 5 وقد تم توسيع المسجد الحرام في عهد عمر بل إن عمر أول من بناه ، ثم في عهد عثمان ، ثم في عهد الوليد بن عبد الملك ، ثم في عهد المهدي ، واستقر الأمر على ذلك ، إلى أن تم توسيعه الأخير في عهد السعوديين ، قال الشافعي : أحب أن تترك الكعبة على حالها ، فلا تهدم ؛ لأن هدمها يذهب حرمتها ويصير كالتلاعب (١) المجموع: ٤٤٠/٧ وما بعدها، الإيضاح: ص٧٨، غاية المنتهى: ٣٩٥/١، اعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي : ص٦٣ . (٢) حديث صحيح رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما . (٣) الإيضاح: ص٨١، ٨٤ - ٨٥ . ٠٠ ..... - ٣١٩ - بها . وقد كساها النبي مع الز ثياباً يمانية، ثم كساها أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابن الزبير ومن بعدهم . وكان الوليد بن عبد الملك أول من ذهَّب البيت في الإسلام . وأجاز الغزالي تزيين الكعبة بالذهب والحرير مالم ينسب إلى الإسراف . ويجوز تطييب الكعبة ويحرم أخذ شيء منه للتبرك وغيره ، ومن أخذه لزمه رده إليها ، فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به ، ثم أخذه كما قال النووي . والبيت الحرام : أول بيت من بيوت الله وجد على ظهر الأرض ليعبد الناس فيه ربهم ، أولية شرف وزمان ، لقوله سبحانه: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين ، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ، ومن دخله كان آمناً ﴾ فأول دلائله وعلائمه الظاهرة : مقام إبراهيم ، وثانيها أنه يجب تعظيمه بنسبته إلى الله ، حتى إنه كان اللاجئ إليه عند العرب يصير آمناً مادام فيه ، وقد أقر الله تعالى هذه المزية في قوله: ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ ﴿ أو لم يمكن لهم حرماً آمناً﴾ ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم ﴾ لذا يكره عند مالك والشافعي حمل السلاح في مكة لغير ضرورة أو حاجة ، فإن كانت حاجة جاز، ثبت في صحيح مسلم عن جابر أن النبي مؤلٍّ قال: ((لا يحل أن يحمل السلاح بمكة)). وتضاعف في الحرم السيئات والحسنات ، قال تعالى : ﴿ ومن يرد فيه يالحاد بظلم ، نذقه من عذاب أليم ) وثواب الصلاة فيه يعدل مائة ألف صلاة ، قال عَّ الٍّ: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة )»(١) وفي لفظ (١) رواه أحمد وصححه ابن حبان عن أبي الزبير (سبل السلام: ٢١٦/٢). - ٣٢٠ -