النص المفهرس
صفحات 1-20
الفِقَةُ الإِسْلَامِ وَالأَلِنَّةُ الشّامل للأدلّة الشرعيّة والآراء المذهبيّة وأهمّ النظريّات الفِقهِيّة وتحقيق الأحاديث النبوية وتخريجها وَفَهْرَة ألفبَائِيَّة للمَوَضُوعَاتِ وَأَهَمّ المَسَائِلِ الفِقهِيَّة ((مَن يُرِدِاللهُبِهِ خَيَّا يُفْقِّهُهُ فِي الدِّينِ)) و اله تـ تأليف الدكتور وهبة الزحيلي الجزء الثالث الحج والعمرة. الأيمان والنذور والكتّرات الخطر والإباحة. الأ ضحية والعقيقة، الذرائع والصّيد دار الفكر قفـ . الله تعالى الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ = ١٩٨٥ م ط ١ ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م ( ١٥٠٠ نسخة ) جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير ، كما يمنع الاقتباس منه ، والترجمة إلى لغة أخرى ، إلا بإذن خطي من دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر بدمشق سورية - دمشق - شارع سعد الله الجابري - ص.ب (٩٦٢) - س. ت ٢٧٥٤ هاتف ٢١١٠٤١، ٢١١١٦٦ - برقياً: فكر - تلكس Tx FKR 411745 Sy الصف التصويري : على أجهزة .C.T.T السويسرية الإفشاء (أوفست) : في المطبعة العلمية بدمشق بسِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لله تعالى الفِقَةِ الإِسْلامِ وَالْلِيَّةُ لله تعالى الباب الخامس الحج والعمرة فيه فصول ثلاثة : الفصل الأول - أحكام الحج والعمرة . الفصل الثاني - خصائص الحرمين - مكة والمدينة . الفصل الثالث - آداب السفر للحج وغيره وآداب الحاج العائد بعد رجوعه من سفره . ويلاحظ أنني أخرت بحث الحج عن الصلاة والزكاة والصوم ؛ لأن الصلاة عماد الدين ولشدة الحاجة إليها لتكررها كل يوم خمس مرات ، ثم الزكاة لكونها قرينة لها في أكثر المواضع في القرآن ، ثم الصوم لتكرره كل سنة ، وأما الحج ففي العمر مرة . - ٥ - لله تعالى® الفصل الأول أحكام الحج والعمرة وهو يشتمل على أمور ثلاثة : الأول - بيان مقدمات هذه العبادة بمعرفة حكم كل من الحج والعمرة وشروطهما . والثاني - مقومات الحج والعمرة وهي الأفعال المطلوبة والمتروكات بالإحرام ، وفيه توضيح الأركان والواجبات والسنن . والثالث - اللواحق وهي أحكام الأفعال التابعة للإحرام ، من إحصار وفوات ، وجزاء جنايات ، وهدي . وهذا الفصل هو صلب موضوع هذا الباب الذي خصصناه لبيان الدعامة الرابعة من دعائم الإسلام بعد بيان الدعامات الثلاثة : وهي الصلاة والصوم والزكاة . ويمكن بحث موضوعاته في المباحث الثلاثة عشر التالية : المبحث الأول - تعريف الحج والعمرة ومكانتها في الإسلام وحكمتهما وحكمهما . المبحث الثاني - شروط الحج والعمرة ( شروط الوجوب والصحة أو الأداء ) وموانعهما . - ٧ - المبحث الثالث - مواقيت الحج والعمرة الزمانية والمكانية . المبحث الرابع - أعمال الحج والعمرة وصفة حجة النبي مد لّه وعمرته . المبحث الخامس - أركان الحج والعمرة . المبحث السادس - واجبات الحج . المبحث السابع - سنن الحج والعمرة . المبحث الثامن - كيفية أداء الحج والعمرة . المبحث التاسع - كيفية التحلل من الحج . المبحث العاشر - محظورات الإحرام ومباحاته . المبحث الحادي عشر - جزاء الجنايات في الحج أو العمرة . المبحث الثاني عشر والإحصار والفوات . المبحث الثالث عشر - الهدي . ونبدأ ببيانها على الترتيب المذكور. 8 المبحث الأول - تعريف الحج والعمرة ومكانتها في الإسلام وحکمتھما وحکھما : 5 أولاً - تعريف الحج والعمرة : الحج لغة : القصد مطلقاً ، وعن الخليل قال : الحج : كثرة القصد إلى من تعظمه . وشرعاً : قصد الكعبة لأداء أفعال مخصوصة ، أو هو زيارة مكان مخصوص في زمن مخصوص بفعل مخصوص . والزيارة : هي الذهاب . والمكان المخصوص : الكعبة وعرفة . والزمن الخصوص : هو أشهر الحج وهي : شوال وذو القعدة وذو الحجة ، والعشر الأوائل من ذي الحجة ، ولكل فعل زمن خاص ، فالطواف - ٨ - مثلاً عند الجمهور : من فجر النحر إلى آخر العمر ، والوقوف بعرفة : من زوال الشمس يوم عرفة لطلوع فجر يوم النحر . والفعل المخصوص : أن يأتي مُحْرماً بنية الحج إلى أماكن معينة (١) . وتاريخ مشروعيته على الصحيح : أن الحج فرض في أواخر سنة تسع من الهجرة ، وأن آية فرضه هي قوله تعالى: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع وهو رأي أكثر العلماء، وأنه مؤ لفا لم يؤخر الحج بعد فرضه عاماً واحداً ، وإنما أخره عليه السلام للسنة العاشرة لعذر ، وهو نزول الآية بعد فوات الوقت(٢) ، فكان حجه بعد الهجرة حجة واحدة سنة عشر، كما روى أحمد ومسلم . والعمرة لغة : الزيارة ، وقيل : القصد إلى مكان عامر ، وسميت بذلك ؛ لأنها تفعل في العمر كله . وشرعاً : قصد الكعبة للنسك وهو الطواف والسعي(٢). ولا يغني عنها الحج وإن اشتمل عليها . ثانياً - مكانة الحج والعمرة في الإسلام وحكمتهما : الحج : هو الركن الخامس من أركان الإسلام ، فرضه الله تعالى على المستطيع ، والعمرة مثله ، فهما أصلان عند الشافعية والحنابلة ، لقوله تعالى : ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ) وهي سنة عند المالكية والحنفية ، كما سنبين ، وقد اعتمر النبي ◌ُّ ◌ِّرُ أربع عُمَر، كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حَجَّته(٤): الأولى من (١) الدر المختار: ٢ / ١٨٩، اللباب: ١ / ١٧٧، فتح القدير: ٢ / ١٢٠، مغني المحتاج: ١ / ٤٥٩ ومابعدها ، المغني: ٣ / ٢١٧، الشرح الكبير مع الدسوقي: ٢ / ٢، كشاف القناع: ٢ / ٤٣٧ . (٢) حاشية ابن عابدين نقلاً عن ابن القيم: ٢ / ١٩٠ . (٣) مغني المحتاج: ١ / ٤٦٠، كشاف القناع: ٢ / ٤٣٦ ومابعدها . (٤) رواه مسلم عن أنس ( شرح مسلم: ٨ / ٢٣٤ وما بعدها ) . - ٩ - الحديبية سنة ست من الهجرة ، والثانية سنة سبع وهي عمرة القضاء ، والثالثة سنة ثمان عام الفتح ، والرابعة مع حجته سنة عشر ، وكان إحرامها في ذي القعدة وأعمالها في ذي الحجة . قال القاضي حسين من الشافعية : الحج أفضل العبادات لاشتماله على المال والبدن ، وقال الحليمي : الحج يجمع معاني العبادات كلها ، فمن حج فكأنما صام وصلى واعتكف وزكى ورابط في سبيل الله وغزا ، ولأنا دعينا إليه ، ونحن في أصلاب الآباء كالإيمان الذي هو أفضل العبادات . والراجح عند الشافعية والحنابلة أن الصلاة أفضل منه(١) ؛ لأن الصلاة عماد الدين . وهل الحج أفضل من الجهاد ؟ اختلفت الأحاديث المشتملة على بيان فاضل الأعمال من مفضولها ، فتارة تجعل الأفضل الجهاد ، وتارة الإيمان ، وتارة الصلاة ، وتارة غير ذلك ، من هذه الأحاديث: حديث الشيخين عن أبي هريرة قال: ((سئل رسول الله عَ لٍ ، أي الأعمال أفضل ؟ قال : إيمان بالله وبرسوله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : ثم الجهاد في سبيل الله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال: ثم حج مبرور)) ومنها حديث الجماعة إلا أبا داود عن أبي هريرة أيضاً: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) والمبرور: المقبول ، ورجح النووي أنه الذي لا يخالطه شيء من الإثم . قال الشوكاني(٣): وأحق ماقيل في الجمع بين الأحاديث : أن بيان الفضيلة (١) المرجعان والمكانان السابقان رقم (٣). (٢) نيل الأوطار: ٤ / ٢٨٢ ومابعدها . - ١٠ - يختلف باختلاف المخاطب ، فإذا كان المخاطب ممن له تأثير في القتال ، وقوة على مقارعة الأبطال ، قيل له : أفضل الأعمال : الجهاد ، وإذا كان كثير المال ، قيل له : أفضل الأعمال : الصدقة ، ثم كذلك يكون الاختلاف على حسب اختلاف المخاطبين . وقال المالكية(١): الحج ولو تطوّعاً أفضل من الجهاد ، إلا في حالة الخوف من العدو ، فيفضل الجهاد على حج التطوع . حكمة المشروعية : يتحقق بالحج والعمرة فرض الكفاية وهو إحياء الكعبة كل سنة بالعبادة ، وتمتاز العمرة عن الحج بإمكانها في كل أيام العام أو العمر ، فهي أيسر من الحج الذي يتقيد بأيام معلومات . وللحج فوائد شخصية وجماعية ، أما أهم فوائده الشخصية فهي مايأتي : يكفّر الحج الذنوب الصغائر ويطهر النفس من شوائب المعاصي ، وقال بعض العلماء كبعض الحنفية: والكبائر أيضاً، بدليل الحديث السابق: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة )) فلا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لابد أن يدخل الجنة ، ولقوله مص له أيضاً: ((من حج ، فلم يرفُث، ولم يفسُق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه))(٢) أي بغير ذنب . وقال عليه السلام: (( الحجاج والعُمَّار وفد الله، إن دعوه أجابهم ، وإن (١) الشرح الكبير: ٢ / ١٠. (٢) رواه عن أبي هريرة البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، والترمذي إلا أنه قال: ((غفر له ما تقدم من ذنبه)» والرفث : الفحش من القول، وقيل : هو الجماع . والفسق : المعصية . - ١١ - استغفروه غفر لهم))(١) وقال أيضاً: ((يُغفَر للحاج، ولمن استغفر له الحاج))(). قال القاضي عياض : أجمع أهل السنة أن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة ، ولا قائل بسقوط الدين ، ولو حقاً لله تعالى ، كدين الصلاة والزكاة . فالحج يغفر الذنوب ، ويزيل الخطايا إلا حقوق الآدميين ، فإنها تتعلق بالذمة ، حتى يجمع الله أصحاب الحقوق ، ليأخذ كل حقه ، ومن الجائز أن الله تعالى يتكرم ، فيرضي صاحب الحق بما أعد له من النعيم وحسن الجزاء ، فيسامح المدين تفضلاً وتكرماً ، فلابد من أداء حقوق الآدميين ، أما حقوق الله فمبنية على تسامح الكريم الغفور الرحيم . والحج يطهر النفس ، ويعيدها إلى الصفاء والإخلاص ، مما يؤدي إلى تجديد الحياة ، ورفع معنويات الإنسان®، وتقوية الأمل وحسن الظن بالله تعالى . ويقوي الحج الإيمان ، ويعين على تجديد العهد مع الله ، ويساعد على التوبة الخالصة الصدوق ، ويهذب النفس ، ويرقق المشاعر ويهيج العواطف . ويذكر الحج المؤمن بماضي الإسلام التليد، وبجهاد النبي معر فتهم والسلف 5 الصالح الذين أناروا الدنيا بالعمل الصالح . والحج كغيره من الأسفار يعوّد الإنسان الصبر وتحمل المتاعب ، ويعلم الانضباط والتزام الأوامر ، فيستعذب الألم في سبيل إرضاء الله تعالى ، ويدفع إلى التضحية والإيثار . وبالحج يؤدي العبد لربه شكر النعمة : نعمة المال ، ونعمة العافية ، - (١) رواه عن أبي هريرة النسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، ولفظهما: ((وفد الله ثلاثة : الحاج ، والمعتمر، والغازي)). (٢) رواه البزار والطبراني في الصغير، وابن خزيمة في صحيحه والحاكم، ولفظهما: ((اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج )) . - ١٢ - ويغرس في النفس روح العبودية الكاملة ، والخضوع الصادق الأكيد لشرع الله ودينه ، قال الكاساني(١): في الحج إظهار العبودية وشكر النعمة، أما إظهار العبودية فهو إظهار التذلل للمعبود ، وفي الحج ذلك ؛ لأن الحاج في حال إحرامه يظهر الشعث ويرفض أسباب التزين والارتفاق ، ويظهر بصورة عبد سخط عليه مولاه ، فيتعرض بسوء حاله لعطف مولاه . وأما شكر النعمة : فلأن العبادات بعضها بدنية وبعضها مالية ، والحج عبادة لا تقوم إلا بالبدن والمال ، ولهذا لا يجب إلا عند وجود المال وصحة البدن ، فكان فيه شكر النعمتين ، وشكر النعمة ليس إلا استعمالها في طاعة المنعم ، وشكر النعمة واجب عقلاً وشرعاً. وأما أهم فوائد الحج الجماعية : فهو أنه يؤدي بلاشك إلى تعارف أبناء الأمة على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأوطانهم ، وإمكان تبادل المنافع الاقتصادية الحرة فيما بينهم ، والمذاكرة في شؤون المسلمين العامة ، وتعاونهم صفاً واحداً أمام أعدائهم ، وغير ذلك مما يدخل في معنى قوله تعالى: ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ . ويُشعر الحج بقوة الرابطة الأخوية مع المؤمنين في جميع أنحاء الأرض: ((إنما المؤمنون إخوة )) ويحس الناس أنهم حقاً متساوون ، لافضل لعربي على أعجمي ، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى . ويساعد الحج على نشر الدعوة الإسلامية ودعم نشاط الدعاة في أنحاء المعمورة ، على النحو الذي بدأ به النبي ◌ُ ◌ّ نشر دعوته بلقاء وفود الحجيج كل عام . وأما الاعتماد على موسم الحج ليكون مؤتمراً شعبياً عاماً لمخاطبة المؤمنين ، فهو (١) البدائع : ٢ / ١١٨. - ١٣ - غير مطلوب شرعاً ؛ لأن المعول في السياسة الإسلامية على رأي أهل الخبرة والاختصاص والمشورة ، فهم المرجع والمقصد ، ولأن كثرة المسلمين الهائلة تمنع تحقيق الفائدة المرجوة ، ولأن تخطيط السياسة ووضع المنهج الإسلامي منوط برأي الحكام المسلمين ، ولم يعد بيد أحد من الأفراد العاديين شيء من النفوذ أو السلطة لتحقيق شيء يذكر . ثالثاً : حكم الحج والعمرة : اتفق العلماء على فرضية الحج مرة في العمر ، بدليل الكتاب والسنة . أما الكتاب : فقول الله تعالى : ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) روي عن ابن عباس: ((ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب)) وقال تعالى: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ وقال سبحانه: ﴿ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً ، وعلى كل ضامر ، يأتين من كل فج عميق ، ليشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ﴾ . وأما السنة: فقول النبي معَّ: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لاإله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان ))(١). كون فريضة الحج مرة : والدليل على فرضية الحج مرة واحدة في العمر بأصل الشرع: هو حديث أبي هريرة، قال: ((خطبنا رسول الله ◌ُ ◌ّ فقال: يا أيها الناس ، قد فرض الله عليكم الحج فحجُّوا ، فقال رجل : أكلَّ عام يارسول الله ؟ فسكت ، حتى قالها ثلاثاً، فقال النبي مُ ◌ّ: لو قلت : نعم ، لوجَبَت ولما (١) رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . - ١٤ - استطعتم)) (١) وحديث ابن عباس بمعناه ، وفيه تعيين الرجل وهو الأقرع بن حابس، وفيه أيضاً ((من زاد فهو تطوع))(٢) ، ويؤكده أن الأمر لا يقتضي التكرار ، فلا يكون الأمر القرآني مفيداً تكرار الحج . وأما حديث البيهقي وابن حبان الآمر بالحج في كل خمسة أعوام فمحمول على الندب، ونصه عن الخدري: (( أن رسول الله مَ ◌ّ قال: يقول الله عز وجل: إن عبداً صحّحت له جسمه ، ووسَّعت عليه في المعيشة ، تمضي عليه خمسة أعوام ، لا يَفِد إلي لمحروم)) أي من جمع له الصحة والقوة واليسار مندوب له الحج كل خمس سنين ، وإلا كان محروماً من الأجر ومطروداً من رضوان الله تعالى . وأجمع العلماء على أن الحج لا يجب إلا مرة(٣)، والزائد عن ذلك تطوع ، قال مُ اته: ((تابعوا بين الحج والعمرة ، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ، كما ينفي الكير خَبَث الحديد والذهب والفضة ، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة)) (٤). وقد يجب الحج أكثر من مرة لعارض : كنذر بأن يقول : لله علي حجة ؛ لأن النذر من أسباب الوجوب في العبادات والقرب المقصودة ، وكذلك يجب في 5 حالة القضاء عند إفساد التطوع . وقد يحرم الحج كالحج بمال حرام ، وقد يكره كالحج بلاإذن ممن يجب استئذانه(٥)، كأحد أبويه المحتاج إلى خدمته ، والأجداد والجدات كالأبوين عند فقدهما ، وكالدائن الغريم لمدين لامال له يقضي به ، وكالكفيل لصالح الدائن ، (١) رواه أحمد ومسلم والنسائي (نيل الأوطار: ٤ / ٢٧٩، شرح مسلم: ٩ / ١٠١). (٢) رواه أحمد والنسائي ( نيل الأوطار، المكان السابق ) . (٣) شرح مسلم: ٩ / ١٠١، المجموع: ٧ / ٨، نيل الأوطار: ٤ / ٢٨٠، الدر المختار: ٢ / ١٩٠، فتح القدير : ٢ / ٠١٢٢ (٤) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود . (٥) البدائع: ٢ / ٢٢٣، مغني المحتاج: ١ / ٤٦٠، ٤٧٠، الشرح الكبير: ٢ / ١٠. - ١٥ - فيكره خروجه بلا إذنهم أي الأب والدائن . والكراهة عند الحنفية تحريمية . وذكر المالكية والشافعية والحنفية أنه مع عصيان الحاج بمال حرام ، فإنه يصح الحج فرضاً أو نفلاً بالمال الحرام كالصلاة في الأرض المغصوبة ، ويسقط عنه الفرض والنفل ، إذا لامنافاة بين الصحة والعصيان . وخالف الحنابلة فلم يجيزوا الحج بالمال الحرام ، إذ لا تصح عندهم الصلاة في الأرض المغصوبة . نوع الفرضية : النُسُك إما فرض عين ، وهو على من لم يحج بالشروط الآتية ، وإما فرض كفاية : وهو إحياء الكعبة كل سنة بالحج والعمرة ، وإما تطوع ، ولا يتصور إلا في الأرقاء والصبيان . : تكرار العمرة : لابأس عند الشافعية والحنابلة أن يعتمر في السنة مراراً(١)؛ لأن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي ◌ُ ◌ّ عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها، ولأن النبي ◌ُؤالٍ قال: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)). وكره المالكية تكرار العمرة في السنة ، وقال النخعي : ما كانوا يعتمرون في السنة إلا مرة، ولأن النبي ◌ُّ لم يفعله . هل وجوب الحج على الفور أم على التراخي ؟ قال أبو حنيفة وأبو يوسف والمالكية في أرجح القولين والحنابلة(٢): يجب الحج بعد توفر الاستطاعة وبقية الشروط الآتية على الفور في العام الأول ، أي في أول أوقات الإمكان ، فيفسق وترد شهادته بتأخيره سنيناً ؛ لأن تأخيره معصية صغيرة ، وبارتكابه مرة لا يفسق إلا بالإصرار ، لأن الفورية ظنية ، بسبب كون . (١) المغني: ٣ / ٢٢٦: شرح مسلم: ٩ / ١١٨. (٢) الدر المختار: ٢ / ١٩١ وما بعدها، البدائع: ٢ / ١١٩، الشرح الصغير: ٢/ ٤، كشاف القناع: ٢ / ٤٦٥، المغني : ٣ / ٢١٨، ٢٤١ . _ ١٦ _ دليلها ظنياً كما قال الحنفية ، ويدل عليه أنه لو تراخى كان أداء ، وإن أثم بموته قبله ، وقالوا: لو لم يحج حتى أتلف ماله ، وسعه أن يستقرض ويحج ، ولو غير قادر على وفائه ، ويرجى ألا يؤاخذه الله بذلك إذا كان ناوياً الوفاء لو قدر . وذكر الحنابلة أن من فرط فيه حتى توفي أخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة . واستدلوا بقوله تعالى : ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴾ وقوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله ) والأمر على الفور، واستدلوا أيضاً بأحاديث منها: (( حجوا قبل أن لاتحجوا))(١) وحديث ((تعجّلوا إلى الحج يعني الفريضة ، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له))(٢) وحديث ((من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر، فلم يحج ، فليمت إن شاء يهودياً ، وإن شاء نصرانياً))(٣) ورواية الترمذي؟ «من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ، ولم يحج فلاعليه أن يموت بهودياً أو نصرانياً ، وذلك لأن الله تعالى قال في كتابه : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ))(٤) وهي مع غيرها تدل على وجوب الحج على الفور ، فإنه ألحق الوعيد بمن أخر الحج عن أول أوقات الإمكان؛ لأنه قال: ((من ملك .. فلم يحج )) والفاء للتعقيب بلافصل أي لم يحج عقب ملك الزاد والراحلة ، بلافاصل . وقال الشافعية(٥) ومحمد من الحنفية : وجوب الحج على التراخي ، وليس (١) حديث صحيح رواه الحاكم والبيهقي عن علي . (٢) رواه أحمد وأبو القاسم الأصبهاني عن ابن عباس ، وفي سنده أبو اسرائيل ضعيف الحفظ (نيل الأوطار: ٤ / ٢٨٤ ) . (٣) رواه سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى والبيهقي عن أبي أمامة مرفوعاً ، وفيه ليث بن أبي سليم ضعيف ( المرجع السابق ) . (٤) قال الترمذي : غريب ، في إسناده مقال ، وفيه ضعف . (٥) شرح المجموع: ٧ / ٨٢ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٩٩، الإيضاح: ص ١٧، مغني المحتاج: ١ / ٤٦٠، ٤٧٠ ٠ - ١٧ - الفقه الإسلامي جـ ٣ (٢) معناه تعين التأخير ، بل بمعنى عدم لزوم الفور، ويسن لمن وجب عليه الحج أو العمرة بنفسه أو بغيره ألا يؤخر ذلك عن سنة الإمكان ، مبادرة إلى براءة ذمته ، ومسارعة إلى الطاعات ، لقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات ) ولأنه إذا أخره عرضه للفوات ولحوادث الزمان . ويجوز أن يؤخره من سنة إلى سنة ؛ لأن فريضة الحج نزلت على المشهور عندهم سنة ست ، فأخر النبي مع قّ إلى سنة عشر من غير عذر ، فلو لم يجز التأخير لما أخره . وهذا الرأي أولى ليسره على الناس وعدم الحكم بالتأثيم ، ولأن الأحاديث التي احتج بها الجمهور كلها ضعيفة ، والحج فرض سنة ست عند نزول سورة آل عمران ، كما حقق الشافعية ، ومن قال: إنه فرض سنة عشر فقد أخطأ ؛ لأن السورة نزلت قبلها قطعاً ، لكن تعجيل الحج ضروري للاحتياط . حكم العمرة : قال الحنفية على المذهب والمالكية على أرجح القولين (١): العمرة سنة ( مؤكدة ) مرة واحدة في العمر ؛ لأن الأحاديث المشهورة الثابتة الواردة في تعداد فرائض الإسلام لم يذكر منها العمرة ، مثل حديث ابن عمر : ((بني الإسلام على خمس )) فإنه ذكر الحج مفرداً ، وروى جابر أن أعرابياً جاء إلى رسول الله وَ التّ، فقال: يارسول الله، أخبرني عن العمرة، أواجبة هي ؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك))(٢) وفي رواية ((أولى لك)). (١) الدر المختار: ٢ / ٢٠٦، فتح القدير: ٢ / ٣٠٦، البدائع: ٢ / ٢٢٦، مراقي الفلاح: ص ١٢٦، الشرح الصغير: ٢ / ٤، القوانين الفقهية: ص ١٤٢، بداية المجتهد: ١ / ٣١٢. ويلاحظ أن الكاساني في البدائع اختار القول بوجوب العمرة كصدقة الفطر والأضحية والوتر . (٢) رواه الترمذي وصححه أحمد والبيهقي وابن أبي شيبة وعبد حميد ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٨١) لكن في إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف ، وتصحيح الترمذي له فيه نظر ؛ لأن الأكثر على تضعيف الحجاج ، قال النووي : اتفق الحفاظ على ضعفه . - ١٨ - وروى أبو هريرة: ((الحج جهاد والعمرة تطوع)) (١) . وقال الشافعية في الأظهر ، والحنابلة(٢) : العمرة فرض كالحج ، لقوله تعالى: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ أي ائتوا بها تامين ومقتضى الأمر الوجوب ، ولخبر عائشة رضي الله عنها قالت: ((قلت : يارسول الله ، هل على النساء جهاد ؟ قال: نعم ، جهاد لاقتال فيه: الحج والعمرة))(٣) . ويظهر لي أن الرأي الثاني أصح ، لدلالة هذه الآية ، ولضعف أحاديث الفريق الأول . وذكر الحنابلة عن أحمد : أنه ليس على أهل مكة عمرة ، بدليل أن ابن عباس كان يرى العمرة واجبة ، ويقول: ياأهل مكة ، ليس عليكم عمرة ، إنما عمرتكم طوافكم بالبيت . وروي ذلك أيضاً عن عطاء ، لأن ركن العمرة ومعظمها بالطواف بالبيت ، وهم يفعلونه ، فأجزأ عنهم . المبحث الثاني - شروط الحج والعمرة وموانعهما : وفيه مطلبان : المطلب الأول - شروط الحج والعمرة : الشروط : إما عامة للرجال والنساء ، أو خاصة بالنساء ، وهي إن توفرت وجب الحج وأداؤه ، وإلا فلا . أما الشروط العامة : فمنها ماهو شرط وجوب وصحة أو أداء : وهو (١) رواه الدارقطني والبيهقي وابن حزم، وإسناده ضعيف، كما قال الحافظ ابن حجر، وقال أيضاً: ولا يصح من ذلك شيء ( نيل الأوطار، المكان السابق ) . (٢) مغني المحتاج: ١ / ٤٦٠، الإيضاح في مناسك الحج للنووي: ص ٧١ ، المغني: ٣ / ٢٢٣ ومابعدها . (٣) رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة . - ١٩ - الإسلام والعقل ، ومنها ماهو شرط للوجوب والإجزاء وليس بشرط للصحة : وهو البلوغ والحرية ، ومنها ماهو شرط للوجوب فقط : وهو الاستطاعة . وهذه الشروط هي ما يأتي(١) : ١ - الإسلام : فلا يجب الحج على الكافر وجوب مطالبة به في الدنيا حال كفره ، ولا يصح منه ، لعدم أهليته لأداء العبادة ، فلو حج الكافر ، ثم أسلم يجب عليه حجة الإسلام ، ولا يعتد بما حج في حال الكفر . وكذا لايجب عند الحنفية على الكافر في حق أحكام الآخرة ، فلا يؤاخذ بالترك ، لعدم خطاب الكافر بفروع الشريعة ، ويؤاخذ عند الجمهور ؛ لأنه مخاطب بالفروع . ويرى المالكية أن الإِسلام شرط صحة لاوجوب ، فيجب الحج على الكافر ولا يصح منه إلا بالإسلام. والشافعية أوجبوا الحج على المرتد ولا يصح منه إلا إذا أسلم ، أما الكافر الأصلي فلا يجب عليه . ٢ - التكليف أي البلوغ والعقل: فلايجب على الصغير والمجنون ؛ لأنها غير مطالبين بالأحكام الشرعية ، فلا يلزمهما الحج ، ولا يصح الحج أو العمرة أيضاً من المجنون ؛ لأنه ليس أهلاً للعبادة ، ولو حجّا ثم بلغ الصغير ، وأفاق المجنون ، فعليهما حجة الإسلام ، ومافعله الصبي قبل البلوغ يكون تطوعاً . قال النبي عَّة: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يشب ، وعن المعتوه حتى يعقل))(٢)، وقال أيضاً: ((أيُّما صبي حج به أهله، فمات (١) البدائع: ٢ / ١٢٠ - ١٢٣، ١٦٠، فتح القدير: ٢ / ١٢٠ ومابعدها، الدر المختار: ٢ / ١٩٣ - ١٩٩، اللباب : ١ / ١٧٧، القوانين الفقهية: ص ١٢٧، الشرح الصغير: ٢ / ٦ - ١٣، بداية المجتهد: ١ / ٣٠٨ وما بعدها ، المجموع: ٧ / ١٧ - ٢٥، مغني المحتاج: ١ / ٤٦١ - ٤٦٥، المهذب: ١ / ١٩٥ - ١٩٨، كشاف القناع: ٢ / ٤٤٠ - ٤٥٠، المغني: ٣ / ٢١٨ - ٢٢٢، ٢٤١، ٢٤٨ - ٢٥٠، متن الإيضاح للنووي: ص ٩٩، المجموع : ٧ / ١٧ - ٤٧ ، غاية المنتهى : ١ / ٣٥٠ _ ٣٦١. (٢) رواه أبو داود وابن ماجه ، والترمذي وقال : حديث حسن ، وهو من رواية علي . - ٢٠ -