النص المفهرس

صفحات 241-260

وتجب الفدية ، وإلا فيكره ولافدية . ومنع الحنفية والمالكية الامتشاط
مطلقاً .
وللمعذور في الحلق لإيذاء أو وسخ أو حر أو جراحة أو نحو ذلك أن يحلق
ويفدي ، لقوله تعالى : ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ، فقدية من
صيام أو صدقة أو نسك﴾، وفي الصحيحين عن كعب بن عُجْرة قال: (( في
نزلت هذه الآية، أتيت رسول الله ماستر، فقال: ادن فدنوت ، فقال : أيؤذيك
هوام رأسك ؟ قال ابن عوف : وأظنه قال : نعم ، قال : فأمرني بفدية من صيام
أو صدقة أو نسك )»(١) .
ولكن يجوز قلع شعرة نبتت داخل جفنه وتأذى بها ، ولا فدية ، وكذا
يجوز قطع شعر حاجبه أو رأسه إذا غطى عينه ، ولا فدية ، وكذا قطع ما انكسر
من ظفره وتأذى به ، ولا يقطع معه من الصحيح شيئاً .
والمعتمد كراهة ترجيل ( تسريح الشعر ) وحك الشعر بالظفر ، ولا يكره كما
بينا غسل بدنه ورأسه بخطمي وسدر من غير نتف شعر؛ لأن ذلك ليس
للتزين ، بل لإزالة الوسخ ، لكن الأولى تركه ، وللمحرم الاحتجام والفصد مالم
يقطع بها شعراً ، والأولى ترك الاكتحال الذي لاطيب فيه ، وأما مافيه طيب
فهو حرام . ولاشيء بسقوط الشعر وحده دون نتف أو إزالة أو حك بنحو ظفر أو
أثناء حجامة أو امتشاط .
وقال الحنابلة كالشافعية : يجب إطعام مسكين فيما دون ثلاث من شعر أو
ظفر ، وتجب الفدية في ثلاث منها أو في التطيب واللبس ، ولو في أثناء التمشيط
(١) نيل الأوطار: ٥ / ١١.
- ٢٤١ -
الفقه الإسلامي جـ٣ (١٦)

أو تخليل اللحية ، أو كان ناسياً أو مكرهاً. ويباح حك بدنه برفق بلاقطع
شعره .
ولافدية إن تفلى أو قتل قملاً ، فإن كعب بن عجرة حين حلق رأسه قد
أذهب قملاً كثيراً ، ولم يجب عليه لذلك شيء ، وإنما وجبت الفدية بحلق الشعر ،
ولأن القمل لاقيمة له ، فأشبه البعوض والبراغيث ، ولأنه ليس بصيد ولاهو
مأكول . وله قلم الظفر إذا انكسر بقدر المنكسر من غير فدية تلزمه ، قال ابن
المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا
انكسر ، ولأن ما انكسر يؤذيه ويؤلمه ، فأشبه الشعر النابت في عينه ، والصيد
الصائل عليه . فإن قص أكثر مما انكسر فعليه الفدية لذلك الزائد .
ولا ينظر في المرآة لإصلاح شيء كإزالة شعث أو تسوية شعر أو شيء من
الزينة، لحديث ((إن المحرم الأشعث الأغبر)) وفي حديث آخر: (( إن الله يباهي
بأهل عرفة ملائكته ، فيقول : ياملائكتي انظروا إلى عبادي قد أتوني شعثاً غبراً
ضاحين)) أو كما جاء لفظ الحديث . ولافدية عليه بالنظر في المرآة على كل حال ،
وإنما ذلك أدب لاشيء على تاركه . وله النظر في المرآة لحاجة كمداواة جرح أو
إزالة شعر نبت في جفنه ونحو ذلك مما أباح الشرع له فعله . والخلاصة : يكره
النظر لزينة ، ويجوز لحاجة .
الأصل الثالث - النساء :
وهذا يشمل أمرين : عقد الزواج ، والجماع ومقدماته .
أما عقد الزواج: فيحرم ولا يصح عند الجمهور إلا في حق النبي مُ اته - إن
ثبت تزوجه ميمونة وهو محرم - ولافدية فيه ، فلا يتزوج المحرم ولو بوكيل غير
محرم ، ولا يزوج بولاية أو وكالة، فإن فعل فالزواج باطل. لقوله تع الى:
- ٢٤٢ -

(( لا يَنْكح المحرم ولا يُنكح، ولا يخطب))(١)، ولأن الإحرام يحرم الطيب ، فيحرم
النكاح كالعدة . ومتى تزوج المحرم أو زوج ، أو زُوّجت محرمة ، فالنكاح باطل ؛
لأنه منهي عنه .
وتكره الخطبة للمحرم ، وخطبة المحرمة ، ويكره للمحرم أن يخطب لحلال
(غير محرم)، للحديث السابق ((ولا يخطب)) ولأنه تسبب إلى الحرام ، فأشبه
الإشارة إلى الصيد .
والإحرام الفاسد كالصحيح في منع النكاح وسائر المحظورات ؛ لأن حكمه باق
في وجوب ما يجب في الإحرام ، فكذلك ما يحرم به .
وأجاز الحنفية الزواج والخطبة للمحرم، لما روى ابن عباس: (( أن النبي
عَّم تزوج ميمونة وهو محرم)) (٢). ورد الجمهور بحديث ميمونة: ((أن النبي عَ ◌ّ
تزوجها حلالاً ، وبنى بها حلالاً ، وماتت بسَرف في الظلة التي بنى بها فيها))(٢)
وبحديث أبي رافع قال: (( تزوج رسول الله آل ميمونة وهو حلال ، وبنى بها وهو
حلال ، وكنت أنا الرسول بينهما ))(٤) وميمونة وأبو رافع أعلم بذلك من ابن عباس ،
وأولى بالتقديم لو كان ابن عباس كبيراً ، فكيف وقد كان صغيراً لا يعرف حقائق
الأمور ، ولا يقف عليها ، وقد أنكر عليه هذا القول ، وقال سعيد بن المسيب :
وَهِم ابن عباس، ماتزوجها النبي عَ لّ إلا حلالاً. ثم إن حديث ((لا ينكح
المحرم ... )) قول، فيقدم على الفعل المروي عن ابن عباس ، وهو آكد ، لأن
الفعل يحتمل أن يكون مختصاً بما فعله عليه السلام .
(١) رواه مسلم .
(٢) متفق عليه .
(٣) رواه أبو داود والأثرم .
(٤) قال الترمذي : هذا حديث حسن ، وميمونة أعلم بنفسها ، وأبو رافع صاحب القصة ، وهو السفير فيها .
- ٢٤٣ -

وأما الجماع ومقدماته : فيحرم بالاتفاق ولو لبهية ، ويحرم على المرأة
الحلال تمكين زوجها المحرم من الجماع ؛ لأنه إعانة على معصية ، ويحرم على الرجل
الحلال جماع زوجته المحرمة .
وبناء عليه : يحرم على المحرم الوطء في الفرج ، ومقدمات الجماع من تقبيل
ولمس بشهوة ومباشرة وجماع فيما دون الفرج ، لقوله تعالى: ﴿ الحج أشهر
معلومات ، فمن فرض فيهن الحج ، فلارفث ولافسوق ولاجدال في الحج ﴾
والرفث : ما يكنى به عن الجماع وجميع حاجات الرجال إلى النساء .
ويتوقى المحرم في إحرامه مانهاه الله عنه في هذه الآية من الرفث ( الجماع )
والفسوق وهو السباب، والجدال: وهو المراء والمجادلة. وقال النبي مَ ◌ّم: ((من
حج فلم يرفُث ولم يفسُق ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))(١) .
فإن جامع قبل الوقوف بعرفة أفسد حجه ومضى في فاسده وعليه القضاء
فوراً من العام القادم ، حتى وإن كان نسكه تطوعاً ، وعليه بدنة ، لقضاء
الصحابة رضي الله تعالى عنهم بذلك ، كما سنبين .
وإن جامع بين التحللين ، أو جامع ثانياً بعد جماعه الأول قبل التحللين ،
فعليه شاة .
وإن جامع فيما دون الفرج أنزل أو لم ينزل ، أو قبل أو لمس بشهوة أو باشر ،
فعليه دم، لكن لا يفسد حجه عند الجمهور غير المالكية، قال ابن عمر: ((إذا باشر
المحرم امرأته ، فعليه دم )) وذلك سواء فعل ماذكر من الجماع ومقدماته عامداً أو
ناسياً أو مكرهاً . أما لو نظر إلى فرج امرأته عن شهوة ، فأمنى ، فلاشيء عليه ،
(١) متفق عليه .
- ٢٤٤ _

بخلاف المس عن شهوة ، إنه يوجب الدم ، أمنى أو لم يمن ، والفرق : أن اللمس :
استمتاع بالمرأة وقضاء للشهوة ، أما النظر فليس استمتاعاً ولاقضاء للشهوة ، بل هو
سبب لزرع الشهوة في القلب ، والمحرم ليس ممنوعاً عما يزرع الشهوة كالأكل .
ورأى الشافعية أنه إن باشر فيا دون الفرج ناسياً فلاشيء عليه ، سواء أنزل أم
لا . والاستمناء باليد يوجب الفدية . ولو كرر النظر إلى امرأة فأنزل من غير
مباشرة ولااستمناء ، فلافدية عليه ، كما قال الحنفية .
وكذلك قال الحنابلة: إن فكر أو نظر فأنزل فلاشيء عليه؛ لأن النبي صَ لّه
كان ينظر إلى نسائه وهو محرم . وإن كرر النظر حتى أمذى أو أمنى ، فعليه دم
عندهم .
أما المالكية فقالوا : إن إنزال المني مفسد الحج والعمرة مطلقاً ، حتى وإن
حدث بنظر أو فكر مستديمين ، لابمجردهما ، بخلاف الإنزال بغيرهما لا يشترط فيه
الإدامة . وبه يلتقي الحنابلة مع المالكية في إيجاب الدم في حال الاستدامة ، لكن
يختلف المذهبان في مجرد النظر أو الفكر ، فعند المالكية : يجب دم ، وعند
الحنابلة : لاشيء عليه .
أ
وللمحرم بالاتفاق أن يتجر ويصنع الصنائع ويرتجع زوجته مادامت في
عدتها ، لقوله تعالى: ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ أي في
مواسم الحج ، والمرأة الرجعية زوجة ، والرجعة إمساك ، لقوله تعالى :
﴿ فأمسكوهن بمعروف ﴾ فأبيح ذلك كالإمساك قبل الطلاق .
ما يفسد الحج ، وحكمه إذا فسد :
أولاً - شروط كونه مفسداً : يشترط في الجماع المفسد للحج شرطان عند
الحنفية وغيرهم :
- ٢٤٥ _

الأول - أن يكون الجماع في الفرج: وهذا متفق عليه ، فلو جامع فيما دون
الفرج ، أو لمس بشهوة ، أو عانق ، أو قبل ، أو باشر ، لا يفسد حجه ، لكن
تلزمه عند الحنفية الكفارة ، سواء أنزل أو لم ينزل .
وقال المالكية : وكذا الإنزال بالوطء أو بغير الوطء إلا الاحتلام يوجب
الدم .
ورأى الشافعية : أن الاستمناء باليد والمباشرة فيا دون الفرج حرام ، لا يفسد
الحج ، ويوجب الدم إن أنزل . وشرطوا لإفساد الحج بالجماع أن يكون المجامع
ثامداً بالتحريم ، فإن كان ناسياً أو جاهلاً بالتحريم أو جومعت المرأة مكرهة ، لم
يفسد الحج ولافدية أيضاً في الأصح . والجماع وحده هو الذي يفسد الحج ، سواء
للرجل والمرأة ، حتى لو استدخلت المرأة ذكر نائم ، فسد حجها وعمرتها .
وذهب الحنابلة إلى أنه إن وطئ دون الفرج ، فلم ينزل ، فعليه دم ، وإن
أنزل ، فعليه بدنة ، ولا يفسد حجه في الرواية الصحيحة . وقالوا : على الرجل
المحرم بدنة إن وطئ في الفرج واستكرهها ، فإن كانت طاوعته فعلى كل واحد
منهما بدنة . وإذا تكرر الجماع ، فإن كفر عن الأول ، فعليه للثاني كفارة ثانية
كالأول ، وإن لم يكن كفر عن الأول ، فكفارة واحدة .
والخلاصة : أن الجماع وحده مفسد للحج عند الجمهور، ويضم إليه الإنزال
عند المالكية .
والثاني - أن يكون الجماع عند الحنفية قبل الوقوف بعرفة ، فمن جامع بعد
الوقوف بعرفة ، لم يفسد حجه . وعليه بدنة إن جامع بعد الوقوف قبل الحلق ،
لأن الركن الأصلي هو الوقوف بعرفة، لحديث: ((الحج عرفة)) أي الوقوف
بعرفة ، وعليه شاة إن جامع قبل الوقوف ، لما روي أن الصحابة قالوا : عليه
هدي .
- ٢٤٦ - .

وقال الجمهور غير الحنفية : يفسد الحج إن وقع قبل التحلل الأول(١) ، ولو
بعد الوقوف ؛ لأنه وطء صادف إحراماً صحيحاً لم يحصل فيه التحلل الأول ،
فأشبه ماقبل الوقوف . وعليه بدنة عند الشافعية والحنابلة ، لقضاء الصحابة
بذلك ، وهدي عند المالكية في زمن القضاء ، وأفضله الإبل ، ثم البقر ثم الضأن ،
ثم المعز .
أما العمرة : فتفسد عند الحنفية(٢) إن جامع قبل أن يطوف أربعة
أشواط ، وعليه قضاؤها، وشاة . وإن وطئ بعدما طاف أربعة أشواط
فلا تفسد ، ولا يلزمه قضاؤها ، وعليه شاة .
وتفسد عند المالكية والحنابلة(٣) إن جامع قبل تمام السعي ، قبل الحلق ،
وعليه لإفسادها هدي عند المالكية ، وشاة عند الحنابلة ، ولا فدية على مكرهة ،
ولا يفسد بعد تمام السعي وقبل الحلق .
وتفسد عند الشافعية(٤) إن جامع قبل التحلل أو الفراغ منها ، وعليه
لإفسادها بدنة كالحج ، لتغليظ الجناية .
ثانياً - حكم الحج إذا فسد :
إذا فسد الحج بالجماع يجب المضي في فاسده ، ويجب القضاء اتفاقاً على الفور
من العام التالي ، وإن كان نسكه تطوعاً ؛ لأنه يلزم بالشروع فيه ، فصار
فرضاً ، بخلاف باقي العبادات عند غير الحنفية . وفورية قضاء الفاسد ؛ لأنه وإن
كان وقت الحج موسعاً ، يضيق بالشروع فيه ، ولقول الصحابة بقضائه من
قابل .
(١) التحلل الأول كما سبق يحصل بفعل اثنين من ثلاثة وهي رمي جمرة العقبة والحلق وطواف الإفاضة .
(٢) الكتاب مع اللباب : ١ / ٢٠٢ .
(٣) الشرح الصغير: ٢ / ٩٤، غاية المنتهى: ١ / ٣٨٢.
(٤) مغني المحتاج: ١ / ٥٢٢ .
- ٢٤٧ -

ويستوي في ذلك الرجل والمرأة الاستوائهما في المعنى الموجب للفساد .
ويجب عليه بدنة عند الشافعية والحنابلة ، سواء حدث الإفساد قبل الوقوف
أم بعده ، لقضاء الصحابة بذلك ، بدون تفرقة بين ما قبل الوقوف وبعده ، ولأنه
جماع صادف إحراماً تاماً ، فوجب به كما بعد الوقوف . والقضاء واجب على الصبي
إن أفسد نسكه بالجماع .
وعليه عند المالكية هدي زمن القضاء ، لقول ابن عمر لمن واقع امرأته :
(( .. فإذا كان في العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهديا هدياً .. )).
وأوجب الحنفية عليه شاة إن جامع قبل الوقوف وفسد حجه ، وبدنة إن
جامع بعد الوقوف قبل الحلق وحجه صحيح ؛ لأنه قبل الوقوف معنى يوجب
القضاء ، فلم يجب به بدنة كفوات الوقوف ، ولأن ابن عباس أوجب البدنة في
موضعين في الحج : أحدهما إذا طاف للزيارة جنباً ورجع إلى أهله ولم يعد ،
والثاني إذا جامع بعد الوقوف . وإذا كان المحرم قارناً فجامع قبل الوقوف فسد
حجه وعمرته ، وعليه دمان لكل واحد منهما شاة ، وعليه المضي فيها وإتمامهما على
الفساد ، وعليه قضاؤهما ، ويسقط عنه دم القرآن ، وأوجب الشافعية مع البدنة
دم القرآن .
الأصل الرابع - الصيد :
لا يجوز للمحرم قتل صيد البر واصطياده أو الدلالة عليه ، إلا المؤذي
المبتدئ بالأذى غالباً كالأسد والذئب والحية والفأرة والعقرب والكلب العقور ،
والكلب عند المالكية : كل حيوان وحشي يخاف منه كالسباع . وعند أبي حنيفة :
الكلب المعروف .
ويجوز للمحرم صيد البحر مطلقاً، وذبح المواشي الإنسية كالأنعام من الإبل
والبقر والغنم ، وذبح الطير الذي لا يطير في الهواء كالدجاج ، والدليل قوله
تعالى: ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة ، وحرّم عليكم صيد
- ٢٤٨ _

البر مادمتم حرماً)، وقوله سبحانه : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد
وأنتم حُرُمٍ﴾ ، وتحريم الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه والأكل منه واضح من
حديث أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي وأصحابه محرمون، فقال النبي معرائع
لأصحابه: ((هل أشار إليه إنسان أو أمره بشيء؟ قالوا: لا، قال: فكلوه))(١)
وهذا دليل الحنفية القائلين : يجوز للمحرم أكل الصيد مطلقاً إذا صاده الحلال .
وقال الجمهور : يحرم الأكل من لحم صيد البر على المحرم إذا صيد له ، لحديث
الصعب بن جَثَّمة: ((أنه أهدى إلى رسول الله ◌َ قلِ حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو
بودّان، فرده عليه، فلما رأى مافي وجهه قال: إنا لم نردَّه عليك، إلا أنا
حُرُم ))(٢) وهذا الرأي أرجح ؛ لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرماً ، كما قال
الشوكاني، ولحديث آتٍ: (( صيد البرلكم حلال مالم تصيدوه أو يصد لكم )).
وللمذاهب تفصيلات في الصيد الممنوع ، خلاصتها ما يأتي :
قال الحنفية(٣): لا يجوز للمحرم أن يتعرض لصيد البر المأكول وغير
المأكول إلا المؤذي غالباً . والصيد الممنوع: كل حيوان بري متوحش بأصل الخلقة
مباح أو مملوك ، فلا يحرم على المحرم ذبح الإبل والبقر والغنم ؛ لأنها ليست
بصيد ، لعدم الامتناع ، والصيد هو الممتنع المتوحش ، ولا يحرم الدجاج والبط
الذي في المنازل . والكلب والسنور الأهلي ليس بصيد ؛ لأنه مستأنس . ويحل
صيد البحر للحلال والمحرم ، الآية السابقة ، والبحري : هو الذي توالده في
البحر، سواء أكان لا يعيش إلا في البحر أم يعيش في البحر والبر. والبري: ما يكون
توالده في البر، سواء أكان لا يعيش إلا في البر، أم يعيش في البر والبحر، فالعبرة
للتوالد .
(١) رواه مسلم، والبخاري بلفظ آخر عن أبي قتادة ( نيل الأوطار: ٥ / ٢١).
(٢) متفق عليه بين أحمد والشيخين ( المرجع السابق: ص ١٨ ) ولأحمد ومسلم وأبي داود والنسائي مثله عن
زيد بن أرقم .
(٣) البدائع: ٢ / ١٩٥ - ٢٠٦، الكتاب: ١ / ٢٠٦ - ٢١٠، فتح القدير: ٢ / ٢٥٥.
- ٢٤٩ -

ولا بأس بقتل البرغوث والبعوض والنملة والذباب والقراد والزنبور ؛ لأنها
ليست بصيد ، لانعدام التوحش والامتناع ، ولأن هذه الأشياء من المؤذيات
المبتدئة بالأذى غالباً ، فالتحقت بالمؤذيات المنصوص عليها من الحية والعقرب في
حديث: (( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم : الحية والعقرب والفأرة والكلب
العقور والغراب ))(١) .
ولا يقتل القملة ، لا لأنها صيد ، بل لما فيها من إزالة التفث ، لأنه متولد
من البدن كالشعر ، والمحرم منهي عن إزالة التفث من بدنه ، فإن قتلها تصدق
بشيء ، كما لو أزال شعرة .
وكذا لا يقتل الجرادة ، لأنها صيد البر .
ولا بأس له بقتل هوام الأرض من الفأرة والحية والعقرب والخنافس والجعلان
وصياح الليل والصرصر ونحوها ؛ لأنها ليست بصيد ، بل من حشرات الأرض .
وكذا القنفذ وابن عرس ؛ لأنها من الهوام .
وله أن يقتل ما لا يبتدئ بالأذى غالباً كالضبع والثعلب وغيرهما من الضب
واليربوع والقرد والفيل والخنزير إن عدا عليه ، ولاشيء عليه إذا قتله في قول أئمة
الحنفية ماعدا زفر .
وإن ذبح المحرم صيداً ، فذبيحته ميتة لايحل أكلها لأحد من مُحرم أو
حلال ، ولا بأس أن يأكل المحرم لحم صيد اصطاده حلال أو ذبحه ، إذا لم يدلّه
المحرم عليه ، ولا أمره بصيد ، سواء اصطاده لنفسه أو للمحرم ، حيث لم يكن له
فيه صنع .
وقال المالكية (٢): لا يقتل المحرم شيئاً من صيد البر، ما أكل لحمه ، ومالم
(١) رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن عائشة ، وله ألفاظ أخرى عند أبي داود وأحمد .
(٢) القوانين الفقهية: ص ١٣٧، الشرح الصغير: ٢ / ٩٩ - ١١٠.
- ٢٥٠ -

يؤكل، كما قال الحنفية، سواء أكان ماشياً أم طائراً في الحرم أو في غيره، ولا يأمر
به ، ولا يدل عليه ، ولا يشير إليه ، فإن أمر أو دل ، فقد أساء ولا كفارة عليه .
ولا يأكل لحم صيد صيد له أو من أجله ، خلافاً للحنفية ، وإن صيد في الحل
لحلال ، جاز للمحرم أكله .
وكل ماذجه المحرم من الصيد أو قتله عمداً أو خطأ ، فهو ميتة ، ولايجوز له
ولا لغيره أكله ، كما قال الحنفية .
ويجوز له ذبح المواشي الإنسية كالأنعام والطير الذي لا يطير في الهواء
كالدجاج ، وله صيد البحر مطلقاً ، وهذا متفق عليه .
وله قتل الحيوان المضر كالأسد ونحوه مما ذكر ، وهذا متفق عليه .
ولا يقتل ضبعاً ولاخنزيراً ولا قرداً إلا أن يخاف من عاديته .
ويحرم قتل مالاضرر فيه من البعوضة فما فوقها .
وقال الشافعية(١): يحرم بالإحرام اصطياد كل حيوان مأكول بري
متوحش مباح أو مملوك ، وكذا المتولد من المأكول وغيره ، أو من الإنسي وغيره ،
كالمتولد من حمار وحشي وحمار أهلي، أو من شاة وظبي . ويجب به الجزاء
احتياطاً .
ويحرم الجراد ، ولا يحرم السمك وصيد البحر: وهو ما لا يعيش إلا في البحر.
أما ما يعيش في البر والبحر فحرام ، وتحرم الطيور المائية التي تغوص في الماء
وتخرج . ولا يحرم ماليس مأكولاً كما قال الحنابلة ، خلافاً للحنفية والمالكية .
ولو ذبح المحرم صيداً ، صارميتة على الأصح ، فيحرم على كل أحد أكله .
(١) مغني المحتاج: ١ / ٥٢٤ - ٥٢٦، المهذب: ١ / ٢١٠ ومابعدها، الإيضاح: ص ٢٨ وما بعدها .
- ٢٥١ -

ويحرم على المحرم أكل صيد ذبحه هو ، أو صاده غيره بإذنه ، أو بغير إذنه ،
أو أعان عليه ، أو كان له تسبب فيه ، فإن أكل منه عصى ، ولاجزاء عليه بسبب
الأكل . ولو صاده حلال للمحرم ولا تسبب فيه ، جازله الأكل منه ، ولا جزاء
عليه ، كما قال المالكية .
وقال الحنابلة(١): يحرم على المحرم قتل صيد البر واصطياده والإعانة أو
الدلالة عليه إذا كان وحشياً مأكولاً ، أو متولداً منه ومن غيره ، ويباح صيد غير
المأكول كما قرر الشافعية .
ويحرم عليه أكله من ذلك كله ، وكذا ماذبح أو صيد لأجله فلا يأكل المحرم
ماصاده الحلال أو ذبحه لأجله، كما قال الشافعية، لقوله مؤ لم: ((صيد البرلكم
حلال مالم تصيدوه أو يصد لكم ))(٢) ويتعين حمل حديث الصعب بن جثامة على
هذا ، ويكون امتناع النبي ◌ٍّ عن الأكل من الحمار الوحشي لعلمه أو ظنه أنه
صيد من أجله . ويحمل حديث أبي قتادة الذي استدل به الحنفية على جواز الأكل
من الصيد الذي صاده الحلال ، لا من أجل المحرم ..
ويحرم قتل القمل وصئبانه ؛ لأنه يترفه بإزالته كإزالة الشعر ، ولو كان قتله
بزئبق ونحوه ، ويحرم رميه أيضاً ، ولاجزاء فيه ، لأنه ليس بصيد ولاقيمة له .
ويحرم قتل الجراد ويضمن بقيمته في مكانه .
وما حرم على المحرم لكونه صيد من أجله أو دل عليه أو أعان عليه ، لم يحرم
على الحلال أكله، لقول علي: ((أطعموه حلالاً)) وهو محمول على أنه صيد من
(١) المغني: ٣ / ٣٠٩ - ٣١٥، كشاف القناع: ٢ / ٥٠٢ - ٥١٤، غاية المنتهى: ١ / ٣٧٦ - ٣٧٩ .
(٢) رواه أبو داود والنسائي والترمذي ، وقال : هو أحسن حديث في الباب ، وفيه جمع بين الأحاديث وبيان
المختلف منها .
- ٢٥٢ -

أجلهم ، ولم ينه النبي مؤلّ الصعب بن جثامة عن أكل الحمار الوحشي ، ولأنه صيد
حلال ، فأبيح للحلال أكله ، كما لو صيد لهم .
وهل يباح أكله لمحرم آخر لم يصد له ؟ فيه احتمالان : قال عثمان :
يباح ، لظاهر الحديث (( صيد البر لكم حلال مالم تصيدوه أو يصد لكم )) وروي
(( أنه أهدي لعثمان صيد وهو محرم ، فقال لأصحابه : كلوا، ولم يأكل هو،
وقال: إنما صيد من أجلي )) ولأنه لم يصد من أجله ، فحل له كما لو صاده الحلال
لنفسه .
وقال علي: يحرم عليه، لقوله: ((أطعموه حلالاً، فإنا حرم )) وهذا
ما أرجحه .
وإذا ذبح المحرم الصيد ، صار ميتة يحرم أكله على جميع الناس . وهذا متفق
عليه ؛ لأنه حيوان حرم عليه ذبحه لحق الله تعالى ، فلم يحل بذبحه كذبح المجوسي .
والخلاصة : يحرم عند الحنفية والمالكية الصيد المأكول وغير المأكول ، ولا يحرم
عند غيرهم إلا الصيد المأكول أو المتولد منه ومن غيره .
S
وإذا اضطر المحرم فوجد صيداً وميتة ، أكل الميتة عند الحنابلة والمالكية .
وقال الشافعي : يأكل الصيد(١).
وأضاف الحنابلة : ويباح قتل الفواسق كالحية والغراب ونحوهما ، وقتل كل
ما كان طبعه الأذى ، وإن لم يوجد منه الأذى كالأسد والنمر والذئب والفهد
وما في معناه ، والحشرات المؤذية كالزنبور والبق والبعوض والبراغيث . ويباح
صيد البحر والنهر إلا في الحرم ، ولو للحلال .
(١) هذا ماذكره المغني: ٣ / ٣١٥ وكشاف القناع: ٢ / ٥١٤ .
- ٢٥٣ _

مباحات الإحرام :
يتلخص مما سبق بيانه أنه يباح للمحرم ما يأتي مما ليس من المحرمات
السابقة (١) :
١ - للمحرم غسل الرأس بما ينظفه من الوسخ كالسدر والخطمي وغيرهما من
غير نتف شيء من شعره ، لكن الأولى ألا يفعل ؛ لأن ذلك نوع من الترفه ،
والحاج أشعث أغبر . وله أن يغتسل من الجنابة بالإجماع ، وإذا اغتسل من
الجنابة استحب أن يغسل رأسه ببطون أنامله برفق ، حتى يتسرب الماء في أصول
شعره ، ولا يحكه بأظفاره . ويكره له عند المالكية والحنابلة غسل رأسه بالسدر
والخطمي ونحوهما ، لما فيه من إزالة الشعث والتعرض لقلع الشعر . ويجوز له
أيضاً غسل البدن في الحمام وغيره ولا يكره .
٢ - وله الاكتحال بما لا طيب فيه، ويكره بالإثمد إلا للحاجة فلا يكره .
٣ - لابأس بالاختتان والفصد والحجامة إذا لم يقطع الشعر؛ لأن النبي عَ ◌ّ
احتجم وهو محرم(٢) ، ويجوز قلع الضرس وجبر الكسر، وحك الرأس والبدن
برفق يأظفاره على وجه لا ينتف شعراً ، أو يسقط قملة ، والمستحب ألا يفعل .
فلوحك رأسه أو لحيته ، فسقط بحكه شعرة أو شعرات ، لزمته الفدية أو
التصدق بما شاء ولو سقط شعر وشك ، هل كان زائلاً بنفسه ، أم انتتف بحكه فلا
فدية على الأصح عند الشافعية .
وللمحرم عند الشافعية أن ينحي القمل من بدنه وثيابه ولا كراهة في ذلك ،
وله قتله ولا شيء عليه ، بل يستحب للمحرم قتله ، كما يستحب لغيره . وهذا هو
(١) وانظر الإيضاح للنووي: ص٣٠، المغني: ٢٩٧/٣ - ٣٠٨
(٢) متفق عليه عن ابن عباس
- ٢٥٤ _

الراجح خلافاً لمن منع ذلك ، تحقيقاً للنظافة ومنع الأذى . ويكره للمحرم أن
يغلي رأسه ولحيته ، فإن فعل ، فأخرج منهما قملة وقتلها ، تصدق ولو بلقمة على
ما نص عليه الشافعي ، وهذا التصدق مستحب . ولا يتفلى المحرم ولا يقتل
القمل عند الحنابلة ، فإن خالف وتغلى أو قتل قملاً أو ألقاه أو قتله بالزئبق فلا
فدية عليه . وقال الحنفية : يتصدق بما شاء من كف من طعام .
٤ - للمحرم أن ينشد الشِعْر الذي لا يأثم فيه .
٥ - ولا يكره للمحرم والمحرمة النظر في المرآة ، خلافاً للحنابلة والمالكية
فيكره .
٦ - يباح قتل الفواسق كالحدأة والفأرة ، بنص الحديث المتقدم ، ويجوز قتل
السباع ، وقتل الحشرات المؤذية كالبعوض والبراغيث والذباب في رأي الجمهور غير
المالكية .
٧ - يجوز صيد البحر ، وذبح الأنعام الإنسية ، والطيور التي لا تطير
كالدجاج والبط والأوز الأهلي .
٨ - يباح الاستظلال بالبيت والمحمل والمظلة ونحوها مما لا يصيب رأسه أو
وجهه . ويكره الاستظلال بالمحمل عند المالكية والحنابلة ، فإن فعل فعليه دم ،
ولكن له أن يستظل بالسقف والحائط والشجرة والخباء .
٩ - يجوز أن يشد على وسطه حزام النقود ولو كانت لغيره ، ويجوز عقد
الإزار لستر العورة ، وكذا يجوز لبس حزام الفتق ، وعليه الفدية .
١٠ - يحل حمل السلاح وقتال العدو للحاجة ، ولبس الخاتم والساعة والحزام
( الكمر ) .
١١ - يباح الكلام ، ولكن يستحب للمحرم قلة الكلام في كل حال إلا فيما
- ٢٥٥ -

ينفع ، صيانة لنفسه عن اللغو والوقوع في الكذب ، وما لا يحل ؛ لأن من كثر
كلامه كثر سقطه . ويستحب للمحرم أن يشتغل بالتلبية وذكر الله تعالى أو قراءة
القرآن ، أو أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، أو تعليم لجاهل ، أو يأمر
بحاجته ، أو يسكت . وإن تكلم بما لا مأثم فيه ، أو أنشد شعراً لا يقبح ، فهو
مباح ولا یکثر .
المبحث الحادي عشر - جزاء الجنايات
تطرأ على المحرم عوارض : هي الجنايات ، والإحصار، والفوات . أما
الجنايات فهي جمع جناية ، وهي لغة : ما تجنيه من شر، وشرعاً : ما حرم من
الفعل بسبب الإحرام أو الحرم .
والجنايات نوعان :
١ - جناية على الإحرام : هي ارتكاب مخالفة لأعمال الحج أو العمرة ، أو
اقتراف محظور من محظورات الإحرام السابقة ، وترك واجب من واجبات الحج ،
ولو كان الجاني ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً أو مخطئاً، أو مغمى عليه ، بشرط أن
يكون الجاني عند الحنفية محرماً بالغاً ، فلا شيء على الصبي عند الحنفية والمالكية
والحنابلة ؛ لأن عمده خطأ ، لكن لو وطئ يفسد حجه ويمضي في فاسده ، وفي
وجوب القضاء عليه عند الحنابلة وجهان : الأول : لا يجب لعدم تكليفه ،
والثاني : يجب كوطء البالغ .
وأوجب الشافعية في الأصح على الصبي الفدية والقضاء إذا ارتكب محظوراً
من محظورات الإحرام وكان عامداً لا ناسياً أو مكرهاً ، بناء على أن عمده عمد ،
وهو أحد القولين المشهورين(١).
(١) شرح المجموع: ٢٨/٧، الإيضاح: ص٩٩.
- ٢٥٦ -

والحاصل أنه يفسد حج الصبي بالجماع بلا خلاف بين أئمة المذاهب الأربعة
خلافاً لداود الظاهري ، وقال الدسوقي المالكي : لا يفسد حجه .
٣ - جناية على الحرم : وهي التعرض لصيد الحرم وشجره ، سواء من
المحرم أو غيره ، إذا كان الشخص مكلفاً ( بالغاً عاقلاً ) ولو ناسياً أو جاهلاً أو
مكرهاً أو مخطئاً . وذلك يوجب ضمان المثل أو القيمة ، وسوف نبينه في بحث
خصوصيات الحرم .
أما الجناية على الإحرام : فقد توجب دماً(١) واحداً أو أكثر، أو صدقة،
أو دون ذلك، أو قيمة ، على النحو التالي (٢)، وهو يشمل بحث الفدية وجزاء
الصيد .
أولاً - الجناية التي توجب بدنة ( ناقة أو بقرة ) يوزع لحمها على فقراء
الحرم :
اً - الجماع في أثناء الإحرام قبل التحلل الأول وبعد وقوف عرفة : ويفسد
حجه عند الجمهور، ولا يفسد حجه عند الحنفية ، فإن جامع المحرم زوجته قبل
الوقوف فإنه يفسد حجه ، وعليه شاة فقط عند الحنفية ، ويمضي في فاسده من
حج أو عمرة حتى التام ، ثم يقضيه بالاتفاق فوراً في العام المقبل إن كان حجاً ،
وبعد تمام الفاسد إن كان عمرة .
وأوجب المالكية الهدي من الأنعام ( الإبل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز ) بالجماع
(١) يراد بكلمة الدم عند الإطلاق: هو وجوب الشاة أو سبع بدنة أو بقرة كالواجب في الأضحية.
(٢) الدر المختار: ٢٧٣/٢ - ٢٩٦، فتح القدير: ٢٢٤/٢ - ٢٥٤، الكتاب مع اللباب: ١٩٩/١ - ٢١٠، القوانين
الفقهية: ص١٣٨ وما بعدها، بداية المجتهد: ٣٤٦/١ - ٣٥٦، الشرح الكبير: ٥٤/١ - ٧١، الشرح الصغير:
٨٤/٢ - ٩٨، مغني المحتاج: ٥٢١/١ - ٥٢٦، المهذب: ٢١٠/١ - ٢١٧، غاية المنتهى: ٣٨٤/١ - ٣٩١، المغني: ٢٥٥/٣ ،
٤٩٢ - ٥٢٦، ٥٤٤ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص٢٦ وما بعدها ، حاشية الشرقاوي: ٥١٠/١ وما بعدها .
الفقه الإسلامي جـ٣ (١٧)
- ٢٥٧ -
٠,

أو الإنزال بغير الاحتلام قبل الوقوف مطلقاً أو بعد الوقوف قبل طواف الإفاضة
ورمي جمرة العقبة يوم النحر .
اً - إذا طاف طواف الإفاضة جنباً أو حائضاً أو نفساء .
ثانياً - الجنابة التي توجب دمين :
هي جناية القارن عند الحنفية ، وهي كل جناية يجب بها على المفرد دم
واحد ، فعليه مثلاً دمان إذا حلق قبل الذبح ، دم للتأخير ودم للقران على
المذهب ، وقال الشافعية والمالكية والحنابلة : القارن والمفرد في كفارات الإحرام
واحد ؛ لأن القارن كالمفرد في الأفعال ، فكان كالمفرد في الكفارات ، فتلزمه
بالجماع بدنة واحدة بسبب الإفساد لاتحاد الإحرام ، ويلزمه مع ذلك شاة للقران .
والمتمتع كالقارن(١) .
ثالثاً - الجناية التي توجب دماً واحداً إما على سبيل التخيير أو
الترتيب :
اً - لبس المخيط وتغطية الرأس والحلق وقص الأظفار والتطيب :
قال الحنفية : إن لبس المحرم ثوباً مخيطاً أو غطى رأسه يوماً كاملاً ، فعليه
دم ( شاة ) يفرق لمها على فقراء الحرم ، وإن كان أقل من ذلك ، فعليه صدقة .
وإن حلق موضع الحجامة ، فعليه دم عند أبي حنيفة ، وقال الصاحبان :
عليه صدقة ؛ لأنه غير مقصود في ذاته .
وإن حلق ربع الرأس فصاعداً أو ربع اللحية ، فعليه دم ، وإن حلق أقل
(١) شرح المجموع: ٣٨٥/٧، ٣٩٤، ٤٠٠، ٤١٨ .
- ٢٥٨ -

من الربع فعليه صدقة ؛ لأن حلق بعض الرأس ارتفاق كامل لأنه معتاد ،
فتتكامل به الجناية ، ويتقاصر فیما دونه .
وإن قص في مجلس واحد أظافر يديه ورجليه جميعاً ، أو أظافر يديه فقط
أو أظافر يد واحدة أو رجل واحدة ، فعليه شاة . وإن تعدد المجلس بأن قص
أظافر يديه في مجلس ، ثم أظافر رجليه في مجلس واحد وجب عليه دمان .
وإن قص أقل من خمسة أظافر متفرقة من يديه ورجليه ، فعليه صدقة عند
أبي حنيفة وأبي يوسف .
وإن طيب المحرم عضواً كاملاً كالرأس والفم واليد والرجل فأكثر أو جسمه
كله ، فعليه دم ( شاة ) ؛ لأن المعتبر الكثرة ، وحد الكثرة : هو العضو .
وإن طيب المحرم ثوبه ، لزمه دم بشرط لبسه يوماً كاملاً .
وإن خضب رأسه أو يده أو لحيته بحناء وجب دم .
أ
وإن ادهن بزيت أو شيرج ، لزمه دم ، لأنها أصل الطيب(١) ، بخلاف بقية
الأدهان کالسمن والشحم ودهن اللوز . أما لو أكل الزيت أو داوى به جرحه أو
شقوق رجليه أو أقطر في أذنيه ، فلا يجب عليه شيء ، لا دم ولا صدقة باتفاق
الحنفية ، لأنه ليس بطيب من كل وجه ، لكن لو استعمل المسك والعنبر والغالية
والكافور ونحوهما مما هو طيب في نفسه ، فإنه يلزمه الدم بالاستعمال ولو على
وجه التداوي . ولو جعله في طعام وإن لم يطبخ فلا شيء فيه إذا كان مغلوباً ،
ويكره أكله ، كما يكره شم الطيب والتفاح .
وإن تطيب أو حلق أو لبس ثوباً لعذر فهو مخير : إن شاء ذبح شاة ، وإن
(١) ومن الأدهان الموجبة لذبح شاة : زيت الشعر ونحوه أو الكريم .
- ٢٥٩ -

شاء تصدق على ستة مساكين بثلاثة أصوع(١) من طعام لكل مسكين نصف صاع ،
وإن شاء صام ثلاثة أيام ، لقوله تعالى : ﴿فمن كان مريضاً أو به أذى من
رأسه ، فقدية من صيام أو صدقة أو نُسُك ﴾ .
وقال الجمهور غير الحنفية : من لبس أو حلق شعره أو قلم أظفاره أو تطيب
أو ادهن أو أزال ثلاث شعرات متوالية عند الشافعية أو أزال أكثر من شعرتين أو
ظفرين عند الحنابلة : يخير في الفدية بين ذبح شاة يتصدق بها ، أو صيام ثلاثة
أيام ، أو إطعام ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، وذبح الشاة يسمى
نسكاً ، فالنسك أحد خصال الفدية ، سواء فعل المحظور عمداً أو خطأ أو جهلاً ،
والتخيير ثابت مع العسر واليسر في أي مكان شاء ، ودليل التخيير الآية
السابقة: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) وقوله والإ لكعب بن
عجرة: (( أيؤذيك هوامّ رأسك ؟ قال : نعم ، قال : انسك شاة ، أو صم ثلاثة
أيام ، أو أطعم فَرَقاً من الطعام(٢) على ستة مساكين )) وقيس بالحلق وبالمعذور
غيرهما . فهذه الفدية عند الجمهور عامة للمعذور وغيره ، وخاصة عند الحنفية
بالمعذور . وشعر الرأس وغيره سواء في وجوب الفدية ؛ لأن الشعر كله جنس
واحد في البدن ، ويجزئ البر والشعير والزبيب في الفدية ، كما في الفطرة وكفارة
اليمين . والواجب عند الحنابلة فدية واحدة مالم يكفر عن الأول ، فإن كفر عن
الأول ثم حلق ثانياً ، فعليه كفارة ثانية . وإذا حلق المحرم رأس حلال أو قلم
أظفاره ، فلا فدية عليه عند الجمهور ، وقال أبو حنيفة : يلزمه صدقة ؛ لأنه
أتلف شعر آدمي ، فأشبه شعر المحرم . وإن حلق محرم رأس محرم بإذنه أو حلقه
حلال بإذنه ، فالفدية على المحلوق . وإن كان المحلوق مكرهاً أو نائماً ، فلا فدية
(١) جمع صاع، وهو جملة قلة، وجمع الكثرة صيعان. وجمعه على آصع من خطأ العوام، والصاع (٢٧٥١)
غراماً عند الجمهور، وعند الحنفية ( ٣٨٠٠ غم )
(٢) الفرق : ثلاثة أصع
- ٢٦٠ -
ہے.