النص المفهرس
صفحات 121-140
المبحث الخامس - أركان الحج والعمرة : أركان الحج : عرفنا أن للحج عند الحنفية ركنين فقط هما : الوقوف بعرفة وطواف الإفاضة . وأركان الحج عند المالكية والحنابلة أربعة : الإحرام والوقوف بعرفة ، وطواف الإفاضة ، والسعي . وأركانه عند الشافعية خمسة : الإحرام ، والوقوف بعرفة ، والطواف والسعي والحلق أو التقصير . : أركان العمرة : ركن العمرة عند الحنفية : الطواف بالبيت . وللعمرة عند المالكية والحنابلة أركان ثلاثة : الإحرام ، والطواف ، والسعي . وأركانها عند الشافعية أربعة : الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير . ويلاحظ أن الحلق أو التقصير عند الجمهور غير الشافعية واجب لاركن . ونبحث هذه الأمور تفصيلاً : المطلب الأول - الإحرام : حقيقته : الدخول في الحرمة ، والمراد هنا نية الدخول في النسك من حج أو عمرة ، أو الدخول في حرمات مخصوصة أي التزامها . وإذا تم الإحرام لا يخرج عنه إلا بعمل النسك الذي أحرم به ، فإن أفسده وجب قضاؤه ، وإن فاته الوقوف بعرفة أتمه عمرة ، وإن أحصر أي منع عن إكماله ، ذبح هدياً وقضاه . ونبحث فيه : ما يصير به الشخص محرماً ، صفة الإحرام ، والإحرام كإحرام فلان ، مكان الإحرام وزمانه ، وما يفعله مريد الإحرام ، وما يحرم به من حج أو - ١٢١ - عمرة أو بها ، وإضافة الإحرام إلى الإحرام وإدخال العمرة على الحج وبالعكس وفسخ الإحرام . أولاً - ما يصير به الشخص محرماً : لاخلاف في أنه إذا نوى حجاً أو عمرة ، وقرن النية بقول أو فعل من خصائص الإحرام ، يصير محرماً ، بأن لبى ناوياً به الحج ، أو العمرة ، أو بها معاً . ولا خلاف بين الشافعية والحنابلة وفي الأرجح عند المالكية أن الإحرام ينعقد بمجرد النية ، لكن يلزمه عند المالكية دم في ترك التلبية ، والتجرد من المخيط ونحوه ، حين النية . أما قرن النية بقول أو فعل ، فقال الحنفية : لا يصير شارعاً في الإحرام بمجرد النية ، مالم يأت بالتلبية ، أي أن الإحرام لا يثبت بمجرد النية مالم يقترن بها قول أو فعل هو من خصائص الإحرام أو دلائله ، والنية ليست بركن عندهم ، بل هي شرط ، وإذا لبى ناوياً فقد أحرم عندهم . وعبارة المالكية : الإحرام : ينعقد بالنية المقترنة بقول أو فعل متعلق بالحج ، كالتلبية والتوجه إلى الطريق ، لكن الأرجح أنه ينعقد بمجرد النية ، ويلزمه دم في ترك التلبية والتجرد من المخيط حين النية . وعبارة الشافعية والحنابلة : الإحرام : بأن ينوي الدخول في النسك ، فلا ينعقد بدون النية ، فإن اقتصر على النية ، ولم يلب ، أجزأه ، وإن لبى بلانية لم ينعقد إحرامه ولا يشترط قرن النية بالتلبية؛ لأنها من الأذكار، فلم تجب في الحج كسائر الأذكار . والحاصل أن الإحرام ينعقد بالنية عند الجمهور، ولا ينعقد بمجردها عند - ١٢٢ - الحنفية وإنما لابد من قرنه بقول أو فعل من خصائص الإحرام ، كالتلبية أو التجرد(١) . ولا يصح الإحرام إلا بالنية، لقوله ◌َ الزّ: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى)) (٢) ولأنه عبادة محضة ، فلم تصح من غير نية ، كالصوم والصلاة . ومحل النية : القلب ، والإحرام : النية بالقلب ، والأفضل عند أكثر العلماء أن ينطق بما نواه؛ لما روى أنس رضي الله عنه قال: ((سمعت رسول الله مَ الله يقول : لبيك بحجة وعمرة ))(٣) ولأنه إذا نطق به كان أبعد عن السهو. فيقول : نويت الحج أو العمرة وأحرمت به لله تعالى ، أو يقول : اللهم إني أريد الحج أو العمرة ، فيسره لي وتقبله مني . وإن أراد القرآن قال : اللهم إني أريد العمرة والحج، ثم يجب أن يلبي عند الحنفية عقيب صلاته، لأنه ما الآ (( لبى في دُبُر صلاته )» ويستحب التلبية عند الجمهور بعد الإحرام أي مع النية . وإن حج أو اعتمر عن غيره قال: « نويت الحج أو العمرة عن فلان وأحرمت به لله تعالى )) . وإن كان مفرداً الإحرام بالحج نوى بتلبيته الحج ؛ لأنه عبادة ، والأعمال بالنيات . والتلبية كما بينا في المبحث السابق أن يقول: ((لبيك اللهم لبيك ، لبيك لاشريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لاشريك لك)) وهي المنقولة (١) البدائع: ٢ / ١٦١ وما بعدها، فتح القدير: ٢ / ١٣٤ وما بعدها، اللباب: ١ / ١٧٩ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص ١٣١، الشرح الصغير: ٢ / ١٦ وما بعدها، ٢٥، مغني المحتاج: ١ / ٤٧٦ - ٤٧٨، المهذب: ١ / ٢٠٤ وما بعدها ، غاية المنتهى: ١ / ٣٦٥، المجموع: ٧ / ٢٢٦ وما بعدها، المغني: ٣ / ٢٨١ - ٢٨٨. (٢) رواه البخاري ومسلم عن عمر رضي الله عنه . (٣) رواه مسلم ، قيل : وقع الاشتباه لأنس ، لالمن دونه ، في القرآن بين الحج والعمرة . - ١٢٣ - عن رسول الله صَ لٍّ. ولا ينبغي أن يخل بشيء من هذه الكلمات ، لأنه هو المنقول باتفاق الرواة ، فلا ينقص عنه ، فإن زاد عليها جاز بلاكراهة . ثانياً - صفة الإحرام تعييناً وإطلاقاً وإحالة واشتراطاً(١): الأفضل أن يعين المحرم ماأحرم به من حج أو عمرة أو هما معاً فالتعيين أفضل من الإطلاق؛ لأن النبي مؤتمر أمر أصحابه بالإحرام بنسك معين ، فقال فيما روته عائشة: (( من شاء منكم أن يهل بحج وعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل ، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل))(٣) . ورأى الحنفية : أنه لو أحرم بالحج ، ولم يعين حجة الإسلام ، وعليه حجة الإسلام ، يقع عنها استحساناً ؛ لأن الظاهر من حاله أنه لا يريد بإحرام الحج حجة التطوع ، ويبقي نفسه في عهدة الفرض ، فيحمل على حجة الإسلام بدلالة حاله ، فكان الإطلاق فيه تعييناً كما في صوم رمضان . ولو نوى التطوع يقع عن التطوع ؛ لأن دلالة حاله لاتفيد مع التعيين الصريح . وكذلك قال الشافعية : ليس التعيين شرطاً في انعقاد النسك ، فلو أحرم بنسك نقل وعليه نسك فرض ، انصرف إلى الفرض . وينعقد الإحرام معيناً : بأن ينوي حجاً أو عمرة أو كليهما بالإجماع ، ولحديث عائشة المتقدم ، وينعقد أيضاً مطلقاً بألا يزيد على نفس الإحرام ، بأن ينوي الدخول في النسك الصالح للأنواع الثلاثة ، أو يقتصر على قوله : (١) البدائع: ٢ / ١٦٣، الشرح الصغير: ٢ / ٢٥ ومابعدها، المهذب: ١ / ٢٠٥، مغني المحتاج: ١ / ٤٧٦ - ٤٧٨، المغني: ٣ / ٢٨٤ - ٤٨٧، الشرح الكبير: ٢ / ٢٦ وما بعدها . (٢) متفق عليه عن عائشة ( نيل الأوطار: ٤ / ٣٠٨ وما بعدها ) ومعنى الإهلال : رفع الصوت بالتلبية من قولهم : استهل الصبيّ : إذا صاح ، والأصل فيه: أنهم كانوا إذا رئي الهلال صاحوا ، فيقال : استهل الهلال ، ثم قيل لكل صائح : مستهل . - ١٢٤ - ((أحرمت))، بدليل ماروى الشافعي: ((أنه مثلٍ خرج هو وأصحابه مهلين ينتظرون القضاء ( أي نزول الوحي ) فأمر من لاهدي معه أن يجعل إحرامه عمرة ، ومن معه هدي أن يجعله حجأ )). وفي حالة الإطلاق هذه قال الحنفية : يمضي في أيهما شاء مالم يطف بالبيت شوطاً ، فإن طاف شوطاً ، كان إحرامه عن العمرة ؛ لأن الطواف ركن في العمرة ، وطواف القدوم سنة ، فإيقاعه عن الركن أولى ، وتتعين العمرة بفعله كما تتعين بقصده . وقال المالكية : إن أبهم نية الإحرام بأن لم يعين شيئاً بأن نوى النسك لله تعالى من غير ملاحظة حج أو عمرة أوهما ، ندب صرفه أي تعينه لحج فيكون مفرداً ، والقياس صرفه لقرآن ؛ لأنه أحوط لاشتماله على النسكين كالناسي لما عينه . وقال الشافعية والحنابلة : إن أحرم مطلقاً في أشهر الحج ، صرفه بالنية إلى ماشاء من الأنساك ، ثم اشتغل بالأعمال ، فلو طاف ثم صرفه للحج وقع طوافه عند الشافعية عن القدوم ، وإن أطلق الإحرام في غير أشهر الحج ، فالأصح عند الشافعية انعقاده عمرة ، فلا يصرفه إلى الحج في أشهره .5® والأولى عند الحنابلة : صرف الإحرام إلى العمرة ؛ لأنه إن كان في غير أشهر الحج ، فالإحرام بالحج مكروه أو ممتنع ، والأول أرجح عندهم ، وإن كان في أشهر الحج ، فالعمرة أولى؛ لأن التمتع عندهم أفضل ، وقد أمر النبي مؤ لّ أبا موسى حين أحرم بماأهل به رسول الله عَ لٍ أن يجعله عمرة . الإحرام بماأحرم به فلان(١) أو إبهام الإحرام : يصح إبهام الإحرام : (١) هذا هو المراد بالإحالة أي ياحالة الإحرام على إحرام فلان . - ١٢٥ - وهو أن يحرم بماأحرم به فلان ، لما روى أبو موسى قال: ((قدمت على رسول الله ◌َ التّ ، فقال : كيف أهللت ؟ قال : قلت : لبيك بإهلال كإهلال رسول الله عَالتّ ، قال : أحسنت ، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم قال : حل))(١). فإن لم يكن فلان محرماً ، انعقد إحرامه مطلقاً ، وإن كان محرماً بنسك معين انعقد إحرامه كإحرامه ، وإن تعذر معرفة إحرامه بموته كان حكمه کالناسي . حكم نسيان ماعينه : إذا أحرم بنسك ، ثم نسي ماعينه ، أهو حج أو عمرة أو هما ، قبل الطواف ، فله عند الحنابلة صرفه إلى أي نسك شاء . ويكون قراناً عند المالكية والحنفية والشافعية في الجديد ؛ لأنه تلبس بالإحرام يقيناً ، فلا يتحلل إلا بيقين الإتيان بالمشروع فيه ، فيعمل أعمال النسكين ليتحقق الخروج عما شرع فيه ، فتبرأ ذمته من الحج بعد إتيانه بأعماله ، ولاتبرأ ذمته من العمرة لاحتمال أنه أحرم بالحج ، ويمتنع إدخالها عليه ولادم عليه ، فيبرأ من الحج فقط ، وعليه عند المالكية تجديد نية الحج . ومنشأ الخلاف بين الرأيين : هو فسخ الحج إلى العمرة ، فإنه جائز عند 5 الحنابلة ، وغير جائز عند الجمهور . الاشتراط في الإحرام (٢): أجاز الشافعية والحنابلة الاشتراط في الإحرام، وهو التحلل لمانع مرضي ونحوه ، ولا يجوز التحلل مع عدم الاشتراط ، بدليل حديث ابن عباس: (( أن ضُباعة بنت الزبير قالت : يارسول الله ، إني امرأة ثقيلة(٣)، وإني أريد الحج ، فكيف تأمرني ؟ فقال : أُهِلِّي واشترطي أن (١) متفق عليه . (٢) نيل الأوطار: ٤ / ٣٠٨، المغني: ٣ / ٢٨٢ وما بعدها . (٣) في رواية عائشة ((وجيعة)). - ١٢٦ - مَحِلِّي(١) حيث حبستني ، قال: فأدْركَت))(٢). وقال أبو حنيفة ومالك : لا يصح الاشتراط ، عملاً برأي ابن عمر ، وقالا عن الأحاديث : إنها قصة عين ، وإنها مخصوصة بضباعة . ومنشأ الخلاف : هل خطابه مُّ لواحد يكون غيره فيه مثله أم لا ؟ من أحرم بحجتين أو عمرتين : إن أحرم ، انعقد بإحداهما ، ولغت الأخرى عند الحنابلة ؛ لأنها عبادتان لا يلزمه المضي فيها ، فلم يصح الإحرام بها كالصلاتين ، فلو أفسد حجته أو عمرته ، لم يلزمه إلا قضاؤها . وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي : ينعقد بها ، وعليه قضاء إحداهما ، لأنه أحرم بها ولم يتمها ، وإن أفسد مانواه يلزمه قضاؤهما معاً بناء على صحة إحرامه بها . ثالثاً - مكان الإحرام وزمانه : مكان الإحرام : هو المسمى بالميقات . وزمان الإحرام هو وقت الحج والعمرة وقد بحثنا الأمرين في المبحث الثالث . وعرفنا فيه أن وقت العمرة بالاتفاق : جميع أجزاء السنة ماعدا يوم العيد ( عيد النحر ) وأيام التشريق عند الحنفية والمالكية . ووقت الحج في أشهر ثلاثة معينة : هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة عند الجمهور ، وذو الحجة كله عند المالكية . (١) أي مكان إحلالي . (٢) رواه الجماعة إلا البخاري، والنسائي في رواية ((فإن لك على ربّك ما استثنيت)) (نيل الأوطار: ٤ / ٣٠٧) وله روايات أخرى : عن عائشة في المتفق عليه ، وعن عكرمة عند أحمد . - ١٢٧ - والناس في حق المواقيت أصناف ثلاثة (١): الصنف الأول - أهل الآفاق : وهم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقت لهم رسول الله مَ الٍ وهي خمسة ثابتة في السنة ، وهي ذو الحليفة لأهل المدينة ، والجحفة لأهل الشام ، وقرن المنازل لأهل نجد ، ويلملم لأهل اليمن ، وذات عرق لأهل العراق . والصنف الثاني - أهل الحل : وهم الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة خارج الحرم كأهل بستان بني عامر وغيرهم ، وميقاتهم دويرة أهلهم ، أو حيث شاؤوا من الحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم . والصنف الثالث - أهل مكة أهل الحرم : وميقاتهم للحج الحرم ، وللعمرة الحل ، فيحرم المكي من دويرة أهله للحج ، أو حيث شاء من الحرم ، ويحرم للعمرة من الحل وهو التنعيم أو غيره . رابعاً - ما يفعله مريد الإحرام : إذا أراد الشخص الإحرام يفعل السنن المذكورة سابقاً في بحث أعمال الحج وأهمها ما يأتي (٢). أما ما يجتنبه المحرم من اللباس والحذاء وغيرهما فنوضحه في بحث محظورات الإحرام . ١ - يغتسل تنظفاً، أو يتوضأ، والغسل أفضل ؛ لأنه أتم نظافة، ولأنه (١) البدائع : ٢ / ١٦٣ - ١٦٧. (٢) فتح القدير: ٢ / ١٣٤ - ١٤٠، اللباب: ١ / ١٧٩ ومابعدها، ١٨٨، القوانين الفقهية: ص ١٣١، الشرح الصغير: ٢ / ٢٩ ومابعدها، مغني المحتاج: ١ / ٤٧٨ - ٤٨٢، ٥٠١، المهذب: ١ / ٢٠٤ ومابعدها، المجموع: ٧ / ٢١١ - ٢٢٦، المغني: ٣ / ٢٧٠ _ ٢٧٥، ٢٨٨ - ٢٩٣، ٣٠١، ٣٢٥، ٤٣٠، غاية المنتهى: ١ / ٣٦٥ وما بعدها . - ١٢٨ - عليه الصلاة والسلام اغتسل لإحرامه (١)، وهو للنظافة لاللطهارة ، ولذا تفعله المرأة الحائض والنفساء، لما روى ابن عباس مرفوعاً إلى النبي معلقة: ((أن النفساء والحائض تغتسل وتُحرم، وتقضي المناسك كلها، غير أن لاتطوف بالبيت))(٢) وأمر النبي ◌َّر أسماء بنت عميس ، وهي نفساء أن تغتسل(٣). فدل على أن الاغتسال مشروع للنساء عند الإحرام ، كما يشرع للرجال ؛ لأنه نسك ، وهو في حق الحائض والنفساء آكد ، لورود الخبر فيهما . وهذا متفق عليه . فإن لم يجد ماء تيم عند الشافعية ؛ لأن الغسل يراد للقربة والنظافة ، فإذا تعذر أحدهما يبقى الآخر ، ولأن التيم ينوب عن الغسل الواجب ، فعن المندوب أولى . ولو وجد ماء لا يكفيه للغسل ويكفيه للوضوء ، توضأ به وتيم عن الغسل . ولا يسن له التيم في رأي ابن قدامة ؛ لأنه غسل مسنون ، فلم يستحب التيم عند عدمه كغسل الجمعة ، والفرق بين الواجب والمسنون : أن الواجب يراد لإباحة الصلاة ، والتيم يقوم مقامه في ذلك ، والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة ، والتيم لا يحصِّل هذا ، بل يزيد شعثاً وتغييراً ، والراجح عند الحنابلة جواز التيم كما في غاية المنتهى . ويستحب التنظف أيضاً بإزالة الشَّعَث ( الوسخ من غبار وغيره ) وقطع الرائحة ، ونتف الإبط ، وقص الشارب ، وقلم الأظفار ، وحلق العانة وترجيل الشعر ؛ لأن الإحرام أمر يسن له الاغتسال والطيب ، فيسن له هذا كالجمعة . (١) رواه الدارمي والترمذي وغيرهما عن زيد بن ثابت: أن رسول الله مختل اغتسل لإحرامه (نصب الراية: ٣ / ١٧) . (٢) رواه أبو داود والترمذي عن ابن عباس ( نيل الأوطار: ٤ / ٣٠٣). (٣) رواه مسلم عن جابر . الفقه الإسلامي جـ٣ (٩) - ١٢٩ - ٢ - يتجرد الذكر من الخيط ، ويلبس ثوبين نظيفين : إزاراً ورداءً جدیدین ثم مغسولين ، ونعلين، لقوله مَ التّ: ((وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين ، فإن لم يجد نعلين فليلبس خُفَّين ، ولْيقْطَعهما أسفل من الكعبين))(١)، ولا يلزم قطعهما في المشهور عن أحمد، لحديث ابن عباس: ((ومن لم يجد نعلين فليلبس (٢) خفین )»(٣). والمرأة : إحرامها في وجهها باتفاق الفقهاء ، فإن احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريباً منها ، فإنها عند الحنابلة تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها ؛ لفعل عائشة ومحرمات أخريات مع رسول الله عبادته(٣). ٣ - يتطيب في بدنه قبل الإحرام عند الجمهور، لافي الثوب عند الحنفية والحنابلة ، لأنه مباين له، وكذا في ثوبه في الأصح عند الشافعية ، لحديث عائشة: (( كنت أُطيِّب النبي ◌ُّ عند إحرامه بأطيب ماأجد))(٤) أي في وقت إحرامه . ولابأس باستدامة أثر الطيب بعد الإحرام ، لحديث الصحيحين عن عائشة: ((كأني أنظر إلى ويص الطيب في مفرق رسول الله عَ التّ)) والوبيص: هو البريق ، والمفرق : وسط الرأس . ولا يتطيب عند المالكية ، ويكره الطيب قبل الغسل أو بعده بماتبقى رائحته ، لما روي أن رجلاً أتى النبي ◌ُ ◌ّ فقال: يارسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي عَ ◌ّةٍ ، يعني ساعة ، ثم قال: ((اغسل الطيب الذي بك - ثلاث مرات - وانزع عنك الجبة ، واصنع في (١) رواه أحمد عن ابن عمر، والكعبان: العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم ( نيل الأوطار : ٤ / ٣٠٥). (٢) متفق عليه ، فيكون هذا ناسخاً لحديث ابن عمر المتقدم ( نيل الأوطار: ٥/ ٤). (٣) رواه أبو داود والأثرم عن عائشة . (٤) رواه البخاري ومسلم ، والنسائي : حين أراد الإحرام . - ١٣٠ - عمرتك ماتصنع في حجتك))(١)، ولأنه يمنع من ابتداء الطيب ، فمنع استدامته كاللبس . والظاهر جواز التطيب قبل الإحرام ؛ لأن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين بالجعرانة سنة ثمان ، وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر ، فيكون ناسخاً للحديث الأول، وفعل النبي عفّ حجة على ابن عمر الذي كان ينهى عن الطيب عند الإحرام . ويسن عند الشافعية والحنابلة أن تخضب المرأة للإحرام يديها إلى الكوع ( الرسغ ) بالحناء ، لما روى ابن عمر أن ذلك من السنة . ٤ - يصلي صلاة ركعتي الإحرام بعد الغسل وقبل الإحرام بالاتفاق ، أو يكون الإحرام عند المالكية والحنابلة عقب صلاة مفروضة ، أما الأول فلما روى الشيخان أنه ((وَ اتّ صلى بذي الحليفة ركعتين، ثم أحرم))(٢) ويحرمان في وقت الكراهة في غير حرم مكة ، ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى : ﴿ قل ياأيها الكافرون﴾ وفي الثانية : الإخلاص . وأما الإحرام عقب صلاة مكتوبة وهو الأولى عند الحنابلة ، فلما روى أبو داود والأثرم عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال: ((أوجب رسول الله عَّ الإحرام حين فرغ من صلاته .. )) ويجوز عند الحنابلة على السواء الإحرام عقيب الصلاة ، أو إذا استوت به راحلته ، أو بدأ بالسير ، فإذا استوى على راحلته لبى . والأفضل عند المالكية والشافعية أن يحرم إذا سارت به راحلته لما رواه (١) متفق عليه عن يعلى بن أمية . (٢) نصب الراية : ٣ / ٢٠ وما بعدها . - ١٣١ - ٠ الشيخان، أو توجه لطريقه ماشياً، لما روى مسلم عن جابر: (« أمرنا رسول الله عَّافع لما أهللنا - أي أردنا أن نهل - أن نحرم إذا توجهنا)). ٥ - يلبي، والتلبية عقيب الصلاة عند الحنفية، لأن النبي عَ ◌ّ ((لبى في دُبُر صلاته ))(١) وهو الأفضل ، أو يلبي بعد مااستوت به راحلته ، ثم ينوي ، فإن كان مفرداً الإحرام بالحج ، نوى بتلبيته الحج ؛ لأنه عبادة ، والأعمال بالنيات . ويلبي عند الشافعية مع النية، لخبر مسلم: ((إذا توجهتم إلى منى ، فأهلوا بالحج )) والإهلال : رفع الصوت بالتلبية ، والعبرة بالنية لابالتلبية ، فلو لبى بغير مانوى ، فالعبرة بمانوى . ويلبي عند المالكية والحنابلة إذا استوى على راحلته ، وأخذ في المشي لما روى البخاري عن أنس وابن عمر: ((أن النبي ◌ُ الإ لما ركب راحلته، واستوت به أهلَّ)) وقال ابن عباس: ((أوجب رسول الله عَ لّ الإحرام حين فرغ من صلاته، فلما ركب راحلته ، واستوت به قائمة ، أهل )) يعني لبى ، ومعنى الإهلال : رفع الصوت بالتلبية . ويجدد التلبية عند كل هبوط وصعود ، وحدوث حادث ولقاء رفقة ، وخلف الصلوات ، وعند سماع من يلبي . ويستحب إكثار التلبية ، ورفع الصوت بها أثناء إحرامه دون إسراف إلا للنساء، لقوله مؤ لّ: ((أفضل الحج: العج والثج))(٢) فالعج: رفع الصوت بالتلبية ، والثج : إراقة الدم . (١) أخرجه الترمذي والنسائي عن ابن عباس ( نصب الراية: ٣ / ٢١). (٢) رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر، ورواه الترمذي عن أبي بكر الصديق ، ورواه أبو القاسم الأصبهاني عن جابر، ورواه ابن أبي شيبة وأبو يعلى عن ابن مسعود ( نصب الراية: ٣ / ٣٤). - ١٣٢ - وصيغة التلبية كما ذكرنا: ((لبيك اللهم (١) لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لاشريك لك)) والمستحب ألا يزيد عليها ، فإن زاد فيها ، جاز . فإذا لبى ناوياً فقد أحرم عند الحنفية . متى يقطع التلبية ؟ ويقطع التلبية عند المالكية إذا أخذ في الطواف ، ويعاودها بعد الفراغ من السعي ، إلى أن يقطعها إذا زالت الشمس من يوم عرفة ، عملاً بماروي عن علي وأم سلمة : أنهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة . ويقطع التلبية عند الجمهور ( غير المالكية ) عند ابتداء الرمي لجمرة العقبة يوم العيد بأول حصاة يرميها ؛ لأنه مظاهر لم يزل ملبياً حتى رماها(٢)، ولأنه يتحلل بالرمي . هذا عند الحنفية إن رمى قبل الحلق ، فإن حلق قبل الرمي ، قطع التلبية ؛ لأنها لاتثبت مع التحلل . أما المعتمر فيقطع التلبية عند الشروع بالطواف. خامساً - مايحرم به من حج أو عمرة أو بهما : اتفق الفقهاء على أن أوجه أداء الحج والعمرة ، أو ما يحرم به في الأصل ، ثلاثة أنواع : الإفراد ، والتمتع ، والقرآن ، أي أداء الحج وحده ، والعمرة وحدها ، والعمرة مع الحج ، والأشخاص المحرمون ثلاثة : مفرد بالحج ، ومفرد بالعمرة ، وجامع بينهما ، الأول : هو المفرد ، والثاني : المتتع ، والثالث : القارن . ز (١) أصله يا الله ، حذف حرف النداء ، وعوض عنه الميم . (٢) رواه الشيخان من حديث الفضل بن عباس . - ١٣٣ _ والمفرد بالحج : هو الذي يحرم بالحج لاغير ، فيؤدي الحج أولاً ، ثم يحرم بالعمرة . والمتمتع : هو الذي يحرم بالعمرة أولاً في أشهر الحج ويتمها ، ثم يحرم بالحج في سنته وأشهره . والقارن : هو الآفاقي ( غير المكي ) الذي يجمع بين إحرام العمرة وإحرام الحج قبل وجود ركن العمرة وهو الطواف ، فيأتي بالعمرة أولاً ، ثم يأتي بالحج قبل أن يحل من العمرة بالحلق أو التقصير ، سواء جمع بين الإحرامين بكلام موصول أو مفصول ، فلو أحرم بالعمرة ، ثم أحرم بالحج بعد ذلك قبل الطواف للعمرة ( أو أكثره عند الحنفية ) كان قارناً ، لوجود معنى القرآن : وهو الجمع بين الإحرامين ، ولو كان إحرامه للحج بعد طواف العمرة أو أكثره لا يكون قارناً ، بل يكون متمتعاً ، لوجود معنى التمتع : وهو أن يكون إحرامه بالحج بعد وجود ركن العمرة كله عند الحنفية وهو الطواف ، والسعي بعده عند الجمهور، والحلق أو التقصير أيضاً عند الشافعية على المعتمد(١). واختلف فقهاء المذاهب في الأفضل من هذه الأوجه على أقوال ثلاثة : ١ - فقال الحنفية(٢): القرآن (وهو الجمع بين إحرام العمرة والحج في سفر واحد ) أفضل من التمتع والإفراد ؛ لأن فيه استدامة الإحرام بها من الميقات إلى أن يفرغ منها، ولا كذلك التمتع، فكان القران أولى منه، ولقوله ◌َ الَ: «أهلُّوا (١) البدائع: ٢ / ١٦٧، القوانين الفقهية: ص ١٣٥، مغني المحتاج: ١ / ٥١٣ وما بعدها، غاية المنتهى: ١ / ٣٦٦ ومابعدها . (٢) فتح القدير: ٢ / ١٩٩ وما بعدها، اللباب مع الكتاب: ١ / ١٩٢ ومابعدها، تبيين الحقائق: ٣ / ٤٠ ومابعدها . - ١٣٤ - يا آل محمد بعمرة في حجة))(١)، وقال أنس: ((سمعت رسول الله عَ اللّ يلبي بالحج والعمرة يقول : لبيك عمرة وحجة))(٢). ٢ - وقال المالكية والشافعية(٣): الإفراد بالحج أفضل من القرآن والتمتع، إن اعتمر عامه ؛ لأنه لا يجب معه هدي، ولأن النبي مائل حج مفرداً على الأصح ، قالت عائشة: ((خرجنا مع رسول الله مَ ◌ّ عام حجة الوداع، فمنا من أهَلِّ بعمرة ، ومنا من أهل بحج وعمرة ، وأهل رسول الله مؤتمر بالحج))(٤) ، وروي الإفراد عن النبي ◌ُ فّ عن جابر بن عبد الله من طرق شتى متواترة صحاح ، وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وجابر . ثم القران عند المالكية يلي الإفراد في الفضل ، وللقرآن صورتان : أولاهما - بأن ينوي القرآن أو العمرة والحج بنية واحدة ، ويجب تقديم العمرة في النية والملاحظة إن رتب بينهما ، ويندب تقديمها في اللفظ إن تلفظ . والثانية - أن ينوي العمرة ، ثم يبدوله فيردف الحج عليها ، ولا يصح إرداف عمرة على حج ، لقوته ، فلا يقبل غيره . والتمتع عند الشافعية بعد الإفراد ، ثم القران ؛ لأن المتمتع بأتي بعملين كاملين غير أنه لا ينشئ لهما ميقاتين . وأما القارن فإنه يأتي بعمل واحد من ميقات واحد . فالشافعية ينظرون لكثرة الأعمال . (١) أخرجه الطحاوي عن أم سلمة ( نصب الراية: ٣ / ٩٩). (٢) أخرجه البخاري ومسلم عن أنس ( المرجع السابق ) . (٣) الشرح الصغير: ٢ / ٣٤، القوانين الفقهية: ص ١٣٥، بداية المجتهد: ١ / ٣٢٤ ، مغني المحتاج: ١ / ٥١٤، المهذب: ١ / ٢٠٠ وما بعدها، المجموع: ٧ / ١٣٧ - ١٦٦، الشرح الكبير: ٢ / ٢٧ - ٢٩. (٤) رواه البخاري ومسلم . - ١٣٥ - ٣ - وقال الحنابلة(١) : التمتع أفضل ، فالإفراد ، فالقرآن ، أي عكس الترتيب عند الشافعية بين الأول والثاني . والتمتع : أن يحرم بعمرة في أشهر الحج ، ثم يحرم بالحج في عامه من أين شاء بعد فراغه منها . ودليلهم أن النبي ◌َّاتٍ كان متمتعاً، لما قال ابن عمر: ((تمتع رسول الله ما العمل في عام حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ، وأهدى وساق الهدي معه من ذي الحليفة))(٣). وقال النبي مَ الّ: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ماسقت الهدي ، ولجعلتها عمرة))(١) . هذه هي أقوال الفقهاء في بيان الأفضلية بين هذه الأنواع ، والسبب في اختلافهم: اختلافهم فيما فعل رسول الله مَّ الله من ذلك ، ولكل رأي مايؤيده من الروايات الصحيحة ، وأرجح الرأي الثاني ؛ لأن رواة أحاديثه أكثر، ولأن جابراً منهم أقدم صحبة وأشد عناية بضبط المناسك، وبالإجماع على أنه لاكراهة في الإفراد ، وبأن التمتع والقران يجب فيهما الدم جبراً للنقص ، بخلاف الإفراد . قال النووي في المجموع(٤): والصواب الذي نعتقده أنه مؤ لّ أحرم بحج، ثم أدخل عليه العمرة ، فصار قارنا ، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا ، وعلى الأصح لا يجوزلنا، وجاز للنبي مؤ قّ تلك السنة للحاجة ، وأمر به في قوله: ((لبيك عمرة في حجة))(٥) . (١) غاية المنتهى: ١ / ٣٦٦. (٢) رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ( نصب الراية: ٣ / ١١٣). (٣) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله (جمع الفوائد: ١ / ٤٦٩ ومابعدها) . (٤) المجموع : ٧ / ١٥٠ . (٥) رواه مسلم عن أنس . - ١٣٦ - سادساً - إضافة الإحرام إلى الإحرام وإدخال الحج على العمرة وبالعكس وفسخ الحج إلى العمرة : إضافة الإحرام إلى الإحرام : قال الحنفية(١): إضافة الإحرام إلى الإحرام من المكي ونحوه جناية ، وكذلك إضافة إحرام العمرة إلى إحرام الحج من الآفاقي جناية أيضاً توجب الدم . أما إضافة الحج إلى العمرة فجائز لاجناية فيه . وتفصيل الكلام كما يأتي : ١ - ضم الحج إلى العمرة: إذا أحرم المكي بعمرة ، فأدخل عليها إحرام حجة ، فهناك ثلاثة احتمالات : أ - إما أن يدخله قبل أن يطوف ، فترتفض عمرته اتفاقاً بين أئمة الحنفية ، ولو فعل هذا آفاقي ( غير مكي ) كان قارناً . ب - أو يدخله بعد أن يطوف أكثر الأشواط ، فترتفض حجته اتفاقاً ، ولو فعل هذا آفاقي كان متمتعاً إن كان الطواف في أشهر الحج . جـ - أو يدخله بعد أن يطوف الأقل من الأشواط كثلاثة مثلاً فهي محل خلاف بين الإمام وصاحبيه ، قال أبو حنيفة : يرفض الحج ، لما يلزم رفض العمرة من إبطال العمل ، وقد تأكد إحرام العمرة بأداء شيء من أعمالها ، وإحرام الحج لم يتأكد ، ورفض غير المتأكد أيسر . وقال الصاحبان : يرفض العمرة ، لأنها أدنى حالاً ، إذ ليس من جنسها فرض ، بخلاف الحج ، ولأن العمرة أقل أعمالاً ، وأيسر قضاء لعدم توقيتها وقلة أعمالها . (١) فتح القدير: ٢ / ٢٨٨ - ٢٩٤، تبيين الحقائق: ٢ / ٧٤ - ٧٦. - ١٣٧ - ولو فعل هذا آفاقي کان قارناً . وکل من رفض نسكاً فعلیه دم ، لما روى أبو حنيفة عن عبد الملك بن عمير عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي مَ اللّ أمر لرفضها العمرة بدم». وفي رفض العمرة قضاؤها فقط ، وفي رفض الحج قضاء الحج والعمرة جميعاً ، أما قضاء الحج فلأنه صح شروعه فيه ثم رفضه ، وأما العمرة فهي في معنى فائت الحج ، وفائت الحج يتحلل بأفعال العمرة ، وقد تعذر التحلل بأفعالها ههنا ؛ لأنه في العمرة ، والجمع بين العمرتين منهي عنه ، فيجب عليه قضاء الحج والعمرة جميعاً . وإذا لم يرفض المكي ومن بمعناه العمرة أو الحج ، ومضى عليهما وأداهما ، أجزأه ؛ لأنه أدى أفعالهما كما التزمهما ، غير أنه منهي عنهما ، أي عن إحرام الحج وإحرام العمرة جميعاً ؛ لأن الجمع بين إحرامي الحج أو إحرامي العمرة بدعة ، والنهي لا يمنع تحقق الفعل ، وعليه دم لجمعه بينهما ، لارتكابه المنهي عنه ووجود النقصان في عمله . ٢ - ضم الحج لحجة أخرى: من أحرم بالحج، ثم أحرم يوم النحر بحجة أخرى : أ - فإن حلق في الحجة الأولى ، لزمته الأخرى ولاشيء عليه ؛ لأنه حل من الأول وأحرم للثاني بعده . ب - وإن لم يحلق في الأولى ، لزمته الأخرى ، وعليه دم لصحة شروعه فيه سواء عند أبي حنيفة حلق بعد الإحرام الثاني أولم يحلق ؛ لأنه إن حلق يكون جانياً على الإحرام الثاني ، وإن لم يحلق يكون مؤخراً للحلق في الحج الأول عن أيام النحر ، وهو يوجب الدم عنده . - ١٣٨ - وقال الصاحبان : إن لم يحلق أو يقصر بعد ما أحرم بالحج الثاني ، فلاشيء عليه ؛ لأن تأخير الحلق عندهما عن أيام النحر لا يوجب شيئاً عندهما ، وإن حلق بعد الإحرام بالثاني يجب عليه الدم ، لجنايته عليه . ٣ - ضم العمرة إلى العمرة : من فرغ من عمرته إلا التقصير، فأحرم بأخرى ، فعليه دم باتفاق الحنفية ، لإحرامه قبل الوقت ؛ لأن وقته بعد الحلق للإحرام الأول ، ولم يوجد ، ولأنه جمع بين إحرامي العمرة ، وهذا مكروه ، فيلزمه دم ، وهو دم جبر وكفارة . ٤ - ضم العمرة إلى الحج : من أهل بالحج ، ثم أحرم بالعمرة ، لزمه الاثنان ، لأن الجمع بينهما مشروع في حق الآفاقفي ، فيصير قارناً ، لكنه أخطأ السنة فيصير مسيئاً ؛ لأن السنة إدخال الحج على العمرة ، لا إدخال العمرة على الحج ، قال الله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج .. ) الآية ، جعل الحج آخر الغايتين ، لكن لما لم يؤد الحج صح . ومن أحرم بحج ، ثم بعمرة ، ثم وقف بعرفات قبل أن يدخل مكة ، فقد رفض عمرته بالوقوف ، وإن لم يقف بعرفة لا يصير رافضاً ؛ لأنه يصير قارناً بالجمع بين الحج والعمرة ، وهو مشروع في حق الآفاقي ، لكنه مسيء بتقديم إحرام الحج على إحرام العمرة ، لكونه أخطأ السنة ؛ لأن السنة في القرآن : أن يحرم بها معاً ، أو يقدم إحرام العمرة على إحرام الحج . وإن طاف للحج طواف القدوم ، ثم أحرم بعمرة ، ومضى عليها بأن يقدم أفعال العمرة على أفعال الحج ، وجب عليه دم ، لجمعه بينهما ؛ لأنه قارن ، ولكنه أساء أكثر من الأول حيث أخر إحرام العمرة عن طواف الحج . ويستحب أن يرفض عمرته ؛ لأن إحرام الحج قد تأكد بشيء من أعماله ، وإذا رفض عمرته يقضيها لصحة الشروع فيها ، وعليه دم لرفضها . - ١٣٩ - وإن أهلَّ الحاج بعمرة يوم النحر أو في أيام التشريق ، لزمته العمرة ، ولزمه رفضها ؛ لأنه قد أدى ركن الحج ، فيصير بانياً أفعال العمرة على أفعال الحج من كل وجه ، فكان خطأ محضاً لكراهة العمرة في هذه الأيام تعظيماً لأمر الحج ، فترفض العمرة ، وإذا رفضها وجب عليه دم للتحلل منها قبل أوانه. ويجب عليه قضاؤها لصحة الشروع فيها . فإن مضى على العمرة التي أحرم لها يوم النحر وأدى أفعالها أجزأه ، وعليه دم لجمعه بين أعمالها وأعمال الحج الباقية إن كان الإحرام بها بعد الحلق ، أو لجمعه بينهما في الإحرام إن كان الإحرام بها قبل الحلق . ومن فاته الحج ، فأحرم بعمرة أو بحجة ، فإنه يرفض التي أحرم بها ؛ لأن فائت الحج يتحلل بأفعال العمرة ، من غير أن ينقلب إحرامه إحرام العمرة ، فيصير جامعاً بين العمرتين في الأفعال ، وهو بدعة ، فيرفضها ، كما لو أحرم بحجتين ، وعليه قضاؤها لصحة الشروع فيها ، وعليه دم لرفضها بالتحلل قبل أوانه . رأي الجمهور في إدخال الحج على العمرة وبالعكس : أجاز جمهور الفقهاء(١) إدخال الحج على العمرة بشرط أن يكون الإدخال قبل الشروع في طواف العمرة ، وبشرط كونه عند الحنفية قبل أداء أربعة أشواط من طواف العمرة ، ويكون قارناً بلاخلاف . فإن أدخله على العمرة بعد الطواف فليس له ذلك ولا يصير قارناً ؛ لأنه شارع في التحلل من العمرة ، فلم يجز إدخال الحج عليها . ودليلهم : فعل ابن عمر الذي أحرم بعمرة ، ثم جمع معها حجة ، ثم قال : هكذا صنع النبي عَ النّ(٣). .(١) نيل الأوطار: ٤ / ٣١٨، الشرح الصغير: ٢ / ٣٥، المغني: ٣ / ٤٨٤، اللباب: ١ / ١٩٣. (٢) متفق عليه عن نافع ( نيل الأوطار: ٤ / ٣١٧). - ١٤٠ _