النص المفهرس

صفحات 161-180

خلاصة آراء الفقهاء في شروط الطواف :
يمكن تلخيص ماسبق من بيان الآراء الفقهية في شروط الطواف على النحو
التالي :
١ - الطهارة عن الحدث والنجس ليست بشرط عند الحنفية، وإنما هي
واجب ، وشرط عند باقي المذاهب .
٢ - نية الطواف : أصل النية لا تعيينها شرط عند الحنفية ، وليست بشرط
عند المالكية ، والنية مع التعيين شرط عند الشافعية إن استقل الطواف عن نسك
يشمله ، والنية المعينة شرط عند الحنابلة .
٣ - المشي للقادر شرط عند الحنفية والحنابلة، واجب عند المالكية ، وليس
بشرط عند الشافعية ، وإنما هو سنة .
٤ - كون الطواف في المسجد شرط بالاتفاق .
٥ - الابتداء بالحجر الأسود : ليس بشرط وإنما هو واجب عند الحنفية ،
وعند المالكية ، وشرط عند الشافعية والحنابلة . وترك الواجب يوجب الدم فيما
لو ابتدأ من غير الحجر .
٦ - الترتيب أو جعل البيت عن يسار الطائف : واجب لدى الحنفية يلزم
دم بتركه ، وشرط عند باقي المذاهب ؛ لأن الطائف كالمؤتم بالكعبة ، والواحد
يقف عن يمين الإمام .
٧ - الموالاة : ليست شرطاً عند الحنفية والشافعية ، وشرط عند المالكية
والحنابلة .
٨ - كون الطواف سبعة أشواط : شرط عند الجمهور ( غير الحنفية ) واجب
- ١٦١ -
الفقه الإسلامي جـ٣ (١١)

لاشرط عند الحنفية ، وإنما الفرض أكثر الأشواط .
٩ - زمان طواف الإفاضة: بعد فجر يوم النحر في مذهبي الحنفية
والمالكية ، ويجوز بعد منتصف ليلة النحر في مذهبي الشافعية والحنابلة .
١٠ - صلاة ركعتي الطواف: واجب عند المالكية، وواجب في وقت مباح
فيه الصلاة لاكراهة فيه ، كل أسبوع ، عند الحنفية . وسنة عند الشافعية
والحنابلة .
حج المرأة الحائض :
إذا حاضت المرأة أو نفست عند الإحرام اغتسلت للإحرام وأحرمت وصنعت
كما يصنعه الحاج ، غير أنها لاتطوف بالبيت حتى تطهر ، وإذا حاضت المرأة أو
نفست فلاغسل عليها بعد الإحرام ، وإنما يلزمها أن تشد الحفاظ الذي تضعه كل
أنثى على محل الدم ، لمنع تسربه للخارج ، ثم تفعل سائر مناسك الحج إلا الطواف
بالبيت ؛ لأن رسول الله القر أمر عائشة رضي الله عنها أن تصنع ما يصنع الحاج
غير الطواف بالبيت(١) . وقال في حديث صحيح لأسماء بنت عميس: ((اصنعي
ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت )).
وعلى هذا فلا تلزم بطواف القدوم ولابقضائه ؛ لأنه سنة عند الجمهور ( غير
المالكية ) وإذا كانت متمتعة ثم حاضت قبل الطواف للعمرة ، لم يكن لها أن
تطوف بالبيت ؛ لأن الطواف بالبيت صلاة ، وهي ممنوعة من دخول المسجد ،
فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج مع عمرتها ، وتصير قارنة عند الجمهور ،
(١) متفق عليه عن جابر، وروى مسلم عن عائشة أن النبي ويتم أمرها بالإعراض عن أفعال العمرة ، وأن تحرم
بالحج ، فتصير قارنة وتقف بعرفات ، وتفعل المناسك كلها إلا الطواف ، فتؤخره حتى تطهر ( شرح مسلم: ٨ / ١٣٤ -
١٤٠، نيل الأوطار: ٤ / ٣١٨).
- ١٦٢ -

وقال أبو حنيفة : ترفض العمرة وتهل بالحج ، عملاً بحديث عائشة عند مسلم :
(( انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة )) ثم قال عليه السلام
لها بعد أن اعتمرت من التنعيم: ((وهذه عمرة مكان عمرتك )» فدل كل هذا على أنها
رفضت عمرتها وأحرمت بحج .
وحجة الجمهور حديث جابر أنه مُ التر أمر عائشة أن تهل بالحج ، فأصبحت
قارنة، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة ، وبالصفا والمروة. ثم قال لها: ((قد
حللت من حجتك وعمرتك)) والاعتمار من التنعيم لم يأمرها به النبي عَ لّه، وإنما
فعلت ذلك زيارة زارت بها البيت ، وإدخال الحج على العمرة جائز بالإجماع من
غير خشية الفوات ، فمع خشية الفوات أولى . ولا يصح الخروج من الحج أو العمرة
بعد الإحرام بنية الخروج ، وإنما يخرج منها بالتحلل بعد فراغها. ومعنى (( دعي
العمرة )) أي ارفضي العمل فيها ، وإتمام أفعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير
شعر الرأس ، فإنها تدخل في أفعال الحج .
وإذا حاضت المرأة بعد الوقوف بعرفة وطواف الزيارة ، انصرفت من
مكة ، ولاشيء عليها لطواف الصدر ، فليس على المرأة الحائض وداع ولافدية إذا
حاضت قبل أن تودع ، باتفاق فقهاء الأمصار ، بدليل حديث صفية المتقدم حين
قالوا: ((يارسول الله ، إنها حائض ! فقال : أحابستنا هي ؟ قالوا : يارسول
الله ، إنها قد أفاضت يوم النحر ، قال: فلتنفر إذاً)) ولم يأمرها بفدية ولا غيرها .
وفي حديث ابن عباس السابق: (( إلا أنه - أي طواف الوداع - خفف عن المرأة
الحائض )) والنفساء مثل الحائض في الحكم ؛ لأن أحكام النفاس أحكام الحيض فيما
يوجب ويسقط . وإذا اضطرت المرأة اضطراراً شديداً لمغادرة مكة قبل انتهاء
مدة الحيض أو النفاس ، ولم تكن قد طافت طواف الإفاضة ، فتغتسل وتشد
الحفاظ الموضوع في أسفل البطن شداً محكماً ، ثم تطوف بالبيت سبعاً طواف
- ١٦٣ -

الإفاضة ، ثم تسعى بين الصفا والمروة سبعاً ، وعليها ذبح بدنة ( وهي ما أتم خمس
سنين من الإبل أو أتم سنتين من البقر) وذلك تقليداً للحنفية الذين يقولون
بصحة الطواف حينئذ ، مع الحرمة ، ووجوب إهداء البدنة (١) .
ثالثاً - سنن الطواف :
بينا سنن الحج في كل مذهب على حدة ، ونلخص هنا منها سنن الطواف (٢):
٦ - استلام الحجر الأسود ( أي لمسه بيده اليمنى أو بكفيه ) أول طوافه
وفي بدء كل شوط وتقبيله بلاصوت ، ووضع جبهته عليه عند الشافعية بلا
إيذاء ، إذا لم تكن زحمة ، فإن لم يتمكن من الاستلام باليد استلم بعو. ونحوه مع
استقباله بجميع بدنه ، فإن عجز أشار بيده ، ثم وضع العود أو يده على فيه بعد
اللمس بأحدهما بلاصوت، فإذا أظهر الصوت جاز على الأرجح عند المالكية ،
وكره مالك السجود وتمريغ الوجه على الحجر ، ويسن عند الشافعية أن يكون
التقبيل ووضع الجبهة ثلاثاً .
ويكبر ويهلل ويحمد الله تعالى، ويصلي على النبي مَ ◌ّدٍ .
ودليل التقبيل فعل الرسول طائفي ، كما رواه الشيخان ، ودليل وضع جبهته
عليه اتباع السنة كما رواه البيهقي. ودليل الاستلام باليد دون إيذاء: (( أن النبي
عَّ قال: يا عمر، إنك رجل قوي ، لاتزاحم على الحجر ، فتؤذي الضعيف ، إن
(١) راجع الموضوع في شرح مسلم: ٨ / ١٣٩ وما بعدها، بداية المجتهد: ١ / ٣٣١، فتح القدير: ٢ / ٠٢:
٢٢٤، مغني المحتاج: ١ / ٥١٤، المغني: ٣ / ٤٦١، ٤٨١ وما بعدها.
(٢) الدر المختار: ٢ / ٢٢٧ - ٢٣٣، البدائع: ٢ / ١٣١، مراقي الفلاح: ص ١٢٤ ، القوانين الفنهبة: ص
١٣٢، الشرح الصغير: ٢ / ٤٨ - ٥٢، الإيضاح: ص ٣٤ - ٤٤، مغني المحتاج: ١ / ٤٨٧ - ٤٩٢ ، غابالمنفى: ١/
٤٠٢، المغني: ٣ / ٣٧٢ - ٣٧٦، ٣٧٩، ٣٨٣.
- ١٦٤ -

وجدت خلوة، وإلا فهلل وكبر(١))). ولأن ترك الإيذاء واجب، وتقبيل ما
استلمه به من يد أو نحو عصا، لخبر الصحيحين: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
استطعتم)) ولما روى مسلم بن نافع قال: ((رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ،
ويقول: ماتركته منذ رأيت رسول الله مالم يفعله)).
وتكرار الاستلام والتقبيل في كل طوفة من الطوفات السبع، لحديث ((أنه
الفرٍ كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل طوفة)) (٢).
ولو استقبل الحجر مطلقاً ، ونوى الطواف عند من اشترط النية وهم الحنفية
والحنابلة ، كفى في تحقيق المقصود الذي هو الابتداء من الحجر .
ولا يستلم بيده الركنين الشاميين ( وهما اللذان عندهما الحِجْر ) ولا يقبلها ،
ويستلم الركن اليماني ( وهو الذي يسبق ركن الحجر ) في آخر كل شوط ،
ولا يقبله ، لأنه لم ينقل ، لما في الصحيحين عن ابن عمر: ((أنه مَ اهل كان لا يستلم
إلا الحَجَر والركن اليماني)).
ويستحب للمرأة عند الحنابلة إذا قدمت مكة نهاراً تأخير الطواف إلى الليل
ليكون أستر لها ، ولا يستحب لها مزاحمة الرجال لاستلام الحجر ، لكن تشير
بيدها إليه کالذي لا يمكنه الوصول إليه .
٢ - الدعاء : وليس بمحدود ويدعو بما يشاء . وأفضله الدعاء المأثور ،
فيقول في أول كل طوفة: (( بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك ، وتصديقاً
بكتابك ووفاء بعهدك(٣)، واتباعاً لسنة نبيك محمد عالقتل )).
(١) رواه الشافعي وأحمد عن عمر رضي الله عنه .
(٢) رواه أبو داود والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما .
(٣) وهو الميثاق الذي أخذه الله تعالى علينا بامتثال أمره واجتناب نهيه .
- ١٦٥ -

وليقل قبالة باب الكعبة: ((اللهم إن البيت بيتك ، والحرمَ حرمك ،
والأمن أمنك ، وهذا مقام العائذ بك من النار(١))).
وليقل بين الركنين اليانيين: ((اللهم آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة
حسنة ، وقنا عذاب النار)) .
ومأثور الدعاء أفضل من قراءة القرآن ، للاتباع ، والقراءة أفضل من غير
مأثور الدعاء ؛ لأن الموضع موضع ذكر ، والقرآن أفضل الذكر ، وفي الحديث
القدسي يقول الرب سبحانه وتعالى: (( من شغله ذكري عن مسألتي ، أعطيته
أفضل ما أعطي السائلين ، وفضلُ كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله
تعالى على سائر خلقه» (٣))، لكن تكره القراءة عند المالكية .
ويسن الإسرار بالذكر والقراءة ؛ لأنه أجمع للخشوع .
ويراعي ذلك أيضاً في كل طوفة اغتناماً للثواب ، والدعاء في الأولى ثم في
الأوتار آكد ، كتقبيل الحجر واستلامه ، لحديث: ((إن الله وتر يحب الوتر)).
ويكره إنشاد الشعر، والتحدث في الطواف للحديث السابق: (( الطواف
بالبيت صلاة فأقلوا فيه الكلام )) وفي رواية ((فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير))
ولأن ذلك يشغله عن الدعاء .
٣ - الرَّمَل (٣) للرجال أو الصبيان دون النساء في الأشواط الثلاثة
(١) أي نفس الداعي : أي هذا الملتجئ المستعيذ بك من النار .
(٢) رواه الترمذي وحسنه .
(٣) الرمل أو الخبب : الإسراع في المشي دون الجري أو الإسراع في المشي مع مقاربة الخطو من غير عدو فيه
ولاوثب، وهذا الرمل مما زال سببه وبقي حكمه، فإن سببه رفع التهمة عن أصحاب رسول الله عائل حين قدموا مكة
بعمرة ، فكان كفار مكة يظنون فيهم الضعف بسبب حمى المدينة ، فكانوا يقولون : قد أوهنتهم حمى يثرب ، فأمروا
بالرمل في ابتداء الأشواط ، لمنع تهمة الضعف .
- ١٦٦ -

الأُول ، وهو عند الحنفية والشافعية سنة في كل طواف يعقبه سعي بأن يكون بعد
طواف قدوم أو ركن يعقبه سعي ، وهذا هو المشهور ، ولا يرمل إذا كان طاف
طواف القدوم أو اللقاء ، وسعى عقيبه . فإن كان لم يطف طواف القدوم أو كان
قد طاف لكنه لم يسع عقيبه ، فإنه يرمل في طواف الزيارة ، وطواف العمرة .
وقال المالكية : يسن الرمل لمحرم بحج أو عمرة في طواف القدوم وطواف
العمرة؛ لأن مارمل فيه النبي مَ ◌ّ كان للقدوم وسعى عقبه .
ومحل استنان الرمل إن أحرم بحج أو عمرة أو بها من الميقات بأن كان آفاقياً
أو كان من أهله ، وإلا فيندب . أي يندب لمحرم بحج أو عمرة من دون المواقيت
كالتنعيم والجعرانة ، وفي طواف الإفاضة لمن لم يطف طواف القدوم لعذر أو
نسيان ، وأحرم من الميقات . ولا يندب الرمل في طواف تطوع ووداع .
وكذلك قال الحنابلة مثل المالكية : لا يسن الرمل في غير طواف القدوم أو
طواف العمرة .
ويمشي في الأشواط الباقية من طوافه على هينته ، لما رواه الشيخان عن ابن
عمر قال: ((كان رسول الله ◌َ الّ إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبّ ثلاثاً،
ومشى أربعاً)) وروى مسلم عنه قال: ((رمل النبي صَ لّ من الحَجَر إلى الحَجَر
ومشى أربعاً )).
فإن طاف راكباً أو محمولاً ، حرك الدابة ، ورمل به الحامل ، ويكره ترك
الرمل بلا عذر ، ولو تركه في شيء من الثلاثة ، لم يقضه في الأربعة الباقية ؛ لأن
هيئتها السكون ، فلا يغير ، كما لو ترك الجهر في الركعتين الأوليين ، فلا يقضى
بعدهما لتفويت سنة الإسرار .
وليقل في أثناء الرمل: ((اللهم اجعله حجاً مبروراً ، وذنباً مغفوراً ، وسعياً
مشكوراً )»
- ١٦٧ -

٤ - الاضطباع عند الجمهور غير مالك : وهو جعل وسط الرداء تحت كتفه
اليمنى ، ورد طرفيه على كتفه اليسرى ، وإبقاء كتفه الينى مكشوفة . لما روى
يعلى بن أمية: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ طاف مضطبعاً))(١)، وروى ابن عباس: ((أن
النبي ◌ُ ◌ّ وأصحابه اعتمروا من الجعْرانة ، فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت
آباطهم ، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى))(٢) .
وهو سنة عند الحنفية والشافعية والحنابلة كالرمل في جميع كل طواف يرمل
فيه ، ولا يسن في طواف لارمل فيه ، وكذا يضطبع عند الشافعية على الصحيح في
السعي قياساً على الطواف بجامع قصد مسافة مأمور بتكريرها ، سواء اضطبع في
الطواف قبله أم لا . ولا يستحب في الأصح في ركعتي الطواف ، لكراهة
الاضطباع في الصلاة ، فيزيله عند إرادتها ، ويعيده عند إرادة السعي .
ولا يضطبع عند الحنفية والحنابلة في غير الطواف ، فإن فرغ من الطواف
سوى رداءه ؛ لأن الاضطباع غير مستحب في الصلاة ، ولا في السعي ، لأن النبي
◌َّةٍ لم يضطبع فيه ، والسنة في الاقتداء به .
ولا ترمُل المرأة ولا تضطبع ، أي لا يطلب منها ذلك ؛ لأن بالرمل تتبين
أعطافها ، وبالاضطباع ينكشف ماهو عورة منها .
وليس على أهل مكة رمل ، عملاً بقول ابن عباس وابن عمر .
٥ - الدنو أو القرب من البيت للذكور: لشرفه ولأنه المقصود ، ولأنه
أيسر في الاستلام والتقبيل . والأولى كما قال بعضهم أن يجعل بينه وبين البيت
(١) رواه أبو داود بإسناد صحيح وابن ماجه، والترمذي وصححه ( نيل الأوطار: ٥ / ٣٨).
(٢) رواه أحمد وأبو داود ، وقوله: تحت آباطهم : أن يجعله تحت عاتقه الأيمن ، وقذفوها أي طرحوا طرفيها ،
وعواتقهم جمع عاتق وهو المنكب ( نيل الأوطار: ٥ / ٣٨).
- ١٦٨ -

ثلاث خطوات ليأمن مرور بعض جسده على الشاذَرْوان. وإن تأذى غيره بنحو
زحمة، فالبعد أولى.
أما المرأة والخنثى فيكونان في حاشية المطاف ، فإن طافا خاليين فكالرجل
في استحباب القرب .
وهذا مستحب عند الشافعية والحنابلة ، لكن الرمل مع البعد أولى من
الدنو، فإن كان لا يتمكن من الرمل أيضاً أو يخاف صدم النساء أو الاختلاط
بهن ، فالدنو أولى .
ومن سنن الطواف المؤكدة أيضاً عند الشافعية والحنابلة : المشي لقادر عليه ،
وصلاة ركعتي الطواف بعده خلف مقام إبراهيم ، ثم في الحجر تحت الميزاب ، ثم في
المسجد الحرام ، ثم في الحرم حيث شاء من الأمكنة في أي زمان .
وهذان واجبان عند المالكية والحنفية . وإذا صلى المكتوبة بعد طوافه أجزأته
عن ركعتي الطواف عند الحنابلة ؛ لأنها ركعتان شرعتا للنسك ، فأجزأت عنهما
المكتوبة كركعتي الإحرام ، ولاتجزئ عنهما المكتوبة عند الحنفية والمالكية كركعتي
الفجر .
ومن سننه أيضاً الموالاة بين الأشواط عند الحنفية والشافعية ، وهي شرط
عند المالكية والحنابلة .
وتسن النية عند الشافعية في طواف النسك ، وتجب في طواف لم يشمله
نسك وفي طواف وداع .
المطلب الثالث - السعي :
السعي واجب عند الحنفية، ركن عند باقي الأئمة، لقوله عَ لَّةٍ: « اسعوا
٠
- ١٦٩ -

فإن الله كتب عليكم السعي)) و((كتب عليكم السعي فاسعوا))(١) وأما قوله
تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله ، فمن حج البيت أو اعتمر فلاجناح
عليه أن يطوف بها ﴾ فهو لرفع الإثم على من تطوف بها ، رداً على ما كان في
الجاهلية من التحرج من السعي بينهما ، لأنه كان عليهما صنمان .
ونبحث هنا واجباته ، وسننه وحكم تأخره عن وقته الأصلي(٢):
أولاً - واجبات السعي أو شروطه :
السعي بين الصفا والمروة شروط أو واجبات هي :
١ - أن يتقدمه طواف صحيح بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة ،
اتباعاً للسنة، وقد قال ◌َ تّ: ((خذوا عني مناسككم)) ولأن السعي تبع
للطواف . ومن سعى بعد طواف قدوم لم يعده ، والأفضل للقارن عند الحنفية
تقديم السعي .
وأجاز الحنفية أن يكون السعي بعد وجود أكثر الطواف قبل تمامه ؛ لأن
للأكثر حكم الكل .
ويصح كونه بعد طواف مطلقاً ولو مسنوناً عند الجمهور ، وأن يكون بعد
طواف ركن أو قدوم عند الشافعية .
٢ - الترتيب: بأن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة؛ لأنه ◌َ ◌ّ بدأ بالصفا،
وقال: ((ابدؤوا بما بدأ الله به))(٣) وهو قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من
(١) رواهما أحمد، الأول عن حبيبة بن أبي تجراة، والثاني عن صفية بنت شيبة (نيل الأوطار: ٥ / ٥٠).
(٢) البدائع: ٢ / ١٣٤ وما بعدها، الدر المختار: ٢ / ٢٣٤، الشرح الصغير: ٢ / ٥٠ وما بعدها، الشرح
الكبير: ٢ / ٤١، القوانين الفقهية: ص ١٣٢، مغني المحتاج: ١ / ٤٩٣ ومابعدها، الحضرمية: ص ١٢٨، الإيضاح:
ص ٤٤ - ٤٧ ، غاية المنتهى: ١ / ٤٠٤ - ٤٠٦، المغني: ٣ / ٣٨٥ - ٣٨٩.
. (٣) رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم، وهو في مسلم بلفظ ((أبدأ)) على الخبر لا الأمر، ورواه أصحاب
السنن الأربعة بلفظ ((نبدأ)).
- ١٧٠ -

شعائر الله ﴾ فإذا بدأ بالمروة إلى الصفا لا يعتد بذلك الشوط .
٣ - أن يكون سبعة أشواط : بأن يقف على الصفا أربع مرات ، وعلى
المروة أربعاً ويختم بها ، ويحسب الذهاب إلى المروة مرة ، والعود منها إلى الصفا
مرة أخرى . فإن شك في العدد بنى على الأقل . ودليل هذا المقدار: إجماع
الأمة، وفعل رسول الله عَليه(١).
٤ - استيعاب ما بين الصفا والمروة : يجب أن يقطع جميع المسافة بين
الصفا والمروة ، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه ، اقتداء بفعل النبي
صَلىالله.
عیوسے
٥ - الموالاة بين الأشواط : شرط عند المالكية والحنابلة، سنة عند
غيرهم ، كالطواف .
وأضاف الحنابلة شروطاً أخرى فتصبح شروط السعي عندهم تسعة وهي :
إسلام ، وعقل ، ونية معينة ، ومشي لقادر .
وأما الطهارة عن الجنابة والحيض : فليست بشرط للسعي كالوقوف بعرفة ،
فيجوز سعي الجنب والحائض بعد أن كان طوافه بالبيت في حال طهارة عن
الجنابة والحيض ؛ لأن هذا نسك غير متعلق بالبيت .
ثانياً - سنن السعي :
يسن للسعي بين الصفا والمروة ما يأتي :
١ - استلام الحجر الأسود وتقبيله بعد الانتهاء من الطواف وصلاة ركعتي
(١) رواه الشيخان .
- ١٧١ -

الطواف ، ثم الخروج من باب الصفا ( وهو الباب المقابل لما بين الركنين اليانيين )
للسعي بين الصفا والمروة ، اتباعاً للسنة كما رواه مسلم .
اً - اتصاله بالطواف: أي الموالاة بين الطواف والسعي، وكذا الموالاة في
مرات السعي . ويكره للساعي أن يقف أثناء سعيه لحديث أو غيره ، فإن طاف
بيوم وسعى في آخر ، جاز ، ولاتسن عقبه صلاة .
اً - الطهارة له من الحدث والخبث وستر العورة .
٤ - المشي للقادر لا الركوب .
٥ - الصعود للذكر دون غيره على الصفا والمروة بحيث يرى الكعبة من
الباب ، وذلك بقدر قامة عند الشافعية . ويسن الصعود للمرأة إن خلا الموضع من
الرجال ، وإلا وقفت أسفلهما ®
أَ - الدعاء بما شاء والأذكار، وتكرارها ثلاثاً بعد كل مرة عند الشافعية،
مستقبلاً البيت ، داعياً بصوت مرتفع ، رافعاً يديه نحو السماء(١) ، والدعاء بالمأثور
أفضل ، فيكبر ويهلل ويصلي على النبي عَ لّه ويقول:
((الله أكبر، الله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد ، الله أكبر على ماهدانا ، والحمد لله
على ما أولانا(٢) ، لاإله إلا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد ، يحيي
ويميت ، بيده(٢) الخير، وهو على كل شيء قدير. لاإله إلا الله وحده، أنجز
وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ، لاإله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه
مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)) اتباعاً للسنة كما رواه مسلم. ((اللهم اجعل
(١) ترفع الأيدي إلى الله تبارك وتعالى في سبعة مواطن : في الإحرام بالصلاة ، وأول ما ينظر إلى الكعبة ،
وعلى الصفا، وعلى المروة ، وبعرفات ، وبالمزدلفة ، وعند الجمرتين الأولى والوسطى .
(٢) من نعمه التي لاتحصى .
(٣) أي قدرته .
- ١٧٢ -

في قلبي نوراً وفي بصري نوراً ، اللهم اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، اللهم لك
الحمد كالذي نقول ، وخيراً مما نقول )).
ثم يدعو بما شاء من أمري الدين والدنيا ، ويستحب فيه قراءة القرآن .
٧ - الإسراع ( أو العَدْو) للذكور في وسط المسعى مابين الميلين الأخضرين
الملاصقين لجدار المسجد ، فوق الرمَل، ودون الجري(١) ، في ذهابه إلى الصفا،
وعودته من المروة ، اتباعاً للسنة كما رواه مسلم . وأما الأنثى والخنثى فتشي في
الكل .
ويقول الذكر في عدوه ، وكذا المرأة والخنثى في محله : ((رب اغفر وارحم ،
وتجاوز عما تعلم ، إنك أنت الأعز الأكرم)) وإن كان راكباً ، حرك المركوب من
غير أن يؤذي أحداً .
٨ - الأفضل - كما ذكر النووي - أن يتحرى زمن الخلوة لسعيه وطوافه ،
وإذا كثرت الزحمة ، فينبغي أن يتحفظ من إيذاء الناس ، وترك هيئة السعي
أهون من إيذاء المسلم أو من تعريض نفسه إلى الأذى . وإذا عجز عن السعي
الشديد في موضعه بين الميلين للزحمة ، تشبه في حركته بالساعي ، كما هو الشأن في
الرمل .
ثالثاً - حكم تأخير السعي عن وقته الأصلي :
إذا أخر السعي عن وقته الأصلي وهي أيام النحر ، بعد طواف الزيارة (٢):
أ - فإن كان لم يرجع إلى أهله ، فإنه يسعى، ولاشيء عليه؛ لأنه أتى بما
وجب عليه ، ولا يلزمه بالتأخير شيء ؛ لأنه فعله في وقته الأصلي : وهو مابعد
(١) وهذه هي الهرولة .
(٢) البدائع : ٢ / ١٣٥.
- ١٧٣ -

طواف الزيارة . ولا يضره عند الحنفية إن كان قد جامع لوقوع التحلل بطواف
الزيارة ، إذ السعي ليس بركن عندهم حتى يمنع التحلل .
ب - وإن كان رجع إلى أهله ، فعليه عند الحنفية دم ، لتركه السعي بغير
عذر، والسعي عندهم واجب لاركن ، وإن أراد أن يعود إلى مكة ، يعود بإحرام
جديد ؛ لأن إحرامه الأول قد ارتفع بطواف الزيارة لوقوع التحلل به ، فيحتاج
إلى تجديد الإحرام ، وإذا عاد وسعى ، سقط عنه الدم ؛ لأنه تدارك الترك .
والسعي - كما بينا - ركن عند الجمهور لا يتم الحج إلا به ، ولا يجبر تركه بدم .
المطلب الرابع - الوقوف بعرفة :
حكمه ، مكانه ، زمانه ، مقداره ، سننه ، حكمه إذا فات عن وقته(١).
أولاً - حكم الوقوف بعرفة :
أجمع العلماء على أنه الركن الأصلي من أركان الحج، لقوله مؤلّ: ((الحج
عرفة))(٢) أي الحج: الوقوف بعرفة ، وأجمعت الأمة على كون الوقوف ركناً في
الحج ، لا يتم إلا به .
فمن فاته فعليه حج من عام قابل ، والهدي في قول أكثرهم .
ثانياً - مكان الوقوف :
عرفة كلها موقف، لقول النبي معَ ◌ّةٍ: ((قد وقفت ههنا ، وعرفة كلها
(١) البدائع: ٢ / ١٢٥ - ١٢٧، الدر المختار: ٢ / ٢٣٧ وما بعدها، اللباب: ١ / ١٩١ وما بعدها، الشرح
الصغير: ٢ / ٥٣ - ٥٧، القوانين الفقهية: ص ١٣٣، بداية المجتهد: ١ / ٣٣٥ - ٣٣٧، مغني المحتاج: ١ / ٤٩٦ ،
٥١٣ ، الإيضاح: ص ٤٧، المغني: ٣ / ٤٠٧ - ٤١٦، غاية المنتهى: ١ / ٤٠٨ .
(٢) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والنسائي .
- ١٧٤ -

موقف))(١) فمن وقف بعرفة في أي مكان ، والأفضل عند جبل الرحمة ، فقد تم
حجه مطلقاً من غير تعيين موضع دون موضع . إلا أنه ينبغي ألا يقف في بطن
عرنة؛ لأن النبي ◌ُّ نهى عن ذلك، وأخبر أنه وادي الشيطان، قال النبي :
((كل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عرنة))(٢) فليس وادي عُرَنة من الموقف ،
ولا يجزئ الوقوف قبل عرفة كنمرة مثلاً ، قال ابن عبد البر : أجمع العلماء على أن
من وقف به لايجزئه .
وحد عرفة : من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي
حوائط بني عامر . وهي الآن معروفة بحدود معينة ، وليس منها عرنة ولانَمِرة
ومسجد إبراهيم عليه السلام ، فإن آخره منها وصدره من عرنة .
والمستحب أن يقف عند الصخرات الكبار المفترشة في أسفل جبل الرحمة ،
ويستقبل القبلة ، لما جاء في حديث جابر المتقدم: ((أن النبي معَّ جعل بطن
ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل منها جبل المشاة بين يديه ، واستقبل
القبلة )) .
ثالثاً - زمان الوقوف :
عالـ
يقف الحاج بالاتفاق من حين زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني
من يوم النحر، لأن النبي ◌ُّ وقف بعرفة بعد الزوال وقال : خذوا عني
مناسككم . وقال الحنابلة : يبدأ وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى
طلوع فجر يوم النحر، لقوله مؤالقلم: (( من شهد صلاتنا هذه ، ووقف معنا حتى
ندفع ، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أونهاراً ، فقد تم حجه ، وقضى تفثه))(٣) .
(١) رواه أبو داود وابن ماجه .
(٢) رواه ابن ماجه .
(٣) رواه الخمسة عن عروة بن مضرس ، والمشهور أن التفث: ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر أو حلقه
وحلق العانة ونتف الإبط وغيره من خصال الفطرة .
- ١٧٥ -

فمن وقف بعرفة قبل الزوال وأفاض منها قبل الزوال لا يعتد بوقوفه
بالإجماع ، وفاته الحج إن لم يرجع فيقف بعد الزوال أو جزءاً من ليلة النحر قبل
طلوع الفجر .
ومن وقف بعرفات ولو مروراً أو نائماً أو مغمى عليه ، أو لم يعلم أنها عرفة ،
في هذا الوقت ، أجزأه ذلك عند الحنفية عن الوقوف . قال عبد الرحمن بن يَعمُر
الديلي: (( أتيت رسول الله عَّ بعرفة، فجاء نفر من أهل نجد ، فقالوا :
يا رسول الله ، كيف الحج ؟ قال : الحج عرفة. فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة
جَمْع ، فقد تم حجه ))(١) .
واشترط المالكية في المار شرطين وهما أن يعلم أنه عرفة ، وأن ينوي الحضور
الركن ، وأجازوا كون الواقف نائماً أو مغمى عليه كالحنفية .
واشترط الشافعية والحنابلة كون الواقف عاقلاً أهلاً للعبادة ، سواء فيه الصبي
والنائم وغيرهما ؛ لأن النائم في حكم المستيقظ . وأما المغمى عليه والسكران
فلا يصح وقوفها ؛ لأنها ليسا من أهل العبادة ، وكل منهما زائل العقل بغير نوم ،
﴿- كان من أهل العبادة وحصل في جزء يسير من أجزاء عرفات في لحظة لطيفة
من وقت الوقوف المذكور ( وهو مابين زوال شمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر من
يوم النحر عند الجمهور، ومن طلوع فجر يوم عرفة عند الحنابلة ) صح وقوفه ،
سواء حضر عمداً أو وقف مع الغفلة ، أو مع البيع والشراء ، أو التحدث واللهو ،
أو في حال النوم ، أو اجتاز بعرفات ماراً في وقت الوقوف ، وهو جاهل لا يعلم
أنها عرفات ، ولم يلبث أصلاً ، بل اجتاز مسرعاً في طرف من أرضها المحدودة ، أو
اجتازها في طلب غريم هارب أو بهيمة شاردة أو كان نائماً على بعيره ، فانتهى به
(١) رواه أبو داود وابن ماجه، وليلة جمع: هي ليلة المبيت بالمزدلفة (نيل الأوطار: ٥ / ٥٩).
- ١٧٦ -

البعير إلى عرفات ، فمر بها البعير ، أو غير ذلك مما هو في معناه ، يصح وقوفه في
جميع ذلك ، ولكن يفوته كمال الفضيلة .
ويجب عند الجمهور ( الحنفية والمالكية والحنابلة ) الوقوف إلى غروب
الشمس ، ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة، فإن النبي مَ التّ وقف بعرفة
حتى غابت الشمس، في حديث جابر السابق. وفي حديث علي وأسامة (( أن النبي
عَ لّ دفع حين غابت الشمس)) فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح تام عند أكثر أهل
العلم، وعليه دم.
وقال الشافعية : يسن الجمع بين الليل والنهار فقط ، اتباعاً للسنة ، فلا دم
على من دفع من عرفة قبل الغروب ، وإن لم يعد إليها بعده ، لما في الخبر
الصحيح: ((أن من أتى عرفة قبل الفجر ليلاً أونهاراً، فقد تم حجه))(١) ولو
لزمه دم لکان حجه ناقصاً ، نعم ؛ یسن له دم ، وهو دم ترتيب وتقدير ، خروجاً
من خلاف من أوجبه .
وقال المالكية : الركن الحضور بعرفة ليلة النحر ، على أي حالة كانت ،
ولو بالمرور بها ، إن علم أنه عرفة ، ونوى الحضور، وهذان شرطان في المار
فقط، أو كان مغمى عليه . فمن وقف بعرفة بعد الزوال ، ثم دفع منها قبل
غروب الشمس ، فعليه حج قابل ، إلا أن يرجع قبل الفجر . لكن إن دفع من
عرفة قبل الإمام وبعد غروب الشمس أجزأه . وبهذا يكون شرط صحة الوقوف
عندهم: هو أن يقف ليلاً، ودليلهم أنه مَ التّ وقف بعرفة حين غربت الشمس ،
وروى ابن عمر: أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((من أدرك عرفات بليل، فقد أدرك
(١) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن الأربعة) وصححه الترمذي عن عروة بن مُضَرِّس بن أوس. وهو حجة
في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف ( نيل الأوطار: ٥ / ٥٨) لكن أجمع العلماء على أن المراد بقوله عليه السلام في
هذا الحديث ((نهاراً)) أنه بعد الزوال. ويلاحظ أن الحنابلة أجازوا الوقوف من الفجر يوم عرفة، عملاً بظاهر هذا
الحديث .
- ١٧٧ _
الفقه الإسلامي جـ ٣ (١٢)

الحج ، ومن فاته عرفات بليل ، فقد فاته الحج ، فليحل بعمرة ، وعليه الحج من
قابل)) .
ونوقش الدليل الأول بأن فعله عليه السلام على جهة الأفضل ، إذ كان مخيراً
بين ذلك . وأن الحديث الثاني هو بيان آخر وقت الوقوف .
والحاصل أن الجمهور يقولون : يجزئ الوقوف ليلاً أو نهاراً بعد الزوال ،
وقال المالكية : الواجب الوقوف ليلاً ، فمن تركه فينجبر بالدم ، كما أن الحنفية
والحنابلة يوجبون الدم على من ترك الوقوف ليلاً ، والشافعية قالوا : يسن له
الدم فقط .
رابعاً - مقدار الوقوف :
اتفق العلماء على أنه يكفي الوقوف في جزء من أرض عرفة ، ولو في لحظة
لطيفة ، وأوجب المالكية الطمأنينة بعد الغروب في الوقوف أي الاستقرار بقدر
الجلسة بين السجدتين قائماً أو جالساً أو راكباً . فالقدر المفروض من الوقوف : هو
وجوده بعرفة ساعة من هذا الوقت، سواء أكان عالماً بها أم جاهلاً، نائماً أم يقظان،
مفيقاً، أم مغمى عليه أم سكران أم مجنوناً في رأي الحنفية والمالكية، وسواء وقف بها
أو مرَّ، وهو يمشي أو على الدابة، أو محمولاً؛ لأنه أتى بالقدر المفروض:
وهو وجوده كائناً بها، للحديث السابق: (( من وقف بعرفة، فقد تم حجه)).
والمشي والسير لا يخلو عن وقفة ، سواء نوى الوقوف أم لم ينو .
ولاخلاف في أنه لا يشترط للوقوف طهارة ولا ستارة ولا استقبال القبلة
ولانية ، فيصح كون الواقف محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو نفساء . قال ابن المنذر:
أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من وقف الوقوف بعرفة غير طاهر
مدرك للحج ، ولاشيء عليه .
- ١٧٨ -

بدليل قول النبي ◌ُ ◌ّ لعائشة: ((افعلي ما يفعله الحاج غير الطواف
بالبيت » ووقفت عائشة بعرفة حائضاً بأمر النبي ، لكن يستحب كما سنبين أن
يكون طاهراً .
خامساً - حكم الحاج إذا فاته الوقوف :
إذا فات الوقوف بعرفة ، فات الحج في تلك السنة ، ولا يمكن استدراكه
فيها ، لأن ركن الشيء ذاته ، وبقاء الشيء مع فوات ذاته محال .
وقد ذكر النووي في الإيضاح ( ص ٥٤ ) : إذا غلط الحجاج ، فوقفوا في غير
يوم عرفة نظر :
إن غلطوا بالتأخير ، فوقفوا في العاشر من ذي الحجة ، أجزأهم وتم حجهم ،
ولاشيء عليهم ، سواء بان الغلط بعد الوقوف أو في حال الوقوف .
ولو غلطوا فوقفوا في الحادي عشر ، أو غلطوا في التقديم ، فوقفوا في الثامن
من ذي الحجة ، أو غلطوا في المكان ، فوقفوا في غير أرض عرفات ، فلا يصح
حجهم بحال .
ولو وقع الغلط بالوقوف في العاشر لطائفة يسيرة ، لا للحجيج العام ، لم
يجزهم على الأصح .
ولو شهد واحد أو عدد برؤية هلال ذي الحجة ، فردت شهادتهم ، لزم
الشهود الوقوف في التاسع عندهم ، وإن كان الناس يقفون بعده .
سادساً - سنن الوقوف بعرفة وآدابه :
يسن الاتجاه أو الرواح إلى منى في يوم التروية - الثامن من ذي الحجة -
والمكث أو المبيت بها إلى فجر عرفة ، ثم الرواح إلى عرفات بعد طلوع الشمس ،
- ١٧٩ -

فيقيم الحجاج بنمرة قرب عرفات اتباعاً للسنة كما روى مسلم ، ولا يدخلون
عرفات ، وقال الحنابلة : إن شاؤوا أقاموا بعرفة حتى تزول الشمس ، ثم يخطب
الإمام قبل صلاة الظهر خطبتين كالجمعة ، يعلم الناس فيها مناسكهم من موضع
الوقوف ووقته والدفع من عرفات ، ومبيتهم بمزدلفة وأخذ الحصى لرمي الجمار،
لحديث جابر المتقدم أن النبي ◌َ ◌ّ فعل ذلك .
ثم يؤذن المؤذن ، ويصلي الإمام بالناس الظهر والعصر جمع تقديم مع قصرهما
اتباعاً للسنة كما روى مسلم ، بأذان وإقامتين وقراءة سرية ، دون أن يفصل بينهما
بشيء ، ولا يصلى عند الحنفية بعد أداء العصر في وقت الظهر .
وهذا الجمع نسك من أعمال الحج عند الحنفية ، فيشمل المقيم والمسافر ، لكن
لو كان مقيماً كإمام مكة صلى بهم صلاة المقيمين، ولا يجوز له القصر، ولا للحجاج
الاقتداء به .
ورأى المالكية أيضاً أنه يسن الجمع بين الظهرين جمع تقديم حتى لأهل
عرفة . ويسن قصرهما إلا لأهل عرفة بأذان ثان وإقامة للعصر من غير تنفل
بينهما ، ومن فاته الجمع مع الإمام جمع في رحله .
وأجاز الحنابلة أيضاً الجمع لكل من بعرفة من مكي وغيره ، أما قصر الصلاة
فلا يجوز لأهل مكة . والحاصل أن الجمهور يرون جواز هذا الجمع لكل حاج ، أما
القصر فلا يجوز لأهل عرفة وأهل مكة ، وأجاز المالكية القصر لأهل مكة .
ورأى الشافعية : أن هذا الجمع والقصر وفي المزدلفة أيضاً للسفر لاللنسك ،
فهما جائزان للمسافر فقط ، ويختصان بسفر القصر، فيأمر الإمام المكيين ومن لم
يبلغ سفره مسافة القصر ( ٨٩ كم) بالإتمام وعدم الجمع ، كأن يقول لهم بعد
السلام : ياأهل مكة ومن سفره قصير أتموا ، فإنا قوم سَفْر. وإذا دخل الحجاج
- ١٨٠ -