النص المفهرس

صفحات 221-240

فإذا كان يوم التروية ( الثامن من ذي الحجة ) أحرم بالحج من المسجد
الحرام ندباً ، ويشترط أن يحرم من الحرم ؛ لأن المتمتع في معنى المكي ، وميقات
المكي في الحج : الحرم ، كما تقدم في المواقيت . ثم يفعل ما يفعله الحاج المنفرد .
والأفضل أن يقدم الإحرام قبل يوم التروية ، لما فيه من المسارعة وزيادة
المشقة .
وعليه دم التمتع(١) ، فإن لم يجد الدم ، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا
رجع : أي فرغ من أداء نسكه ، ولو قبل وصوله إلى أهله .
فإذا حلق يوم النحر ، فقد حل من الإحرامين جميعاً؛ لأن الحلق مُحلِّل في
الحج كالسلام في الصلاة ، فيتحلل به عنهما .
وليس لأهل مكة عند الجمهور تمتع ولا قران ، وإنما لهم الإفراد خاصة ، وقال
الحنفية : يكره القرآن للمكي .
بطلان التمتع : ويبطل تمتع المتمتع إذا عاد إلى بلده بعد فراغه من العمرة ،
ولم يكن ساق الهدي ؛ لأنه ألم بأهله بين النسكين إلماماً صحيحاً . أما إذا كان قد
ساق الهدي ، فلا يكون إلمامه صحيحاً ، ولا يبطل تمتعه عند أبي حنيفة وأبي
يوسف ؛ لأنه يجب عليه عند الأول ، ويتدب عند الثاني العود إلى الحرم لأجل
الحلق ؛ لأنه مقيد بالحرم ، والعود يمنع صحة الإلمام .
أما القارن فلا يبطل قرانه بالعود إلى بلده باتفاق الحنفية . فيكون الفرق بين
القرآن والتمتع عند الحنفية : هو أن التمتع يشترط فيه عدم الإلمام بأهله ، والقرآن
لا يشترط فيه عدم الإلمام بأهله .
(١) وهو عند الحنفية دم شكر، فيأكل منه.
- ٢٢١ -

متى يكون المحرم بالعمرة قبل أشهر الحج متمتعاً ؟ قال الحنفية : من
أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ، فطاف لعمرته أقل من أربعة أشواط ثم لم يتمها
حتى دخلت أشهر الحج ، فتَّمها في أشهره ، وأحرم بالحج ، كان متمتعاً ؛ لأن
الإحرام عندهم شرط لا ركن ، فيصح تقديمه على أشهر الحج كما بينا ، وإنما يعتبر
أداء الأفعال في أشهر الحج ، وقد وجد الأكثر، وللأكثر حكم الكل .
أما إن كان طاف لعمرته قبل أشهر الحج أربعة أشواط فصاعداً ، ثم حج من
عامه ذلك ، لم يكن متمتعاً ؛ لأنه أدى الأكثر قبل أشهر الحج ، فصار كما إذا تحلل
منها قبل أشهر الحج .
والحاصل أن الأكثر له حكم الكل عند الحنفية ، فإذا حصل الأكثر قبل أشهر
الحج ، فكأنها حصلت كلها ، والمتمتع : هو الذي يتم العمرة والحج في أشهر الحج .
ثالثاً - كيفية القران :
القرآن لغة : الجمع بين الشيئين مطلقاً ، وشرعاً: الجمع بين إحرام العمرة
والحج في سفر واحد .
وصفة القران : أن يهل بالعمرة والحج معاً من الميقات ، إما حقيقة بنية
الأمرين معاً ، وإما حكماً عند الحنفية خلافاً لغيرهم : بأن أحرم بالعمرة أولاً ، ثم
بالحج قبل أن يطوف لها أكثر الطواف ؛ لأن الجمع قد تحقق ؛ لأن الأكثر منها
قائم ، ويصح العكس عند الجمهور : بأن يحرم بالحج ، ثم يدخل العمرة عليه ،
لكنه مكروه عند الحنفية .
وإدخال الحج على العمرة عند الجمهور ( غير الحنفية) يكون قبل شروع المحرم
في الطواف ، فإن شرع فيه ولو بخطوة ، فلا يجوز إدخال الحج على العمرة .
ويلحق بالقران عند الحنفية التمتع إذا ساق المتمتع الهدي ، كما بينا ،
- ٢٢٢ -

فلا يتحلل بعد العمرة ، كما هو شأن المتمتع ، بل يظل محرماً حتى ينحر الهدي يوم
النحر .
ويقول القارن عقيب صلاة ركعتي الإحرام: ((اللهم إني أريد الحج
والعمرة ، فيسرهما لي ، وتقبَّلهما مني)) لبيك اللهم لبيك ... إلخ.
فإذا دخل القارن مكة ، طاف بالبيت سبعة أشواط ، يرمل في الثلاث
الأول منها ، ويسعى بعدها بين الصفا والمروة . وهذه أفعال العمرة .
ثم يشرع عند الحنفية بأفعال الحج كالمفرِد ، ويطوف بعد السعي المذكور
طواف القدوم ، ويطوف طواف الإفاضة للحج ، ويسعى أيضاً بين الصفا والمروة
كالمفرد ، لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على
الكمال ، ولم يفرق بين القارن وغيره .
ويدل له أن صبيّ بن معبد لما طاف طوافين وسعى سعيين ، قال له عمر:
((هديت لسنة نبيك))(١)، وقال علي في القارن: ((إذا أهللت بالحج والعمرة،
فطف لهما طوافين، واسع لهما سعيين بالصفا والمروة))(٣)).
وقال الجمهور(٢) : يكفي للقارن طواف واحد وسعي واحد ، لما روى
الترمذي وصححه أنه مَ التّ قال: « من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد ،
وسعي واحد ، حتى يحل منهما جميعاً)) (٤) لكن يطوف القارن كالمفرد طواف
(١) قال الزيلعي : هذا الحديث لم يقع هكذا ، فقد أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن الصبيّ بن معبد
الثعلبي، قال: أهللت بها معاً، فقال عمر: ((هديت لسنة نبيك)) ( نصب الراية: ٣ / ١٠٩).
(٢) رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار (نصب الراية: ٣ / ١١١).
(٣) المغني : ٣ / ٤٦٥ ومابعدها، مغني المحتاج: ١ / ٥١٤ .
(٤) وأخرجه أيضاً ابن ماجه عن ابن عمر، ورواه أحمد بلفظ ((من قرن بين حجة وعمرة ، أجزأه بها طواف
واحد)) ( نصب الراية: ٣ / ١٠٨ ).
- ٢٢٣ -

القدوم قبل طواف الإفاضة ، ويسعى بعده إن لم يكن سعى عقب طواف
القدوم .
وقالت عائشة: (( ... وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة ، فإنما طافوا
طوافاً واحداً))(١) وقال النبي ◌َ اتٍ لعائشة لما جمعت بين الحج والعمرة: ((يجزئ
عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك)) (٢) .
دم التمتع والقران : اتفق العلماء على أن المتمتع والقارن يلزمهما إذا أحرما
بالحج الهدي(٢)، لقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ، فما استيسر من
الهدي ﴾ .
ودم القرآن والتمتع : دم شكر فيأكل منه صاحبه عند الحنفية ، ولا يأكل منها
عند الشافعية . وإن لم يدخل القارن مكة ، وتوجه إلى عرفات ، فقد صار عند
الحنفية رافضاً لعمرته بالوقوف ، وسقط عنه دم القرآن ، وعليه دم لرفضه
عمرته ، وهو دم جبر لا يجوز أكله منه ، ووجب عليه قضاؤها ؛ لأنه بشروعه فيها
أوجبها على نفسه ، ولم يوجد منه الأداء ، فلزمه القضاء .
ويسقط عند الشافعية دم التمتع إن عاد لإحرام الحج إلى الميقات .
واختلف الفقهاء في وقت ذبح دم التمتع والقران (٤):
فقال الجمهور : يجب ذبح شاة أو بقرة أو بدنة أو سُبْع بدنة أيام النحر منى
بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد وقبل الحلق ؛ لأنه م الغِ نحر هديه على هذه
الصفة .
(١) متفق عليه بين البخاري ومسلم .
(٢) أخرجه مسلم .
(٣) المغني : ٣ / ٤٦٩، مغني المحتاج: ١ / ٥١٦ .
(٤) اللباب: ١ / ١٩٣، الشرح الصغير: ٢ / ١٢٠، مغني المحتاج: ١ / ٥١٦، المغني: ٣ / ٤٧٥.
- ٢٢٤ _

وقال الشافعية : الأفضل الذبح يوم النحر للاتباع وخروجاً من خلاف
الأئمة الثلاثة ، لكن وقت وجوب الدم هو الإحرام بالحج ؛ لأنه حينئذ يصير
متمتعاً بالعمرة إلى الحج ، والأصح جواز ذبحه إذا فرغ من العمرة . ويختص ذبح
الهدي بالحرم ، والقدرة على الذبح في الحرم أيضاً ، سواء أقدر عليه في بلده أم في
غيره أم لا .
فإن لم يجد هَدْياً يجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج ، آخرها يوم عرفة ، ثم
يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله ، وإن صامها بمكة بعد فراغه من الحج ، جاز .
وللفقهاء آراء في وقت الصيام البديل عن الهدي عند العجز
عنه ، وفي تتابع الأيام وغير ذلك :
فقال الحنفية(١) : يجوز الصوم ولو كانت الأيام متفرقة ، فلا يشترط
تتابعها ، ووقت صيام الأيام الثلاثة وقت أشهر الحج بعد الإحرام بالعمرة ،
لقوله تعالى : ﴿ فصيام ثلاثة أيام في الحج ﴾ أي في أشهره ؛ لأن نفس الحج
لا يصلح ظرفاً للصيام ، لكن الأفضل أن يصوم قبل يوم التروية بيوم ، ويجوز
قبل يوم عرفة ، فإن فاته صوم الثلاثة الأيام في أيام الحج ، حتى جاء يوم
النحر ، لم يُجْزه إلا الدم ؛ لأن الصوم بدل عن الهدي ، والآية خصت الصوم
بوقت الحج ، فمن تأخر عن الصيام إلى يوم النحر ، تحلل ، ولزمه دمان : دم
التمتع ودم التحلل قبل نحر الهدي .
وله أن يصوم الأيام السبعة بعد تمام أيام الحج في أي مكان شاء ، لقوله
تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم ﴾ أي فرغتم من أفعال الحج ، لكن في غير أيام
التشريق .
(١) الدر المختار: ٢ / ٢٦٤ وما بعدها، اللباب: ١ / ١٩٣ وما بعدها.
الفقه الإسلامي جـ ٣ (١٥)
- ٢٢٥ _

وجاز صوم الثلاثة الأيام قبل الشروع في أعمال الحج .
وقال المالكية(١) : تجب متابعة الأيام الثلاثة وكذا السبعة في الصوم ،
وصوم الثلاثة يكون في أيام الحج آخرها يوم عرفة . ومن جهل أو نسي ، صام
أيام منى الثلاثة . ويكون صوم السبعة بعد ذلك إن شاء تعجلها في طريقه
لأهله ، وإن شاء أخرها إلى بلده . ولا يجوز صوم الثلاثة قبل الشروع في أعمال
الحج .
وقال الشافعية(٢) : يندب تتابع صوم الثلاثة وكذا السبعة . ولو فاتته
الثلاثة في الحج ، فالأظهر أنه يلزمه قضاؤها ؛ لأنه صوم مؤقت ، فيقضى كصوم
رمضان ، ويلزمه أن يفرق في قضائها بينها وبين السبعة ، بقدر أربعة أيام ( يوم
النحر وأيام التشريق ) وبقدر إمكان السير إلى أهله على العادة الغالبة ، كما في
الأداء ، فلو صام عشرة أيام ولاء ، حصلت الثلاثة ، ولا يعتد بالبقية لعدم
التفريق .
والصوم يكون عند العجز عن الهدي حساً بأن فقده ، أو فقد ثمنه ، أو
للعجز عنه شرعاً بأن وجده بأكثر من ثمن مثله ، أو كان محتاجاً إليه ، أو إلى ثمنه
أو غاب عنه ماله أو نحو ذلك .
ووقت صوم الأيام الثلاثة : بعد الإحرام بالحج ، للآية ﴿ فصيام ثلاثة أيام
في الحج ) فلا يجوز تقديمها على الإحرام بخلاف الدم ؛ لأن الصوم عبادة بدنية ،
فلايجوز تقديمها على وقتها كالصلاة ، والدم عبادة مالية فأشبه الزكاة .
وتستحب قبل يوم عرفة ؛ لأن صومه في الحج مكروه ، ويصوم بعد الثلاثة
(١) القوانين الفقهية: ص ١٤٠، بداية المجتهد: ١ / ٣٥٧.
(٢) مغني المحتاج : ١ / ٥١٦ ومابعدها .
- ٢٢٦ -

سبعة إذا رجع إلى وطنه وأهله في الأظهر ، إن أراد الرجوع إليهم ، لقوله تعالى :
وسبعة إذا رجعتم﴾ ولقوله ◌َّ: ((فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج
وسبعة إذا رجع إلى أهله))(١) ، فلا يجوز صومها في الطريق لذلك. فإن أراد
الإقامة بمكة ، صامها بها .
وفصل الحنابلة رأيهم في الصوم فقالوا (٢) : لا يجب التتابع في صوم الأيام .
ولكل من صوم الثلاثة والسبعة وقتان : وقت جواز ، ووقت استحباب .
فوقت الاستحباب أو الاختيار لصوم الثلاثة : هو أن يصومها
مابين إحرامه بالحج ويوم عرفة ، ويكون آخر الثلاثة يوم عرفة ، للحاجة إلى
الصوم في هذا الوقت ، وإن كان صومه غير مستحب .
وأما وقت جواز صوم الثلاثة : فهو إذا أحرم بالعمرة ، كما قال
الحنفية ، خلافاً للمالكية والشافعية القائلين بأنه لا يجوز الصوم إلا بعد الإحرام
بالحج . ودليل الأولين : أن إحرام العمرة أحد إحرامي التمتع ، فجاز الصوم بعده
كإحرام الحج كتقديم الكفارة على الحنث . ودليل الآخرين آية : ﴿ فصيام ثلاثة
أيام في الحج ﴾ .
5
وأما وقت الاختيار لصوم السبعة : فهو إذا رجع إلى أهله ، للآية
والحديث المتقدمين . وأما وقت الجواز : فمنذ تمضي أيام التشريق سواء في
الطريق أو بمكة كيف شاء ؛ لأن كل صوم لزمه وجاز في وطنه ، جاز قبل ذلك
كسائر الفروض ، وأما الآية ﴿ إذا رجعتم ) فإن الله تعالى جوز له تأخير الصيام
الواجب ، فلا يمنع ذلك الإجزاء قبله ، كتأخير صوم رمضان في السفر والمرض
(١) رواه الشيخان عن ابن عمر .
(٢) المغني : ٣ / ٤٧٦ - ٤٧٨ .
- ٢٢٧ -

بقوله سبحانه : ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ ، ولأن الصوم وجد من أهله بعد وجود
سببه ، فأجزأه كصوم المسافر والمريض .
وإذا لم يصم المتتع الأيام الثلاثة في الحج ، صامها بعد ذلك ولو في أيام
منى ، كما قال المالكية والشافعية خلافاً للحنفية ؛ لأنه صوم واجب ، فلا يسقط
بخروج وقته كصوم رمضان ، والآية تدل على وجوبه لا على سقوطه ، ويصح
الصوم في أيام منى لقول عمر وعائشة: (( لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمن إلا
لمن لم يجد الهدي))(١) وهذا ينصرف إلى ترخيص النبي ◌َ ◌ّةٍ، ولأن الله تعالى أمر
بصيام الثلاثة في الحج ، ولم يبق من أيام الحج إلا هذه الأيام ، فيتعين الصوم
فيها ، فإذا صام هذه الأيام ، فحكمه حكم من صام قبل يوم النحر .
وإذا صام عشرة أيام ، لم يلزمه التفريق بين الثلاثة والسبعة ، خلافاً
للشافعية ؛ لأنه صوم واجب في زمن يصح الصوم فيه ، فلم يجب تفريقه ، كسائر
الصوم .
ووقت وجوب الصوم : وقت وجوب الهدي ؛ لأن الصوم بدل ، فكان
وقت وجوبه وقت وجوب المبدل ، كسائر الأبدال .5
المبحث التاسع - كيفية التحلل من الحج :
اتفق الفقهاء على أن في الحج تحللين : تحلل أصغر أو أول ، وتحلل أكبر أو
ثاني ، لكنهم اختلفوا فيما يباح بالتحلل الأول على النحو الآتي (٢):
(١) رواه البخاري .
(٢) البدائع: ٢ / ١٥٩، الدر المختار: ٢ / ٢٥٠ وما بعدها، الشرح الصغير: ٢ / ٥٨ - ٦٠، القوانين الفقهية:
ص ١٣٨، المهذب: ١ / ٢٣٠، مغني المحتاج: ١ / ٥٠٥ ، غاية المنتهى: ١ / ٤١٢، المغني: ٣ / ٤٣٨ ومابعدها،
كشاف القناع : ٢ / ٥٨٥ .
- ٢٢٨ -

أما التحلل الأول : فيحصل بفعل اثنين من ثلاثة : رمي جمرة العقبة
والحلق وطواف الإفاضة ، ويحل به كل شيء إلا النساء أي جماعهن ودواعيه عند
الحنفية والشافعية والحنابلة، لقوله مَ لّم: ((إذا رميتم وحلقتم، فقد حل لكم
الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء))(١) فيبقى ما كان محرماً عليه من النساء من
الوطء والقبلة واللمس لشهوة ، وكذا عقد النكاح عند الشافعية والحنابلة ، ويحل
له ماسواه ، كالصيد وحلق الشعر وتقليم الأظفار .
ويحل بهذا التحلل عند المالكية كل شيء إلا النساء والصيد والطيب لقول
عمر: ((إذا رميتم الجمرة ، وذبحتم وحلقتم ، فقد حل لكم كل شيء إلا الطيب
والنساء))(٢) ولقول الله تعالى: ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ وهذا حرام .
وأما التحلل الثاني أو الأكبر : فيحصل بفعل الشيء الثالث من الأشياء
السابقة ، فإذا كان قد رمى الجمرة وحلق ، ثم طاف طواف الإفاضة ، حل له كل
شيء من المحرَّمات ، وخرج عن إحرامه بالكلية بالإجماع ، ويجب عليه الإتيان
بما بقي من أعمال الرمي بالاتفاق ، والمبيت بمنى عند الجمهور غير الحنفية ، مع أنه
غير محرم ، كما أنه يخرج من الصلاة بالتسليمة الأولى ، ويطلب منه التسليمة
الثانية ، لكن المطلوب في الحج على سبيل الوجوب ، وفي الصلاة على سبيل
الندب .
ويستحب تأخير الوطء عن باقي أيام الرمي ليزول عنه أثر الإحرام .
(١) رواه سعيد بن منصور عن عائشة رضي الله عنها، ورواه الأثرم وأبو داود بلفظ ((إذا رمى أحدكم جمرة
العقبة، فقد حل له كل شيء إلا النساء)) قال أبو داود: هذا حديث ضعيف ( نصب الراية: ٣ / ٨٠ - ٨١) وأخرجه
النسائي وابن ماجه عن ابن عباس بلفظ: (( إذا رميتم الجمرة ، فقد حل لكم كل شيء إلا النساء )).
(٢) هذا منقطع، وقال عبد الله بن الزبير: ((من سنة الحج: إذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم
عليه إلا النساء والطيب، حتى يزور البيت)) رواه الحاكم وقال: على شرط الشيخين (نصب الراية: ٣ / ٨١ - ٨٢).
- ٢٢٩ -

المبحث العاشر - محظورات الإحرام أو ممنوعاته ، ومباحاته :
المحظورات : هي ما يحرم على المحرم بحج أو عمرة حتى يحلق رأسه بمنى .
وهي أنواع كثيرة ترجع إلى أصول أربعة : هي لبس الخيط ، وترفيه البدن
وتنظيفه ، والصيد ، والنساء .
وهي أيضاً نوعان : نوع لا يوجب فساد الحج وهي الأصول الثلاثة الأولى ،
ونوع يوجب فساد الحج وهو الجماع .
وتفصيل الكلام في هذه المحظورات وآراء الفقهاء فيها على النحو التالي (١):
الأصل الأول - لبس المخيط : يختلف الحكم بحسب كون المحرم رجلاً أو
امرأة .
أ - أما الرجل: فيحرم عليه بمجرد الإحرام ستر جميع رأسه أو بعضه بكل
ما يعد ساتراً، سواء أكان مخيطاً أم غيره، فلا يجوز أن يضع على رأسه ووجهه
عمامة ولا خرقة ولا قلنسوة ، ولا يغطيه بثوب وإن بدت البشرة من ورائه ،
ولا يعصبه بعصابة ونحوها، لخبر الصحيحين: ((أنه ماتّ قال في المحرم الذي خر
عن بعيره ميتاً : لا تختمروا رأسه ، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً))(٢) . وذلك كله
إلا لحاجة كمداواة أو حر أو برد ، فيجوز التغطية ، وتجب الفدية .
أما ما لا يعد ساتراً فلا بأس به ، مثل أن يتوسد عمامة أو وسادة أو ينغمس
في ماء أو يستظل بمحمل أو نحوه . ولا يضر وضع يده على رأسه ولو طال ،
(١) البدائع: ٢ / ١٨٣ - ٢٠٦، ٢١٦ - ٢١٩، القوانين الفقهية: ص ١٣٦ - ١٣٨، الشرح الصغير: ٢ / ٧٤ -
١١٠، الإيضاح: ص ٢٣ - ٣١، مغني المحتاج: ١ / ٥١٨ - ٥٢٤، المهذب: ١ / ٢٠٤ - ٢١٢، المغني: ٣ / ٢٩٥ -
٣٤٤، كشاف القناع: ٢ / ٤٩١ - ٥١٠، غاية المنتهى: ١ / ٣٧٣ - ٣٨٢.
(٢) رواه أيضاً أحمد والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس ( نيل الأوطار: ٥ / ٨).
- ٢٣٠ -

ولا يضر شد خيط عليه لصداع أو غيره . ولو وضع على رأسه حملاً أو زنبیلاً
ونحوه ، كره ، ولا يحرم في الأصح عند الشافعية . ويجوز الاستظلال بمظلة أو
بيت أو سيارة أو شجر أو خيمة .
ومنع الحنابلة من الاستظلال بمحمل ونحوه ، أو بنحو ثوب ، ويجوز لعذر
ويفدي .
ويحرم أيضاً ستر الوجه وباقي الجسد بغير إزار ورداء ، فلا يلبس جبة
ولا قميصاً ولا سراويل ولا خفاً ولا نعلاً مخيطاً، وإنما يلبس نعلاً(١) غير مخيطة
أو قبقاباً ونحوه بحيث يظهر أغلب الأصابع ، فإن لم يجدها أو لم يجد ثمنها فليلبس
السراويل إذا لم يجد الإزار والخفين بعد أن يقطعهما أسفل من الكعبين في رأي
الحنفية والمالكية . وقال الحنابلة في المشهور والشافعية : لا يلزمه قطع الخفين .
ودليل جواز لبس السراويل والخفين عند العذر: مارواه ابن عباس قال :
سمعت النبي مَ ◌ّ يخطب بعرفات يقول: ((من لم يجد نعلين فليلبس خفين ،
ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل))(٢) ولا فدية عليه في لبسها عند الحنابلة
والشافعية وعليه الفدية عند الحنفية والمالكية لحديث ابن عمر: ((أن رجلاً سأل
رسول الله وَ اتّ: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله عَ ل: ((لا يلبس
القميص ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف ، إلا أحداً
لا يجد نعلين ، فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا يلبس من
الثياب شيئاً مسِّه الزعفران ولا الورس))(٣).
(١) وهو ما يكون مفتوحاً من قدام ، أما الحذاء أو الخف الذي له حاجز يستر مقدم الرجل فلا يجوز.
(٢) متفق عليه .
(٣) متفق عليه .
- ٢٣١ -

ودليل الحنابلة والشافعية على عدم لزوم قطع الخفين(١) : حديث ابن عباس
السابق: (( من لم يجد نعلين ، فليلبس خفين )» وهو متأخر عن حديث ابن عمر
المتقدم ، لكونه في خطبة عرفات ، فيكون ناسخاً له ؛ لأنه لو كان القطع واجباً
لبينه للناس ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ، والمفهوم من إطلاق
لبسيهما لبسُها على حالهما من غير قطع ، والأولى قطعهما عملاً بالحديث الصحيح ،
وخروجاً من الخلاف وأخذاً بالاحتياط .
ودليل الحنابلة على إسقاط الفدية بلبس السراويل والخفين : خبر ابن عباس
أيضاً ، لأنه أمر بلبسه ، ولم يذكر فدية .
وضابط ما يحرم لبسه؛ هو الملبوس والمعمول على قدر البدن أو قدر عضو منه
بحيث يحيط به ، إما بخياطة ، وإما بغير خياطة ، فيشمل القميص والسراويل
والجبة والقباء والخف ، والقميص المنسوج غير المخيط ، والدرع والجورب والملزق
بعضه ببعض ، والمعقود في سائر أجزاء بدنه . .
والأصح عند الشافعية تحريم المداس : وهو الذي لا يستر الكعبين ويستر
مقدم الرِجْل .
5
والمعتبر في اللبس : العادة في كل ملبوس ، إذ به يحصل الترفه ، فلو ارتدى
بالقميص أو القباء أو التحف بها أو اتزر بالسراويل فلا بأس ولا فدية . ولو
ألقى على جسده قَباء(٢) أو عباءة وكان بحيث لو قام أو قعد ، لم يستمسك عليه إلا
بمزيد عناية ، لم تلزمه الفدية ، فله أن يجعل الخيط على ظهره من غير لباس ،
(١) بناء عليه: يجوز لبس الحذاء الحالي ( الجزمة أو الصبّاط) إن قطعه من الأمام من أعلى الأصابع، لا من
مؤخرته من الوراء لأن الحذاء لا يستر عادة الكعبين ، فتحقق قطع الخفين أسفل من الكعبين ، ولا فدية حينئذ اتفاقاً .
(٢) كساء منفرج من أمام يلبس فوق الثياب .
- ٢٣٢ -

ملتحفاً به أو مرتدياً . ويمنع عند المالكية غير المخيط إذا كان فيه رفاهية كجلد
حيوان مسلوخ .
ولا يجوز عند الشافعية عقد الرداء ولا أن يزره ولا يخله بخلال أو مسلة .
ولا يربط خيطاً في طرفه ، ثم يربطه في طرفه الآخر، فلو زرَّ الإزار أو
خاطه ، حرم ولزمه الفدية . وله أن يعقد إزاره لستر العورة ، لا رداءه ، وله
أن يغرز طرف ردائه في إزاره . وقال الحنفية : يكره أن يخلل الإزار بالخلال
وأن يعقد الإزار .
وله عند الشافعية والحنفية والحنابلة أن يتقلد السيف للحاجة(١) ، ويشد
على وسطه الهِمْيان(٢) والمِنْطقة، ويلبس الخاتم والساعة .
ولا يلبس ثوباً مصبوغاً بوَرْس(٣) ولا زعفران ولا عُصْفُر(٤)، للحديث
الصحيح: (( ولا يلبس من الثياب مامسه ورس أو زعفران)).
ومن أحرم وعليه قميص ، فنزعه في الحال فلا فدية عليه، لقول النبي محمد الحل
لرجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضخ بطيب: (( أما الطيب الذي بك فاغسله ،
وأما الجبة فانزعها ، ثم اصنع في عمرتك ماتصنع في حجك))(9) فلم يأمر الرجل
بفدية ، أما إن استدام اللبس بعد إمكان نزعه ، فعليه الفدية ؛ لأن استدامة
اللبس محرم كابتدائه ، بدليل أن النبي معظم أمر الرجل بنزع جبته(٦).
(١) روى البخاري وأحمد عن البراء وعن ابن عمر أن النبي مهم اتفق مع أهل مكة في عمرة القضاء ألا يحمل
سلاحاً عليهم إلا السيوف ( نيل الأوطار: ٥ / ٩).
(٢) وهو ما يجعل فيه الدراهم ويشد على الوسط . والمنطقة : حزام يجعل كالكيس يوضع فيه الدراهم .
(٣) الورس : نبت أصفر يزرع في اليمن ، ويصبغ به ، ويطيب به الطعام .
(٤) لأن لها رائحة طيبة .
(٥) متفق عليه .
(٦) قال ابن قدامة الحنبلي: وإنما لم يأمره بفدية لما مضى، فيما نرى ، لأنه كان جاهلاً بالتحريم ، فجرى مجرى
الناسي .
- ٢٣٣ -

ب - وأما المرأة : فتستر بالخيط رأسها وسائر بدنها سوى الوجه ، فالوجه
في حقها كرأس الرجل ، وإحرامها في وجهها ، فيحرم عليها تغطيته في إحرامها ،
كما يحرم على الرجل تغطية رأسه باتفاق العلماء، لقوله طائفة: ((ولا تنتقب المرأة
ولا تلبس القفازين))(١) وقوله: ((إحرام المرأة في وجهها)).
لكن قال الحنابلة : ولاخلاف في أن المرأة إذا احتاجت أحياناً إلى ستر
وجهها لمرور الرجال قريباً منها ، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على
وجهها (٢). لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: « كان الركبان یمرون بنا
ونحن محرمات مع رسول الله مَ اللّه ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها
على وجهها ، فإذا جاوزونا كشفناه))(٢)، ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها، فلم
يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة .
وأباح المالكية للمرأة ستر وجهها عند الفتنة بلاغرز للساتر بإبرة ونحوها ،
وبلاربط له برأسها ، بل المطلوب سدله على رأسها ووجهها ، أو تجعله كاللثام
وتلقي طرفيه على رأسها بلاغرز ولاربط(٤)
وأجاز الشافعية والحنفية(6) ذلك بوجود حاجز عن الوجه فقالوا: للمرأة أن
تسدل على وجهها ثوباً متجافياً عنه بخشبة ونحوها ، سواء فعلته لحاجة من حر أو
برد أو خوف فتنة ونحوها ، أو لغير حاجة ، فإن وقعت الخشبة فأصاب الثوب
وجهها بغير اختيارها ورفعته في الحال ، فلا فدية . وإن كان عمداً أو وقعت بغير
اختيارها فاستدامت ، لزمتها الفدية . وقال الشافعية : وإن ستر الخنثى المشكل
(١) رواه البخاري وغيره .
(٢) المغني: ٣ / ٣٢٥ - ٣٢٦.
(٣) رواه أبو داود والأثرم .
(٤) الشرح الصغير : ٢ / ٧٥ .
(٥) الإيضاح: ص ٢٤ ، البدائع : ٢ / ١٨٦.
- ٢٣٤ _

وجهه فقط أو رأسه فقط ، فلا فدية عليه ، وإن سترهما معاً ، لزمته الفدية .
والصحيح عند الشافعية ألا فدية على المرأة إن اختضبت ولفت على يدها خرقة
أو لفتها بلاخضاب .
ويحرم على الرجل لبس القفازين في يده ، ويحرم ذلك أيضاً على المرأة ،
على الأصح عند الشافعية ، ويلزمهما بلبسه الفدية .
لبس المعذور : ويلاحظ أن تحريم اللبس والستر هو إذا لم يكن عذر ،
فإذا لبس أو ستر شيئاً مما يجب كشفه ، أثم ولزمته الفدية . أما المعذور الذي
يحتاج لستر رأسه أو لبس المخيط لحر أو برد أو مداواة أو نحوها ، أو احتاجت
المرأة إلى ستر وجهها ، فيجوز له وعليه الفدية .
والخلاصة : يحرم على الرجل لبس مايحيط بالبدن أو الكف أو أي عضو إلا
الخاتم والمنطقة والساعة ونحوها ، وحكم المرأة في ذلك كله كالرجل إلا في ثلاثة
أمور تجوز لها السترة وهي لبس المخيط والخفين وتغطية رأسها .
الأصل الثاني - ترفيه البدن بالطيب وإزالة الشعر وتقليم الظفر
ونحوهما مما يجري مجرى الطيب :
أما الطيب : فيحرم على المحرم استعماله في ثوب أو بدن، لقوله ◌َ لَّ:
(( ولا يلبس من الثياب مامسه ورس أو زعفران )) والورس طيب . وكذا يحرم
عند الشافعية دهن شعر الرأس أو اللحية ولو من امرأة ، ولو كان الدهن غير
مطيب كزيت وشمع مذاب ، لما فيه من التزين المنافي لحال المحرم فإنه أشعث
أغبر، كما ورد في الخبر: ((المحرم: الأشعث الأغبر))(١) ولقوله عَ لّ في المحرم الذي
(١) أخرج الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر قال: ((قام رجل إلى النبي عَّ فقال: من الحاج ؟ فقال:
الشعث التفل » .
- ٢٣٥ _

وقصت به ناقته: ((لاتخمروا رأسه، ولا تقربوه طيباً)) فإن تطيب أو ادهن
فعليه فدية .
وقال أبو حنيفة : لو ادهن بدهن مطيب كدهن البنفسج والورد والزئبق ،
فعليه دم إذا بلغ عضواً كاملاً ، وكذا لوادهن بغير مطيب كالزيت والشيرج .
وضابط حرمة الطيب عند الحنفية : هو مس الطيب بحيث يلزّق شيء
منه بثوبه أو بدنه كاستعمال ماء الورد والمسك وغيرهما .
ولا بأس عند الحنفية أن يغتسل المحرم ويدخل الحمام لأنه طهارة ، فلا يمنع
منها ، وله أن يكتحل ؛ لأن الكحل ليس له رائحة طيبة ، فلا يكون طيباً ،
ولكن لا يغسل رأسه ولالحيته بالخِطمي ؛ لأنه نوع طيب ، ولأنه يقتل هوام
الرأس .
وضابط حرمة الطيب عند المالكية كالحنفية : هو مس الطيب ، ويكره
شمه بلامسّ له ولا يعدهن مطلقاً بطيب لغير علة ، وإلا جاز ؛ لأن الضرورات
تبيح المحظورات ، ولا بدهن غير مطيب ، ولا يكتحل إلا من ضرورة ، فيكتحل
بما لاطيب فيه ، ولا يأكل طعاماً فيه طيب لم تمسه النار ، ولا يصحب طيباً
فيكره ، ولا يستديم شمه فيكره . ولا يدخل الحمام للتنظيف ، ويجوز للتبرد أو
الجنابة ، وعليه الفدية كالشافعية وأبي حنيفة بدهن شيء من جسده أو شعره
بدهن ولو بغير مطيب لغير ضرورة كعلة مرضية ، فإن وجدت علة جاز الادهان
ببطن كف أو بطن رجل ولافدية اتفاقاً ، وهناك قولان بالفدية وعدمها في دهن
ظاهر الجسد(١) .
ورأي الشافعية كالحنفية والمالكية في الاستعمال المحرم للطيب : وهو أن
(١) الشرح الكبير: ٢ / ٥٩ -٦١ .
- ٢٣٦ -

يلصق الطيب ببدنه أو ثوبه على الوجه المعتاد في ذلك الطيب ، فلو طيب جزءاً
من بدنه بمسك أو نحوه لزمته الفدية ، سواء في ظاهر البدن أو باطنه ، بأن أكله
أو احتقن به أو استعط . ولا يحرم أن يجلس في حانوت عطار أو موضع يبخر أو
عند الكعبة وهي تبخر . ويكره في الأصح قصد اشتمام الرائحة . ولا فدية في
الأصح إن مس طيباً فلم يعلق به شيء من عينه ( ذات الطيب ) ولو شم الورد
فقد تطيب ، ولو شم ماء الورد فليس متطيباً . ولو حمل مسكاً في زجاجة
مغلقة ، أو خرقة مشدودة أو كيس ، فلا إثم عليه ولا فدية ، وإن وجد رائحته .
وتحريم استعمال الطيب هو في حالة القصد ، فإن تطيب ناسياً لإحرامه أو
جاهلاً بتحريم الطيب أو مكرهاً ، فلا إثم ولا فدية . وكذا لا إثم ولا فدية إذا
جهل كون المستعمل طيباً ، والأظهر عدم وجوب الفدية لو مس طيباً يظنه
يابساً لا يعلق منه شيء ، فكان رطباً .
ومتى ألصق طيباً ببدنه أو ثوبه على وجه يقتضي التحريم ، عصى ولزمه
الفدية ، ووجب عليه المبادرة إلى إزالته .
وإن استهلك الطيب في المخالط له بأن لم يبق له ريح ولاطعم ولالون ، كأن
استعمل في دواء وأكله ، جاز ولافدية ، فإن بقيت له رائحة في المستهلك فدى ،
ويجوز أكل مافيه ريح طيبة كالتفاح والأترج . وإن بقي اللون دون الرائحة
والطعم لم يحرم الدهن المستهلك على الأصح .
ويحرم كما بينا عندهم دهن شعر الرأس واللحية بكل دهن ، سواء أكان مطيباً
أم غير مطيب كالزيت والسمن ودهن الجوز واللوز. ولا بأس أن يدهن الأقرع
رأسه ، أو يدهن الأمرد ذقنه . ويجوز استعمال هذا الدهن في جميع البدن سوى
الرأس واللحية ، ولو شعرة أو بعضها ، وبقية شعور الوجه كاللحية على المعتمد .
- ٢٣٧ -

ولا يكره عند الشافعية غسل البدن والرأس بخطمي ونحوه كسدر وصابون
من غير نتف ، والأولى تركه ، وترك الاكتحال الذي لاطيب فيه .
والمعتمد عندهم كراهة ترجيل ( تسريح ) الشعر ، وحك الشعر بالظفر .
وتشدد الحنابلة فقالوا : يحرم تعمد الطيب مساً وشاً واستعمالاً ، فمتى طيب
محرم ثوبه أو بدنه ، أو استعمل في أكل أو شرب أو ادهان أو اكتحال أو استعاط
أو احتقان طيباً يظهر طعمه أو ريحه ، أو قصد شم دهن مطيب أو مسك أو عنبر
أو زعفران أو ورس أو بخور عود أو نحوه ، أو ما ينبته آدمي لطيب ويتخذ منه
كورد وبنفسج ومنثور ویاسین وزنبق ، وشمه أو مس مایعلق به كماء ورد ، حرم
وعليه الفدية .
ولا يحرم إن شم بلاقصد ، أو مس ما لا يعلق بالجسد كقطع المسك ، أو شم
الفواكه أو النباتات الصحراوية كالخزامى والقيصوم والنرجس والإذخر ، أو
ما ينبته آدمي لابقصد طيب كحناء وعصفر وقرنفل ، أو ادهن للحاجة بغير
مطيب كزيت وشيرج ، ولو في رأسه أو بدنه؛ لأن النبي مع الم فعله(١)، أو شم
بلاقصد بسبب الجلوس عند عطار . وإذا تطيب ناسياً أو عامداً لزمه إزالته بما
أمكن من الماء وغيره من المائعات . ولا يضر بقاء اللون دون الرائحة والطعم من
الدهن المطيب في أكل أو شرب ، لذهاب المقصود .
وللمحرم غسل رأسه وبدنه في حمام وغيره ، بلاتسريح ؛ لأن تسريحه
تعريض لقطع الشعر ، وله مع الكراهة الغسل بسدر وخطمي ونحوهما كصابون
وأشنان . وله غسل ثياب الإحرام .
(١) رواه أحمد والترمذي وغيرهما من حديث ابن عمر مرفوعاً، وهو ضعيف .
- ٢٣٨ -

والخلاصة : تحريم مس الطيب بالاتفاق ، وكذا قصد شمه عند الحنابلة
ويكره عند غيرهم ، وتحريم الادهان بالزيوت مطلقاً عند أبي حنيفة والمالكية ،
وبالدهن المطيب عند الحنابلة ، دون غير المطيب ، ودهن الشعر والرأس فقط
مطلقاً عند الشافعية ولو بغير مطيب . ويجوز الاغتسال ولو بالصابون عند
الشافعية والحنابلة ، ولا يجوز بالصابون ونحوه عند الحنفية ، ويغتسل عند
المالكية للتبرد لا للتنظيف .
وأما إزالة الشعر من جميع بدنه ولو من أنفه بالحلق أو النتف وتقليم
الأظفار: فحرام بالاتفاق لقوله تعالى : ﴿ولاتحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي
محله ) وقيس سائر البدن على الرأس ؛ لأنه في معناه ، إذ حلقه يؤذن
بالرفاهية ، وهو ينافي الإحرام ، والمحرم أشعث أغبر . وقيس النتف والقلع على
الحلق ؛ لأنها في معناه ، وإنما عبر النص بالحلق لأنه الغالب .
فلا يقلم أظفاره ولا ينتف إبطه ولا يحلق عانته ولاشاربه وغيرهما من شعور
البدن ، ولا يقص شعره وشعر غيره ، ولا يزيل الشعث والوسخ ، ولا يطرح التفث
( وهو الظفر المنكسر والشعر المنتوف وشبهه) ولا يقتل قملة ولا برغوثاً
ولا يطرحها عن نفسه ، ولا يطرح القراد عن دابته ، ولايحك مالايراه من بدنه
حكاً عنيفاً لئلا تكون فيه قملة فتقع ، وذلك كله بغير عذر ، فإن كان بعذر فلا
إثم .
أما الفدية ففيها تفصيل آراء الفقهاء :
قال الحنفية : إن حلق رأسه أو ربع رأسه أو ثلثه من غير عذر ، فعليه دم
لا يجزئه غيره ؛ لأنه ارتفاق كامل من غير ضرورة ، وإن حلقه لعذر ، فعليه أحد
الأشياء الثلاثة ، لقوله عز وجل: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ،
- ٢٣٩ -

فقدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾ . وإن حلق دون الربع فعليه الصدقة عند
أبي حنيفة .
وإن حلق شاربه فعليه صدقة ؛ لأن الشارب تبع للحية . وإذا نتف أحد
الإبطين أو كليهما فعليه كفارة واحدة وهو الدم . وإذا قلم ظفراً فعليه نصف صاع
لكل ظفر ، وإن قلم أظافير يد أو رجل من غير عذر وضرورة ، فعليه دم ؛ لأنه
ارتفاق كامل ، فتكاملت الجناية ، فتجب كفارة كاملة . ويجب الجزاء بالحلق
والتقليم العمد والسهو والطوع والكره .
وقال المالكية : في إزالة الشعر والظفر الواحد والشعرات والأظفار العشرة
لغير إماطة الأذى : حفنة من طعام ، وفي قتل القَمْلة والقَملات إلى العشرة أو
طرحها بلا قتل لا لإماطة الأذى حفنة من طعام يعطيها لفقير ، فإن زاد عن
العشرة فقدية تلزمه .
ولاشيء في طرح بُرْغوث ونحوه من كل ما يعيش بالأرض كدود وغل
وبعوض وقراد ، إذا لم يقتله ، ولاشيء في دخول حمام ولو طال مكثه فيه ، إلا
أن يزيل الوسخ عن جسده ، فتلزمه الفدية حينئذ .
ولا يحرم إزالة ما تحت أظفاره وغسل يديه بمزيل الوسخ كالأشنان . ولاشيء
بتساقط شعر من لحية أو رأس أو غيرهما بسبب وضوء أو غسل .
والأظهر عند الشافعية أن في الشعرة الواحدة مد طعام ، وفي الشعرتين
مدين ، وتكمل الفدية في ثلاث شعرات أو ثلاثة أظفار ، ولو كان ناسياً أو جاهلاً
على الأصح ، ولو بواسطة كحجامة وحك بنحو ظفر وتحريك رجل راكب على
برذعة أو قتَب ، وامتشاط ، فيحرم ذلك إن علم إزالة الشعر به .
- ٢٤٠ -