النص المفهرس
صفحات 21-40
أجزأت عنه ، فإن أدرك فعليه الحج ، وأيما رجل مملوك حج به أهله ، فمات ، أجزأت عنه ، فإن أُعتق فعليه الحج))(١). ولا يبطل الإحرام بالجنون والإغماء والموت والسكر والنوم كالصوم . ولو حج الصبي ، صح حجه ، ولم يجزئه عن حجة الإسلام . ولو حج المجنون والصبي الذي لا يعقل ( غير المميز ) لم يصح أداؤه منهما ، لأن أداءه يتوقف على العقل . إحجاج الصغير والمجنون : أ - قال الشافعية والمالكية والحنابلة(٢): للولي من أب أو جد مثلاً حلالاً كان أو محرماً ، حج عن نفسه أم لا، أن يحرم عن الصغير المميز أو عن غير المميز ، أو عن المجنون ، فينوي الولي بقلبه جعل كل منهما محرماً ، أو يقول : أحرمت عنه ، ولا يشترط حضورهما ولا مواجهتهما بالإحرام ، ولا يصير الولي بذلك محرماً. ولا يجوز الإحرام عن المغمى عليه والمريض . والدليل على جواز الإحرام عن الصغير والمجنون: ((أن النبي التّ لقي رَكْباً بالرَّوْحاء ، فقال: من القوم ؟ قالوا : المسلمون ، فقالوا : من أنت ؟ فقال : رسول الله ، فرَفَعت إليه امرأة صبياً ، فسألت : ألهذا حج ؟ قال : نعم ، ولكِ أجر))(٣). (١) ذكره أحمد مرسلاً، ورواه الحاكم عن ابن عباس ، وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ( نصب الراية: ٣ / ٦، نيل الأوطار: ٤ / ٢٩٣) ورواه أيضاً الشافعي وسعيد بن منصور. (٢) مغني المحتاج: ١ / ٤٦١ وما بعدها، الإيضاح: ص ٩٩، المجموع: ٧ / ٣٤ وما بعدها ، الشرح الصغير: ٢ / ١٠، المغني: ٣ / ٢٥٢ - ٢٥٤. (٣) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس ( نيل الأوطار : ٤ / ٢٩٣) وفي معناه حديث ضعيف عن جابر، قال: ((حججنا مع رسول الله مَّ ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم)) رواه = - ٢١ - إذن الولي : ولا يجوز للصبي المميز أن يحرم إلا بإذن وليه وهو الأب ، أو الجد عند عدم الأب ، والوصي والقيم كالأب على الصحيح عند الشافعية ، ولا يتولاه الأخ والعم والأم على الأصح عندهم إذا لم يكن له وصية ولا ولاية من الحاكم . وللولي أن يأذن لمن يحرم عن الصبي . وحيث صار الصبي غير المميز أو المجنون محرماً فعل الولي مالا يتأتى منه ، ولا يكفي فيه فعل الولي فقط ، بل لابد من استصحابه معه ، فيطوف به ويسعى ، ولكن يركع عنه ركعتي الإحرام والطواف ، وإن أركبه الولي في الطواف والسعي ، فليكن سائقاً أو قائداً للدابة ، فإن لم يفعل لم يصح طوافه . ويجب على الصغير طهارة الخبث وستر العورة في الطواف ، ولا يشترط طهارة الحدث ( الوضوء ) . ويحضر الولي الصغير والمجنون المواقف ، وجوباً في الواجبة ، وندباً في المندوبة ، فإن قدر الصغير ونحوه على الرمي رمى وجوباً، وإن عجز عن تناول الأحجار ، ناولها له وليه . وإن عجز عن الرمي ، استحب للولي أن يضع الحجر في يده ، ثم يرمي به بعد رميه عن نفسه ، فإن لم يكن رمى عن نفسه ، وقع الرمي عن نفسه ، وإن نوى به الصبي . والخلاصة : أن كل ماأمكن الصبي فعله بنفسه ، لزمه فعله ، ولا ينوب غيره عنه ، كالوقوف والمبيت بمزدلفة ونحوهما ، وماعجز عنه ، عمله الولي عنه . ولو فرَّط الصبي المميز في شيء من أعمال الحج ، كان وجوب الدم في مال = الترمذي وابن ماجه، وعن ابن عمر قال: ((كنا نحج بصبياننا، فمن استطاع منهم رمى، ومن لم يستطع رمي عنه )» . - ٢٢ - الولي ، ويجب عليه منعه من محظورات الإحرام . أما غير المميز فلا فدية في ارتكابه محظوراً على أحد . والنفقة الزائدة بسبب السفر في مال الولي في الأصح ؛ لأنه المورط له في ذلك . وإذا جامع الصبي في حجه ، فسد وقضى ولو في حال الصبا ، كالبالغ المتطوع بجامع صحة إحرام كل منهما ، فيعتبر فيه لفساد حجه ما يعتبر في البالغ ، من كونه عامداً عالماً بالتحريم ، مختاراً مجامعاً قبل التحللين . ويكتب للصبي ثواب ما عمل من الطاعات ، ولا يكتب عليه معصية بالإجماع . ب - وقال أبو حنيفة في المشهور عنه: لا يصح حج الصبي ، للحديث السابق: ((رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ .. )) الخ وقياساً على النذر، فإنه لا يصح منه، ولأنه لايجب عليه، ولا يصح منه، ولأنه لو صح منه لوجب عليه قضاؤه إذا أفسده ، ولأنه عبادة بدنية ، فلا يصح عقدها من الولي للصبي كالصلاة . ٣ - الحرية: فلا يجب الحج على العبد ؛ لأنه عبادة تطول مدتها ، وتتعلق بقطع مسافة ، وتشترط لها الاستطاعة بالزاد والراحلة ، ويضيع حقوق سيده المتعلقة به ، فلم يجب عليه كالجهاد . حكم الحج حال الصبا والعبودية : وبناء على هذا الشرط وماقبله(١) : من حج وهو غير بالغ ، فبلغ ، أو كان عبداً فعتق ، بعد انتهاء وقت عرفة ، (١) البدائع: ٢ / ١٢١، الشرح الصغير: ٢/ ١٠، المجموع: ٧ / ٤٣ - ٤٧، المغني: ٣ / ٢٤٨ - ٢٥٠، كشاف القناع : ٢ / ٤٤٢ وما بعدها، اللباب : ١ / ١٧٧ ومابعدها . - ٢٣ - فعليه الحج كما بينا ، للحديث السابق: (( أيما صبي حج به أهله ... فإن أدرك فعليه الحج ، وأيما مملوك حج به أهله ... فإن أعتق فعليه الحج )). وإن بلغ الصبي ، أو عتق العبد قبل الوقوف بعرفة ، فأحرما ووقفا بعرفة ، وأتما المناسك ، أجزأهما عن حجة الإسلام ، بلا خلاف ؛ لأنه لم يفتها شيء من أركان الحج ، ولا فعلا شيئاً منها قبل وجوبه . وإن حدث البلوغ قبل الوقوف بعرفات أو في حال الوقوف ، وهما محرمان ، أجزأهما الحج عند الشافعية والحنابلة أيضاً عن حجة الإسلام ؛ لأن الواحد منهما أدرك الوقوف حراً بالغاً ، فأجزأه ، كما لو أحرم تلك الساعة . ولم يجزئهما عند المالكية والحنفية ؛ لأنه يشترط لأداء الحج أن يكون المحرم وقت الإحرام حراً مكلفاً ( أي بالغاً عاقلاً)، وإحرامهما انعقد لأداء النفل ، فلا ينقلب لأداء الفرض . لكن قال الحنفية : لو جدد الصبي الإحرام قبل الوقوف بأن لبى أو نوى حجة الإسلام وأتم أعمال الحج من وقوف وطواف زيارة وسعي وغيرها ، جاز، أما العبد لو فعل ذلك فلم يجز ؛ لأن إحرام الصبي وقع صحيحاً غير لازم ، لعدم الأهلية ، فكان محتملاً للانتقاض ، فإذا جدد الإحرام بحجة الإسلام ، انتقض . وأما إحرام العبد فإنه وقع لازماً ، لكونه أهلاً للخطاب ، فانعقد إحرامه تطوعاً ، فلا يصح إحرامه الثاني إلا بفسخ الأول ، وإنه لايحتمل الانفساخ . وبه يختلف إحرامهما عن الكافر والمجنون ، فإنه لا ينعقد إحرامهما أصلاً لعدم الأهلية . الإذن للصبي وللعبد وللزوجة : ليس للصبي المميز الإحرام بالحج إلا بإذن وليه ولا يصح إحرامه بغير إذنه ؛ لأنه يؤدي إلى لزوم مالم يلزم ، فلم ينعقد عند غير الحنفية بنفسه كالبيع . - ٢٤ - ولیس للعبد أن يحرم بغير إذن سيده بلاخلاف ، لأنه یفوت به حقوق سيده الواجبة عليه بالتزام ماليس بواجب ، فإن فعل انعقد إحرامه صحيحاً ؛ لأنها عبادة بدنية ، فصح من العبد الدخول فيها بغير إذن سيده ، كالصلاة والصوم ، ولسيده تحليله في الأصح عند الشافعية والحنابلة(١)؛ لأن في بقائه عليه تفويتاً لحقه من منافعه بغير إذنه ، فلم يلزم ذلك سيده كالصوم المضر ببدنه ، ويكون حينئذ كالمحصر . وليس للزوجة الإحرام نفلاً ( تطوعاً ) إلا بإذن زوج ، لتفويت حقه ، وللزوج إن أحرمت زوجته بغير إذنه تحليلها منه ؛ لأن حقه لازم ، فملك إخراجها من الإحرام كالاعتكاف ، وتكون كالمحصر ؛ لأنها في معناه . وليس للوالدين منع ولدهما من حج الفرض والنذر ، ولا تحليله منه ، ولا يجوز للولد طاعتهما فيه ، أي في ترك الحج الواجب أو التحليل ، وكذا في كل ما وجب ، كصلاة الجماعة ، والجُمَع ، والسفر للعلم الواجب ؛ لأنها فرض عين ، فلم يعتبر إذن الأبوين فيها ، كالصلاة . ٤ - الاستطاعة البدنية والمالية والأمنية الموجبة للحج : وهي القدرة على الوصول إلى مكة ، لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴾ ، لكن للفقهاء بعض الاختلافات في حدود ووجوه الاستطاعة . قال الحنفية(٢) : الاستطاعة أنواع ثلاثة: بدنية ومالية وأمنية، أما الاستطاعة البدنية : فهي صحة البدن ، فلاحج على المريض والزَّمِن والمُفْعَد (١) المجموع: ٧ / ٣٦ - ٤١، كشاف القناع: ٢ / ٤٤٢ - ٤٤٩، المغني: ٣ / ٢٥٠. (٢) البدائع: ٢ / ١٢١ - ١٢٥، اللباب: ١ / ١٧٧، الدر المختار: ٢ / ١٩٤ - ١٩٩. - ٢٥ _ والمفلوج والأعمى وإن وجد قائداً ، والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بنفسه ، والمحبوس ، والممنوع من قبل السلطان الجائر عن الخروج إلى الحج ؛ لأن الله تعالى شرط الاستطاعة لوجوب الحج ، والمراد منها استطاعة التكليف : وهي سلامة الأسباب ووسائل الوصول . ومن جملة الأسباب : سلامة البدن عن الآفات المانعة من القيام بما لابد منه في سفر الحج ، فسر ابن عباس ﴿ من استطاع إليه سبيلاً ﴾ أن السبيل أن يصح بدن العبد ، ويكون له ثمن زاد وراحلة ، من غير أن يحجب . وأما الاستطاعة المالية : فهي ملك الزاد والراحلة ، بأن يقدر على الزاد ذهاباً وإياباً ، وعلى الراحلة - وسيلة الركوب ، زائداً ذلك عن حاجة مسكنه وما لابد منه كالثياب وأثاث المنزل والخادم ونحو ذلك ؛ لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية ، وزائداً أيضاً عن نفقة عياله الذين تلزمه نفقاتهم إلى حين عودته . ويشترط في القدرة على الراحلة شروط : أ - أن تكون مختصة به ، فلا يكفي القدرة على راحلة مشتركة يركبها مع غيره على التعاقب . والقدرة اليوم بالاشتراك في السيارات أو البواخر أو الطائرات . ب - أن تكون بحسب أحوال الناس : فمن لا يستطيع الركوب على المُقتَب ( وهو الإكاف الصغير حول سنام البعير ) ولم يجد شيئاً آخر كالهودج أو المحمل ، لا يجب عليه الحج . حـ - أن تطلب بالنسبة للآفاقي: وهو من كان بعيداً عن مكة بثلاثة أيام فأكثر . أما المكي أو القريب من مكة ( وهو من كان بينه وبين مكة أقل من ثلاثة أيام ) ، فيجب عليه الحج متى قدر على المشي . - ٢٦ - وأما الاستطاعة الأمنية : فهي أن يكون الطريق آمناً بغلبة السلامة ولو بالرشوة ؛ لأن استطاعة الحج لاتثبت بدونه ، وهو شرط وجوب ، في المروي عن أبي حنيفة . وقال بعضهم : إنه شرط أداء . وأمن المرأة : أن يكون معها أيضاً مَحْرم بالغ عاقل أو مراهق مأمون غير فاسق ، برحم أو صِهْريّة ، أو زوج ، يحج بها على نفقتها ، ويكره تحريماً أن تحج المرأة بغير المحرم أو الزوج ، إذا كان بينها وبين مكة مدة سفر : وهي مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فصاعداً ، فلو حجت بلامحرم جاز مع الكراهة ، والأصح أنه لايجب عليها التزوج عند فقد المحرم ، ووجود المحرم شرط وجوب ، وقيل : شرط أداء . لكن لا تسافر المرأة مع أخيها رضاعاً في زماننا لغلبة الفساد ، لكراهة الخلوة بها كالصهرة ( الحماية ) الشابة . والذي اختاره الكمال بن الهمام في الفتح أن وجود المحرم مع توفر الصحة وأمن الطريق شروط وجوب الأداء ، فيجب الإيصاء إن منع المرض أو خوف الطريق ، أو لم يوجد زوج ولا محرم . ثم إن شروط وجوب الحج من الزاد والراحلة وغير ذلك يعتبر وجودها وقت خروج أهل بلده ، فإن جاء وقت الخروج والمال في يده ، فليس له أن يصرفه في غيره . وقال المالكية(١) : الاستطاعة : هي إمكان الوصول إلى مكة بحسب العادة ، إما ماشياً أو راكباً ، أي الاستطاعة ذهاباً فقط، ولا تعتبر الاستطاعة في الإياب إلا إذا لم يمكنه الإقامة بمكة أو في أقرب بلد يمكنه أن يعيش فيه ، ولا يلزم رجوعه خصوص بلده . (١) الشرح الكبير: ٢ / ٥ - ١٠، الشرح الصغير: ٢ / ١٠ -١٣، بداية المجتهد: ١ / ٣٠٩، القوانين الفقهية: ص ١٢٧ . - ٢٧ - وتكون الاستطاعة بثلاثة أشياء ، وهي : أ - قوة البدن : أي إمكان الوصول لمكة إمكاناً عادياً بمشي أو ركوب ، ببرّ أو بحر ، بلامشقة فادحة ، أي عظيمة خارجة عن العادة ، أما المشقة المعتادة فلابد منها ، إذ السفر قطعة من العذاب . والاستطاعة بالقدرة على المشي مما تفرد به المالكية . حتى إن الأعمى القادر على المشي يجب عليه الحج إذا وجد قائداً يقوده . ويكره للمرأة الحج بمشي بعيد . ب - ووجود الزاد المبلغ بحسب أحوال الناس وبحسب عوائدهم ، ويقوم مقام الزاد الصنعة إذا كانت لا تزري بصاحبها وتكفي حاجته . ويدل ذلك على أن المالكية لم يشترطوا وجود الزاد والراحلة بالذات ، فالمشي يغني عن الراحلة لمن قدر عليه ، والصنعة التي تدر ربحاً كافياً تغني عن اصطحاب الزاد أو النفقة عليه . وتتحقق الاستطاعة بالقدرة على الوصول إلى مكة ، ولو بثمن شيء يباع على المفلس من ماشية وعقار وكتب علم وآلة صانع ونحوها ، أو حتى ولو صار فقيراً بعد حجه ، أو ولو ترك أولاده ومن تلزمه نفقته للصدقة عليهم من الناس إن لم يخش عليهم هلاكاً أو أذىً شديداً ، بأن كان الشأن عدم الصدقة عليهم أو عدم من يحفظهم . ولا يجب الحج بالاستدانة ولو من ولده إذا لم يرج وفاء ، ولا بالعطية من هبة أو صدقة بغير سؤال ، ولا بالسؤال مطلقاً أي سواء أكانت عادته السؤال أم لا ، لكن الراجح أن من عادته السؤال بالحضر، وعلم أو ظن الإعطاء في السفر ما يكفيه ، يجب عليه الحج ، أي أن معتاد السؤال في بلده يجب عليه الحج بشرط ظن الإعطاء ، وإلا فلايجب عليه . - ٢٨ - حـ ـ توفر السبيل: وهي الطريق المسلوكة بالبر أو بالبحر متى كانت السلامة فيه غالبة ، فإن لم تغلب فلا يجب الحج إذا تعين البحر طريقاً . ويكره للمرأة الحج في ركوب بحر إلا أن تختص بمكان في السفينة . وهذا يتطلب كون الطريق آمناً على النفس والمال من غاصب وسارق وقاطع طريق : إذا كان المال ذا شأن بالنسبة للمأخوذ منه ، فقد يكون الدينار ذا بال بالنسبة لشخص ، ولا شأن له بالنسبة لآخر . : : ويزاد في حق المرأة : أن يكون معها زوج أو محرم بنسب أو رضاع أو صهرية(١) من محارمها ، أو رفقة مأمونة عند عدم الزوج أو المحرم في حج الفرض ومنه النذر والحنث، سواء أكانت الرفقة نساء فقط، أم مجموعاً من الرجال والنساء. وإذا كانت المرأة معتدة من طلاق أو وفاة وجب عليها البقاء في بيت العدة، فلو فعلت صح حجها مع الإثم. وقال الشافعية(٢): للاستطاعة المباشرة بالنفس بحج أو عمرة لمن كان بعيداً عن مكة مسافة القصر ( ٨٩ كم ) شروط سبعة تشمل أنواع الاستطاعة الثلاثة السابقة : الأول - القدرة البدنية : بأن يكون صحيح الجسد ، قادراً أن يثبت على الراحلة بلاضرر شديد أو مشقة شديدة ، وإلا فهو ليس بمستطيع بنفسه . وعلى الأعمى الحج والعمرة إن وجد قائداً يقوده ويهديه عند نزوله ، ويركبه عند ركوبه . والمحجور عليه بسفه يجب عليه الحج كغيره ، لكن لا يدفع المال إليه لئلا يبذره ، بل يخرج معه الولي بنفسه إن شاء لينفق عليه في الطريق بالمعروف ، أو (١) لقوله ◌َّل: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوماً وليلة إلا ومعها مَحْرم)). (٢) مغني المحتاج: ١ / ٤٦٣ - ٤٧٠، المهذب: ١ / ١٩٦ - ١٩٨، الإيضاح للنووي: ص ١٦ - ١٧. - ٢٩ - يرسل معه شخصاً ثقة ينوب عن الولي ، ولو بأجرة مثله ، إن لم يجد متبرعاً كافياً ، لينفق عليه بالمعروف . الثاني - القدرة المالية : بوجود الزاد وأوعيته ، ومؤنة ( كلفة ) ذهابه لمكة وإيابه ( أي رجوعه منها إلى بلده ، وإن لم يكن له فيها أهل وعشيرة ) . فإن كان يكتسب كل يوم مايفي بزاده ، وسفره طويل ( مرحلتان فأكثر أي ٨٩ كم) ، لم يكلف الحج ، حتى ولو كسب في يوم كفاية أيام ؛ لأنه قد ينقطع عن الكسب لعارض ، وإذا قدر عدم الانقطاع ، فالجمع بين تعب السفر والكسب ، فيه مشقة عظيمة . وذلك خلافاً لمذهب المالكية السابق في الاكتفاء بالصنعة أثناء السفر . أما إن كان السفر قصيراً ، كأن كان بمكة ، أو على دون مرحلتين منها ، وهو يكتسب في يوم كفاية أيام ، كُلّف الحج ، لقلة المشقة حينئذ . الثالث - وجود الراحلة ( وسيلة الركوب ) الصالحة لمثله بشراء بثمن المثل ، أو استئجار بأجرة المثل ، لمن كان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر، قدر على المشي أم لا ، خلافاً للمالكية ، ولكن يستحب للقادر على المشي الحج خروجاً من خلاف من أوجبه . وهذا الشرط من القدرة المالية أيضاً . ومن كان بينه ومن مكة دون مرحلتين ، وهو قوي على المشي ، يلزمه الحج ، فإن ضعف عن المشي ، بأن عجز أو لحقه ضرر ظاهر ، فهو كالبعيد ، فيشترط في حقه وجود الراحلة . ويشترط كون الزاد والراحلة فاضلين عن دينه الحال أو المؤجل ، لاّدمي أم لله تعالى كنذر وكفارة ، وعن مؤنة(١) أي نفقة من تلزمه نفقته مدة ذهابه (١) التعبير بالمؤنة : أي الكلفة يشمل النفقة والكسوة والخدمة والسكنى وإعفاف الأب (تزويجه)، وكذا أجرة الطبيب وثمن الأدوية للقريب المحتاج إليها . - ٣٠ - وإيابه، لئلا يضيعوا، وقد قال ◌ُ له: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت )»(١) . والأصح كون الزاد والراحلة فاضلين أيضاً عن مسكنه اللائق به وعن خادمه المحتاج إليه لمنصب أو عجز ، لاحتياجه لهما في الحال . والأصح أنه يلزم المرء صرف مال تجارته إلى الزاد والراحلة وتوابعهما . ويلزم من له مستغلات ( أماكن أو دور للاستثمار) يحصل منها نفقته أن يبيعها ويصرفها لما ذكر في الأصح ، كما يلزمه صرفها لوفاء دينه . الرابع - وجود الماء والزاد وعلف الدابة في المواضع المعتاد حمله منها ، بثمن المثل : وهو القدر المناسب به في ذلك الزمان والمكان ، وإن غلت الأسعار . فإن لم يوجدوا ، أو وجد أحدهم ، أو وجد بأكثر من ثمن المثل ، لم يلزمه النسك ( الحج والعمرة ) . وهذا شرط أيضاً في القدرة المالية . الخامس - الاستطاعة الأمنية : أمن الطريق ولو ظناً على نفسه وماله في كل مكان بحسب ما يليق به ، والمراد هو الأمن العام ، فلو خاف على نفسه أو زوجه أو ماله سبعاً أو عدواً أو رَصديّاً (وهو من يرصد أي يرقب من يمر ليأخذ منه شيئاً ) ، ولاطريق له سواه ، لم يجب الحج عليه ، لحصول الضر . وإذا تحقق الأمن بالخفارة أو الحراسة في غالب الظن ، وجب استئجار الحارس على الأصح ، إن كان قادراً على أجر المثل . السادس - أن يكون مع المرأة زوج، أو مَحْرم بنسب أو غيره ، أو نسوة ثقات ؛ لأن سفرها وحدها حرام ، وإن كانت في قافلة أو مع جماعة ، لخوف (١) رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو، وهو صحيح . - ٣١ - استمالتها وخديعتها، ولخبر الصحيحين: (( لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم)) ولا يشترط كون الزوجة والمحرم ثقة ؛ لأن الوازع الطبيعي أقوى من الشرعي . وأما النسوة فيشترط فيهن الثقة لعدم الأمن ، والبلوغ ، لخطر السفر ، ويكتفى بالمراهقات في رأي المتأخرين ، وأن يكنَّ ثلاثاً غير المرأة ؛ لأنه أقل الجمع ، ولا يجب الخروج مع امرأة واحدة . وهذا كله شرط للوجوب . أما الجواز فيجوز للمرأة أن تخرج لأداء حجة الإسلام ( الفرض ) مع المرأة الثقة على الصحيح . والأصح أنه لا يشترط وجود محرم لإحداهن ، والأصح أنه يلزم المرأة أجرة المحرم إذا لم يخرج إلا بها. أما حج التطوع وغيره من الأسفار التي لاتجب ، فليس للمرأة أن تخرج إليه مع امرأة ، بل ولا مع النسوة الخلص ، لكن لو تطوعت بحج ، ومعها محرم ، فمات ، فلها إتمامه ، ولها الهجرة من بلاد الكفر وحدها . السابع - إمكان المسير : وهو أن يبقى من وقت الحج بعد القدرة بأنواعها ما يكفي لأدائه . وتعتبر الاستطاعة عند دخول وقته وهو شوال إلى عشر ذي الحجة ، فلا يجب الحج إذا عجز في ذلك الوقت . وقال الحنابلة(١) : الاستطاعة المشترطة : هي القدرة على الزاد والراحلة؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة ، فوجب الرجوع إلى تفسيره: ((سئل النبي ◌ُ التّ ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة))(٢) روى ابن عمر: ((جاء رجل إلى النبي ◌ُ ◌ّ فقال: يارسول الله، ما يوجب الحج ؟ قال : الزاد (١) المغني: ٣ / ٢١٨ - ٢٢٢، كشاف القناع: ٢ / ٤٥٠ - ٤٥٤ . (٢) رواه الدارقطني عن جابر وابن عمر وابن عمرو وأنس وعائشة رضي الله عنهم . - ٣٢ - والراحلة)) (١) . واتفق الشافعية في الأصح والحنابلة على أنه لا يلزم الحج إذا بذل المال ولد أو أجنبي ، ولا يجب قبوله ، لما في قبول المال من المنة . ورأى الحنابلة كالشافعية أن من تكلف الحج ممن لا يلزمه ، وأمكنه ذلك من غير ضرر يلحق بغيره ، مثل أن يمشي ويكتسب بصناعة ونحوها ، ولا يسأل الناس ، استحب له الحج ، لقوله تعالى: ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ فقدم الرجال أي المشاة ، ولأن في ذلك مبالغة في طاعة الله عز وجل ، وخروجاً من الخلاف . ويكره الحج لمن حرفته السؤال . والزاد المشروط عند الحنابلة كالشافعية : وهو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه ، من مأكول ومشروب وكسوة ، ويلزمه شراؤه بثمن المثل ، أو بزيادة يسيرة لاتجحف بماله . ويلزمه حمل الزاد والماء وعلف البهائم إن لم يجده في طريقه ، فإن وجده في المنازل المعتادة ، لم يلزمه حمله ؛ لأن هذا يشق عليه ولم تجر العادة به . ويشترط أيضاً القدرة على وعاء الزاد والماء ؛ لأنه لابد منه . ويعتبر الزاد مع قرب المسافة وبعدها إن احتاج إليه ؛ لأنه لابد منه ، فإن لم يحتج إليه لم يعتبر . وأما الراحلة أو المركوب : فيشترط أن تكون صالحة لمثله ، إما بشراء أو بكراء لذهابه ورجوعه ، وأن يجد مايحتاج إليه من آلتها التي تصلح لمثله . ويطلب وجود الراحلة مع بعد المسافة فقط عن مكة ، ولو قدر على المشي ، لأن الاستطاعة هي الزاد والراحلة ، وبعد المسافة : ما تقصر فيه الصلاة ، أي مسيرة (١) رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن . - ٣٣ - الفقه الإسلامي جـ ٣ (٣) يومين معتدلين ، ولا تعتبر الراحلة فيما دون مسافة القصر ، من مكي وغيره بينه وبين مكة دون المسافة ، ويلزمه المشي للقدرة على المشي فيها غالباً ، ولأن مشقتها يسيرة ، ولا يخشى فيها المشي للقدرة على المشي فيها غالباً ، ولا يخشى فيها عطب إذا حدث انقطاع بها ، إلا مع عجز لكبر ونحوه كمرض ، فتعتبر الراحلة ، حتى فيما دون المسافة للحاجة إليها إذاً . ولا يلزمه السير حبواً وإن أمكنه لمزيد مشقته . ويشترط أن يكون الزاد والراحلة فاضلاً عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مؤونتهم في مضيه ورجوعه ، دون مابعد رجوعه ؛ لأن النفقة متعلقة بحقوق الآدميين، وهم أحوج، وحقهم آكد، وقد قال تع الى: ((كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت )»(١) . وأن يكون ذلك فاضلاً عما يحتاج هو وأهله إليه من مسكن وخادم وما لابد منه ، وأن يكون فاضلاً عن قضاء دينه ؛ لأن قضاء الدين من حوائجه الأصلية ، ويتعلق به حقوق الآدميين ، فهو آكد . وإن احتاج إلى الزواج وخاف على نفسه العنت ( الإثم والأمر الشاق ) قدم التزويج ، لأنه واجب عليه ولاغنى به عنه ، فهو كنفقته ، وإن لم يخف قدم الحج ؛ لأن الزواج تطوع ، فلا يقدم على الحج الواجب . ومن له عقار يحتاج إليه لسكناه ، أو سكنى عياله ، أو يحتاج إلى أجرته ، النفقة نفسه أو عياله ، أو بضاعة متى نقصها اختل ربحها ، فلم يكفهم ، أو سائمة يحتاجون إليها ، لم يلزمه الحج ، فإن كان له من ذلك شيء فاضل عن حاجته ، لزمه بيعه في الحج . وإن كان له كتب يحتاج إليها ، لم يلزمه بيعها في الحج ، وإن كانت مما لا يحتاج إليها ، باع منها ما يكفيه للحج . (١) رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو. - ٣٤ _ وإن كان له دين على مليء باذل له يكفيه للحج ، لزمه الحج ؛ لأنه قادر ، وإن كان على معسر أو تعذر استيفاؤه عليه ، لم يلزمه . ويشترط أيضاً أمن الطريق بحيث لا يوجد مانع من عدو ونحوه . ووجود زوج أو محرم للمرأة ، فلا يجب عليها الحج مالم يكن معها أحدهما . وإمكان المسير وهو أن تكمل فيه هذه الشرائط والوقت متسع يمكنه الخروج إلى الحج(١) . وهذا موافق لمذهبي الحنفية والشافعية أيضاً ، لكن عند الحنابلة روايتان في هذين الشرطين : رواية أنها من شرائط الوجوب كالحنفية والشافعية ، فلا يجب الحج بدونها ، ورواية أنهما من شرائط لزوم السعي إلى الحج ، فمن مات يجب الحج عنه بعد موته لثبوته في ذمته ، أما على الرواية الأولى فلم يجب عليه شيء ، وهذا هو المذهب . وليس للرجل منع امرأته من حجة الإسلام عند أكثر العلماء ، وهو قول للشافعي ؛ لأنه فرض ، فلم يكن له منعها منه ، كصوم رمضان والصلوات الخمس . ويستحب أن تستأذنه في ذلك ، فإن أذن وإلا خرجت بغير إذنه . فأما حج التطوع فله منعها منه . وقال الشافعية : للزوج منع الزوجة من الحج الفرض والمسنون ؛ لأن حقه على الفور ، والنسك على التراخي ، وليس له منعها من الصوم والصلاة ، والفرق : طول مدة الحج ، بخلافهما . الشروط الخاصة بالنساء : أما الشروط الخاصة بالنساء فهي اثنان تفهم مما سبق بيانه في المذاهب وهما : أحدهما - أن يكون معها زوجها أو مَحْرم لها ، فإن لم يوجد أحدهما لا يجب (١) البدائع: ٢ / ١٢٣ - ١٢٤. - ٣٥ - ٠ ٠١٠٠ عليها الحج . وهذا متفق عليه للحديث السابق: (( لا تسافر المرأة ثلاثة إلا ومعها ذو محرم))(١) ولحديث: ((لا تحجن امرأة إلا ومعها زوج))(٢)، وأوجب الشافعية على المرأة الحج مع نسوة ثقات ، لامع واحدة فقط ، وأوجب المالكية عليها الحج مع رفقة مأمونة من النساء فقط أو الرجال فقط ، أو المجموع من الجنسين . ودليل الشافعية والمالكية عموم آية : ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴾ فإذا أمنت المرأة الفساد على نفسها لزمها الحج . وضابط المحرم عند العلماء : من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها أي بنسب أو رضاع أو مصاهرة . فخرج بالتأبيد : زوج الأخت وزوج العمة ، وخرج بالمباح : أم الموطوءة بشبهة وبنتها ، وخرج بحرمتها : الزوجة الملاعنة(٣) . هذا ويلاحظ أن الخلاف بين الشافعية والمالكية وبين باقي الفقهاء محصور في سفر الفريضة ومنه سفر الحج ، فلايقاس عليه سفر الاختيار بالإجماع ، خطب النبي ◌ُ ◌ّ فقال: ((لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ، فقام رجل ، فقال : يارسول الله ، إن امرأتي خرجت حاجة ، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا ، فقال: انطلق ، فحج مع امرأتك)) (٤) . والثاني - ألا تكون معتدة عن طلاق أو وفاة ؛ لأن الله تعالى نهى المعتدات عن الخروج بقوله عز وجل : ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾ ولأن (١) متفق عليه عند البخاري ومسلم وأحمد عن ابن عمر (نيل الأوطار: ٤ / ٢٩٠). (٢) رواه الدارقطني وصححه أبو عوانة ( نيل الأوطار: ٤ / ٤٩١). (٣) نيل الأوطار: ٤ / ٢٩١ . (٤) متفق عليه عن ابن عباس، واللفظ لمسلم ( سبل السلام: ٢ / ١٨٣). - ٣٦ - الحج يمكن أداؤه في وقت آخر ، فأما العدة فإنها تجب في وقت مخصوص وهو ما بعد الطلاق أو الوفاة مباشرة ، فكان الجمع بين الأمرين أولى . ويلاحظ أن هذين الشرطين مع شروط سلامة البدن من الآفات المانعة من السفر كالمرض والعمى ، وزوال المانع الحسي كالحبس ، وأمن الطريق هي شروط وجوب الأداء عند الحنفية وهي خمسة ، أما شروط الوجوب أو الفرضية فهي ثمانية عندهم : وهي الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والوقت والقدرة على الزاد ولو بمكة ، والقدرة على الراحلة والقوة بلامشقة . ولو تكلف واحد ممن له عذر فحج عن نفسه ، أجزأه عن حجة الإسلام إذا كان عند الحنفية بالغاً عاقلاً حراً ؛ لأنه من أهل الفرض ، إلا أنه لم يجب عليه ، دفعاً للحرج عنه ، فإذا تحمل الحرج وقع الحج موقعه . ومنع الحنابلة خروج المرأة إلى الحج في عدة الوفاة ، وأجازوا لها الخروج في عدة الطلاق المبتوت ؛ لأن لزوم المنزل والمبيت فيه واجب في عدة الوفاة ، والطلاق المبتوت لا يجب فيه ذلك . وأما عدة الرجعية إن خرجت للحج فتوفي زوجها ، رجعت لتعتد في منزلها إن كانت قريبة ، ومضت في سفرها إن كانت بعيدة . النيابة في الحج والحج عن الغير (١): بحث هذا الموضوع يقتضي ما يأتي : (١) قال بعض أئمة النحاة : منع قوم إدخال أل على غير وكل وبعض ؛ لأن هذه لا تتعرف بالإضافة فلاتتعرف بالألف واللام ، وقال ابن عابدين: إنها تدخل عليها ؛ لأن الألف واللام هنا ليست للتعريف ، ولكنها المعاقبة للإضافة. ( رد المحتار: ٢ / ٣٢٣ ) . - ٣٧ - أولاً - ما يقبل النيابة من العبادات وما لا يقبلها : العبادات أنواع ثلاثة(١): أ - عبادة مالية محضة كالزكاة والكفارة وتوزيع الأضاحي: يجوز النيابة فيها بالاتفاق في حالتي الاختيار والضرورة ؛ لأن المقصود انتفاع أهلها بها ، وذلك حاصل بأي شخص ، أصيل أو نائب . ب - عبادة بدنية محضة كالصلاة والصوم : لاتجوز النيابة فيها ؛ لأن المقصود وهو إتعاب النفس لايحصل بالإنابة . جـ - عبادة مركبة - بدنية ومالية معاً - كالحج : يجوز فيها عند الجمهور ( غير المالكية ) النيابة عند العجز أو الضرورة ؛ لأن المشقة المقصودة تحصل بفعل النفس ، وتحصل أيضاً بفعل الغير إذا كان بماله ، فهذه العبادة تختلف عن الصلاة باشتمالها على القربة المالية غالباً بالإنفاق في الأسفار . وقال المالكية على الصحيح : لاتجوز النيابة عن الحي في حج الفرض أو النفل ، بأجرة أو لا ، والإجارة فيه فاسدة ، لأنه عمل بدني لا يقبل النيابة ، كالصلاة والصوم ، إذ المقصود منه تأديب النفس بمفارقة الأوطان وتهذيبها بالخروج عن المعتاد ، من لبس المخيط وغيره لتذكر المعاد والآخرة والقبر ، وتعظيم شعائر الله في تلك البقاع ، وإظهار الانقياد من الإنسان لما لم يعلم حقيقته ، كرمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة وغيرهما ، وهذه مصالح ومقاصد لا تتحقق إلا لمن باشرها بنفسه . (١) فتح القدير: ٢ / ٣٠٨ ومابعدها، البدائع: ٢ / ٢١٢ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٢ / ٨٣ - ٨٥، الدر المختار: ٢ / ٣٢٦ ومابعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي: ٢ / ١٠، الشرح الصغير: ٢ / ١٤ - ١٥، القوانين الفقهية: ص ١٢٨، الفروق للقرافي: ٢ / ٢٠٥، مغني المحتاج: ١ / ٤٦٨، متن الإيضاح: ص ١٧، غاية المنتهى: ١ / ٣٥٨ ، القواعد لابن رجب: ص ٣١٨، المغني: ٣ / ٢٢٧ - ٢٣٠ . . - ٣٨ - أما الميت إذا أوصى بالحج فيصح عنه مع الكراهة ، ويكره التطوع عنه بالحج . ثانياً - إهداء ثواب الأعمال للميت : . اتفق العلماء على وصول ثواب الدعاء والصدقة والهدي للميت ، للحديث السابق: ((إذا مات الإنسان ، انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم يُنتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ))(١). وقال جمهور أهل السنة والجماعة(٢): للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقة أو تلاوة قرآن ، بأن يقول : اللهم اجعل ثواب ماأفعل لفلان ، لما روي أن النبي مَّ («ضحى بكبشين أملحين، أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمته ، ممن أقر بوحدانية الله تعالى، وشهد له بالبلاغ))(٣) فإنه جعل تضحية إحدى الشاتين لأمته . ولما روي أن رجلاً سأل النبي عّ لّ فقال : كان لي أبوان أبرهما حال حياتها ، فكيف لي ببرهما بعد موتها ؟ فقال له عليه الصلاة والسلام : إن من البر بعد البر: أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك )»(٤). وأما قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ماسعى﴾ فيراد به : إلا إذا وهبه له ، كما حققه الكمال بن الهمام ، أو أنه ليس له من طريق العدل ، وله من (١) رواه مسلم عن أبي هريرة ( رياض الصالحين: ص ٣٤٧). (٢) المراجع السابقة . (٣) روي فيه سبعة أحاديث وهي عن عائشة وأبي هريرة ، وجابر وأبي رافع وحذيفة بن أسيد الغفاري وأبي طلحة الأنصاري وأنس ، فحديث عائشة وأبي هريرة رواه ابن ماجه ( انظر نصب الراية: ٢ / ١٥١ _ ١٥٤). (٤) رواه الدارقطني، ويؤكده مارواه أيضاً عن علي: (( من مر على المقابر وقرأ: قل هو الله أحد ، إحدى عشرة مرة ، ثم وهب أجرها للأموات ، أعطي من الأجر بعدد الأموات)) وروى أبو داود عن معقل بن يسار: ((اقرؤوا على موتاكم سورة يس)). - ٣٩ - ١ طريق الفضل ، ويؤكده مضمون آية أخرى : ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ﴾ . وأما حديث ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث)) فلا يدل على انقطاع عمل غيره. وأما حديث: «لا يصوم أحد عن أحد ، ولا يصلي أحد عن أحد )) فهو في حق الخروج عن العهدة ، لا في حق الثواب . وليس في ذلك شيء مما يستبعد عقلاً ، إذ ليس فيه إلا جعل ماله من الأجر لغيره ، والله تعالى هو الموصل إليه ، وهو قادر عليه ، ولا يختص ذلك بعمل دون عمل . وقال المعتزلة : ليس للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره ، ولا يصل إليه ، ولا ينفعه، لقوله تعالى: ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ماسعى ، وأن سعيه سوف يرى ﴾ ولأن الثواب هو الجنة ، وليس في قدرة العبد أن يجعلها لنفسه فضلاً عن غيره . وقال مالك والشافعي : يجوز جعل ثواب العمل للغير في الصدقة والعبادة المالية وفي الحج ، ولا يجوز في غيره من الطاعات كالصلاة والصوم وقراءة القرآن وغيره . ثالثاً - مشروعية النيابة في الحج وأقوال الفقهاء فيما يجوز منها : يجوز الحج عن الغير الذي مات ولم يحج ، أو عن المريض الحي الذي عجز عن الحج لعذر وله مال ، وآراء الفقهاء هي ما يأتي (١). (١) البدائع: ٢ / ١٢٤، ٢١٢، الدر المختار: ٢ / ٣٢٦ - ٣٣٣، الشرح الصغير: ٢ / ١٥،بداية المجتهد: ١ / ٣٠٩، مغني المحتاج: ١ / ٤٦٨ وما بعدها، المغني: ٣ / ٢٢٧ ومابعدها، كشاف القناع: ٢٤١ - ٢٤٤، ٢ / ٤٥٥ - ٤٥٩ . - ٤٠ -