النص المفهرس
صفحات 241-260
وتجب الفدية ، وإلا فيكره ولافدية . ومنع الحنفية والمالكية الامتشاط مطلقاً . وللمعذور في الحلق لإيذاء أو وسخ أو حر أو جراحة أو نحو ذلك أن يحلق ويفدي ، لقوله تعالى : ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ، فقدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾، وفي الصحيحين عن كعب بن عُجْرة قال: (( في نزلت هذه الآية، أتيت رسول الله ماستر، فقال: ادن فدنوت ، فقال : أيؤذيك هوام رأسك ؟ قال ابن عوف : وأظنه قال : نعم ، قال : فأمرني بفدية من صيام أو صدقة أو نسك )»(١) . ولكن يجوز قلع شعرة نبتت داخل جفنه وتأذى بها ، ولا فدية ، وكذا يجوز قطع شعر حاجبه أو رأسه إذا غطى عينه ، ولا فدية ، وكذا قطع ما انكسر من ظفره وتأذى به ، ولا يقطع معه من الصحيح شيئاً . والمعتمد كراهة ترجيل ( تسريح الشعر ) وحك الشعر بالظفر ، ولا يكره كما بينا غسل بدنه ورأسه بخطمي وسدر من غير نتف شعر؛ لأن ذلك ليس للتزين ، بل لإزالة الوسخ ، لكن الأولى تركه ، وللمحرم الاحتجام والفصد مالم يقطع بها شعراً ، والأولى ترك الاكتحال الذي لاطيب فيه ، وأما مافيه طيب فهو حرام . ولاشيء بسقوط الشعر وحده دون نتف أو إزالة أو حك بنحو ظفر أو أثناء حجامة أو امتشاط . وقال الحنابلة كالشافعية : يجب إطعام مسكين فيما دون ثلاث من شعر أو ظفر ، وتجب الفدية في ثلاث منها أو في التطيب واللبس ، ولو في أثناء التمشيط (١) نيل الأوطار: ٥ / ١١. - ٢٤١ - الفقه الإسلامي جـ٣ (١٦) أو تخليل اللحية ، أو كان ناسياً أو مكرهاً. ويباح حك بدنه برفق بلاقطع شعره . ولافدية إن تفلى أو قتل قملاً ، فإن كعب بن عجرة حين حلق رأسه قد أذهب قملاً كثيراً ، ولم يجب عليه لذلك شيء ، وإنما وجبت الفدية بحلق الشعر ، ولأن القمل لاقيمة له ، فأشبه البعوض والبراغيث ، ولأنه ليس بصيد ولاهو مأكول . وله قلم الظفر إذا انكسر بقدر المنكسر من غير فدية تلزمه ، قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا انكسر ، ولأن ما انكسر يؤذيه ويؤلمه ، فأشبه الشعر النابت في عينه ، والصيد الصائل عليه . فإن قص أكثر مما انكسر فعليه الفدية لذلك الزائد . ولا ينظر في المرآة لإصلاح شيء كإزالة شعث أو تسوية شعر أو شيء من الزينة، لحديث ((إن المحرم الأشعث الأغبر)) وفي حديث آخر: (( إن الله يباهي بأهل عرفة ملائكته ، فيقول : ياملائكتي انظروا إلى عبادي قد أتوني شعثاً غبراً ضاحين)) أو كما جاء لفظ الحديث . ولافدية عليه بالنظر في المرآة على كل حال ، وإنما ذلك أدب لاشيء على تاركه . وله النظر في المرآة لحاجة كمداواة جرح أو إزالة شعر نبت في جفنه ونحو ذلك مما أباح الشرع له فعله . والخلاصة : يكره النظر لزينة ، ويجوز لحاجة . الأصل الثالث - النساء : وهذا يشمل أمرين : عقد الزواج ، والجماع ومقدماته . أما عقد الزواج: فيحرم ولا يصح عند الجمهور إلا في حق النبي مُ اته - إن ثبت تزوجه ميمونة وهو محرم - ولافدية فيه ، فلا يتزوج المحرم ولو بوكيل غير محرم ، ولا يزوج بولاية أو وكالة، فإن فعل فالزواج باطل. لقوله تع الى: - ٢٤٢ - (( لا يَنْكح المحرم ولا يُنكح، ولا يخطب))(١)، ولأن الإحرام يحرم الطيب ، فيحرم النكاح كالعدة . ومتى تزوج المحرم أو زوج ، أو زُوّجت محرمة ، فالنكاح باطل ؛ لأنه منهي عنه . وتكره الخطبة للمحرم ، وخطبة المحرمة ، ويكره للمحرم أن يخطب لحلال (غير محرم)، للحديث السابق ((ولا يخطب)) ولأنه تسبب إلى الحرام ، فأشبه الإشارة إلى الصيد . والإحرام الفاسد كالصحيح في منع النكاح وسائر المحظورات ؛ لأن حكمه باق في وجوب ما يجب في الإحرام ، فكذلك ما يحرم به . وأجاز الحنفية الزواج والخطبة للمحرم، لما روى ابن عباس: (( أن النبي عَّم تزوج ميمونة وهو محرم)) (٢). ورد الجمهور بحديث ميمونة: ((أن النبي عَ ◌ّ تزوجها حلالاً ، وبنى بها حلالاً ، وماتت بسَرف في الظلة التي بنى بها فيها))(٢) وبحديث أبي رافع قال: (( تزوج رسول الله آل ميمونة وهو حلال ، وبنى بها وهو حلال ، وكنت أنا الرسول بينهما ))(٤) وميمونة وأبو رافع أعلم بذلك من ابن عباس ، وأولى بالتقديم لو كان ابن عباس كبيراً ، فكيف وقد كان صغيراً لا يعرف حقائق الأمور ، ولا يقف عليها ، وقد أنكر عليه هذا القول ، وقال سعيد بن المسيب : وَهِم ابن عباس، ماتزوجها النبي عَ لّ إلا حلالاً. ثم إن حديث ((لا ينكح المحرم ... )) قول، فيقدم على الفعل المروي عن ابن عباس ، وهو آكد ، لأن الفعل يحتمل أن يكون مختصاً بما فعله عليه السلام . (١) رواه مسلم . (٢) متفق عليه . (٣) رواه أبو داود والأثرم . (٤) قال الترمذي : هذا حديث حسن ، وميمونة أعلم بنفسها ، وأبو رافع صاحب القصة ، وهو السفير فيها . - ٢٤٣ - وأما الجماع ومقدماته : فيحرم بالاتفاق ولو لبهية ، ويحرم على المرأة الحلال تمكين زوجها المحرم من الجماع ؛ لأنه إعانة على معصية ، ويحرم على الرجل الحلال جماع زوجته المحرمة . وبناء عليه : يحرم على المحرم الوطء في الفرج ، ومقدمات الجماع من تقبيل ولمس بشهوة ومباشرة وجماع فيما دون الفرج ، لقوله تعالى: ﴿ الحج أشهر معلومات ، فمن فرض فيهن الحج ، فلارفث ولافسوق ولاجدال في الحج ﴾ والرفث : ما يكنى به عن الجماع وجميع حاجات الرجال إلى النساء . ويتوقى المحرم في إحرامه مانهاه الله عنه في هذه الآية من الرفث ( الجماع ) والفسوق وهو السباب، والجدال: وهو المراء والمجادلة. وقال النبي مَ ◌ّم: ((من حج فلم يرفُث ولم يفسُق ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))(١) . فإن جامع قبل الوقوف بعرفة أفسد حجه ومضى في فاسده وعليه القضاء فوراً من العام القادم ، حتى وإن كان نسكه تطوعاً ، وعليه بدنة ، لقضاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم بذلك ، كما سنبين . وإن جامع بين التحللين ، أو جامع ثانياً بعد جماعه الأول قبل التحللين ، فعليه شاة . وإن جامع فيما دون الفرج أنزل أو لم ينزل ، أو قبل أو لمس بشهوة أو باشر ، فعليه دم، لكن لا يفسد حجه عند الجمهور غير المالكية، قال ابن عمر: ((إذا باشر المحرم امرأته ، فعليه دم )) وذلك سواء فعل ماذكر من الجماع ومقدماته عامداً أو ناسياً أو مكرهاً . أما لو نظر إلى فرج امرأته عن شهوة ، فأمنى ، فلاشيء عليه ، (١) متفق عليه . - ٢٤٤ _ بخلاف المس عن شهوة ، إنه يوجب الدم ، أمنى أو لم يمن ، والفرق : أن اللمس : استمتاع بالمرأة وقضاء للشهوة ، أما النظر فليس استمتاعاً ولاقضاء للشهوة ، بل هو سبب لزرع الشهوة في القلب ، والمحرم ليس ممنوعاً عما يزرع الشهوة كالأكل . ورأى الشافعية أنه إن باشر فيا دون الفرج ناسياً فلاشيء عليه ، سواء أنزل أم لا . والاستمناء باليد يوجب الفدية . ولو كرر النظر إلى امرأة فأنزل من غير مباشرة ولااستمناء ، فلافدية عليه ، كما قال الحنفية . وكذلك قال الحنابلة: إن فكر أو نظر فأنزل فلاشيء عليه؛ لأن النبي صَ لّه كان ينظر إلى نسائه وهو محرم . وإن كرر النظر حتى أمذى أو أمنى ، فعليه دم عندهم . أما المالكية فقالوا : إن إنزال المني مفسد الحج والعمرة مطلقاً ، حتى وإن حدث بنظر أو فكر مستديمين ، لابمجردهما ، بخلاف الإنزال بغيرهما لا يشترط فيه الإدامة . وبه يلتقي الحنابلة مع المالكية في إيجاب الدم في حال الاستدامة ، لكن يختلف المذهبان في مجرد النظر أو الفكر ، فعند المالكية : يجب دم ، وعند الحنابلة : لاشيء عليه . أ وللمحرم بالاتفاق أن يتجر ويصنع الصنائع ويرتجع زوجته مادامت في عدتها ، لقوله تعالى: ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ أي في مواسم الحج ، والمرأة الرجعية زوجة ، والرجعة إمساك ، لقوله تعالى : ﴿ فأمسكوهن بمعروف ﴾ فأبيح ذلك كالإمساك قبل الطلاق . ما يفسد الحج ، وحكمه إذا فسد : أولاً - شروط كونه مفسداً : يشترط في الجماع المفسد للحج شرطان عند الحنفية وغيرهم : - ٢٤٥ _ الأول - أن يكون الجماع في الفرج: وهذا متفق عليه ، فلو جامع فيما دون الفرج ، أو لمس بشهوة ، أو عانق ، أو قبل ، أو باشر ، لا يفسد حجه ، لكن تلزمه عند الحنفية الكفارة ، سواء أنزل أو لم ينزل . وقال المالكية : وكذا الإنزال بالوطء أو بغير الوطء إلا الاحتلام يوجب الدم . ورأى الشافعية : أن الاستمناء باليد والمباشرة فيا دون الفرج حرام ، لا يفسد الحج ، ويوجب الدم إن أنزل . وشرطوا لإفساد الحج بالجماع أن يكون المجامع ثامداً بالتحريم ، فإن كان ناسياً أو جاهلاً بالتحريم أو جومعت المرأة مكرهة ، لم يفسد الحج ولافدية أيضاً في الأصح . والجماع وحده هو الذي يفسد الحج ، سواء للرجل والمرأة ، حتى لو استدخلت المرأة ذكر نائم ، فسد حجها وعمرتها . وذهب الحنابلة إلى أنه إن وطئ دون الفرج ، فلم ينزل ، فعليه دم ، وإن أنزل ، فعليه بدنة ، ولا يفسد حجه في الرواية الصحيحة . وقالوا : على الرجل المحرم بدنة إن وطئ في الفرج واستكرهها ، فإن كانت طاوعته فعلى كل واحد منهما بدنة . وإذا تكرر الجماع ، فإن كفر عن الأول ، فعليه للثاني كفارة ثانية كالأول ، وإن لم يكن كفر عن الأول ، فكفارة واحدة . والخلاصة : أن الجماع وحده مفسد للحج عند الجمهور، ويضم إليه الإنزال عند المالكية . والثاني - أن يكون الجماع عند الحنفية قبل الوقوف بعرفة ، فمن جامع بعد الوقوف بعرفة ، لم يفسد حجه . وعليه بدنة إن جامع بعد الوقوف قبل الحلق ، لأن الركن الأصلي هو الوقوف بعرفة، لحديث: ((الحج عرفة)) أي الوقوف بعرفة ، وعليه شاة إن جامع قبل الوقوف ، لما روي أن الصحابة قالوا : عليه هدي . - ٢٤٦ - . وقال الجمهور غير الحنفية : يفسد الحج إن وقع قبل التحلل الأول(١) ، ولو بعد الوقوف ؛ لأنه وطء صادف إحراماً صحيحاً لم يحصل فيه التحلل الأول ، فأشبه ماقبل الوقوف . وعليه بدنة عند الشافعية والحنابلة ، لقضاء الصحابة بذلك ، وهدي عند المالكية في زمن القضاء ، وأفضله الإبل ، ثم البقر ثم الضأن ، ثم المعز . أما العمرة : فتفسد عند الحنفية(٢) إن جامع قبل أن يطوف أربعة أشواط ، وعليه قضاؤها، وشاة . وإن وطئ بعدما طاف أربعة أشواط فلا تفسد ، ولا يلزمه قضاؤها ، وعليه شاة . وتفسد عند المالكية والحنابلة(٣) إن جامع قبل تمام السعي ، قبل الحلق ، وعليه لإفسادها هدي عند المالكية ، وشاة عند الحنابلة ، ولا فدية على مكرهة ، ولا يفسد بعد تمام السعي وقبل الحلق . وتفسد عند الشافعية(٤) إن جامع قبل التحلل أو الفراغ منها ، وعليه لإفسادها بدنة كالحج ، لتغليظ الجناية . ثانياً - حكم الحج إذا فسد : إذا فسد الحج بالجماع يجب المضي في فاسده ، ويجب القضاء اتفاقاً على الفور من العام التالي ، وإن كان نسكه تطوعاً ؛ لأنه يلزم بالشروع فيه ، فصار فرضاً ، بخلاف باقي العبادات عند غير الحنفية . وفورية قضاء الفاسد ؛ لأنه وإن كان وقت الحج موسعاً ، يضيق بالشروع فيه ، ولقول الصحابة بقضائه من قابل . (١) التحلل الأول كما سبق يحصل بفعل اثنين من ثلاثة وهي رمي جمرة العقبة والحلق وطواف الإفاضة . (٢) الكتاب مع اللباب : ١ / ٢٠٢ . (٣) الشرح الصغير: ٢ / ٩٤، غاية المنتهى: ١ / ٣٨٢. (٤) مغني المحتاج: ١ / ٥٢٢ . - ٢٤٧ - ويستوي في ذلك الرجل والمرأة الاستوائهما في المعنى الموجب للفساد . ويجب عليه بدنة عند الشافعية والحنابلة ، سواء حدث الإفساد قبل الوقوف أم بعده ، لقضاء الصحابة بذلك ، بدون تفرقة بين ما قبل الوقوف وبعده ، ولأنه جماع صادف إحراماً تاماً ، فوجب به كما بعد الوقوف . والقضاء واجب على الصبي إن أفسد نسكه بالجماع . وعليه عند المالكية هدي زمن القضاء ، لقول ابن عمر لمن واقع امرأته : (( .. فإذا كان في العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهديا هدياً .. )). وأوجب الحنفية عليه شاة إن جامع قبل الوقوف وفسد حجه ، وبدنة إن جامع بعد الوقوف قبل الحلق وحجه صحيح ؛ لأنه قبل الوقوف معنى يوجب القضاء ، فلم يجب به بدنة كفوات الوقوف ، ولأن ابن عباس أوجب البدنة في موضعين في الحج : أحدهما إذا طاف للزيارة جنباً ورجع إلى أهله ولم يعد ، والثاني إذا جامع بعد الوقوف . وإذا كان المحرم قارناً فجامع قبل الوقوف فسد حجه وعمرته ، وعليه دمان لكل واحد منهما شاة ، وعليه المضي فيها وإتمامهما على الفساد ، وعليه قضاؤهما ، ويسقط عنه دم القرآن ، وأوجب الشافعية مع البدنة دم القرآن . الأصل الرابع - الصيد : لا يجوز للمحرم قتل صيد البر واصطياده أو الدلالة عليه ، إلا المؤذي المبتدئ بالأذى غالباً كالأسد والذئب والحية والفأرة والعقرب والكلب العقور ، والكلب عند المالكية : كل حيوان وحشي يخاف منه كالسباع . وعند أبي حنيفة : الكلب المعروف . ويجوز للمحرم صيد البحر مطلقاً، وذبح المواشي الإنسية كالأنعام من الإبل والبقر والغنم ، وذبح الطير الذي لا يطير في الهواء كالدجاج ، والدليل قوله تعالى: ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة ، وحرّم عليكم صيد - ٢٤٨ _ البر مادمتم حرماً)، وقوله سبحانه : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرُمٍ﴾ ، وتحريم الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه والأكل منه واضح من حديث أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي وأصحابه محرمون، فقال النبي معرائع لأصحابه: ((هل أشار إليه إنسان أو أمره بشيء؟ قالوا: لا، قال: فكلوه))(١) وهذا دليل الحنفية القائلين : يجوز للمحرم أكل الصيد مطلقاً إذا صاده الحلال . وقال الجمهور : يحرم الأكل من لحم صيد البر على المحرم إذا صيد له ، لحديث الصعب بن جَثَّمة: ((أنه أهدى إلى رسول الله ◌َ قلِ حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودّان، فرده عليه، فلما رأى مافي وجهه قال: إنا لم نردَّه عليك، إلا أنا حُرُم ))(٢) وهذا الرأي أرجح ؛ لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرماً ، كما قال الشوكاني، ولحديث آتٍ: (( صيد البرلكم حلال مالم تصيدوه أو يصد لكم )). وللمذاهب تفصيلات في الصيد الممنوع ، خلاصتها ما يأتي : قال الحنفية(٣): لا يجوز للمحرم أن يتعرض لصيد البر المأكول وغير المأكول إلا المؤذي غالباً . والصيد الممنوع: كل حيوان بري متوحش بأصل الخلقة مباح أو مملوك ، فلا يحرم على المحرم ذبح الإبل والبقر والغنم ؛ لأنها ليست بصيد ، لعدم الامتناع ، والصيد هو الممتنع المتوحش ، ولا يحرم الدجاج والبط الذي في المنازل . والكلب والسنور الأهلي ليس بصيد ؛ لأنه مستأنس . ويحل صيد البحر للحلال والمحرم ، الآية السابقة ، والبحري : هو الذي توالده في البحر، سواء أكان لا يعيش إلا في البحر أم يعيش في البحر والبر. والبري: ما يكون توالده في البر، سواء أكان لا يعيش إلا في البر، أم يعيش في البر والبحر، فالعبرة للتوالد . (١) رواه مسلم، والبخاري بلفظ آخر عن أبي قتادة ( نيل الأوطار: ٥ / ٢١). (٢) متفق عليه بين أحمد والشيخين ( المرجع السابق: ص ١٨ ) ولأحمد ومسلم وأبي داود والنسائي مثله عن زيد بن أرقم . (٣) البدائع: ٢ / ١٩٥ - ٢٠٦، الكتاب: ١ / ٢٠٦ - ٢١٠، فتح القدير: ٢ / ٢٥٥. - ٢٤٩ - ولا بأس بقتل البرغوث والبعوض والنملة والذباب والقراد والزنبور ؛ لأنها ليست بصيد ، لانعدام التوحش والامتناع ، ولأن هذه الأشياء من المؤذيات المبتدئة بالأذى غالباً ، فالتحقت بالمؤذيات المنصوص عليها من الحية والعقرب في حديث: (( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم : الحية والعقرب والفأرة والكلب العقور والغراب ))(١) . ولا يقتل القملة ، لا لأنها صيد ، بل لما فيها من إزالة التفث ، لأنه متولد من البدن كالشعر ، والمحرم منهي عن إزالة التفث من بدنه ، فإن قتلها تصدق بشيء ، كما لو أزال شعرة . وكذا لا يقتل الجرادة ، لأنها صيد البر . ولا بأس له بقتل هوام الأرض من الفأرة والحية والعقرب والخنافس والجعلان وصياح الليل والصرصر ونحوها ؛ لأنها ليست بصيد ، بل من حشرات الأرض . وكذا القنفذ وابن عرس ؛ لأنها من الهوام . وله أن يقتل ما لا يبتدئ بالأذى غالباً كالضبع والثعلب وغيرهما من الضب واليربوع والقرد والفيل والخنزير إن عدا عليه ، ولاشيء عليه إذا قتله في قول أئمة الحنفية ماعدا زفر . وإن ذبح المحرم صيداً ، فذبيحته ميتة لايحل أكلها لأحد من مُحرم أو حلال ، ولا بأس أن يأكل المحرم لحم صيد اصطاده حلال أو ذبحه ، إذا لم يدلّه المحرم عليه ، ولا أمره بصيد ، سواء اصطاده لنفسه أو للمحرم ، حيث لم يكن له فيه صنع . وقال المالكية (٢): لا يقتل المحرم شيئاً من صيد البر، ما أكل لحمه ، ومالم (١) رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن عائشة ، وله ألفاظ أخرى عند أبي داود وأحمد . (٢) القوانين الفقهية: ص ١٣٧، الشرح الصغير: ٢ / ٩٩ - ١١٠. - ٢٥٠ - يؤكل، كما قال الحنفية، سواء أكان ماشياً أم طائراً في الحرم أو في غيره، ولا يأمر به ، ولا يدل عليه ، ولا يشير إليه ، فإن أمر أو دل ، فقد أساء ولا كفارة عليه . ولا يأكل لحم صيد صيد له أو من أجله ، خلافاً للحنفية ، وإن صيد في الحل لحلال ، جاز للمحرم أكله . وكل ماذجه المحرم من الصيد أو قتله عمداً أو خطأ ، فهو ميتة ، ولايجوز له ولا لغيره أكله ، كما قال الحنفية . ويجوز له ذبح المواشي الإنسية كالأنعام والطير الذي لا يطير في الهواء كالدجاج ، وله صيد البحر مطلقاً ، وهذا متفق عليه . وله قتل الحيوان المضر كالأسد ونحوه مما ذكر ، وهذا متفق عليه . ولا يقتل ضبعاً ولاخنزيراً ولا قرداً إلا أن يخاف من عاديته . ويحرم قتل مالاضرر فيه من البعوضة فما فوقها . وقال الشافعية(١): يحرم بالإحرام اصطياد كل حيوان مأكول بري متوحش مباح أو مملوك ، وكذا المتولد من المأكول وغيره ، أو من الإنسي وغيره ، كالمتولد من حمار وحشي وحمار أهلي، أو من شاة وظبي . ويجب به الجزاء احتياطاً . ويحرم الجراد ، ولا يحرم السمك وصيد البحر: وهو ما لا يعيش إلا في البحر. أما ما يعيش في البر والبحر فحرام ، وتحرم الطيور المائية التي تغوص في الماء وتخرج . ولا يحرم ماليس مأكولاً كما قال الحنابلة ، خلافاً للحنفية والمالكية . ولو ذبح المحرم صيداً ، صارميتة على الأصح ، فيحرم على كل أحد أكله . (١) مغني المحتاج: ١ / ٥٢٤ - ٥٢٦، المهذب: ١ / ٢١٠ ومابعدها، الإيضاح: ص ٢٨ وما بعدها . - ٢٥١ - ويحرم على المحرم أكل صيد ذبحه هو ، أو صاده غيره بإذنه ، أو بغير إذنه ، أو أعان عليه ، أو كان له تسبب فيه ، فإن أكل منه عصى ، ولاجزاء عليه بسبب الأكل . ولو صاده حلال للمحرم ولا تسبب فيه ، جازله الأكل منه ، ولا جزاء عليه ، كما قال المالكية . وقال الحنابلة(١): يحرم على المحرم قتل صيد البر واصطياده والإعانة أو الدلالة عليه إذا كان وحشياً مأكولاً ، أو متولداً منه ومن غيره ، ويباح صيد غير المأكول كما قرر الشافعية . ويحرم عليه أكله من ذلك كله ، وكذا ماذبح أو صيد لأجله فلا يأكل المحرم ماصاده الحلال أو ذبحه لأجله، كما قال الشافعية، لقوله مؤ لم: ((صيد البرلكم حلال مالم تصيدوه أو يصد لكم ))(٢) ويتعين حمل حديث الصعب بن جثامة على هذا ، ويكون امتناع النبي ◌ٍّ عن الأكل من الحمار الوحشي لعلمه أو ظنه أنه صيد من أجله . ويحمل حديث أبي قتادة الذي استدل به الحنفية على جواز الأكل من الصيد الذي صاده الحلال ، لا من أجل المحرم .. ويحرم قتل القمل وصئبانه ؛ لأنه يترفه بإزالته كإزالة الشعر ، ولو كان قتله بزئبق ونحوه ، ويحرم رميه أيضاً ، ولاجزاء فيه ، لأنه ليس بصيد ولاقيمة له . ويحرم قتل الجراد ويضمن بقيمته في مكانه . وما حرم على المحرم لكونه صيد من أجله أو دل عليه أو أعان عليه ، لم يحرم على الحلال أكله، لقول علي: ((أطعموه حلالاً)) وهو محمول على أنه صيد من (١) المغني: ٣ / ٣٠٩ - ٣١٥، كشاف القناع: ٢ / ٥٠٢ - ٥١٤، غاية المنتهى: ١ / ٣٧٦ - ٣٧٩ . (٢) رواه أبو داود والنسائي والترمذي ، وقال : هو أحسن حديث في الباب ، وفيه جمع بين الأحاديث وبيان المختلف منها . - ٢٥٢ - أجلهم ، ولم ينه النبي مؤلّ الصعب بن جثامة عن أكل الحمار الوحشي ، ولأنه صيد حلال ، فأبيح للحلال أكله ، كما لو صيد لهم . وهل يباح أكله لمحرم آخر لم يصد له ؟ فيه احتمالان : قال عثمان : يباح ، لظاهر الحديث (( صيد البر لكم حلال مالم تصيدوه أو يصد لكم )) وروي (( أنه أهدي لعثمان صيد وهو محرم ، فقال لأصحابه : كلوا، ولم يأكل هو، وقال: إنما صيد من أجلي )) ولأنه لم يصد من أجله ، فحل له كما لو صاده الحلال لنفسه . وقال علي: يحرم عليه، لقوله: ((أطعموه حلالاً، فإنا حرم )) وهذا ما أرجحه . وإذا ذبح المحرم الصيد ، صار ميتة يحرم أكله على جميع الناس . وهذا متفق عليه ؛ لأنه حيوان حرم عليه ذبحه لحق الله تعالى ، فلم يحل بذبحه كذبح المجوسي . والخلاصة : يحرم عند الحنفية والمالكية الصيد المأكول وغير المأكول ، ولا يحرم عند غيرهم إلا الصيد المأكول أو المتولد منه ومن غيره . S وإذا اضطر المحرم فوجد صيداً وميتة ، أكل الميتة عند الحنابلة والمالكية . وقال الشافعي : يأكل الصيد(١). وأضاف الحنابلة : ويباح قتل الفواسق كالحية والغراب ونحوهما ، وقتل كل ما كان طبعه الأذى ، وإن لم يوجد منه الأذى كالأسد والنمر والذئب والفهد وما في معناه ، والحشرات المؤذية كالزنبور والبق والبعوض والبراغيث . ويباح صيد البحر والنهر إلا في الحرم ، ولو للحلال . (١) هذا ماذكره المغني: ٣ / ٣١٥ وكشاف القناع: ٢ / ٥١٤ . - ٢٥٣ _ مباحات الإحرام : يتلخص مما سبق بيانه أنه يباح للمحرم ما يأتي مما ليس من المحرمات السابقة (١) : ١ - للمحرم غسل الرأس بما ينظفه من الوسخ كالسدر والخطمي وغيرهما من غير نتف شيء من شعره ، لكن الأولى ألا يفعل ؛ لأن ذلك نوع من الترفه ، والحاج أشعث أغبر . وله أن يغتسل من الجنابة بالإجماع ، وإذا اغتسل من الجنابة استحب أن يغسل رأسه ببطون أنامله برفق ، حتى يتسرب الماء في أصول شعره ، ولا يحكه بأظفاره . ويكره له عند المالكية والحنابلة غسل رأسه بالسدر والخطمي ونحوهما ، لما فيه من إزالة الشعث والتعرض لقلع الشعر . ويجوز له أيضاً غسل البدن في الحمام وغيره ولا يكره . ٢ - وله الاكتحال بما لا طيب فيه، ويكره بالإثمد إلا للحاجة فلا يكره . ٣ - لابأس بالاختتان والفصد والحجامة إذا لم يقطع الشعر؛ لأن النبي عَ ◌ّ احتجم وهو محرم(٢) ، ويجوز قلع الضرس وجبر الكسر، وحك الرأس والبدن برفق يأظفاره على وجه لا ينتف شعراً ، أو يسقط قملة ، والمستحب ألا يفعل . فلوحك رأسه أو لحيته ، فسقط بحكه شعرة أو شعرات ، لزمته الفدية أو التصدق بما شاء ولو سقط شعر وشك ، هل كان زائلاً بنفسه ، أم انتتف بحكه فلا فدية على الأصح عند الشافعية . وللمحرم عند الشافعية أن ينحي القمل من بدنه وثيابه ولا كراهة في ذلك ، وله قتله ولا شيء عليه ، بل يستحب للمحرم قتله ، كما يستحب لغيره . وهذا هو (١) وانظر الإيضاح للنووي: ص٣٠، المغني: ٢٩٧/٣ - ٣٠٨ (٢) متفق عليه عن ابن عباس - ٢٥٤ _ الراجح خلافاً لمن منع ذلك ، تحقيقاً للنظافة ومنع الأذى . ويكره للمحرم أن يغلي رأسه ولحيته ، فإن فعل ، فأخرج منهما قملة وقتلها ، تصدق ولو بلقمة على ما نص عليه الشافعي ، وهذا التصدق مستحب . ولا يتفلى المحرم ولا يقتل القمل عند الحنابلة ، فإن خالف وتغلى أو قتل قملاً أو ألقاه أو قتله بالزئبق فلا فدية عليه . وقال الحنفية : يتصدق بما شاء من كف من طعام . ٤ - للمحرم أن ينشد الشِعْر الذي لا يأثم فيه . ٥ - ولا يكره للمحرم والمحرمة النظر في المرآة ، خلافاً للحنابلة والمالكية فيكره . ٦ - يباح قتل الفواسق كالحدأة والفأرة ، بنص الحديث المتقدم ، ويجوز قتل السباع ، وقتل الحشرات المؤذية كالبعوض والبراغيث والذباب في رأي الجمهور غير المالكية . ٧ - يجوز صيد البحر ، وذبح الأنعام الإنسية ، والطيور التي لا تطير كالدجاج والبط والأوز الأهلي . ٨ - يباح الاستظلال بالبيت والمحمل والمظلة ونحوها مما لا يصيب رأسه أو وجهه . ويكره الاستظلال بالمحمل عند المالكية والحنابلة ، فإن فعل فعليه دم ، ولكن له أن يستظل بالسقف والحائط والشجرة والخباء . ٩ - يجوز أن يشد على وسطه حزام النقود ولو كانت لغيره ، ويجوز عقد الإزار لستر العورة ، وكذا يجوز لبس حزام الفتق ، وعليه الفدية . ١٠ - يحل حمل السلاح وقتال العدو للحاجة ، ولبس الخاتم والساعة والحزام ( الكمر ) . ١١ - يباح الكلام ، ولكن يستحب للمحرم قلة الكلام في كل حال إلا فيما - ٢٥٥ - ينفع ، صيانة لنفسه عن اللغو والوقوع في الكذب ، وما لا يحل ؛ لأن من كثر كلامه كثر سقطه . ويستحب للمحرم أن يشتغل بالتلبية وذكر الله تعالى أو قراءة القرآن ، أو أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، أو تعليم لجاهل ، أو يأمر بحاجته ، أو يسكت . وإن تكلم بما لا مأثم فيه ، أو أنشد شعراً لا يقبح ، فهو مباح ولا یکثر . المبحث الحادي عشر - جزاء الجنايات تطرأ على المحرم عوارض : هي الجنايات ، والإحصار، والفوات . أما الجنايات فهي جمع جناية ، وهي لغة : ما تجنيه من شر، وشرعاً : ما حرم من الفعل بسبب الإحرام أو الحرم . والجنايات نوعان : ١ - جناية على الإحرام : هي ارتكاب مخالفة لأعمال الحج أو العمرة ، أو اقتراف محظور من محظورات الإحرام السابقة ، وترك واجب من واجبات الحج ، ولو كان الجاني ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً أو مخطئاً، أو مغمى عليه ، بشرط أن يكون الجاني عند الحنفية محرماً بالغاً ، فلا شيء على الصبي عند الحنفية والمالكية والحنابلة ؛ لأن عمده خطأ ، لكن لو وطئ يفسد حجه ويمضي في فاسده ، وفي وجوب القضاء عليه عند الحنابلة وجهان : الأول : لا يجب لعدم تكليفه ، والثاني : يجب كوطء البالغ . وأوجب الشافعية في الأصح على الصبي الفدية والقضاء إذا ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام وكان عامداً لا ناسياً أو مكرهاً ، بناء على أن عمده عمد ، وهو أحد القولين المشهورين(١). (١) شرح المجموع: ٢٨/٧، الإيضاح: ص٩٩. - ٢٥٦ - والحاصل أنه يفسد حج الصبي بالجماع بلا خلاف بين أئمة المذاهب الأربعة خلافاً لداود الظاهري ، وقال الدسوقي المالكي : لا يفسد حجه . ٣ - جناية على الحرم : وهي التعرض لصيد الحرم وشجره ، سواء من المحرم أو غيره ، إذا كان الشخص مكلفاً ( بالغاً عاقلاً ) ولو ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً أو مخطئاً . وذلك يوجب ضمان المثل أو القيمة ، وسوف نبينه في بحث خصوصيات الحرم . أما الجناية على الإحرام : فقد توجب دماً(١) واحداً أو أكثر، أو صدقة، أو دون ذلك، أو قيمة ، على النحو التالي (٢)، وهو يشمل بحث الفدية وجزاء الصيد . أولاً - الجناية التي توجب بدنة ( ناقة أو بقرة ) يوزع لحمها على فقراء الحرم : اً - الجماع في أثناء الإحرام قبل التحلل الأول وبعد وقوف عرفة : ويفسد حجه عند الجمهور، ولا يفسد حجه عند الحنفية ، فإن جامع المحرم زوجته قبل الوقوف فإنه يفسد حجه ، وعليه شاة فقط عند الحنفية ، ويمضي في فاسده من حج أو عمرة حتى التام ، ثم يقضيه بالاتفاق فوراً في العام المقبل إن كان حجاً ، وبعد تمام الفاسد إن كان عمرة . وأوجب المالكية الهدي من الأنعام ( الإبل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز ) بالجماع (١) يراد بكلمة الدم عند الإطلاق: هو وجوب الشاة أو سبع بدنة أو بقرة كالواجب في الأضحية. (٢) الدر المختار: ٢٧٣/٢ - ٢٩٦، فتح القدير: ٢٢٤/٢ - ٢٥٤، الكتاب مع اللباب: ١٩٩/١ - ٢١٠، القوانين الفقهية: ص١٣٨ وما بعدها، بداية المجتهد: ٣٤٦/١ - ٣٥٦، الشرح الكبير: ٥٤/١ - ٧١، الشرح الصغير: ٨٤/٢ - ٩٨، مغني المحتاج: ٥٢١/١ - ٥٢٦، المهذب: ٢١٠/١ - ٢١٧، غاية المنتهى: ٣٨٤/١ - ٣٩١، المغني: ٢٥٥/٣ ، ٤٩٢ - ٥٢٦، ٥٤٤ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص٢٦ وما بعدها ، حاشية الشرقاوي: ٥١٠/١ وما بعدها . الفقه الإسلامي جـ٣ (١٧) - ٢٥٧ - ٠, أو الإنزال بغير الاحتلام قبل الوقوف مطلقاً أو بعد الوقوف قبل طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة يوم النحر . اً - إذا طاف طواف الإفاضة جنباً أو حائضاً أو نفساء . ثانياً - الجنابة التي توجب دمين : هي جناية القارن عند الحنفية ، وهي كل جناية يجب بها على المفرد دم واحد ، فعليه مثلاً دمان إذا حلق قبل الذبح ، دم للتأخير ودم للقران على المذهب ، وقال الشافعية والمالكية والحنابلة : القارن والمفرد في كفارات الإحرام واحد ؛ لأن القارن كالمفرد في الأفعال ، فكان كالمفرد في الكفارات ، فتلزمه بالجماع بدنة واحدة بسبب الإفساد لاتحاد الإحرام ، ويلزمه مع ذلك شاة للقران . والمتمتع كالقارن(١) . ثالثاً - الجناية التي توجب دماً واحداً إما على سبيل التخيير أو الترتيب : اً - لبس المخيط وتغطية الرأس والحلق وقص الأظفار والتطيب : قال الحنفية : إن لبس المحرم ثوباً مخيطاً أو غطى رأسه يوماً كاملاً ، فعليه دم ( شاة ) يفرق لمها على فقراء الحرم ، وإن كان أقل من ذلك ، فعليه صدقة . وإن حلق موضع الحجامة ، فعليه دم عند أبي حنيفة ، وقال الصاحبان : عليه صدقة ؛ لأنه غير مقصود في ذاته . وإن حلق ربع الرأس فصاعداً أو ربع اللحية ، فعليه دم ، وإن حلق أقل (١) شرح المجموع: ٣٨٥/٧، ٣٩٤، ٤٠٠، ٤١٨ . - ٢٥٨ - من الربع فعليه صدقة ؛ لأن حلق بعض الرأس ارتفاق كامل لأنه معتاد ، فتتكامل به الجناية ، ويتقاصر فیما دونه . وإن قص في مجلس واحد أظافر يديه ورجليه جميعاً ، أو أظافر يديه فقط أو أظافر يد واحدة أو رجل واحدة ، فعليه شاة . وإن تعدد المجلس بأن قص أظافر يديه في مجلس ، ثم أظافر رجليه في مجلس واحد وجب عليه دمان . وإن قص أقل من خمسة أظافر متفرقة من يديه ورجليه ، فعليه صدقة عند أبي حنيفة وأبي يوسف . وإن طيب المحرم عضواً كاملاً كالرأس والفم واليد والرجل فأكثر أو جسمه كله ، فعليه دم ( شاة ) ؛ لأن المعتبر الكثرة ، وحد الكثرة : هو العضو . وإن طيب المحرم ثوبه ، لزمه دم بشرط لبسه يوماً كاملاً . وإن خضب رأسه أو يده أو لحيته بحناء وجب دم . أ وإن ادهن بزيت أو شيرج ، لزمه دم ، لأنها أصل الطيب(١) ، بخلاف بقية الأدهان کالسمن والشحم ودهن اللوز . أما لو أكل الزيت أو داوى به جرحه أو شقوق رجليه أو أقطر في أذنيه ، فلا يجب عليه شيء ، لا دم ولا صدقة باتفاق الحنفية ، لأنه ليس بطيب من كل وجه ، لكن لو استعمل المسك والعنبر والغالية والكافور ونحوهما مما هو طيب في نفسه ، فإنه يلزمه الدم بالاستعمال ولو على وجه التداوي . ولو جعله في طعام وإن لم يطبخ فلا شيء فيه إذا كان مغلوباً ، ويكره أكله ، كما يكره شم الطيب والتفاح . وإن تطيب أو حلق أو لبس ثوباً لعذر فهو مخير : إن شاء ذبح شاة ، وإن (١) ومن الأدهان الموجبة لذبح شاة : زيت الشعر ونحوه أو الكريم . - ٢٥٩ - شاء تصدق على ستة مساكين بثلاثة أصوع(١) من طعام لكل مسكين نصف صاع ، وإن شاء صام ثلاثة أيام ، لقوله تعالى : ﴿فمن كان مريضاً أو به أذى من رأسه ، فقدية من صيام أو صدقة أو نُسُك ﴾ . وقال الجمهور غير الحنفية : من لبس أو حلق شعره أو قلم أظفاره أو تطيب أو ادهن أو أزال ثلاث شعرات متوالية عند الشافعية أو أزال أكثر من شعرتين أو ظفرين عند الحنابلة : يخير في الفدية بين ذبح شاة يتصدق بها ، أو صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع ، وذبح الشاة يسمى نسكاً ، فالنسك أحد خصال الفدية ، سواء فعل المحظور عمداً أو خطأ أو جهلاً ، والتخيير ثابت مع العسر واليسر في أي مكان شاء ، ودليل التخيير الآية السابقة: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) وقوله والإ لكعب بن عجرة: (( أيؤذيك هوامّ رأسك ؟ قال : نعم ، قال : انسك شاة ، أو صم ثلاثة أيام ، أو أطعم فَرَقاً من الطعام(٢) على ستة مساكين )) وقيس بالحلق وبالمعذور غيرهما . فهذه الفدية عند الجمهور عامة للمعذور وغيره ، وخاصة عند الحنفية بالمعذور . وشعر الرأس وغيره سواء في وجوب الفدية ؛ لأن الشعر كله جنس واحد في البدن ، ويجزئ البر والشعير والزبيب في الفدية ، كما في الفطرة وكفارة اليمين . والواجب عند الحنابلة فدية واحدة مالم يكفر عن الأول ، فإن كفر عن الأول ثم حلق ثانياً ، فعليه كفارة ثانية . وإذا حلق المحرم رأس حلال أو قلم أظفاره ، فلا فدية عليه عند الجمهور ، وقال أبو حنيفة : يلزمه صدقة ؛ لأنه أتلف شعر آدمي ، فأشبه شعر المحرم . وإن حلق محرم رأس محرم بإذنه أو حلقه حلال بإذنه ، فالفدية على المحلوق . وإن كان المحلوق مكرهاً أو نائماً ، فلا فدية (١) جمع صاع، وهو جملة قلة، وجمع الكثرة صيعان. وجمعه على آصع من خطأ العوام، والصاع (٢٧٥١) غراماً عند الجمهور، وعند الحنفية ( ٣٨٠٠ غم ) (٢) الفرق : ثلاثة أصع - ٢٦٠ - ہے.