النص المفهرس

صفحات 141-160

ولا يجوز إدخال العمرة على الحج ، كما بينا في مذهب الحنفية ، لكنه عندهم
يصير قارناً ، وعند الجمهور: لا يصح الإدخال ولا يصير قارناً؛ لما رواه الأثرم أن
علياً منع من أراد ذلك ، ولأن إدخال العمرة على الحج لا يفيد إلا ما أفاده
الإحرام الأول كتكرر الاستئجار على عمل في المدة .
فسخ الحج إلى العمرة :
أي تحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة . اتفق العلماء على أن رسول
الله ◌ُخاتم أمر أصحابه عام حجه بفسخ الحج إلى العمرة وقال: ((أحلوا من
إحرامكم ، فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة ، وقصِّروا وأقيموا حلالاً .. إلى أن
قال: لولا أني سُقْت الهدي ، لفعلت مثل الذي أمرتكم به ، ولكن لا يَحِلّ مني
حرام حتى يبلغ الهدي مَحِلَّه))(١) والرواية المشهورة: (( لو استقبلت من أمري ما
استدبرت لما سقت الهدي ، ولجعلتها عمرة )) فإنه عليه السلام أمر من لم يسق
الهدي من أصحابه أن يفسخ إهلاله بالحج إلى العمرة . ثم اختلف العلماء في هذا
الفسخ ، هل هو خاص للصحابة في تلك السنة خاصة ، أم باق لهم ولغيرهم إلى
يوم القيامة (٣) ؟.
فقال الحنابلة والظاهرية : ليس خاصاً ، بل هو باق إلى يوم القيامة ،
فيجوز لكل من أحرم بحج ، وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ، ويتحلل
بأفعالها .
وقال الجمهور منهم ( المالكية والحنفية والشافعية ) : هو مختص بهم في تلك
السنة ، لا يجوز بعدها ، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية
من تحريم العمرة في أشهر الحج، بدليل حديث أبي ذر عند مسلم: ((كانت المتعة
(١) هذا لفظ رواية مسلم عن موسى بن نافع ( شرح مسلم: ٨ / ١٦٦ ).
(٢) شرح مسلم: ٨ / ١٦٧، بداية المجتهد: ١ / ٣٢٢، المغني: ٣ / ٢٨٧.
- ١٤١ -

في الحج لأصحاب محمد عَ لّه)) يعني فسخ الحج إلى العمرة .
وفي كتاب النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال : قلت : يارسول
الله ، فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة ؟ فقال : بل لنا خاصة .
وقال عمر: متعتان كانتا على عهد رسول الله مَّ التّ أنا أنهى عنهما ، وأعاقب
عليهما : متعة النساء ( زواج المتعة ) ، ومتعة الحج .
وقال عثمان أيضاً : متعة الحج كانت لنا ، وليست لكم .
وقال أبو ذر: ما كان لأحد بعدنا أن يحرم بالحج ، ثم يفسخه في عمرة .
ويؤكد ذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ .
المطلب الثاني - الطواف
أنواعه وحكم كل نوع ، وشروطه ( ومنها مكانه ، وزمانه ، ومقداره )
وسننه .
أولاً - أنواع الطواف وحكم كل نوع(1):
الأطوفة المشروعة في الحج ثلاثة : طواف القدوم ، وطواف الإفاضة ( أو
الزيارة ، أو طواف الركن ) ، وطواف الوداع ( أو طواف الصَّدَر) وهو طواف
آخر عهد بالبيت ، سمي بذلك لأنه يودّع البيت ويصدُرُ به . ومازاد على هذه
الأطوفة فهو نفل . أما السعي فواحد ، ولا يكون السعي إلا بعد طواف ، فإن
(١) البدائع: ٢ / ١٢٧ وما بعدها، ١٤٢ وما بعدها، اللباب: ١ / ١٨٤، ١٨٩، ١٩١، شرح المجموع: ٨ / ١٢
وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ١٣٢، الشرح الكبير: ٢ / ٣٣ وما بعدها، الشرح الصغير: ٢ / ٤٢، ٦٠، ٧٠،
مغني المحتاج: ١ / ٤٨٤، ٥٠٣، ٥٠٩ ومابعدها، المغني: ٣ / ٣٧٠، ٤٤٠، ٤٤٢، ٤٤٤، ٤٥٨ - ٤٦٥، حاشية
الباجوري : ١ / ٣٣٤، كتاب الإيضاح للنووي: ص ٧٦ - ٧٧، غاية المنتهى: ١ / ٣٩٥، ٤١٣، ٤١٦ وما بعدها ،
بداية المجتهد : ١ / ٣٣٢ .
- ١٤٢ _

سعى مع طواف القدوم لم يسع بعده ، وإن لم يسع معه ، سعى مع طواف
الزيارة .
هذا .. وقد أجمعوا على أن المكي ليس عليه إلا طواف الإفاضة . كما أجمعوا
على أنه ليس على المعتمر إلا طواف العمرة ، فليس عليه طواف قدوم . وأجمعوا
على أن المتمتع عليه طوافان : طواف للعمرة لحله منها ، وطواف للحج ، يوم
النحر .
أما المفرد للحج فليس عليه إلا طواف واحد يوم النحر ، ويجب عليه عند
المالكية القدوم أيضاً إن اتسع الوقت له ، ويسن ذلك عند الجمهور .
وأما القارن فيجزئه عند الجمهور طواف واحد وسعي واحد ، عملاً بمذهب
ابن عمر وجابر ، وقال الحنفية : على القارن طوافان وسعيان عملاً بمذهب علي
وابن مسعود .
وأجمعوا على أن الواجب من هذه الأطوفة الثلاثة الذي يفوت الحج بفواته :
هو طواف الإفاضة ، لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق) وأنه لا يجزئ
عنه دم .
وأجمعوا ماعدا طائفة من المالكية على أنه لا يجزئ طواف القدوم عن طواف
الإفاضة إذا نسي طواف الإفاضة ، لكونه قبل يوم النحر .
ورأى جمهور العلماء أن طواف الوداع يجزئ عن طواف الإفاضة إن لم يكن
طاف طواف الإفاضة ؛ لأنه طواف بالبيت معمول في وقت الوجوب الذي هو
طواف الإفاضة ، بخلاف طواف القدوم الذي هو قبل وقت طواف الإفاضة .
والحاصل أن العمرة ليس فيها طواف قدوم ، وإنما فيها طواف واحد ، يقال
له طواف الفرض وطواف الركن ، وإذا طاف للعمرة أجزأه عن طواف القدوم
وطواف الفرض .
- ١٤٣ -
:

والقارن والمفرد بالحج يطوف ثلاثة أطوفة : طواف القدوم ، وطواف
الإفاضة ، وطواف الوداع . وهناك طواف رابع متطوع به غير ماذكر ، ولا يكفي
القارن عند الحنفية طواف واحد ، بل عليه طوافان للعمرة والحج وطواف
القدوم للمفرد والقارن إذا كانا قد أحرما من غير مكة ودخلاها قبل الوقوف
بعرفة .
أما طواف القدوم : فهو سنة عند جمهور الفقهاء لحاج دخل مكة قبل
الوقوف بعرفة ، سواء أكان مفرداً أم قارناً ، وليس على أهل مكة طواف
القدوم ، لانعدام القدوم في حقهم ، وأما غير أهل مكة فسنة لهم بدليل الثابت في
خبر الصحيحين ، ولا يسن للحاج بعد الوقوف بعرفة ، ولاللمعتمر ؛ لأنه دخل
وقت طوافهما المفروض .
وعليه فيسقط طواف القدوم عن ثلاثة : المكي ومن في حکمه وهو من كان
منزله دون المواقيت ، والمعتمر والمتمتع ولو آفاقياً ، ومن قصد عرفة رأساً للوقوف .
وقال المالكية : يجب على من أحرم من الحِلّ ولو كان مكياً ، وتجب الفدية على
من قصد عرفة وترك طواف القدوم وكان الوقت متسعاً ، وقال الحنابلة :
يطوف المتتع للقدوم قبل طواف الإفاضة ، ثم يطوف طواف الإفاضة .
ويسن أيضاً عند الشافعية طواف القدوم للحلال ( غير المحرم ) الداخل إلى
مكة ؛ لأنه يسمى طواف القادم والورود والوارد والتحية .
والحكمة منه : أن الطواف تحية البيت ، لا المسجد ، فيبدأ به لابصلاة تحية
المسجد ؛ لأن القصد من إتيان المسجد البيت ، وتحيته الطواف .
ولا يبدأ بالطواف إذا خاف فوات الصلاة المفروضة ، أو السنة المؤكدة ، أو
وجد جماعة قائمة ، أو تذكر فائتة مكتوبة ، فإنه يقدم ذلك على الطواف .
- ١٤٤ -

ولو أقيمت الصلاة وهو في أثناء الطواف قطعه وصلى ، وكذا لو حضرت
جنازة قطعه إن كان نفلاً .
ويستحب للمحرم أول دخوله مكة ألا يعرج على استئجار منزل أو غيره قبل
أن يطوف طواف القدوم .
لكن لو قدمت امرأة نهاراً وهي ذات جمال أو شرف ، وهي التي لاتبرز
للرجال ، سنَّ لها أن تؤخره إلى الليل .
ولو دخل المسجد الحرام وقد منع الناس من الطواف ، صلى تحية المسجد .
ولا يفوت طواف القدوم بالجلوس في المسجد ، كما تفوت به تحية المسجد ،
لكنه يفوت بالوقوف بعرفة ، لا بالخروج من مكة .
ويطوف القارن عند الحنفية طواف القدوم بعد إنهاء أعمال العمرة ، أي بعد
طواف العمرة والسعي بين الصفا والمروة .
وقال المالكية : يجب طواف القدوم لمن دخل المسجد الحرام ، وينوي
وجوبه ليقع واجباً ، فإن نوى بطوافه نفلاً ، أعاده بنية الوجوب ، وأعاد السعي
الذي سعاه بعد النفل ليقع بعد واجب ، وذلك مالم يخف فوتاً لحجه إن اشتغل
بالإعادة ، فإن خاف الفوات ترك الإعادة لطوافه وسعيه ، وأعاد السعي بعد
الإفاضة ، وعليه دم لفوات طواف القدوم إن كان الوقت متسعاً ، فإن خشي
فوات الوقوف لو اشتغل بطواف القدوم سقط عنه ولافدية عليه .
والحاصل : أن طواف القدوم واجب عند المالكية بشروط ثلاثة : إن أحرم
المفرد أو القارن من الحل ولو كان مقيماً بمكة ؛ ولم يزاحمه الوقت بحيث يخشى
فوات الحج إن اشتغل بالقدوم ، فإن خشيه خرج لعرفة وتركه ؛ ولم يُردف الحج
- ١٤٥ -
الفقه الإسلامي جـ٣ (١٠)

على العمرة في حرم . فإن اختل شرط من الثلاثة لم يجب عليه طواف القدوم
ولادم عليه . ووجوب الدم على من ترك طواف القدوم بشرطين : أولهما - أن
يقدم السعي بعد ذلك الطواف على الإفاضة . وثانيهما - ألا يعيد سعيه بعد
الإفاضة حتى رجع لبلده . فإن أعاده بعد الإفاضة ، فلادم عليه .
وأما طواف الإفاضة أو الزيارة (١) : فهو ركن باتفاق الفقهاء ، لا يتم
الحج إلا به ، لقوله عز وجل : ﴿وليطَّوفوا بالبيت العتيق ) قال ابن عبد البر:
هو من فرائض الحج، لاخلاف في ذلك بين العلماء. وقالت عائشة: ((حججنا
مع النبي ◌ُ الله، فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي عَّ منها
ما يريد الرجل من أهله ، فقلت : يارسول الله ، إنها حائض ، قال : أحابستنا
هي ؟ قالوا: يارسول الله ، إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: اخرجوا))(٢) فدل
على أن هذا الطواف لابد منه ، وأنه حابس لمن لم يأت به ، ولأن الحج أحد
النسكين ، فكان الطواف ركناً كالعمرة .
فمن ترك طواف الزيارة ، رجع من بلده متى أمكنه محرماً ، لا يجزئه غير
ذلك، لقصة صفية المتقدمة، فإنه ◌ُ الله قال بعد أن حاضت: ((أحابستنا هي؟
قيل: إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: فلتنفر إذاً)). فهذا يدل على أن هذا
الطواف لابد منه ، وأنه حابس لمن لم يأت به ، فإن نوى التحلل ورفض
إحرامه ، لم يحل بذلك ؛ لأن الإحرام لا يخرج منه بنية الخروج . وعلى هذا فإذا
فات طواف الإفاضة عن أيام النحر لا يسقط ، بل يجب أن يأتي به ؛ لأن سائر
الأوقات وقته .
(١) سمي طواف الإفاضة ؛ لأنه يؤتى به عند الإفاضة من منى إلى مكة، وسمي طواف الزيارة لأن الحاج يأتي
من منى فيزور البيت ولا يقيم بمكة ، وإنما يبيت بمنى .
(٢) متفق عليه ( نيل الأوطار: ٥ / ٨٨).
- ١٤٦ _

:
وأما طواف الوداع(١) لمن أراد الخروج من مكة : فهو مندوب عند
المالكية ؛ لكل من خرج من مكة ولو كان مكياً ؛ لأنه لا يجب على الحائض
والنفساء ، ولو كان واجباً لوجب عليهما كطواف الزيارة .
وواجب عند باقي المذاهب يجبر تركه بدم ، لما قال ابن عباس: (( أمر الناس
أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض)) (٢) وفي لفظ لمسلم ((كان
الناس ينصرفون من كل وجه ، فقال رسول الله ماتٍ : لا ينفرن أحد ، حتى
يكون آخر عهده بالبيت ))، وأخرج الترمذي عن عمر: (( من حج البيت فليكن
آخر عهده بالبيت ، إلا الحيَّض، ورخص لهن رسول الله ێٍ ))(٣)، وليس في
سقوطه عن المعذور ما يجوز سقوطه لغيره ، كالصلاة تسقط عن الحائض ، وتجب
على غيرها ، بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها .
جزاء ترك الوداع : وإذا ثبت وجوبه ، فإنه ليس بركن بغير خلاف ،
ويجبر تركه بدم كسائر الواجبات ، فلو خرج الحاج من مكة أو منى بلاوداع
عامداً أو ناسياً أو جاهلاً بوجوبه ، وعاد بعد خروجه قبل مسافة القصر من
مكة ، وطاف للوداع ، سقط وجوبه عند الشافعية والحنابلة ؛ لأن من دون
مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يقصر ولا يفطر ، وهو معدود من حاضري
المسجد الحرام ، وروي أن عمر ((رد رجلاً من مَرّ الظهران إلى مكة ليكون آخر
(١) سمي بذلك لأنه لتوديع البيت، وسمي بطواف الصدر لأنه عند صدور الناس من مكة ورجوعهم إلى
وطنهم .
(٢) متفق عليه .
(٣) قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وكذلك رواه النسائي والحاكم، والشافعي وزاد فيه: ((فإن آخر
النسك: الطواف بالبيت)) ( نصب الراية: ٣ / ٨٩ ).
- ١٤٧ -

عهده بالبيت ))(١) وعليه أن يرجع إن كان قريباً من مكة ، والقريب : هو الذي
بينه وبين مكة دون مسافة القصر ، وإن كان بعيداً بعث بدم ، والبعيد : من بلغ
مسافة القصر .
شرائطه : لطواف الوداع شرائط وجوب ، وصحة أو جواز .
فمن أهم شرائط الوجوب اثنان :
١ - أن يكون من أهل الآفاق: فليس عند الحنفية على أهل مكة ومن في
حكمهم وهو من كان منزله داخل المواقيت طواف وداع إذا حجوا ؛ لأن هذا
الطواف إنما وجب توديعاً للبيت . وقال الحنابلة : من كان منزله في الحرم فهو
كالمكي لاوداع عليه ، ومن كان منزله خارج الحرم قريباً منه فلا يخرج حتى
يودع، لعموم الحديث السابق: ((لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده
بالبيت))(٢) وقال الشافعية: يجب الوداع لكل من أراد الخروج من مكة لسفر ولو
مكياً سواء أكان السفر طويلاً أم قصيراً ، لحديث ابن عباس المتقدم: ((لا ينفرن
أحد .. )). ولحديث أنس: ((أنه مُ ع لما فرغ من أعمال الحج طاف للوداع))
وهذا العموم للمكي مندوب عند المالكية كما عرفنا .
٢ - الطهارة من الحيض والنفاس : فلا يجب على الحائض والنفساء ، ولا يجب
عليهما الدم بتركه ، للحديث السابق: ((رخص للحيَّض )) ترك هذا الطواف ، لا
إلى بدل ، فدل على أنه واجب عليهن ، إذ لو كان واجباً لما جاز تركه لا إلى
بدل ، وهو الدم ، فإذا حاضت المرأة قبل أن تودع ، خرجت ولاوداع عليها
(١) رواه سعيد بن منصور في سننه .
(٢) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه، وفي رواية متفق عليها: ((أُمر الناس أن يكون آخر عهده
بالبيت ، إلا أنه خُفّف عن المرأة الحائض))، وروى أحمد عن ابن عباس أن النبي ◌ُّم رخص للحائض أن تصدر قبل
أن تطوف بالبيت إذا كانت قد طافت في الإفاضة .
- ١٤٨ -

ولافدية بالاتفاق، لحديث عائشة المتقدم: أن صفية حاضت، فأمرها النبي صَ لّ
أن تنصرف بلاوداع .
ولم يشترط لوجوب هذا الطواف الطهارة عن الحدث والجنابة ، وإنما يجب
على المحدث والجنب ؛ لأنه يمكنهما إزالة الحدث والجنابة .
وشرط صحة طواف الوداع :
اً - النية؛ لأنه عبادة ، فلابد له من النية . لكن تعيين النية ليس بشرط
عند الحنفية ، فلو طاف بعد طواف الزيارة ، دون أن يعين شيئاً ، أو نوى
تطوعاً ، كان طواف صدر ؛ لأن الوقت تعين له ، فينصرف مطلق النية إليه
كصوم رمضان .
٣ - أن يكون بعد طواف الزيارة : فلو طاف بعد النفر من عرفات لا ينوي
شيئاً ، أو نوى تطوعاً أو نوى طواف الصدر، وقع عن الزيارة لا عن الصدر ؛
لأن الوقت له ، وطواف الصدر مرتب عليه .
ويتأدى طواف الوداع عند المالكية بطواف الإفاضة وطواف العمرة ،
وحصل له ثوابه إن نواه بها كتحية المسجد تؤدى بالفرض .
قدره وكيفيته وسننه : كسائر الأطوفة التي سنذكرها .
وقته : بعد فراغ المرء من جميع أمور الحج ، وحين إرادته السفر من مكة ،
ليكون آخر عهده بالبيت .
وهذا عند الحنفية بيان الوقت المستحب أو الأفضل ، فلو أطال الإقامة بمكة
ولم يستوطنها صح طوافه وإن أقام سنة بعد الطواف ، ويجوز طواف الوداع عند
الحنفية في أيام النحر وبعدها ، ويكون أداء لا قضاء .
- ١٤٩ -

وقال الجمهور ( غير الحنفية ) : يكون طواف الوداع عند خروج الحاج
ليكون آخر عهده بالبيت ، فإن طاف للوداع ، ثم اشتغل بتجارة أو إقامة ،
فعليه إعادته ، للحديث المتقدم: (( لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده
بالبيت )) ، ولأنه إذا قام بعده ، خرج عن أن يكون وداعاً في العادة ، فلم يجزه ،
كما لو طافه قبل حل النفر .
فأما إن قضى حاجة في طريقه ، أو اشترى زاداً أو شيئاً لنفسه في طريقه ، لم
يعده ؛ لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت .
مكانه: حول البيت، لا يجوز إلا به، لقوله مع المه: ((من حج هذا
البيت ، فليكن آخر عهده به الطواف » والطواف بالبيت : هو الطواف حوله ،
فإن نفر ولم يطف ، يجب عليه أن يرجع ويطوف مالم يجاوز الميقات عند
الحنفية ، ومن دون مسافة القصر عند الشافعية والحنابلة ؛ لأنه ترك طوافاً
واجباً ، وأمكنه أن يأتي به من غير حاجة إلى تجديد الإحرام . وإن جاوز
الميقات عند الحنفية أو مسافة القصر عند الشافعية والحنابلة ، لايجب عليه
الرجوع ، والأولى ألا يرجع ، ويريق دماً مكان الطواف ؛ لأن هذا أنفع للفقراء
وأيسر عليه ، لما فيه من دفع مشقة السفر، وضرر التزام الإحرام بعمرة ، لأنه إذا
رجع أحرم بعمرة ، فطاف طواف العمرة ، وسعى ، ثم يطوف طواف الوداع ،
ولاشيء عليه عند الحنفية ، والحنابلة في الأصح ، لتأخيره عن مكانه .
ولا يسقط عنه الدم على الصحيح عند الشافعية والقاضي أبي يعلى الحنبلي .
إن عاد بعد مسافة القصر ؛ لأنه قد استقر عليه الدم بالسفر الطويل ، أي بلوغه
مسافة القصر .
- ١٥٠ -

صلاة ركعتين ، والوقوف في الملتزم والحطيم والدعاء وشرب ماء
زمزم وتقبيل الحجر بعد طواف الوداع :
إذا فرغ المودع من طوافه سبعاً ومن جميع أموره ، صلى ركعتين كما فعل
النبي ◌ُ ◌ّ ، ويستحب أن يقف المودع في الملتزم (وهو مابين الركن - الحجر
الأسود - والباب قدر أربعة أذرع ) فيلتزمه ملصقاً به صدره ووجهه ويبسط يديه
عليه ، ويجعل يمينه نحو الباب ويساره نحو الحجر ، ويدعو الله عز وجل ، كما
فعل النبي ◌َّةٍ(١).
ويأتي الحطيم أيضاً : وهو تحت الميزاب ، ثم يشرب من زمزم ، ويستلم
الحجر ويقبله .
قال منصور : سألت مجاهداً إذا أردتُ الوداع كيف أصنع ؟ قال : تطوف
بالبيت سبعاً ، وتصلي ركعتين خلف المقام ، ثم تأتي زمزم ، فتشرب من مائها ،
ثم تأتي الملتزم مابين الحجَر والباب ، فتستلمه ، ثم تدعو ، ثم تسأل حاجتك ، ثم
تستلم الحجر ، وتنصرف .
وقال الفقهاء(١٢): يقول في دعائه عند الملتزم: ((اللهم هذا بيتُك وأنا عبدك
وابن عبدُك ، حملْتني على ماسخّرت لي من خلْقِك ، وسيرتني في بلادك ، حتى
بلغتني بنعمتك إلى بيتك ، وأعنْتَني على أداء نُسُكي ، فإن كنت رضيتَ عني ،
فازده عني رضا ، وإلا فُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري ، فهذا أوان
انصرافي ، إن أذنت لي ، غير مستَبدِل بك ولا بَيْتك ، ولا راغبٍ عنك ولا عن
بيتك ، اللهم فأصْحِبني العافيةَ في بدني ، والصحة في جسمي ، والعصمة في ديني ،
(١) رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن صفوان ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .
(٢) هو من كلام الإمام الشافعي ، أخرجه البيهقي .
- ١٥١ -

وأحسن منقلبي ، وارزقني طاعتك أبداً ما أبقيتني ، واجمع لي بين خيري الدنيا
والآخرة ، إنك على كل شيء قدير )).
أما المرأة إذا كانت حائضاً ، فلا تدخل المسجد ، ووقفت على بابه ، فدعت
بذلك .
كيفية الرجوع : المذهب الصحيح عند الشافعية وباقي المذاهب : أن
المودع يخرج ويولي ظهره إلى الكعبة ، ولا يمشي قهقری ، کما يفعله کثیر من
الناس ، قالوا : بل المشي قهقرى مكروه ، فإنه ليس فيه سنة مروية ولا أثر
محكي ، ومالا أصل له لا يعرج عليه . قال مجاهد : إذا كدت تخرج من باب
المسجد ، فالتفت ، ثم انظر إلى الكعبة ، ثم قل : اللهم لاتجعله آخر العهد .
وكان النبي ◌ُ ◌ّ إذا انصرف من حج أو عمرة أو غزو يقول: ((آيبون تائبون
عابدون ، لربنا حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب
وحده)» .
أخذ شيء من الحرم : لا يجوز أخذ شيء من تراب الحرم وأحجاره معه إلى
بلاده ولا إلى غيره من الحل ، ولا يجوز أخذ شيء من طيب الكعبة ، لا للتبرك
ولا لغيره ، ومن أخذ شيئاً من ذلك لزمه رده إليها ؛ ولا يجوز قطع شيء من سترة
الكعبة ولا نقله ولابيعه ولا شراؤه ولا وضعه بين أوراق المصحف ، ومن حمل من
ذلك شيئاً لزمه رده .
ويحرم إتلاف صيد الحرم على الحلال والمحرم وتملكه وأكله .
ويجوز إخراج ماء زمزم وغيره من جميع مياه الحرم ونقله إلى جميع البلدان ؛
لأن الماء يستخلف ، بخلاف التراب والحجر .
- ١٥٢ -

ثانياً - شروط الطواف أو واجباته :
يشترط لصحة الطواف خمسة شروط عند الحنفية ، وسبعة شروط عند
المالكية ، وثمانية شروط عند الشافعية ، وأربعة عشر شرطاً عند الحنابلة .
أما شروط الطواف عند الحنفية ، فهي ما يلي(١):
اً - نية الطواف : يشترط توافر أصل النية بالطواف دون حاجة لتعيين
النية حال وجود الطواف في وقته ، فلو لم ينو أصلاً ، بأن طاف هارباً ، أو طالباً
الغريم ، لم يجز. والفرق بين الطواف وبين الوقوف بعرفة في اشتراط النية للأول
دون الثاني : هو أن الوقوف ركن يقع في حال قيام نفس الإحرام ، فتكفيه النية
السابقة وهي نية الحج ، كالركوع والسجود في الصلاة . أما الطواف فلا يؤتى به في
حال قيام نفس الإحرام ، لأنه يقع به التحلل من الحج ، ولا إحرام حال وجود
التحلل .
اً - أن يطوف القادر ماشياً، لا راكباً إلا من عذر: فلو طاف راكباً من غير
عذر فعليه الإعادة مادام بمكة ، وإن عاد إلى أهله يلزمه دم ، لقوله تعالى :
﴿ وليطوفوا بالبيت العتيق) والراكب ليس بطائف حقيقة ، فأوجب ذلك
نقصاً فيه ، فوجب جبره بالدم .
٣ - مكانه: أن يقع حول البيت في المسجد، لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا
بالبيت العتيق ﴾ والطواف بالبيت هو الطواف حوله ، فيجوز الطواف في
المسجد الحرام قريباً من البيت أو بعيداً عنه ، بشرط أن يكون في المسجد ، فلو
طاف من وراء زمزم قريباً من حائط المسجد ، أجزأه ، لوجود الطواف بالبيت .
ولو طاف حول المسجد وبينه وبين البيت حيطان المسجد ، لم يجز ؛ لأن حيطان
(١) البدائع: ٢ / ١٢٨ - ١٣٢، فتح القدير: ٢ / ١٨٠ - ١٨٢.
- ١٥٣ -

المسجد حاجزة ، فلم يطف بالبيت ، لعدم الطواف حوله .
ويطوف من خارج الحطيم ؛ لأن الحطيم من البيت على لسان رسول
الله ماتٍ .
٤ - زمانه : زمان طواف الإفاضة يبدأ حين يطلع الفجر الثاني من يوم
٠
النحر ، فلا يجوز قبله ، وليس لآخره زمان معين موقت به فرضاً ، بل جميع
الليالي والأيام وقته فرضاً ، فلو أخره عن يوم النحر لاشيء عليه ، لإطلاق
حديث: ((افعل ولاحرج)) ، لكن عليه لتأخيره عن أيام النحر دم عند
أبي حنيفة . وإن رجع إلى أهله رجع إلى مكة بإحرامه الأول ، ولا يحتاج إلى
إحرام جديد ، وعليه دم لتأخيره .
وأما إنه لا يجوز قبل فجر النحر فلأن ليلة النحر وقت ركن آخر وهو
الوقوف بعرفة ، فلا يكون وقتاً للطواف ؛ لأن الوقت الواحد لا يكون وقتاً
لركنين .
٥ - مقداره المفروض منه هو أكثر الأشواط؛ وهو ثلاثة أشواط وأكثر الشوط
الرابع ، فأما الإكمال إلى سبعة أشواط فواجب ، وليس بفرض .
أما الطهارة عن الحدث والجنابة والحيض والنفاس فليست بشرط عند
الحنفية لجواز الطواف ، وليست بفرض ، بل واجبة ، حتى يجوز الطواف بدونها ،
لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق ) أمر بالطواف مطلقاً عن شرط
الطهارة ، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد ، فيحمل حديث :
((الطواف صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام))(١) على التشبيه ، كما في قوله
(١) رواه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس بلفظ: ((الطواف بالبيت صلاة ، إلا أن الله قد أحل فيه النطق ،
فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير» وأخرجه الترمذي بلفظ: ((الطواف حول البيت مثل الصلاة» ( نصب الراية :
٣ / ٥٧ ) .
- ١٥٤ -

تعالى: ﴿ وأزواجه أمهاتهم ﴾ أي كأمهاتهم ، ومعناه الطواف كالصلاة ، إما في
الثواب ، أو في أصل الفرضية .
فإذا طاف من غير طهارة فما دام بمكة تجب عليه الإعادة ، لجبر الشيء
بجنسه ، وإن أعاد في أيام النحر فلاشيء عليه ، وإن أخره عنها فعليه دم عند
أبي حنيفة . وإن لم يعد ورجع إلى أهله فعليه الدم ، غير أنه إن كان محدثاً فعليه
شاة لكون النقصان يسيراً ، وإن كان جنباً فعليه بدنة ، لكون النقصان فاحشاً .
وأما الموالاة في الطواف فليست بشرط عند الحنفية ، فلو صلى الطائف صلاة
جنازة أو مكتوبة أو ذهب لتجديد الوضوء ، ثم عاد ، بنى على طوافه ، ولا يلزمه
الاستئناف ، لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق ﴾ مطلقاً عن شرط
الموالاة .
وليس الابتداء من الحجر الأسود بشرط أيضاً عند الحنفية ، بل هو سنة في
ظاهر الرواية ، فلو افتتح من مكان آخر من غير عذر ، أجزأه مع الكراهة ،
لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق ) مطلقاً عن شرط الابتداء بالحجر
الأسود .
ولابأس أن يطوف وعليه خفاه أو نعلاه إذا كانا طاهرتين ، لما روي عن
النبي مفر أنه طاف مع نعليه ، كما ذكر الكاساني .
وشروط الطواف عند المالكية سبعة هي ما يلي(١) :
اً - الطهارة من الحدث والنجس وستر العورة كالصلاة ، إلا أنه يباح فيه
الكلام .
(١) القوانين الفقهية: ص ١٣٢، الشرح الصغير: ٢ / ٤٦ - ٤٨، ٦٠، بداية المجتهد: ١ / ٣٣٠ وما بعدها.
- ١٥٥ _

اً - الموالاة بلافصل كثير بين الأشواط ، فإن فصل كثيراً لحاجة أو لغيرها
ابتدأه من أوله .
ويجب أن يقطع طوافه لإقامة صلاة فريضة مع إمام راتب : وهو إمام مقام
ابراهيم ، وهو المعروف بمقام الشافعي . ولا يقطعه مع إمام غير راتب . وإذا أقيمت
الصلاة أثناء شوط ، ندب له كمال الشوط الذي هو فيه ، بأن ينتهي للحجر ليبني
على طوافه المتقدم من أول الشوط ، فإن لم يكمله ابتدأ من موضع خروجه ، ويبني
على مافعله من طوافه بعد سلامه ، وقبل تنفله .
والحاصل : أن صلاة الفريضة لاتبطل الطواف ، وتبطله النافلة والجنازة ،
ولا يبطله الفصل لعذر كرعاف ، فإنه يبني على ماسبق بعد غسل الدم بشرط ألا
يتعدى موضعاً قريباً لأبعد منه، وألا يبعد المكان في نفسه ، وألا يطأ نجاسة .
٣ - الترتيب : وهو أن يجعل البيت عن يساره ويبتدئ بالحجر الأسود .
٤ - أن يكون بجميع بدنه خارجاً عن البيت ، فلا يمشي على الشاذروان
ولا على الحِجْر .
٥ - أن يطوف بداخل المسجد : فلا يجزئ خارجه.
٦ - كون الطواف سبعة أشواط من الحجر الأسود إلى الحجر ، فلا يجزئ أقل
من سبعة ، فلو اقتصر على ستة مثلاً لم تجزه . فإن شك في عدد الأشواط هل
طاف ثلاثة أو أربعة ، بنى على الأقل .
٧ - صلاة ركعتين بعد الطواف .
أما المشي لقادر عليه : فهو واجب عند المالكية كالمشي في السعي ، فإن لم
يش بأن ركب أو حمل ، فعليه دم إن لم يُعدْه وقد خرج من مكة ، فإن أعاده
- ١٥٦ -

ماشياً بعد رجوعه له من بلده ، فلادم عليه . ولادم على العاجز عن المشي ولا
إعادة عليه .
وكذلك الابتداء من الحجر الأسود واجب عند المالكية ، فإن ابتدأ من غيره
لزمه دم .
وأما وقت طواف الإفاضة عند المالكية فهو من طلوع فجر يوم النحر ،
كما قال الحنفية ، فلا يصح قبله ، كما لا يصح رمي جمرة العقبة قبل فجر النحر .
وواجبات الطواف عند الشافعية بما يشمل الشروط والأركان ثمان هي
ما یأتي(١) :
١ - ستر العورة كسترها في الصلاة: لما في الصحيحين: ((لا يطوف بالبيت
عريان)) . فإن عجز عنها ، طاف عارياً ، وأجزأه كما لو صلى كذلك .
٢٠ و٣ - طهارة الحدث والنجس في الثوب والبدن والمكان ؛ لأن الطواف في
البيت صلاة ، كما نطق به الخبر المتقدم ، فلو أحدث أو تنجس بدنه أو ثوبه أو
مطافه بغير معفو عنه ، أو عري مع القدرة على الستر في أثناء الطواف ، تطهر
وستر عورته ، وبنى على طوافه ، حتى وإن تعمد ذلك وطال الفصل ، إذ
لا تشترط الموالاة فيه عندهم كالوضوء ، ويسن الاستئناف .
لكن غلبة النجاسة في المطاف أصبحت مما عمت به البلوى ، فيعفى عما يشق
الاحتراز عنه أيام الموسم وغيره ، بشرط ألا يتعمد المشي عليها ، وألا يكون فيها
رطوبة .
والأوجه أن للمتيم والعاجز عن الماء طواف الركن ليستفيدا به التحلل ، ثم
إن عادا إلى مكة ، لزمتهما إعادته .
(١) مغني المحتاج: ١ / ٤٨٥ - ٤٨٧، ٥٠٤ .
- ١٥٧ -

٤ - أن يجعل الطائف البيت عن يساره ، مارّاً تلقاء وجهه إلى جهة الباب،
اتباعاً للسنة كما رواه مسلم، مع خبر: ((خذوا عني مناسككم )) فإن خالف ذلك لم
يصح طوافه لمعارضته الشرع . ولو طاف مستلقياً على ظهره ، أو على وجهه ، مع
مراعاة كون البيت عن يساره ، صح .
٥ - الابتداء من الحجر الأسود: اتباعاً للسنة كما رواه مسلم ، ومحاذاته له
بجميع بدنه ، أي جميع شقه الأيسر بحيث لا يتقدم جزء من الشق الأيسر على جزء
من الحجر ، فلو لم يحاذه أو لم يحاذ بعضه بجميع شقه ، كأن جاوزه ببعض شقه إلى
جهة الباب ، لم يصح طوافه .
فإذا انتهى إليه ، ابتدأ منه .
ويشترط أن يكون الطواف خارج البيت وحجر اسماعيل والشاذَرْوَان(١) ،
فلو مشى على الشاذَرْوَان أو مسّ الجدار الكائن في موازاته ، أو أدخل جزءاً منه في
هواء الشاذروان أو دخل من إحدى فتحتي الحِجْر(٢) وخرج من الفتحة الأخرى ،
أو خلف منه قدر الذي من البيت وهو ستة أذرع ، واقتحم الجدار ، وخرج من
الجانب الآخر ، لم يصح طوافه . أما كون الطواف في غير الحجر ، فلقوله تعالى:
﴿ وليطوفوا بالبيت العتيق) وإنما يكون طائفاً به إذا كان خارجاً عنه، وإلا
فهو طائف فيه .
وأما الحِجْر: فلأنه مَّ إنما طاف خارجه، وقال: (( خذوا عني مناسككم))
ولخبر مسلم عن عائشة رضي الله عنها: ((سألت رسول الله ◌َتعٍ عن الحِجْر، أمن
(١) هو القدر الذي ترك من عرض الأساس خارجاً عن عرض الجدار، مرتفعاً عن وجه الأرض قدر ثلثي ذراع
أي هو الجدار القصير المسنم بين الركنين الغربي والياني ، تركته قريش لضيق النفقة ، وهو جزء من البيت .
(٢) هو مابين الركنين الشاميين من جهة الشمال ، المحوط بجدار قصير بينه وبين كل من الركنين فتحة ، والآن
أغلقت الفتحة الغربية ، وهو قدر ستة أذرع .
- ١٥٨ -

:
البيت هو ؟ قال : نعم ، قلت : فما بالهم لم يدخلوه في البيت ؟ قال : إن قومك
قصرت بهم النفقة ، قلت : فما شأن بابه مرتفعاً ؟ قال : فعل ذلك قومك
ليدخلوا من شاءوا ، ويمنعوا من شاءوا ، ولولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية ،
فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدار في البيت ، وأن ألصق بابه بالأرض
لفعلت )) وظاهر الخبر أن الحِجْر جميعه من البيت، لكن الصحيح أنه ليس
كذلك ، بل الذي هو من البيت قدر ستة أذرع تتصل بالبيت ، ومع ذلك يجب
الطواف خارجه ؛ لأن الحج باب اتباع .
ويلاحظ أن من قبل الحجر الأسود ، فرأسه في حال التقبيل في جزء من
البيت ، فيلزمه أن يقر قدميه في محلها حتى يفرغ من التقبيل ويعتدل قائماً .
٦ - أن يطوف بالبيت سبعاً ولو في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
للاتباع ، فلو ترك من السبع شيئاً ، وإن قل ، لم يجزه ، فلو شك في العدد أخذ
بالأقل ، كعدد ركعات الصلاة .
٧ - أن يكون الطواف داخل المسجد: للاتباع أيضاً ، فلا يصح حوله
بالإجماع . ويصح داخل المسجد وإن وسّع ، وحال حائل بين الطائف والبيت
كالسواري ، ويصح على سطح المسجد ، وإن كان سقف المسجد أعلى من البيت ،
كالصلاة على جبل أبي قبيس ، مع ارتفاعه عن البيت ، وهذا هو المعتمد .
٨ - نية الطواف إن استقل : بأن لم يشمله نسك كسائر العبادات ، كالطواف
المنذور والمتطوع به . أما الذي شمله نسك وهو طواف الركن للحج أو العمرة
وطواف القدوم ، فلا يحتاج إلى نية ، لشمول نية النسك له .
ولابد لطواف الوداع من نية ؛ لأنه يقع بعد التحلل ، ولأنه ليس من
المناسك عند الشيخين ( الرافعي والنووي ) . ولابد في النية من التعيين .
- ١٥٩ -

أما وقت طواف الإفاضة ومثله رمي العقبة والذبح والحلق فيدخل بنصف
ليلة النحر؛ لأنه مَ افي (( أرسل أم سلمة ليلة النحر فرمت قبل الفجر، ثم
أفاضت)) (١) .
وأما المشي في الطواف فليس عند الشافعية شرطاً بل هو سنة ، كما رواه
مسلم ، ويسن أن يكون حافياً في طوافه عند عدم العذر .
وأما صلاة ركعتي الطواف فسنة عندهم . وللطواف واجبات دينية : منها
أن يصون نفسه عن كل مخالفة في وقت الطواف ، ومنها - أن يصون قلبه عن
احتقار من يراه ، ومنها - أن يلتزم الأدب ، ومنها - أن يحفظ يده وبصره عن
كل معصية .
وشروط الطواف عند الحنابلة : أربعة عشر(٢):
إسلام وعقل ، ونية معينة ، ودخول وقت ، وستر عورة لقادر ، وطهارة
حدث لالطفل ، وطهارة خبث ، وتكميل السبع يقيناً ، فإن شك أخذ باليقين ،
ويقبل في بيان عدد الأشواط قول عدلين ، وجعل البيت عن يساره ، غير
متقهقر ، ومشي لقادر، وموالاته ، وكونه داخل المسجد لا يخرج عنه ، وأن
يبتدئه من الحجر الأسود فيحاذيه ، وألا يدخل في شيء من البيت كالحِجْر
والشاذروان .
أما وقت طواف الإفاضة : فيدخل من نصف ليلة النحر ، كما قال
الشافعية .
وأما ركعتا الطواف فسنة كما قرر الشافعية .
(١) رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
(٢) غاية المنتهى: ١ / ٤٠٢، المغني: ٣ / ٤٤٠ ومابعدها .
- ١٦٠ -