النص المفهرس
صفحات 201-220
مغفوراً، وعملاً مشكوراً)) فحسن ؛ لأن ابن مسعود وابن عمر كانا يقولان نحو ذلك . ثم يقف مستقبل القبلة ويدعو ، ویذکر الله تعالى ، ويهلل ويسبح بعد رمي الجمرة الأولى ، بقدر قراءة سورة البقرة ، وكذا بعد رمي الثانية ، لا الثالثة ، بل يمضي في طريقه بعد رميها للاتباع في ذلك ، كما روى البخاري ، إلا بقدر سورة البقرة ، فرواه البيهقي من فعل ابن عمر . ٦ - يقطع التلبية عند الجمهور مع أول حصاة في رمي جمرة العقبة، إن رمى قبل الحلق ، وإن حلق قبل الرمي قطع التلبية ؛ لأنها لا تثبت مع التحلل كما ثبت في حديث جابر الطويل المتقدم وغيره . وقال المالكية كما بينا : يقطع التلبية من ظهر يوم عرفة . ٧ - يستحب أن يكون الحجر عند الجمهور مثل حصى الخذف ، لا أكبر ولا أصغر. وشرط المالكية ذلك، فلو رمى بأكبر منه كره وأجزأه بالاتفاق ، وكذا لو رمى بأصغر منه أجزأه مع الكراهة عند الجمهور ، ولا يجزئ صغير جداً عند المالكية . ٨ - ويستحب أن يكون الحجر طاهراً، فلو رمى بنجس كره وأجزأه . ويكره أن يرمي بما أخذه من المسجد أو من الحرم أو من الموضع النجس ، أو بما رمى به غيره ، ولو رمى بشيء من ذلك أجزأه . ويندب عند المالكية وغيرهم تتابع الحصيات بالرمي ، فلا يفصل بينها بشاغل من كلام أو غيره ، ولا تجب موالاة الرمي . سابعاً - حكم تأخير الرمي عن وقته : رمي الجمار واجب كما عرفنا ، فإن تأخر عن وقته أو فات ، وجب دم ، على - ٢٠١ - النحو المقرر فقهاً ، فقال الحنفية(١): إذا ترك من جمار يوم النحر حصاة أو حصاتين أو ثلاثاً إلى الغد ، فإنه يرمي ما ترك أو يتصدق لكل حصاة نصف صاع من حنطة(٢) إلا أن يبلغ قدر الطعام دماً فينقص ما شاء . والأصل أن ما يجب في جميعه دم يجب في أقله صدقة ، فلو ترك الرمي كله إلى الغد ، كان عليه دم عند أبي حنيفة ، فإذا ترك أقله تجب عليه الصدقة إلا أن يبلغ دماً ، وإن ترك الأكثر منها فعليه دم في قول أبي حنيفة ؛ لأن في جميعه دماً عنده ، فكذا في أكثره . وإن ترك الرمي كله في سائر الأيام إلى آخر أيام الرمي ، وهو اليوم الرابع ، فإنه يرميها فيه على الترتيب ، وعليه دم عند أبي حنيفة ؛ لأن الرمي مؤقت عنده . ولو ترك رمي الكل وهو الجمار الثلاث لزمه دم عند أبي حنيفة ؛ لأن جنس الجناية واحد ، حظرها إحرام واحد ، فيكفيها دم واحد ، كما لو حلق ربع رأسه ، فإنه يجب عليه دم واحد ، ولو حلق جميع رأسه يلزمه دم واحد أيضاً، وكذا لو طيب عضواً واحداً أو طيب أعضاءه كلها ، أو لبس ثوباً واحداً أو لبس ثياباً 5 كثيرة ، لا يلزمه في ذلك کله إلا دم واحد . فإذا ترك رمي الكل حتى غربت الشمس من آخر أيام التشريق وهو آخر أيام الرمي ، يسقط عنه الرمي ، وعليه دم واحد باتفاق الحنفية ، لفوات وقته ، وتعذر القضاء ، وتركه الواجب عن وقته . وقال المالكية (٣): إذا أخر رمي حصاة فأكثر من الجمار لليل أو ليوم بعده ، (١) البدائع: ١٣٨/٢، اللباب: ٢٠٥/١ . (٢) الصاع الشرعي أو البغدادي ٢٧٥١ غراماً (٣) الشرح الصغير: ٦٣/٢، ٦٨، الشرح الكبير مع الدسوقي : ٤٧/٢ وما بعدها . - ٢٠٢ - وجب عليه دم ، لخروج وقت الأداء وهو النهار، ودخول وقت القضاء . ويقضي رمي جمرة العقبة أو اليوم الثاني أو الثالث قبل غروب شمس اليوم الرابع ، سواء أخره لعذر أم لا ، أو خالف ترتيب الجمرات ، وعليه دم . ويفوت الرمي بغروب الرابع ، وعليه دم . ويلزم الدم أيضاً العاجز إذا استناب في الرمي ، ويأثم أيضاً إذا لم يستنب لتقصيره ، وعلى النائب دم ثان إن أخر الرمي لليل لغير عذر . وقال الشافعية(١) : إذا ترك رمي يوم أو رمي جمرة العقبة يوم النحر ، تداركه في باقي الأيام من أيام التشريق في الأظهر ، عملاً بنص الحديث المبيح لتأخير الرمي للرعاء وأهل السقاية ، وبالقياس عليهم في غيرهم ، إذ لا فرق بين المعذور وغيره ، كما في الوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ، ولا دم عليه إن تداركه لحصول الانجبار بالمأتي به ، وإن لم يتداركه فعلیه دم في رمي يوم أو يومين أو ثلاثة أو يوم النحر مع أيام التشريق ، لاتحاد جنس الرمي ، فأشبه حلق الرأس . والمذهب وجوب دم كامل في ترك ثلاث حصيات ؛ لأن الثلاث أقل الجمع ، كما لو أزال ثلاث شعرات متوالية ، وروى البيهقي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه قال: ((من ترك نسكاً فعليه دم)) وفي ترك الحصاة الواحدة مدّ ، وفي الثنتين مدّان . وقال الحنابلة(٢) : إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده ، أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ، ترك السنة ، ولا شيء عليه ، كما قال الشافعية ، إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول ثم الثاني ، ثم الثالث ؛ لأن أيام التشريق وقت للرمي ، (١) مغني المحتاج : ٥٠٨/١ وما بعدها (٢) المغني: ٤٥٥/٣ وما بعدها، غاية المنتهى: ٤١٠/١، ٤١٤، ٤١٥، ٤٢١. - ٢٠٣ - فإن أخره من أول وقته إلى آخره ، لم يلزمه شيء ، كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته ، ولأنه وقت يجوز الرمي فيه ، فجاز في آخره كاليوم الأول . ولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاء وإنما هو أداء ، مع ترك الأفضل ؛ لأنه وقت واحد . فإن ترك الرمي أو خالف ترتيب الجمرات ، وجب دم . وإن نقص حصاة أو حصاتين فلابأس ، ولا ينقص أكثر من ذلك ، قال ابن عمر: (( ما أبالي رميت بست أو سبع )) . حكم المبيت بمنى : المبيت بمنى ليلة الثامن من ذي الحجة سنة اتفاقاً ، لكن للفقهاء رأيان في المبيت بمنى في ليالي التشريق : رأي أنه سنة ، ورأي أنه واجب(١) . أما الرأي الأول فهو للحنفية ، فإنهم قالوا : المبيت بمنى ليلة الثامن من ذي الحجة سنة ، وكذلك المبيت بمنى ليلتي الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة سنة أيضاً ، فإن أقام بمنى لأجل الرمي فعل الأفضل ، وإن تركه لا شيء عليه ، ويكون مسيئاً ؛ لأن النبي ◌ُقٍ أرخص للعباس أن يبيت بمكة للسقاية ، كما بينا سابقاً . وأما الرأي الثاني فهو للجمهور : وهو أن المبيت بمنى ليلتي التشريق واجب ، فمن تركه كان عليه دم عند المالكية والشافعية ، وتفصيل رأي كل مذهب ما يأتي : قال المالكية : المبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر واجب ، لكن رخص (١) فتح القدير: ١٨٣/٢، اللباب: ١٨٩/١، الشرح الصغير وحاشيته: ٦٥/٢، مغني المحتاج: ٥٠٥/١ ومابعدها ، المغني ، ٤٤٩/٣ ، الإيضاح : ص٦٦ وما بعدها . - ٢٠٤ _ ٠٠٧ مالك جوازاً لراعي الإبل فقط بعد رمي العقبة يوم النحر أن ينصرف إلى رعيه ، ويترك المبيت في هاتين الليلتين ، ويأتي اليوم الثالث من أيام النحر ، فيرمي لليومين ، اليوم الثاني الذي فاته ، وهو في رعيه ، والثالث الذي حضر فيه ، ثم إن شاء أقام لرمي الثالث من أيام الرمي . وكذا رخص لصاحب السقاية في ترك المبيت خاصة ، فلابد من أن يأتي نهاراً للرمي ، ثم ينصرف ؛ لأن ذا السقاية ينزع الماء من زمزم ليلاً ، ويفرغه في الحياض . وقال الشافعية : المبيت بمنى ليلتي التشريق واجب اتباعاً للسنة مع خبر ((خذوا عني مناسككم)) والواجب معظم الليل ، خلافاً للمبيت بمزدلفة الذي يكتفى فيه بساعة في النصف الثاني بمزدلفة ، للتخفيف في أداء المناسك في تلك الليلة ، فمن ترك المبيت في منى وجب عليه دم . ويسقط مبيت منى ومزدلفة والدم عن المعذورين وهم الرِّعاء وأهل السقاية؛ لأنه مع القر رخص لرعاء الإبل أن يتركوا المبيت بمنى ، وقيس بمنى مزدلفة ، ولأنه مَ الم رخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى ، لأجل السقاية، كما روى الشيخان . ويسقط مبيت منى ومزدلفة أيضاً عمن له عذر آخر كمن له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت أو يخاف على نفسه أو مال معه أو له مريض يحتاج إلى تعهده ، أو يكون به مرض يشق معه المبيت أو نحو ذلك . ويسقط مبيت مزدلفة لو انتهى ليلة العيد إلى عرفات ، فاشتغل بالوقوف عن المبيت فيها ، وإنما يؤمر بالمبيت المتفرغون . وقال الحنابلة: السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى ؛ لأن (( النبي - ٢٠٥ - مَّ أفاض يوم النحر، ثم رجع، فصلى الظهر بمنى))(١) وقالت عائشة: ((أفاض رسول الله ◌ٍَّ من آخر يومه حين صلى الظهر ، ثم رجع إلى منى ، فمكث بها ليالي أيام التشريق ))(٢) . والمبيت بمنى ليالي منى واجب ، لكن إن ترك المبيت بمنى ، فلا شيء عليه كما قال الحنفية ؛ لأن الشرع لم يرد فيه بشيء . وروي عن أحمد أيضاً : في الليالي الثلاث دم، لقول ابن عباس: (( من ترك من نسكه شيئاً ، أو نسيه فليهرق دماً)» المطلب الثالث - الحلق أو التقصير : هو إزالة شعر الرأس أو التقصير في حج أو عمرة في وقته . ونبحث هنا وجوبه ، مقدار الواجب ، زمانه ومكانه ، أثره المترتب عليه ، حكم تأخيره عن زمانه ومكانه(٣) . أولاً - وجوب الحلق أو التقصير : رأى الجمهور أن الحلق أو التقصير نسك واجب ، لقوله تعالى: ﴿ ثم ليقضوا تفتهم﴾ والتفث - كما قال ابن عمر: حلاق الشعر ولبس الثياب وما يتبع ذلك، ولما روى أنس: (( أن رسول الله سَلِّ أتى منى ، فأتى الجمرة ، فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاَّق : خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس))(٤) ، (١) متفق عليه (٢) رواه أبو داود (٣) البدائع: ١٤٠/٢ - ١٤٢، بداية المجتهد: ٣٤٠/١، الشرح الكبير: ٤٦/٢، الشرح الصغير: ٥٩/٢، ٦٢ ، ٧٣، مغني المحتاج: ٥٠٢/١، ٥١٣، المغني: ٤٣٤/٣ - ٤٣٩، غاية المنتهى: ٤١٢/١، القوانين الفقهية: ص١٣٤ ، الإيضاح : ص٥٨ ، ٦٣ . (٤) رواه أحمد ومسلم وأبو داود ( نيل الأوطار : ٦٨/٥ ) - ٢٠٦ - وقال أبو هريرة: قال رسول الله مؤتمٍ: ((اللهم اغفر للمحلّقين، قالوا: يا رسول الله ، وللمقصرين ؟ قال : اللهم اغفر للمحلقين ، قالوا : يا رسول الله ، وللمقصرين ؟ قال : وللمقصرين(١))) ورأى الشافعية : أن الحلق أو التقصير ركن في الحج والعمرة ؛ لأنه نُسُك على المشهور ؛ لأن الحلق أفضل من التقصير للذكر ، والتفضيل إنما يقع في العبادات دون المباحات ، وروى ابن حبان في صحيحه أنه ماترٍ قال: ((لكل من حلق رأسه ، بكل شعرة سقطت : نور يوم القيامة )). ولا حلق على المرأة بالاتفاق ، وإنما عليها التقصير ، فهو سنة المرأة ، لقوله عَ اقٍ: ((ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير))(٢) وأخرج الترمذي عن علي حديث: (( نهى أن تحلق المرأة رأسها))(٣) وتقصيرها بأن تأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة ، لما روي عن عمر رضي الله عنه حينما قيل له : كم تقصر المرأة ؟ فقال : مثل هذه ، وأشار إلى أملته . وليس على الحاج عند الحنفية إذا حلق أن يأخذ شيئاً من لحيته ؛ لأن الواجب حلق الرأس بالنص وهو قوله تعالى: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخّلُنَّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم ومقصرين ﴾ وقال الشافعية : يسن أن يأخذ من شاربه أو شعر لحيته شيئاً ، ليكون قد وضع من شعره شيئاً لله تعالى . والأصلع الذي لا شعر على رأسه يجب عند الحنفية أن يُمر الموسى على رأسه، لقوله مَ الّ: ((وما أمرتكم به، فأتوا منه ما استطعتم )) (٤) فصاحب الشعر (١) متفق عليه ( نيل الأوطار : ٦٩/٥ ) (٢) رواه الدارقطني وأبو داود عن ابن عباس ( نيل الأوطار : ٧٠/٥ ) (٣) وروت عائشة مثله: أن النبي عَّل هى المرأة أن تحلق رأسها . (٤) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، ولفظه: (( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به ... )) - ٢٠٧ - يجب عليه إزالته ، وإمرار الموسى على رأسه ، فإذا سقط أحدهما لتعذره وجب الآخر ، فإذا عجز عن تحقيق الحلق ، فلم يعجز عن التشبه بالحالقين . ويستحب عند الجمهور إمرار الموسى على رأس الأصلع ، لقول ابن عمر : من جاء يوم النحر ، ولم يكن على رأسه شعر ، أجرى الموسى على رأسه . ثانياً - مقدار الواجب : الأفضل حلق جميع الرأس بالاتفاق ، لقوله تعالى: ﴿ مُحَلِّقين رؤوسكم ومقصرين﴾ فإن العرب تبدأ بالأهم والأفضل ، ولحديث أبي هريرة المتقدم ، الذي جعل فيه التقصير في المرتبة الثالثة بعد الحلق . والرأس يقع على جميعه ، فإن حلق بعض الرأس لم يجزه عند الحنفية أقل من الربع ، وإن حلق ربع الرأس أجزأه مع الكراهة ؛ لأن ربع الرأس يقوم مقام كله في القربات المتعلقة بالرأس ، كمسح ربع الرأس في الوضوء ، والكراهة لترك المسنون : وهو حلق جميع الرأس . وأما تقدير التقصير : فهو عند المالكية والحنابلة بقدر الأنملة أو أزيد أو أنقص بيسير، والأنملة: رأس الأصبع من المفصل الأعلى). وأوجب الحنفية ما يزيد على قدر الأنملة ، حتى يحقق التقصير من جميع الشعر ، ويتيقن من استيفاء قدر الواجب ، فيخرج عن العهدة بيقين . وقال الشافعية : أقل إزالة شعر الرأس أو التقصير : ثلاث شعرات ، لقوله تعالى: ﴿ محلقين رؤوسكم﴾ أي شعر رؤوسكم؛ لأن الرأس لا يحلق، والشعر جمع ، وأقله ثلاث ، أو أن يقدر لفظ الشعر منكراً فيكتفى في الوجوب بمسمى الجمع . ولو لم يكن هناك إلا شعرة وجب إزالتها . والإزالة : إما حلقاً أو تقصيراً أو إحراقاً أو نتفاً . - ٢٠٨ - ومن لا شعر برأسه يستحب إمرار الموسى عليه ، وعند الحنفية : يجب كما بينا . ثالثاً - زمان الحلق ومكانه : يرى أبو حنيفة : أن الحلق يختص بالزمان والمكان ، فزمانه : أيام النحر ، ومكانه الحرم ، فلو أخر الحلق عن أيام النحر أو حلق خارج الحرم ، يجب عليه دم ؛ لأنه عَّ حلق في أيام النحر في الحرم ، فصار فعله بياناً لمطلق الكتاب ، ويجب عليه بتأخيره دم ؛ لأن تأخير الواجب بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر . وقال المالكية : لو أخر الحلق ولو سهواً لبلده ، ولو قربت ، فعليه دم . أما لو أخر الحلق عن أيام الرمي الثلاثة بعد يوم النحر ، ففي قول ضعيف عليه دم ، والمقرر في المدونة ألا دم عليه ، فإن حلق بمكة أيام التشريق ، أو بعدها ، أو حلق في الحل في أيام منى ، فلا شيء عليه . وقال الشافعية ، والحنابلة في الراجح من الروايتين عندهم : يدخل وقت الرمي والذبح والحلق بنصف ليلة النحر ، لكن السنة تقديم رمي ، فنحر ، فحلق ، فطواف إفاضة . والحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها ، فلا دم على من أخر الحلق عن أيام منى أو قدمه على رمي ، أو نحر أو طاف قبل رمي ولو كان عالماً ، ودليلهم أن الله تعالى بين أول وقت الحلق بقوله : ﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي مَحِلَّه) ولم يتبين آخره ، فمتى أتى به أجزأه كطواف الزيارة والسعي ، ولأن الأصل عدم التأقيت ، ويبقى الحاج محرماً حتى يأتي بما عليه من الحلق والطواف والسعي ، لكن الأفضل فعلها يوم النحر ، ويكره تأخيرها عن يوم النحر ، الفقه الإسلامي جـ٣ (١٤) - ٢٠٩ - ويكون تأخيرها عن أيام التشريق أو عن خروجه عن مكة أشد كراهة . رابعاً - الأثر المترتب على الحلق أو التقصير أو حكمه : حكم الحلق أو التقصير : صيرورة المحرم حلالاً ، فيحل له كل شيء إلا النساء عند الحنفية ، أي إن المحرم إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق ، حل له كل ما كان محظوراً بالإحرام إلا النساء ، فيبقى ما كان محرماً عليه من النساء من الوطء والقبلة واللمس لشهوة ، وعقد الزواج عند الجمهور غير الحنفية ، ويحل له ماسواه ، فإن حلق أو قصر ورمى العقبة ، حل له عندهم كل شيء إلا النساء ، لقوله مَّةٍ: (( إذا رميتم وحلقتم، فقد حل لكم الطيب والثياب ، وكل شيء إلا النساء))(١) وفي لفظ ((إذا رمى أحدكم جمرة العقبة ، وحلق رأسه ، فقد حل له كل شيء إلا النساء))(٢)، أي الوطء والمباشرة فيما دون الفرج . وقال الشافعية والحنابلة : يحل كل شيء بالرمي والحلق إلا عقد النكاح (٢) ، والوطء، والمباشرة فيما دون الفرج، لحديث: ((إذا رميتم الجمرة ، فقد حل لكم كل شيء إلا النساء ))(٤) . وقال المالكية : يحل بالرمي والحلق كل شيء إلا النساء والصيد والطيب ، ولا يحل شيء من هذه الأمور إلا بطواف الإفاضة . ويقال للتحلل بعد الحلق : التحلل الأول ، وبعد الطواف : التحلل الأكبر كما سنبين . (١) رواه سعيد عن عائشة . (٢) رواه الأثرم وأبو داود ، إلا أنه قال : هو ضعيف . (٣) وهذا على الأظهر عند الشافعية ، كما رجح النووي رحمه الله . (٤) رواه النسائي بإسناد جيد . - ٢١٠ _ خامساً - حكم تأخير الحلق عن الزمان والمكان : إذا أخر الحلق عن زمانه أو مكانه ، وجب الدم عند أبي حنيفة ، ويجب الدم عند المالكية فقط إذا رجع إلى بلده جاهلاً أو ناسياً ، والراجح ألا يجب شيء بالتأخير عن أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر ، مالم يرجع لبلده . وقال الشافعية والحنابلة وأبو يوسف : لا يجب الدم بتأخير الحلق عن أيام الرمي ، أو لما بعد العودة إلى البلد ، كما بينا . المبحث السابع - سنن الحج والعمرة : تكلمنا تفصيلاً عن سنن الحج والعمرة في كل مذهب ، وأهم هذه السنن جمالاً : ٤ اً - الغسل ، والتطيب للإحرام ، وركعتا الإحرام . اً - التلبية عقب الإحرام وبعد كل صلاة. عالى اً - طواف القدوم عند الجمهور، وقال المالكية : إنه واجب . ٤ - ركعتا الطواف عند الشافعية والحنابلة، وأداؤها واجب عند الحنفية والمالكية . ٥ - المبيت بمنى ليلة يوم عرفة وأداء خمس صلوات بمنى يوم التروية ، وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، اتباعاً للسنة . ٦ - المبيت بالمزدلفة ليلة يوم النحر والإسفار بها قبل طلوع الشمس سنة عند الحنفية ، وإنما الواجب عندهم الوقوف بالمزدلفة بعد الفجر ، اتباعاً للسنة في حديث جابر المتقدم . وقال الحنابلة : المبيت واجب ، وقال المالكية : الوجوب - ٢١١ - بمقدار حط الرحال ، وقال الشافعية : يكفي في المبيت بالمزدلفة لحظة في النصف الثاني من الليل . ٧ - المبيت بمنى ليالي التشريق سنة عند الحنفية، واجب عند الأئمة الآخرين ، لغير ذوي الأعذار ، اتباعاً لفعل النبي ◌َ ◌ّ فيما رواه أبو داود . ٨ - التحصيب : وهو النزول بوادي المحصَّب بعد النفر من منى إلى مكة فيما بين الجبلين عن طريق مقبرة الحجون ، سنة عند الحنفية والحنابلة ، مستحب عند غيرهم ، مع الاتفاق أنه ليس من المناسك التي يلزم فعلها . ودليل السنية: قول أسامة بن زيد في حجة النبي عافم: ((قلت : يارسول الله، أين تنزل غداً؟ قال: ((هل ترك لنا عقيل منزلاً؟)) ثم قال: ((نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريش على الكفر))(١) والخيف: هو المحصب أي الوادي . ودليل الاستحباب حديث عائشة: ((إنما نزل رسول الله مَ له المحصب ليكون أسمح لخروجه ، وليس بسنة ، فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله))(٣) . ٩ - خطب الحج : هي خطبة واحدة بعد الظهر، إلا خطبة عرفة فهي خطبتان بعد الزوال قبل الصلاة . وللفقهاء رأيان في عدد خطب الحج (٣) : رأي إنها ثلاثة ، ورأي إنها أربعة . أما الرأي الأول فهو للحنفية والمالكية والحنابلة : أن الخطب ثلاثة : (١) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، والمقاسمة : هي تحالف قريش وبني كنانة على ألا يناكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا يبايعوهم، ولا يؤوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله عَ لّ (نيل الأوطار: ٥ /٨٤). (٢) متفق عليه ( نيل الأوطار: ٥ / ٨٣ وما بعدها ) . (٣) البدائع: ٢ / ١٥١ ومابعدها، الدر المختار: ٢ / ٢٣٦ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ١٣٣، الشرح الصغير: ٢ / ٥٤ ، مغني المحتاج: ١ / ٤٩٥ ومابعدها، الإيضاح: ص ٤٧ ، غاية المنتهى: ١ / ٤١٢، ٤١٥، المغني : ٣ / ٤٠٧، ٤٤٥، ٤٥٦، المحرر: ١ / ٢٤٩. - ٢١٢ - الخطبة الأولى - في السابع من ذي الحجة : تسن هذه الخطبة في مكة عند الكعبة في سابع ذي الحجة بعد صلاة الظهر ، وهي خطبة واحدة لا يجلس فيها بالاتفاق ، وهي أول الخطب ، يعلمهم فيها الإمام مناسك الحج . وکون هذه الخطبة هي الأولى هو مذهب الجمهور ، بدلیل حديث ابن عمر : (( كان رسول الله مَ الٍ إذا كان قبل التروية بيوم، خطب الناس وأخبرهم بمناسكهم)» (١). واعتبر الحنابلة خطبة يوم عرفة هي الأولى . وإذا كان يوم التروية يوم جمعة ، خرج بهم الإمام عند الشافعية قبل الفجر ؛ لأن السفر يومها بعد الفجر وقبل الزوال حرام ، وإذا كان يوم عرفة يوم جمعة، جاز خروج الحجاج بعد الفجر ، ولم يصل النبي معطفل الجمعة بعرفة ، مع أنه قد ثبت في الصحيحين أن يوم عرفة الذي وقف فيه النبي مائر كان يوم جمعة . وجاز الخروج مطلقاً يوم التروية وغيره عند الحنابلة ، سواء قبل الفجر أم قبل الزوال ، فإن شاء الحاج خرج ، وإن شاء أقام حتى يصلي . الخطبة الثانية - يوم عرفة : وهي خطبتان خفيفتان بعرفات قبل الصلاة اتفاقاً ، يجلس بينهما الخطيب كما في الجمعة ، يعلمهم في الأولى المناسك من موضع الوقوف بعرفة ووقته والدفع من عرفات ، ومبيتهم في المزدلفة ، وأخذ الحصى لرمي الجمار، ويحثهم على إكثار الذكر والدعاء بالموقف ، لحديث جابر المتقدم أن النبي ◌َ اقّ فعل ذلك . (١) أخرجه البيهقي يإسناد جيد . - ٢١٣ - : قال المالكية والشافعية : يبدأ المؤذن والإمام يخطب أو بعد فراغه من الخطبة ، ويفرغ من الخطبة الثانية مع فراغ المؤذن ، وقال الحنابلة : يأمر الإمام بالأذان بعد الخطبة . ثم يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر قصراً وجمع تقديم ، اتباعاً للسنة كما روى مسلم ، وذلك بأذان واحد وإقامتين وقراءة سرية ، دون أن يصلي بينهما شيئاً من السنن ، ولا بعد أداء العصر في وقت الظهر عند الحنفية . الخطبة الثالثة عند الشافعية وهي الثانية عند الحنابلة : يوم النحر ( العيد ) بمنى : وهي خطبة واحدة ، يعلم الإمام فيها الناس مناسكهم من النحر والإفاضة والرمي، لما روى ابن عباس: ( أن النبي ◌ُ ◌ّ خطب الناس يوم النحر، يعني (١) بمنى))(١) . وعن رافع بن عمرو المزني قال: ((رأيت رسول الله صَ الِ يخطب الناس بمنى ، حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء ، وعلى بعير عنه ، والناس بين قائم (٢) وقاعد ))(٢) . 5 ولأن يوم النحر تكثر فيه أفعال الحج ، ويحتاج الناس إلى تعلم أحكام ذلك ، فكانت الخطبة محتاجاً إليها لأجل هذا الغرض ، كيوم عرفة . الخطبة الثالثة عند الجمهور ، وهي الرابعة عند الشافعية : ثاني أيام منى : وهي خطبة واحدة متفق عليها ، يعلم الإمام فيها الناس حكم التعجيل (١) أخرجه البخاري . (٢) رواه أبو داود . - ٢١٤ _ والتأخير وتوديعهم، لما روي عن رجلين من بني بكر قالا: (( رأينا رسول الله مؤتم يخطب بين أوساط أيام التشريق، ونحن عند راحلته))(١)، ولأن بالناس حاجة إلى أن يعلمهم : كيف يتعجلون ، وكيف يودعون ، بخلاف اليوم الأول من أيام منى . والخلاصة : أن الخطب أربعة عند الشافعية وهي خطبة السابع ، وخطبة التاسع من ذي الحجة يوم عرفة ، ويوم العيد بمنى ، وفي اليوم الحادي عشر : ثاني أيام التشريق بمنى . وهي ثلاثة عند الحنابلة : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وثاني أيام منى . وكذلك هي ثلاثة عند الحنفية والمالكية : سابع ذي الحجة في المسجد الحرام ، ويوم عرفة بعد الزوال قبل الصلاة ، وفي اليوم الحادي عشر . وكلها مفردة إلا خطبة يوم عرفة فهي خطبتان ، ومتفق عليها كما يلاحظ . المبحث الثامن - كيفية أداء الحج والعمرة : عرفنا أن أداء الحج والعمرة له حالات ثلاثة : الإفراد ، التمتع ، القرآن (٢)، وبينا أفضليتها في المذاهب في بحث أركان الحج والعمرة . أولاً - كيفية الإفراد : الإفراد أن يحرم بالحج وحده ، ثم لا يعتمر حتى لا يفرغ من حجه . وكيفيته : أن يغتسل أو يتوضأ قبل الإحرام ، والغسل أفضل ، ويلبس ثوبين جديدين أو غسيلين إزاراً ورداء ، ويتطيب ، ويصلي ركعتي الإحرام ، في (١) رواه أبو داود ، وروى الدارقطني مثله عن سرَّاء بنت نبهان. (٢) راجع فتح القدير: ٢ / ١٣٤ - ٢٢٤، اللباب شرح الكتاب: ١ / ١٧٩ - ١٩٩، القوانين الفقهية: ص ١٣١ - ١٣٥، المهذب: ١ / ٢٢٠ - ٢٣٢، غاية المنتهى: ١ / ٤٠٧ - ٤١٢. - ٢١٥ - غير وقت الكراهة ، ويقول : اللهم إني أريد الحج فيسِّره لي وتقبله مني ، ثم يلبي عقب صلاته ، ناوياً بتلبيته الحج ، ويكثر من التلبية عقيب الصلوات ، وفي الصعود والنزول والركوب ولقاء الرفقة ، وبالأسحار . فإذا لبى ناوياً فقد أحرم ، فيمتنع عما نهى الله عنه من الرَّفث والفسوق والجدال(١) ، ولا يقتل صيداً ولا يشير إليه ، ولا يدل عليه ، ولا يلبس مخيطاً ولا خفاً ، ولا يغطي رأسه ولا وجهه ، ولا يمس طيباً ، ولا ينتف أو يقص شعراً ولا ظفراً . ولا بأس أن يغتسل بغير صابون ؛ لأنه نوع طيب ، وله أن يستظل بالبيت والمظلة ، وأن يشد في وسطه الهِمْيان (وهو ما يجعل فيه الدراهم ويشد على الوسط ) ومثله المنطقة . فإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد الحرام بعد تأمين أمتعته ، داخلاً - كما ذكر الحنفية - من باب السلام خاشعاً متواضعاً، ملاحظاً عظمة البيت وشرفه ، فإذا عاين البيت كبر الله تعالى وهلل ثلاثاً ودعا بما أحب ، فإنه من أرجى مواضع الإجابة . ثم يطوف غير المكي طواف القدوم ؛ لأنه تحية البيت ، مبتدئاً بالحجر الأسود، مستقبلاً له ، مكبراً مهللاً (٢) ، رافعاً يديه كرفعهما للصلاة ، مستلماً له بباطن كفيه ، ثم مقبلاً له إن استطاع من غير أن يؤذي مسلماً(٢) ، ثم يدور حول الكعبة عن يساره ، ويطوف بالبيت سبعة أشواط ، من وراء الحطيم ( الحِجْر ) ، (١) الرفث: الجماع، أو الكلام الفاحش ، والفسوق : المعاصي ، والجدال: الخصام مع الرفقة وغيرهم . (٢) يقول: ((لا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم أنت السلام، ومنك السلام ، وإليك يعود السلام ، فحينا ربنا بالسلام ، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد عٍَّ)). (٣) يقول في أثناء الطواف: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده )». - ٢١٦ - ويستلم الحجر والركن اليماني في كل شوط يمر بها ، ويختم الطواف بالاستلام كما ابتدأ به ، ثم يصلي عند مقام إبراهيم أو حيث تيسر من المسجد ، في وقت مباح غير مكروه . وليس على أهل مكة طواف القدوم ، وإذا لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفات ووقف بها ، سقط عنه طواف القدوم ، ولا شيء عليه لتركه . ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعاً ، يصعد على كل منهما ، ويستقبل البيت ، مكبراً مهللاً ، مصلياً على النبي مطلقة ، داعياً الله تعالى بحاجته ، ويرمل بين الميلين الأخضرين ، مبتدئاً بالصفا ، مختتماً بالمروة . ثم يقيم بمكة محرماً ، يطوف بالبيت كلما بدا له . ثم يخرج في سابع ذي الحجة إلى منى ، فيبيت فيها ، ويصلي فيها خمس صلوات ( الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ) . وفي اليوم الثامن يتوجه إلى عرفات ، فيصلي مع الإمام أو منفرداً في مسجد نمرة صلاة الظهر والعصر مقصورتين مجموعتين جمع تقديم ، مستمعاً للخطبة بأذان واحد وإقامتين . ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف . ثم يتوجه إلى الموقف ، فيقف بقرب الجبل ، وعرفات كلها موقف إلا بطن عُرَنة ، وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته ، ويدعو ، ويعلم الناس المناسك ، ويستحب أن يجتهد في الدعاء . ومن أدرك الوقوف بعرفة مابين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فقد أدرك الحج . ومن مرَّ بعرفة وهو نائم أو مغمى عليه ، أو لم يعلم أنها عرفة ، أجزأه ذلك عند الحنفية عن الوقوف . فإذا غربت الشمس ، أفاض الإمام والناس معه على هينتهم على طريق - ٢١٧ - / .... . المأزمين ، حتى يأتوا المزدلفة ، فينزلوا بها . والمستحب أن ينزل بقرب جبل قُزَح وهو المشعر الحرام . ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء ، بأذان واحد ، وإقامة واحدة عند الحنفية ، ولا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد أن يصلي المغرب في الطريق إلى المزدلفة ، وعليه إعادتها مالم يطلع الفجر . فإذا طلع الفجر يوم النحر، صلى الإمام بالناس الفجر بغَلَس لأجل الوقوف ، ثم وقف بمزدلفة وجوباً عند الحنفية ولو لحظة ، ووقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، ووقف الناس معه ، فدعا وكبر وهلل ولبى وصلى على النبي مُ لّ ، ويلتقط حصى الرمي سبعين من المزدلفة. والمزدلفة كلها موقف إلا بطن مُحَسِّر (وهو وادٍ بين منى ومزدلفة ) . ثم أفاض الإمام والناس معه قبل طلوع الشمس حتى يأتوا منى ، فيرمي جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات مثل حصى الخذف ، ويكبر مع كل حصاة ، ولا يقف عندها ؛ لأنه لا رمي بعدها، ويقطع التلبية مع أول حصاة(١) ، إن رمى قبل الحلق ، فإن حلق قبل الرمي قطع التلبية ؛ لأنها لا تثبت مع التحلل . ثم يذبح تطوعاً إن أحب لأنه مفرد ، ثم يحلق أو يقصر بمقدار الأنملة ، والحلق أفضل من التقصير ، فيحل له حينئذ كل شيء إلا النساء ، وإلا الصيد والطيب عند المالكية . ثم يأتي مكة يوم العيد أو بعده بيوم أو يومين ، فيطوف طواف الزيارة ( وهو طواف الفرض ) سبعة أشواط ، ثم يسعى بين الصفا والمروة ، إن لم يكن سعى عقيب طواف القدوم ، ويرمل الذكر في الأشواط الثلاثة الأولى من (١) هذا رأي الجمهور، وقال المالكية : تقطع التلبية بزوال الشمس من يوم عرفة . - ٢١٨ _ الطواف ، ويضطبع(١) فيه إن سعى الآن ؛ لأن الرمل والاضطباع مشروعان في كل طواف بعده سعي . ويكره تأخير الطواف عن الأيام الثلاثة ( وهي يوم العيد ويومان بعده ) ، فإن أخره عنها ، لزمه دم عند أبي حنيفة . ثم يعود إلى منى ، فيقيم بها لأجل الرمي ووقته مابعد الزوال من اليوم الثاني من أيام النحر ، مبتدئاً برمي الجمرة التي تلي مسجد الخَيْف بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة ، ويقف عندها ويدعو ؛ لأن بعده رمي ، ثم يرمي الجمرة الوسطى ، ويقف عندها ويدعو ، ثم يرمي جمرة العقبة ، ولكنه لا يقف عندها ؛ لأنه ليس بعدها رمي ثم يرمي في اليوم الثالث الجمار الثلاث بعد زوال الشمس ، وله أن يتعجل النفر إلى مكة بعدئذ أو يقيم لرمي الجمار الثلاث في اليوم الرابع بعد زوال الشمس . ويجوز عند أبي حنيفة الرمي في هذا اليوم قبل الزوال بعد طلوع الفجر . وينزل بالمحَصَّب(٢) عند نفره إلى مكة . وإذا أراد الحاج مغادرة مكة ، طاف بالبيت سبعة أشواط لا يرمل فيها طواف الوداع أو الصَّدَر، وهو واجب عند الجمهور غير المالكية إلا على أهل مكة ، ثم يعود إلى أهله ، لفراغه من أعمال الحج . والمرأة والخنثى المشكل في جميع ماسبق كالرجل ، غير أنها لاتكشف رأسها ، وتكشف وجهها ، ولا ترفع صوتها بالتلبية ، ولا ترمُل في الطواف ، ولا تهرول بين (١) الرمل : أن يسرع الطائف مشيه مقارباً خطاه ، والاضطباع: جعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن ويكشفه إن تيسر، ويلقي طرفيه على عاتقه الأيسر، ولا يسن ذلك في ركعتي الطواف لكراهته في الصلاة ، ثم يعيده عند إرادة السعي . (٢) يقال له : الأبطح وخيف بني كنانة . - ٢١٩ - الميلين الأخضرين ، ولاتحلق رأسها ، ولكن تقصّر ، وتلبس المخيط والخفين . وإذا كانت حائضاً أو نفساء فعلت كل أفعال الحج غير الطواف بالبيت ، فإنها تنتظر حتى تطهر . وإن حاضت المرأة عند الإحرام اغتسلت وأحرمت ، وإن حاضت بعد الوقوف بعرفة وطواف الزيارة ، انصرفت من مكة ، ولاشيء عليها لترك طواف الصدر . ثانياً - كيفية التمتع : التمتع لغة : الانتفاع ، وشرعاً عند الحنفية : الجمع بين إحرام العمرة وأفعالها ، أو أكثرها ، وإحرام الحج وأفعاله ، في أشهر الحج ، من غير إلمام صحيح بأهله . والمتمتع نوعان عند الحنفية : متمتع يسوق الهدي ، ومتمتع لا يسوق الهدي . وحكم الأول كالقارن إذا دخل مكة طاف وسعى ، ولا يتحلل بعد العمرة ، بل يظل محرماً ، حتى يحرم بالحج يوم التروية ، وينحر الهدي يوم النحر ، لقوله عَّ اتٍ في حديث جابر المتقدم: ((لو استقبلت من أمري مااستدبرت ، لما سقت الهدي ، ولجعلتها عمرة )) فهذا يفيد أن التحلل لا يتأتى إلا بإفراد العمرة ، وعدم سوق الهدي ، ولو كان التحلل يجوز مع سوق الهدي لاكتفى بقوله: (( لجعلتها عمرة)) وتحللت(١) . وإذا أراد المتمتع أن يسوق الهدي ، أحرم ، وساق هديه . وصفة التمتع : أن يبتدئ من الميقات ، فيحرم بعمرة ، ويدخل مكة ، فيطوف للعمرة ، ويسعى ، ويحلق أو يقصر ، ويتحلل من عمرته بمافعل . ويقطع التلبية إذا ابتدأ بالطواف ، ويقيم بمكة حلالاً . (١) فتح القدير: ٢ / ٢١٤ . - ٢٢٠ -