النص المفهرس
صفحات 181-200
مكة ونووا أن يقيموا بها أربعة أيام لزمهم الإتمام ، فإذا خرجوا يوم التروية إلى منى ، ونووا الذهاب إلى أوطانهم عند فراغ مناسكهم ، كان لهم القصر من حين خرجوا ؛ لأنهم أنشؤوا سفراً تقصر فيه الصلاة . ثم بعد الفراغ من الصلاة يذهبون إلى الموقف ، ويعجلون السير إليه ، وسنن الوقوف وآدابه : هي ما يأتي(١): اً - الاغتسال بنمرة . ٢ - ألا يدخل أحد عرفات إلا بعد الزوال والصلاتين. اً - أن يخطب الإمام خطبتين ويجمع الصلاتين ، كما بينا . ٤ - تعجيل الوقوف عقب الصلاتين . ٥ - الأفضل كون الوقوف عند الصخرات الكبار في أسفل جبل الرحمة. أً - ينبغي أن يبقى في الموقف حتى تغرب الشمس ، فيجمع في وقوفه بين الليل والنهار ، بل هو واجب عند الجمهور غير الشافعية . ٧ - الأفضل أن يقف راكباً، وهو أفضل من الماشي ، اقتداء برسول الله مّ التٍّ ، ولأنه أعون على الدعاء ، وهو المهم في هذا الموضع . ٨ - استقبال القبلة مع التطهر وستر العورة ونية الوقوف بعرفة(٢) ، فلو وقف محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو عليه نجاسة ، أو مكشوف العورة ، صح وقوفه ، وفاتته الفضيلة . (١) الإيضاح: ص ٥١ - ٥٤ . (٢) سبب التفرقة عند الحنفية والحنابلة بين الطواف والوقوف باشتراط النية في الطواف دون الوقوف : أن النية عند الإحرام تضمنت جميع ما يفعل فيه ، والوقوف يفعل في حالة الإحرام ، وأما الطواف فيقع به التحلل ، فاشترط فيه عند الحنفية أصل النية دون تعيينها . - ١٨١ - ٩ - الأفضل للواقف ألا يستظل ، بل يبرز للشمس، إلا لعذر ، بأن يتضرر أو أن ينقص دعاؤه واجتهاده . ١٠ - أن يكون مفطراً؛ لأن الفطر أعون على الدعاء ، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله مراتٍ وقف مفطراً . راً - أن يكون حاضر القلب ، فارغاً من الشواغل عن الدعاء. ١٢ - الحذر من المخاصمة والمشاتمة والمنافرة والكلام القبيح، بل ينبغي أن يحترز عن الكلام المباح ما أمكنه ، فإنه تضييع الوقت المهم فيما لا يعني . ١٣ - الاستكثار من عمل الخير في يوم عرفة وسائر أيام ذي الحجة، لقوله مَ اتٍ: « ما العمل في أيام أفضل منه في هذه الأيام - يعني أيام العشر - قالوا: ولا الجهاد ؟ قال : ولا الجهاد ، إلا رجل خرج يخاطر بماله ونفسه ، فلم يرجع (١) بشيءٍ))(١) . ١٤ - الإكثار من الدعاء والتهليل وقراءة القرآن والاستغفار والتضرع والخشوع وإظهار الضعف والافتقار، والإلحاح في الدعاء ، وتكرار الدعاء ثلاثاً ، والتسبيح والتحميد والتكبير ، ويكثر البكاء مع ذلك ، فهنالك تسكب العبرات ، وتقال العثرات . وأفضل ذلك مارواه الترمذي وغيره عن رسول الله مؤلفم أنه قال: ((أفضل الدعاء يوم عرفة ، وأفضل ماقلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير)). (١) رواه البخاري عن ابن عباس . وأيام العشر: هي الأيام المعلومات . وأيام التشريق هي الأيام المعدودات وقال ابن جزي المالكي في قوانينه : ص ١٤٣: الأيام المعلومات : هي أيام النحر الثلاثة ، والأيام المعدودات : هي أيام منى ، وهي أيام التشريق : وهي الثلاثة بعد يوم النحر ، فيوم النحر معلوم غير معدود ، والثاني والثالث معلومان معدودان ، والرابع معدود غير معلوم . - ١٨٢ - وفي كتاب الترمذي عن علي رضي الله عنه قال: أكثر مادعا به النبي محمد الع يوم عرفة في الموقف : ((اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول ، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ، وإليك مآبي ، ولك ربي تراثي)) . اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر . اللهم إني أعوذ بك من شر ماتجيء به الريح . ومن الأدعية المختارة: (( اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم . اللهم اغفر لي مغفرة من عندك تصلح بها شأني في الدارين ، وارحمني رحمة منك أسعد بها في الدارين ، وتب علي توبة نصوحاً لا أنكثها أبداً ، وألزمني سبيل الاستقامة لا أزيغ عنها أبداً ، اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة ، وأغنني بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، ونور قلبي وقبري ، وأعذني من الشر كله ، واجمع لي الخير كله ، استودعتك ديني وأمانتي وقلبي وبدني وخواتيم عملي ، وجميع ما أنعمت به علي وعلى جميع أحبائي والمسلمين أجمعين )). ويستحب أن يكثر من التلبية رافعاً بها صوته ، ومن الصلاة على رسول الله صَلى اللّه. عاوسلم. وينبغي أن يأتي بهذه الأنواع كلها ، فتارة يدعو ، وتارة يهلل ، وتارة يكبر، وتارة يلبي، وتارة يصلي على النبي ◌َّةٍ، وتارة يستغفر ويدعو منفرداً ، ومع جماعة . - ١٨٣ - وليدع لنفسه ووالديه وأقاربه وشيوخه وأصحابه وأحبابه وأصدقائه وسائر من أحسن إليه وسائر المسلمين . ويستحب الإكثار من الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات ، مع الاعتقاد بالقلب ، وأن يكثر من البكاء مع الذكر والدعاء ، فهناك تسكب العبرات وتستقال العثرات وترتجى الطلبات . وإنه لمجمع عظيم وموقف جسيم يجتمع فيه خيار عباد الله المخلصين وخواصه المقربين ، وهو أعظم مجامع الدنيا ، وثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله عَ لّ قال: ((مامن يوم أكثر من أن يعتق الله تعالى فيه عبداً من النار من يوم عرفة ، وإنه يباهي بهم الملائكة ، يقول: ما أراد هؤلاء)). المبحث السادس - واجبات الحج : واجبات الحج والعمرة التي يجزئ الدم بتركها مختلف فيها بين الفقهاء كما عرفنا : فواجبات الحج عند الحنفية خمسة : السعي ، والوقوف بالمزدلفة ولو بمقدار لحظة في النصف الثاني من الليل ، ورمي الجمار ، والحلق أو التقصير ، وطواف الوداع . وواجبات العمرة عندهم اثنان : السعي ، والحلق أو التقصير . وواجبات الحج عند المالكية خمسة : طواف القدوم على الأصح ، والوقوف بالمزدلفة ، ورمي الجمار ، والحلق أو التقصير على المشهور والمبيت بمنى ، وواجب العمرة هو الحلق أو التقصير . وواجبات الحج عند الشافعية خمسة : الإحرام من الميقات الزماني والمكاني ، ورمي الجمار، والمبيت في المزدلفة أي الوقوف فيها ، والمبيت بمنى على الراجح ، وطواف الوداع . وأعمال العمرة كلها أركان عندهم ، إلا الإحرام من الحل فإنه - ١٨٤ - واجب ، كما أن الحلق أو التقصير ركن في الحج والعمرة على المشهور . وواجبات الحج عند الحنابلة ستة : إحرام من الميقات ، ووقوف بعرفة نهاراً للغروب ، ومبيت بمزدلفة لبعد نصف الليل ، ومبيت بمنى ، ورمي الجمرات مرتباً ، وحلق أو تقصير ، وطواف وداع . وواجبات العمرة اثنان : حلق أو تقصير ، وإحرام من الحل . وقد بينا أحكام الإحرام من الميقات ، والسعي ، وأنواع الطواف ، وبقي علينا أن نبحث الواجبات الأخرى فيما يأتي : المطلب الأول - الوقوف بالمزدلفة : صفته الشرعية ، ركنه، مكانه ، زمانه، حكم فواته عن وقته، سننه(١) أولاً - صفة الوقوف بمزدلفة : الوقوف بالمزدلفة واجب باتفاق المذاهب لا ركن ، فمن تركه لزمه دم ، والمبيت بها واجب عند الحنابلة سنة عند الحنفية والمالكية ، وقدر الواجب عند الحنفية : ساعة ولو لطيفة ولو ماراً ، كما في عرفة ، وقدر السنة : امتداد الوقوف إلى الإسفار جداً . وعند الحنابلة : البقاء بها لما بعد منتصف الليل ، فإن دفع بعد نصف الليل فلا شيء عليه ، وعند الشافعية : الحصول بها لحظة فيما بعد منتصف الليل . وعند المالكية : بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين ، وتناول شيء من أكل (١) البدائع: ٢ / ١٣٥ وما بعدها، ١٥٥ وما بعدها، الدر المختار: ٢ / ٢٤١ - ٢٤٥، فتح القدير: ٢ / ١٦٩ - ١٧٣، اللباب: ١ / ١٨٦ وما بعدها، الشرح الصغير: ٢ / ٥٧ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ١٣٣، الإيضاح: ص ٥٥ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١ / ٤٩٩ وما بعدها، غاية المنتهى: ١ / ٤٠٩ ومابعدها، المغني: ٢ / ٤١٧ - ٤٢٦ ، ٤٥٠ - ٤٥٦ . - ١٨٥ - أو شرب فيها . ورأي الجمهور غير الحنابلة أيسر المذاهب الذي يسع الناس الآن لكثرة الحجيج وصعوبة المبيت . وأما إتيان المشعر الحرم : وهو جبل قُزَح في المزدلفة فهو مستحب عند الحنفية ، سنة على المعتمد عند المالكية ، سنة عند الشافعية والحنابلة . ودليل وجوب المبيت بالمزدلفة : قوله تعالى: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات ، فاذكروا الله عند المشعر الحرام) وقول النبي صَ لّ: ((من شهد صلاتنا هذه - أي صلاة الفجر - وقف معنا حتى ندفع ، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً ، فقد تم حجه ، وقضى تفثه )» . وللمزدلفة أسماء : مزدلفة وجمع والمشعر الحرام ، وحد المزدلفة : من مأزمي عرفة إلى قرن محسِّر ، وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب ، ففي أي موضع منها وقف أجزأه، لقول النبي عَ ◌ّ: (المزدلفة موقف)) (١). ثانياً - ركن الوقوف بالمزدلفة : قال الحنفية: ركنه: كينونته بمزدلفة، سواء أكان بفعل نفسه أم فعل غيره ، بأن يكون محمولاً بأمره ، أو بغير أمره وهو نائم أو مغمى عليه ، أو مجنون أو سكران ، نواه أو لم ينو ، علم بها أو لم يعلم ، ولو ماراً كالوقوف بعرفة . وقال المالكية : يجب النزول بالمزدلفة بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين ، وتناول شيء من أكل أو شرب فيها ، فإذا لم ينزل فدم ، والوقوف بالمشعر الحرام سنة على المعتمد . وقال الشافعية : الواجب الذي يكفي في المبيت بالمزدلفة الحصول بها (١) رواه أبو داود وابن ماجه . - ١٨٦ - لحظة ، كالوقوف بعرفة ، فيكفي المرور بها ، وإن لم يمكث ، ووقته بعد نصف الليل . ويسن تقديم النساء والضعَفَة بعد نصف الليل إلى منى ، وشعارهم : التلبية والتكبير تأسياً به مطلق (١) ، ويبقى غيرهم حتى يصلوا الصبح مغلّسين. وقال الحنابلة : المبيت بمزدلفة واجب ، من تركه فعليه دم ، ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل منتصف الليل ، فإن دفع بعده فلاشيء عليه، لقوله مت لقٍ: ((خذوا عني مناسككم)) وإنما أبيح الدفع بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة فيه، قال ابن عباس: ((كنت فيمن قدم النبي عَ لَّ فِي ضَعَفة أهله من مزدلفة إلى منى )) وكذلك رخص لأسماء(٢). ولا تشترط الطهارة عن الجنابة والحيض ، لأنه عبادة لا تتعلق بالبيت ، فتصح من غير طهارة كالوقوف بعرفة ورمي الجمار . ثالثاً - مكان الوقوف بالمزدلفة : ـلامـ المزدلفة ( وهي مابين منى وعرفة ) كلها موقف إلا بطن مُحَسِّر ( وهو واد بين منى ومزدلفة ) ، فيصح الوقوف في أي جزء من أجزاء مزدلفة ، وينزل في أي موضع شاء منها إلا وادي محسر، لقوله ◌َّ اّل: («عرفات كلها موقف ، إلا بطن عُرَنة ، ومزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر))(٢) . ويكره النزول في المحسر عند الحنفية ، لكن لو وقف به أجزأ مع الكراهة . (١) رواه الشيخان ( نصب الراية: ٣ / ٧٢ ). (٢) متفق عليه . (٣) رواه خمسة من الصحابة : جابر عند ابن ماجه ، وجبير بن مطعم عند أحمد ، وابن عباس عند الطبراني والحاكم ، وابن عمر عند ابن عدي ، وأبو هريرة عند ابن عدي ، وهو ضعيف إلا حديث ابن عباس قال عنه الحاكم : صحيح على شرط مسلم، ويراجع ، ولفظه ((عرفه كلها موقف ، وارفعوا عن بطن عرنة ، والمزدلفة كلها موقف ، وارفعوا عن بطن محسر)» (نصب الراية: ٣ / ٦٠ ومابعدها ). - ١٨٧ - والأفضل أن يكون وقوفه خلف الإمام على الجبل الذي يقف عليه الإمام وهو جبل قُزَح ( المشعر الحرام وهو آخر المزدلفة )؛ لأنه روي أنه مُطَّةٍ وقف عليه، وقال: (( خذوا عني مناسككم))(١) . رابعاً - زمان الوقوف بالمزدلفة : للفقهاء رأيان : ١ - رأي الحنفية: أن زمان الوقوف هو مابين طلوع الفجر من يوم النحر وطلوع الشمس ؛ لأن النبي ◌ُّ في حديث جابر وابن عمر دفع قبل طلوع الشمس ، فمن وقف بها قبل طلوع الفجر ، أو بعد طلوع الشمس لا يعتد به . وقدر الواجب منه ساعة ولو لطيفة ، وقدر السنة : امتداد الوقوف إلى الإسفار جداً ، والسنة أن يبيت ليلة النحر بمزدلفة، والبيتوتة ليست بواجبة ، إنما الواجب هو الوقوف ، والأفضل أن يكون وقوفه بعد الصلاة ، فيصلي صلاة الفجر بغلس ، ثم يقف عند المشعر الحرام ، فيدعو الله تعالى ، ويسأله حوائجه إلى أن يسفر ، ثم يفيض منها قبل طلوع الشمس إلى منى ، ولو أفاض بعد طلوع الفجر قبل صلاة الفجر ، فقد أساء ولاشيء عليه لتركه السنة . ٢ - ورأي الجمهور : أن زمان الوقوف هو الليل ، وتفصيل ذلك ما يأتي : قال المالكية : زمان الوقوف في أي جزء من أجزاء الليل بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين وتناول شيء من الأكل أو الشرب . والسنة : المبيت بالمزدلفة ليلة النحر ، فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس ، ثم نهضوا إلى المشعر الحرام ( وهو آخر المزدلفة وجبل صغير فيها ) وذلك سنة على المعتمد ، فيقفون للتضرع (١) رواه جابر في حديثه الطويل المتقدم . - ١٨٨ - والدعاء إلى الإسفار ، ثم يدفعون منها قبل طلوع الشمس إلى منى ، ويسرعون في وادي محسر . وقال الشافعية : وقت الوقوف بالمزدلفة بعد نصف الليل ، فمن لم يكن فيها في النصف الثاني ، أراق دماً . وقال الحنابلة : المبيت بالمزدلفة حتى يطلع الفجر واجب ، من تركه فعليه دم ، فإذا صلى الصبح في أول وقته وقف عند المشعر الحرام ، فيرقى عليه إن أمكنه ، وإلا وقف عنده فذكر الله تعالى ودعا واجتهد ، لقوله تعالى: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات ، فاذكروا الله عند المشعر الحرام) وفي حديث جابر: (( أن النبي ◌ُ ◌ّ أتى المشعر الحرام، فرقى عليه، فدعا الله، وهلله وكبره، ووحده)). ومن بات بالمزدلفة لم يجزله الدفع قبل نصف الليل ، فإن دفع بعده فلاشيء عليه . خامساً - حكم فوات الوقوف بالمزدلفة عن وقته : قال الحنفية: إن فات الوقوف فإن كان لعذر، فلاشيء عليه، لأنه مظلة قدم ضعفة أهله ، ولم يأمرهم بالكفارة ، وإن كان فواته لغير عذر ، فعليه دم ؛ لأنه ترك الواجب من غير عذر ، وإنه يوجب الكفارة . وقال الجمهور : ترك الوقوف بالمزدلفة يوجب الدم . سادساً - سنن الوقوف بالمزدلفة : يستحب في المزدلفة ما يأتي : اً - الاغتسال فيها بالليل للوقوف بالمشعر الحرام وللعيد ، ولما فيها من الاجتماع ، فمن لم يجد ماء تيم ، كما ذكر النووي في الإيضاح . - ١٨٩ - ٢ - الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير، بإقامة لكل صلاة ، كجمع التقديم في نمرة ، ويجمع منفرداً أو مع الإمام . ٣ - إحياء هذه الليلة بالعبادة من الصلاة والتلاوة والذكر والدعاء والتضرع . ٤ - التأهب بعد نصف الليل وأخذ حصى الجمار من المزدلفة ، لجمرة العقبة يوم النحر وهي سبع حصيات ، ولأيام التشريق الثلاثة ثلاثاً وستين حصاة ، فصار المجموع سبعين حصاة ، بقدر حصى الخزف وهي دون أغلة ، نحو حبة الباقلا ، ويكره أن يكون أكبر من ذلك ، ويكره كسر الحجارة له إلا لعذر بل يلتقطها صغاراً ، وقد ورد نهي عن كسرها ههنا ، لأنه يفضي إلى الأذى . ومن أي موضع أخذ جاز، لكن يكره من المسجد ومن المواضع النجسة ومن الجمرات التي رمي بها، لقول ابن عباس: (( ما تقبل منها رفع ، ومالم يتقبل ترك ، ولولا ذلك لسد مابين الجبلين » . ولا يكره غسل حصى الجمار ، واستحب النووي وبعض الحنابلة أن يغسلها ، لأنه روي عن ابن عمر أنه غسله ، وقال في غاية المنتهى للحنابلة : لا يسن غسل غير نجس . ه ـ الوقوف بالمشعر الحرام ، والصعود عليه إن أمكنه ، وإلا وقف عنده أو تحته . ٦ - صلاة الصبح في أول وقتها، والمبالغة في التبكير بها في هذا اليوم آكد من باقي الأيام ، اقتداء برسول الله متر ، وليتسع الوقت لوظائف أخرى ، فإنها كثيرة في هذا اليوم ، فليس في أيام الحج أكثر عملاً منه . لاً - الوقوف عند المشعر الحرام بعد صلاة الفجر مستقبل الكعبة ، فيدعو - ١٩٠ - ويحمد الله تعالى ويكبره ويهلله ويوحده ويكثر من التلبية ، ويستحب أن يقول في دعائه : ((اللهم كما أوقفتنا فيه ، وأريتنا إياه ، فوفقنا لذكرك كما هديتنا ، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك ، وقولك الحق : فإذا أفضتم من عرفات ، فاذكروا الله عند المشعر الحرام ، واذكروه كما هداكم ، وإن كنتم من قبله لمن الضالين . ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، واستغفروا الله ، إن الله غفور رحيم )) ، ويقول أيضاً: ((الله أكبر - ثلاثاً - لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد )). ويقف حتى يسفر جداً، لما في حديث جابر المتقدم: ((أن النبي محمد له لم يزل واقفاً حتى أسفر جداً)) ثم يدفع قبل طلوع الشمس اتباعاً لفعل النبي مد لّه ، وشعاره التلبية والذكر ، للآية السابقة: ﴿فإذا أفضتم من عرفات ... ﴾ ولأن النبي ◌ُّ الٍ لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة(١). ٨ - تقديم الضَّعَفة من النساء وغيرهن قبل طلوع الفجر إلى منى ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس ، ويكون تقديمهم بعد نصف الليل . وهذه هي السنة عند الشافعية . أما غيرهم فيمكثون حتى يصلوا الصبح بمزدلفة ، كما سبق ، فإذا صلوها ، دفعوا متوجهين إلى منى . ٩ - الإسراع في وادي مُحَسِّر (وهو واد فاصل بين مزدلفة ومنى )(٣) إن كان ماشياً ، وتحريك دابته من كان راكباً ، بقدر رمية حجر ، حتى يقطعوا عرض الوادي ، للاتباع في الراكب ، كما روى مسلم ، ويقاس الماشي عليه ، ولنزول العذاب فيه على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت . (١) متفق عليه عن الفضل بن عباس . (٢) ويسمى وادي النار أيضاً ، وهو خمسمائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعاً. - ١٩١ - وفيما عدا ذلك المستحب الإتيان إلى المزدلفة والدفع منها بالسكينة والوقار لما في حديث جابر السابق: « أيها الناس السكينة السكينة)) (١). المطلب الثاني - رمي الجمار في منى وحكم المبيت فيها : أما الرمي فنبحث معناه ، ووجوبه والإنابة فيه ، ووقته ، ومكانه ، وشروطه ، أو عدد الجمار وقدرها وجنسها ومأخذها ، ومقدار ما يرمى كل يوم عند كل موضع ، وكيفية الرمي ومايسن في ذلك ومايكره ، وحكمه إذا تأخر عن وقته(٢). ثم نبحث حكم المبيت بمنى . أولاً - معنى رمي الجمار وحكمته وحد منى : رمي الجمار في اللغة : هو القذف بالأحجار الصغار وهي الحصى ، إذ الجمار جمع جمرة ، والجمرة : هي الحجر الصغير وهي الحصاة ، وفي الشرع: هو القذف بالحصى في زمان مخصوص ومكان مخصوص وعدد مخصوص كما سنبين . فلو وضع الحصى وضعاً لم يجزئ ، لعدم الرمي وهو القذف . وإن طرحها طرحاً أجزأه ، لوجود الرمي ، إلا أنه رمي خفيف ، يقصد به رجم إبليس . وحكمته : أنه عمل رمزي يمثل مقاومة الشيطان الذي يريد إيقاع الناس بالمعاصي ، بالفعل المادي ، ليس في وقته فحسب وإنما في كل وقت ؛ لأن المحسوس يدل على المعقول ، وهو أيضاً اقتداء بفعل سيدنا إبراهيم عليه السلام وزوجته هاجر وابنه اسماعيل حينما أوحي إلى إبراهيم بذبح ولده ، فكان كل منهم يرمي إبليس بحصيات لإنهاء وساوسه بألا يفعل الذبح ، ولتحقيق امتثال أمر الله ، دون تردد أو تثبيط عنه . (١) وروى البخاري عن ابن عباس: ((أيها الناس، عليكم السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع)). (٢) البدائع: ٢ / ١٣٦ - ١٣٩، ١٥٦ - ١٥٩، الدر المختار: ٢ / ٢٤٥ - ٢٤٩، القوانين الفقهية: ص ١٣٤، اللباب: ١ / ١٨٨ - ١٩٠، الشرح الصغير: ٢ / ٥٨ وما بعدها ٦٣ - ٦٩، مغني المحتاج: ١ / ٥٠١، ٥٠٤، ٥٠٦ - ٥٠٩، الإيضاح: ص ٥٨ - ٦٠، المغني: ٣ / ٤٢٤ - ٤٣٠، غاية المنتهى: ١ / ٤١٠ - ٤١١، ٤١٤. - ١٩٢ - وحد منى: مابين وادي مُحَسِّر وجمرة العقبة ، ومنى : شِعْب طوله نحو ميلين ، وغرضه يسير ، أما الجبال المحيطة به فما أقبل منها عليه فهو من منى ، وما أدبر منها فليس من منى . والجمرات ثلاث : الأولى ( أو الصغرى ) ، والوسطى ، وجمرة العقبة ( أو الكبرى أو الأخيرة ) ، والأولى تلي مسجد الخيف، ومسجد الخيف أو مسجد إبراهيم عليه السلام على أقل من ميل عن مكة . وجمرة العقبة : في آخر منى من جهة مكة ، وليست العقبة التي تنسب إليها هذه الجمرة من منى ، وهي الجمرة التي بايع رسول الله ماتز الأنصار عندها قبل الهجرة وهي صخرة عظيمة في أول منى بالنسبة للآتي من مكة ، وهي كلها تقع في وسط الشارع . وتبعد الأخيرة عن الوسطى نحو ١٥٥ متراً ، ويبدأ الحاج بالأولى ، ويختم بالثالثة . ثانياً - وجوب الرمي والإنابة فيه : رمي الجمار ( جمرة العقبة يوم النحر، والجمار الثلاث أيام التشريق ) واجب اتفاقاً، اتباعاً لفعل النبي مع المه، قال جابر: ((رأيت النبي ◌َ ◌ّ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ، ويقول : لتأخذوا عني مناسككم ، فإني لا أدري لعلي لا أُحُجّ بعد حجتي هذه ))(١) . وتجوز الإنابة في الرمي لمن عجز عن الرمي بنفسه لمرض أو حبس ، أو كبر سن أو حمل المرأة ، فيصح للمريض بعلة لا يرجى زوالها قبل انتهاء وقت الرمي ، وللمحبوس وكبير السن والحامل أن يوكل عنه من يرمي عنه الجمرات كلها ، ويجوز التوكل عن عدة أشخاص ، على أن يرمي الوكيل عن نفسه أولاً كل جمرة من الجمرات الثلاث ، ويستحب أن يناول النائب الحصى إن قدر ، ويكبر (١) رواه أحمد ومسلم والنسائي (نيل الأوطار: ٦٥/٥ ) - ١٩٣ - ۔۔ الفقه الإسلامي جـ ٣ (١٣) ٠٫٠٠ هو، فيقول: ((الله أكبر - ثلاثاً - لا إله إلا الله ، والله أكبر، الله أكبر ، ولله الحمد )) كما نقل عن الشافعي رحمه الله . ولكن يجب عند المالكية على الموكل دم ، وفائدة الاستنابة : سقوط الإثم عن الموكل ، ويبقى ملزماً بإراقة دم . ثالثاً - وقت الرمي : أ - رمي جمرة العقبة ( أو الكبرى ) : يدخل وقته عند الشافعية والحنابلة من نصف ليلة النحر ، والأفضل أن يكون بعد طلوع الشمس ؛ لأن النبي ◌ُّ أمر أم سلمة ليلة النحر ، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت(١) . ورميها هو تحية منى فلا يبتدأ فيها بغيره . ووقته عند المالكية والحنفية: بعد طلوع الشمس يوم العيد، لقوله ما اللّه: ((لا ترموا حتى تطلع الشمس))(٢) ويقطع المفرد بالحج والقارن التلبية عند الجمهور عند ابتداء رمي هذه الجمرة عند أول حصاة ، لما رواه الجماعة عن الفضل بن عباس قال: ((كنت رديف النبي ◌َّ من جَمْع إلى منى، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة)) (٣) والمعتمر يقطع التلبية عند بدء الطواف . وقال المالكية : تقطع التلبية إذا زالت الشمس من يوم عرفة إذا راح إلى الموقف. ويستمر وقت رمي هذه الجمرة إلى آخر النهار، لما روى البخاري: ((أن رجلاً قال للنبي ◌َّةٍ: ((إني رميت بعدما أمسيت، فقال: لا حرج)) والمساء: بعد الزوال . (١) رواه أبو داود (٢) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن الأربعة) عن ابن عباس، وصححه الترمذي ولفظه: ((قدَّم ضعَفَة أهله ، وقال: لا ترموا حتى تطلع الشمس)) ( نيل الأوطار : ٦٧/٥ ) (٣) نيل الأوطار : ٣٢٢/٤ - ١٩٤ - ب - ورمي الجمرات الثلاث أيام التشريق : بعد زوال الشمس في كل يوم أي بعد الظهر بالاتفاق، لقول ابن عباس: ((رمى رسول الله مُ اللّ الجمار حين زالت الشمس)) (١) فلا يجوز الرمي قبل الزوال ، ويستمر الوقت للغروب. وإن أخر الرمي إلى الليل كان قضاء عند المالكية ، لخروج وقت الأداء وهو النهار الذي يجب فيه الرمي ، وعليه دم بالتأخير ، والواجب دم واحد في تأخير حصاة فأكثر . وقال الحنفية : إن أخر الرمي إلى الليل ، ورمى قبل طلوع الفجر ، جاز ، ولا شيء عليه ؛ لأن الليل وقت الرمي في أيام الرمي . ويجوز عند أبي حنيفة الرمي في اليوم الثالث من أيام التشريق ، وهو اليوم الرابع من أيام الرمي ، قبل الزوال، لقول ابن عباس: ((إذا افتتح النهار من آخر أيام التشريق جاز الرمي )) . وقال الحنابلة : لا يجزئ رمي إلا نهاراً بعد الزوال ، غير سقاة ورعاة فیرمون ليلاً ونهاراً . وقال الشافعية : وقت الرمي : من الزوال إلى الغروب ، فلو ترك رمي يوم تداركه في باقي الأيام ، وعلى هذا يبقى وقت الرمي في أيام التشريق إلى الغروب من كل يوم ، ولكن لو أخر رمي يوم ومنه رمي جمرة العقبة إلى ما بعده من أيام الرمي يقع أداء ، فلا يخرج وقت الرمي بالغروب على المعتمد . ولرعاء الإبل وأهل السقاية(٢) تأخير الرمي عن وقت الاختيار يوماً فقط ، ويؤدونه في تاليه قبل رميه ، لا رمي يومين متواليين . (١) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي ( نيل الأوطار: ٧٩/٥ ) (٢) وأهل السقاية : موضع بالمسجد الحرام يسقى فيه الماء ، ويجعل في حياض يسبل للشاربين ، فيسقط عنهم المبيت ، لأنه ◌َ تّ رخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى ، لأجل السقاية ، رواه الشيخان . - ١٩٥ - وإذا رمى في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال ، فأراد أن ينفر من منى إلى مكة ، وهو المراد من النفر الأول ، فله ذلك ، لقوله تعالى : ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ أي بترك الرمي في اليوم الثالث ، والأفضل ألا يتعجل ، بل يتأخر إلى آخر أيام التشريق ، وهو اليوم الثالث منها ، فيستوفي الرمي في الأيام كلها ، ثم ينفر، وهو معنى النفر الثاني في قوله تعالى: ﴿ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ . قال ابن عباس في هذه الآية : فمن تعجل في یومین غفر له ، ومن تأخر غفر له . وكذا قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿ فلا إثم عليه) : رجع مغفوراً له ، وذلك مشروط بالتقوى ، لقوله تعالى: ﴿ لمن اتقى ﴾ . رابعاً - مكان الرمي : الرمي في يوم النحر : عند جمرة العقبة، وفي الأيام الأخر عند ثلاثة مواضع : عند الجمرة الأولى ، والوسطى ، والعقبة ، بشرط وقوع ذلك كله مكان وقوع الجمرة ، لا مكان الرمي ، فلو رمى الجمرة من مكان بعيد ، فوقعت الحصاة عند الجمرة ، أجزأه ، وإن لم تقع عنده ، لم تجزئه ، إلا إذا وقعت عند الحنفية بقرب منها ؛ لأن ما يقرب من ذلك المكان ، كان في حكمه ، لكونه تبعاً له . خامساً - شروط الرمي : يشترط لصحة الرمي مطلقاً ما يأتي : اً - أن يكون الرمي بيد ، ويكون المرمي عند الجمهور حجراً اتباعاً للسنة، فلا يكفي الرمي بقوس ، ولا الرمي بالرجل ولا بالمقلاع ، ولا بالطين ، ولا بغير الحصى كجوهر وذهب وزبرجد وفيروزج وياقوت ونحاس وغير ذلك من المعادن . وقال الحنفية : يجوز الرمي بكل ما كان من جنس الأرض كالحجر - ١٩٦ - والمدر والطين وكل ما يجوز التيم به ، ولو كفاً من تراب ، فيقوم مقام حصاة واحدة ، ولا يجوز بخشب وعنبر ولؤلؤ وجواهر ؛ لأنه إعزاز لا إهانة ، ولا بذهب وفضة ، لأنه يسمى نثاراً لا رمياً ، ولا ببعر ؛ لأنه ليس من جنس الأرض . ٢ - أن يكون الحصى كحصى الخذف(١): وهو أكبر من الحمص ودون البندق ، كالفولة أو النواة ، ولا يجزئ صغير جداً كالخمصة ويكره كبير ويجزئ . وهذا شرط عند المالكية ، سنة عند غيرهم، لأن النبي ظافةٍ أمر الصحابة أن يرموا بمثل حصى الخذف(٢) ٣ - أن يسمى الفعل رمياً: فلا يكفي الوضع في المرمى ؛ لأنه لا يسمى رمياً ، ولأنه خلاف الوارد ، ويشترط قصد الجمرة (٣) بالرمي ، فلو رمى إلى غيرها كأن رمى في الهواء ، فوقع في المرمى، لم يكف . ولو وقع الرمي على الحائط الذي بجمرة العقبة ، كما يفعله كثير من الناس فأصابه ، ثم وقع في المرمى لا يجزئ . كما لا يجزئ لو وقعت الحصاة دون الجمرة التي هي محل الرمي ، ولم تصل الحصاة إليها ، ولو وقعت الحصاة في شق من بناء الجمرة أجزأت على التحقيق . ٤ - أن يقع الحصى في المرمى ، فإن وقع دونه، لم يجزئه بالاتفاق؛ لأنه مأمور بالرمي ولم يرم ه ـ رمي السبع واحدة واحدة أي سبع رميات ، وترتيب الجمرات بأن يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد الخيف ، وهي أولاهن من جهة عرفات ، ثم الوسطى ، ثم جمرة العقبة ، اتباعاً للسنة ، كما روى البخاري . وهذا عند الجمهور ، فلو خالف (١) الخذف : هو رمي الحصى بالأصبعين . (٢) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن ) وصححه الترمذي عن جابر ( نيل الأوطار: ٦٤/٥). (٣) الجمرة : هي البناء أو السارية الآن وما حوله من موضع الحصى . - ١٩٧ - الترتيب بأن قدم العقبة أو الوسطى، لم يجزئ ؛ لأن النبي صَ لّ رتبها في الرمي ، وقال: (( خذوا عني مناسككم )) وليس عدد السبع شرطاً عند الحنابلة ، فإن نقص حصاة أو حصاتين فلابأس . وقال الحنفية : الترتيب بين الجمرات سنة . وإن شك في عدد الحصيات السبع ، بنى على الأقل ، وحقق المطلوب يقيناً ، وإن رمى دفعة واحدة لم يجزئ ، وحسب ذلك واحدة . أً - أن يكون الرمي من المحرم بنفسه، ويستنيب لعجزه كما بينا ، ويشترط في النائب أن يكون رمى عن نفسه أولاً ، فلو لم يرم وقع عن نفسه كأصل الحج ، ويندب أن يناول النائب الحصى ، ويكبر إن أمكن ، وإلا تناولها النائب وكبر بنفسه . ولا يشترط بقاء الحجر في المرمى ، ولا كون الرامي خارجاً عن الجمرة ، ولا الطهارة ، ولا طهارة الحصى ، فتجزئ حصاة نجسة مع الكراهة . مأخذها : وتؤخذ حصى الجمار من مزدلفة أو من الطريق من محسر وغيره أو من أي مكان غير نجس ، لما روي أن النبي ◌ُ ◌ّ أمر ابن عباس رضي الله عنهما أن يأخذ الحصى من مزدلفة(١) ، وعليه فعل المسلمين . وأخذ الحصى من مزدلفة : سنة فقط . ويكره عند الحنابلة أخذ الحصى من منى وسائر الحرم ، ومن المرحاض . وإن رمى بحصاة أخذها من الجمرة أجزأه مع الكراهة عند الحنفية ، لقوله (١) رواه ابن عدي وأحمد والحاكم والنسائي (نصب الراية: ٧٦/٣) وروى أحمد ومسلم عن الفضل بن عباس أن النبي ◌َّم قال: ((عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة )) ( نيل الأوطار : ٦٢/٥) - ١٩٨ - ◌َ افٍ في الصحيحين: ((ارم ولا حرج)) مطلقاً، والكراهة لأنها مردودة لما روي : ((من قبلت حجته رفعت جمرته )) . ولا يجزئه في رأي الفقهاء الآخرين ؛ لأنها حصى مستعملة ، ولأن ما تقبل رفع ، كما ورد وشوهد(١) ، ولولا ذلك لسد الحصى على توالي الأرمان المتطاولة ما بين الجبلين . مقدار ما يرمى كل يوم عند كل موضع : ترمى جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات ، وترمى كل جمرة من الجمرات الثلاث في أيام التشريق بسبع حصيات ، فيكون المرمي في كل يوم إحدى وعشرين حصاة . ففي حديث جابر عند مسلم أنه صل ◌ّ رمى جمرة العقبة بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة منها . وفي حديث ابن عمر عند البخاري أنه مع التّ رمى كل جمرة بسبع حصيات يكبر كلما رمى بحصاة . سادساً - كيفية الرمي وسننه : 8 ١ - يرفع الرجل أو الصبي يده بالرمي حتى يرى بياض إبطه ، بخلاف المرأة 5 والخنثى . ٢ - يكون الرمي باليد اليمنى . ٣ - يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ، فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ، ويستقبل العقبة ، ثم يرمي ، ولا يقف عندها ؛ لأنه لا رمي بعده ، والأصل أن كل رمي بعده رمي يقف عنده ، ويدعو ، وماليس بعده رمي (١) روى الدارقطني والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ، هذه الجمار التي نرمي بها كل عام ، فنحسب أنها تنقص ، فقال: إن ما يقبل منها رفع ، ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال )) وقال ابن عباس: (( أما علمت أن من يقبل حجه يرفع حصاه)) ( نصب الراية : ٧٨/٣ وما بعدها ) - ١٩٩ - لا يقف عنده، عملاً بفعل النبي عطفٍ(١) . ويستقبل القبلة في رمي الجمرات أيام التشريق ، ويرمي الجمرتين الأوليين من علوّ ، ويدنو من الجمرة في رمي أيام التشريق بحيث لا يبلغه حصى الرامين ، وفي حال الاستقبال تكون مكة جهة يساره ومنى جهة يمينه . والحاصل أنه يرمي الجمرتين الأوليين من فوقهما ، والعقبة من أسفلها ، ويدعو بعد الجمرة الأولى والثانية وينصرف بعد جمرة العقبة من غير دعاء . ٤ - يرمي عند الشافعية راجلاً ، لا راكباً إلا في يوم النفر، فالسنة أن يرمي راكباً لينفر عقبه ، وثبت في الصحيح عن رسول الله مؤهل أنه يرمي راكباً إن كان أتى منى راكباً . وقال الحنابلة : يرميها راكباً أو راجلاً كيفما شاء ؛ لأن النبي ◌ُّ رماها على راحلته(٢) . وقال الحنفية والمالكية : الأفضل الرمي ماشياً ، أو راكباً . ٥ - يكبر مع كل حصاة ، فيقول : ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بكرة وأصيلاً ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير . لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون . لا إله إلا الله وحده صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، لا إله إلا الله ، والله أكبر )» ودليل التكبير : ما ثبت في أحاديث جابر المتقدم وابن مسعود وابن عمر(٣). وإن قال: ((اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً (١) روى البخاري عن ابن عمر قال مبيناً فعل النبي ◌َ ◌ّر: ((ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة، فيرميها بسبع حصيات ، يكبر كلما رماها بحصاة ، ثم ينصرف، ولا يقف عندها)) ( نصب الراية : ٧٧/٣ ) (٢) رواه مسلم عن جابر في حديثه الطويل ، ورواه أحمد عن ابن عمر . (٣) نصب الراية : ٧٦/٣ وما بعدها . - ٢٠٠ -