النص المفهرس
صفحات 901-920
(٣٨٠٠ غم ) ، وفي الخبر دليل على اشتراط الإسلام في وجوب الفطرة ، فلاتجب على الكافر . ٢ - وخبر أبي سعيد: ((كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله عطلته صاعاً من طعام ، أو صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ، أو صاعاً من زبيب ، أو صاعاً من أَقِط، فلاأزال أخرجه كما كنت أخرجه ماعشت))(١) والمراد بالطعام هنا الحنطة ، والأقط : لبن يابس غير منزوع الزبد ، كما فسره الشوكاني . ٣ - وخبر ابن عباس: ((فرض رسول الله مُطِّ زكاة الفطر طُهْرة للصائم من اللغو والرَّفَث ، وطُعْمة للمساكين ، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصَّدَقات))(٢) . والرفث : الفحش من الكلام ، والطعمة : هو الطعام الذي يؤكل . وفيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة . ٤ - وخبر عبد الله بن ثعلبة: ((خطب رسول الله معرفةٍ قبل يوم الفطر بيوم أو يومين ، فقال : أدوا صاعاً من بُرّ أو قمح أو صاعاً من تمر أو شعير عن كل حر أو عبد صغير أو كبير))(٣). وهي تدل على أن مقدار الفطرة صاع من حنطة أو شعير أو تمر ، وخصص بعضهم هذه الأخبار بأحاديث أخرى تدل على الاكتفاء بنصف صاع من قمح ، منها حديث ابن عباس مرفوعاً عند الحاكم، بلفظ: (( صدقة الفطر : مدان من (١) رواهما الجماعة ( نيل الأوطار: ٤ / ١٧٩). (٢) رواه أبو داود وابن ماجه ( المرجع السابق: ٤ / ١٨٤ ). (٣) أخرجه عبد الرزاق . ورواه أبو داود وغيره عن الزهري من وجوه ( نصب الراية : ٢ / ٤٠٦ ) . - ٩٠١ - - قمح)) وأخرج نحوه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً أيضاً ، وغير ذلك(١) وحكمتها : جبر نقص الصوم ، وإغناء الفقراء عن السؤال يوم العيد ، قال وكيع بن الجراح: (( زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدة السهو للصلاة ، تجبر نقصان الصوم، كما يجبر السجود نقصان الصلاة)) وورد (( أغنوهم عن الطوف في هذا اليوم ))(٢) أي أغنوا الفقراء عن السؤال في يوم العيد . وحكمها : الوجوب على كل حر مسلم ، قادر عليها وقـ ه(٢) ، للأوامر السابقة في الأحاديث ، قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض . وقال إسحاق : هو كالإجماع من أهل العلم . وقال بعض الحنفية(٤): واجبات الإسلام سبعة : الفطرة ، ونفقة ذي رحم ، ووتر ، وأضحية ، وعمرة ، وخدمة أبويه ، والمرأة لزوجها . والمعنى أن هذه السبعة من واجبات الإسلام ، وهناك واجبات أخرى كصلاة الجماعة والعيدين وغيرهما . والمأمور بها أو من تجب عليه : هو عند الحنفية(6) : كل حر مسلم صغير أو كبير ذكر أو أنثى ، عاقل أو مجنون ، إذا كان مالكاً لمقدار النصاب ( من أي مال كان ) الفاضل عن حاجته الأصلية : ( من مسكن وثياب وأثاث - متاع البيت - (١) انظر نيل الأوطار: ٤ / ١٨٣. (٢) رواه الدارقطني وابن عدي والحاكم في علوم الحديث عن ابن عمر . (٣) الدر المختار: ٢ / ٩٨ وما بعدها، الفتاوى الهندية: ١ / ١٧٩، الشرح الصغير: ١ / ٦٧٢ ، بداية المجتهد : ١ / ٢٦٩، مغني المحتاج: ١ / ٤٠٢، المهذب: ١ / ١٦٣، المغني: ٣ / ٥٥، كشاف القناع: ٢ / ٢٨٧. (٤) الدر المختار ورد المختار: ٢ / ١٠٩. (٥) الكتاب مع اللباب: ١ / ١٥٩ وما بعدها، الدر المختار: ٢ / ٩٩، ١٠١. - ٩٠٢ - وفرس وسلاح وخادم ، ومن حوائج عياله أيضاً ، ومن دينه كذلك ) . وعلى الجد أن يخرج صدقة الفطر عن أولاد ابنه دون أولاد ابنته إذا كانوا فقراء عند فقد أبيهم . فيشترط لوجوبها أمور ثلاثة(١) : الإسلام والحرية وملك النصاب الفاضل عن حاجته الأصلية ، أما الأمران الأول والثاني فللأحاديث السابقة ، وأما ملك النصاب، فلقوله مات: ((لاصدقة إلا عن ظهر غنى))(٢) وقدر اليسار بالنصاب؛ لأن الشرع قدره به ، فاضلاً عما ذكر من الحوائج الأصلية ؛ لأن المستحق بالحاجة الأصلية كالمعدوم . ويؤديها من وجبت عليه عن نفسه وأولاده الصغار، والمعتوهين والمجانين الفقراء ، وعن مماليكه للخدمة ، لاللتجارة ، ويؤدي المولى المسلم الفطرة عن عبده الكافر ؛ لأن السبب قد تحقق ، والمولى من أهل الوجوب . ولا يجب عليه أن يؤديها عن أبيه وأمه ، وإن كانا في عياله ؛ لأنه لاولاية له عليهم كالأولاد الكبار . ولا يجب أن يؤدي عن إخوته الصغار ؛ ولاعن قرابته ، وإن كانوا في عياله . ولا يؤدي عن زوجته ولاعن أولاده الكبار، وإن كانوا في عياله ، لكن لو أدى عنهم أو عن زوجته بغير أمرهم ، أجزأهم استحساناً . وعدم أدائها عن الزوجة لقصور الولاية والمؤنة ، فإنه لا يليها في غير حقوق الزواج ، ولا يمونها في غير النفقات الدورية كالمداواة ، والأصل العام عندهم: أن صدقة الفطر متعلقة بالولاية والمؤنة ، فكل من كان عليه ولايته ومؤنته ونفقته ، فإنه تجب عليه صدقة الفطر فيه ، وإلا فلا . (١) فتح القدير: ٢ / ٢٩ - ٣١، الدر المختار: ٢ / ٩٩، الفتاوى الهندية: ١ / ١٧٩ - ١٨١. (٢) رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة، وهو في الصحيحين ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) ( نصب الراية: ٢ / ٤١١ ) . - ٩٠٣ - وقال الجمهور(١) : زكاة الفطر على كل حر صغير أو كبير ، ذكر أو أنثى من المسلمين أي كما قال الحنفية ، فلافطرة على كافر ، إلا عند الشافعية في عبده وقريبه المسلم في الأصح ، ولافطرة عند المالكية والشافعية على رقيق ، لاعن نفسه ولاعن غيره ، لعدم ملكه . وعليه الفطرة عند الحنابلة ، لعموم الحديث السابق: ((فرض رسول الله مطلقةٍ زكاة الفطر على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين )» وتجب عند الجمهور خلافاً للحنفية على كل من ملك قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه ، فمن ملك فاضلاً عما يحتاجه لنفسه ولمن تلزمه مؤنته من مسكن وخادم يحتاج إليه ودابة وثياب ونحوها من الحاجات الأصلية ، وجبت عليه الفطرة ، حتى عند المالكية لو كان قادراً على الفطرة بالاستدانة مع رجاء الوفاء ؛ لأنه قادر حكماً. ومن لزمه فطرة نفسه ، لزمه فطرة من تلزمه نفقته بقرابة كوالديه الفقيرين ، أو زوجية أو ملك رقيق إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم ، لحديث مسلم: (( ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر)» والباقي بالقياس عليها ، ولاتلزم المسلم فطرة القريب والزوجة والعبد الكفار ، لقوله عَ لفته في الخبر السابق: ((من المسلمين)» وذلك خلافاً للحنفية في العبد الكافر . ويظل الأب ملزماً بفطرة أولاده الصغار حتى البلوغ ، وعند المالكية : يستمر الإلزام للإناث حتى وقت الدخول بالأزواج أو طلب الدخول من غير مانع . وذكر الحنابلة أن الفطرة تجب في مال الصغير إذا لزمته مؤنة نفسه لغناه بمال أو كسب ، ويخرجها أبوه منه . ويشمل ذلك عند المالكية والحنابلة زوجة الأب الفقير وخادمه أيضاً ، (١) الشرح الكبير: ١ / ٥٠٤ _ ٥٠٦، مغني المحتاج: ١ / ٤٠٢ - ٤٠٤، ٤٠٧، كشاف القناع: ٢ / ٢٨٧ - ٢٩٠، المغني: ٣ / ٦٩، ٧١ ، ٧٦ . - ٩٠٤ - وخادم الزوجة إن لزمته نفقته ؛ لأن الفطرة تابعة للنفقة ، لعموم حديث ابن عمر عند الدارقطني: ((أمرنا النبي مؤاقلّ بصدقة الفطر: عن الصغير والكبير، والحر والعبد، ممن تمونون)). وقال الشافعية: لا يلزم في الأصح الابن فطرة زوجة أبيه ، وإن وجبت نفقتها على الولد ؛ لأن الولد يتحمل مايلزم الأب حال إعساره وهو النفقة ، أما الفطرة فلا تلزم حال الإعسار ، ولو أخرج الرجل من ماله فطرة ولده الصغير الغني جاز، كأجنبي أذن ، أما الكبير فلابد من إذنه . ولا خلاف في أن من وجبت فطرته على غيره كالزوجة عند غير الحنفية تؤدى عنها ولو من غير إذن ، سواء أكان حاضراً أم غائباً علمت حياته . هل تجب زكاة الفطر عند الحنفية بقدرة ممكّنة أم ميِّسرة ؟ القدرة الممكّنة : هي ما يجب بمجرد التمكن من الفعل ، فلا يشترط بقاؤها لبقاء الوجوب . والقدرة الميسرة : هي ما يجب بعد التمكن بصفة اليسر ، فيشترط بقاؤها لبقاء الوجوب . عالـ قال الحنفية(١) : تجب الفطرة والأضحية ، ونفقة المحارم على الراجح بقدرة ممكنة ، فلا يشترط بقاء هذه القدرة وهي النصاب الشرعي هنا لبقاء الوجوب ؛ لأنها شرط محض ، لابقدرة ميسرة ، فلا تسقط الفطرة وكذا الحج بهلاك المال بعد الوجوب ، فلو هلك المال بعد فجر يوم الفطر لا تسقط الفطرة ، بخلاف الزكاة والعشر والخراج فإنها تسقط بهلاك المال ، لاشتراط بقاء القدرة الميسرة : وهي وصف النماء . لكن إذا مات من عليه زكاة أو فطرة أو كفارة أو نذر، لم يؤخذ من تركته (١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ٢ / ٩٩ وما بعدها، الفتاوى الهندية: ١ / ١٨٢. - ٩٠٥ - إلا أن يتبرع ورثته بذلك ، وهم من أهل التبرع ، فإن امتنعوا لم يجبروا عليه ، وإن أوصى بذلك يجوز ، وينفذ من ثلث ماله . وقال الجمهور(١) : إن مات من وجبت عليه الفطرة قبل أدائها ، أخرجت من تركته ؛ لأن حق الله سبحانه وحق الآدمي إذا تعلقا بمحل واحد ، فكانا في الذمة أو كانا في العين ، تساويا في الاستيفاء ، أي إن الزكاة حق مال لزم في حال الحياة ، فلم يسقط بالموت كدين الآدمي . المبحث الثاني - وقت وجوب زكاة الفطر وحكم تعجيلها وتأجيلها : للفقهاء رأيان في وقت وجوب الفطرة وما يتبعه ، فقال الحنفية (٢): تجب الفطرة بطلوع الفجر من يوم عيد الفطر ؛ لأن الصدقة أضيفت إلى الفطر ، والإضافة للاختصاص ، والاختصاص للفطر باليوم دون الليل ؛ إذ المراد فطر يضاد الصوم ، وهو في اليوم دون الليل ؛ لأن الصوم فيه حرام . فمن مات قبل ذلك أي طلوع الفجر ، لم تجب فطرته ، ومن أسلم أو ولد بعد طلوع الفجر لم تجب فطرته . ويصح تعجيلها وتأخيرها ، فيجوز أداء صدقة الفطر إذا قدمه بعد دخول رمضان على وقت الوجوب وهو يوم الفطر ، أو تأخيره عنه ، أما جواز التقديم فلوجود سبب الوجوب ، فصار كأداء الزكاة بعد وجود النصاب ، ولا تفصيل فيه بين مدة ومدة . وأما جواز الأداء بعد يوم الفطر فلأنها قربة مالية معقولة المعنى ، فلا تسقط بعد الوجوب إلا بالأداء كالزكاة . والخلاصة : أنه يجوز تقديمها قبل يوم (١) المغني: ٣ / ٨٠ ومابعدها، المهذب: ١ / ١٧٥. (٢) تبيين الحقائق: ١ / ٣١٠ ومابعدها، الفتاوى الهندية: ١ / ١٧٩، فتح القدير: ٢ / ٤١، اللباب: ١ / ١٦١ وما بعدها، الدر المختار: ٢ / ١٠٦. - ٩٠٦ - الفطر ولو قبل دخول رمضان ، وإن أخروها عن يوم الفطر لم تسقط ، وكان عليهم إخراجها ، وكونها قبل دخول رمضان هو ظاهر الرواية ، لكن المفتى به اشتراط دخول رمضان ، فلا يجوز تقديمها عن رمضان . وقال الجمهور(١) : تجب زكاة الفطر بغروب شمس ليلة عيد الفطر أي أول ليلة العيد ؛ لأنها مضافة في الأحاديث المتقدمة إلى الفطر من رمضان ، فكانت واجبة به ؛ لأن الإضافة تقتضي الاختصاص ، وأول فطر يقع من جميع رمضان بمغيب الشمس من ليلة الفطر ، وانقضاء الصوم بغروب الشمس ، وسبب الخلاف بين الجمهور والحنفية : هل هي عبادة متعلقة بيوم العيد ؛ أو بخروج شهر رمضان ؛ لأن ليلة العيد ليست من شهر رمضان . فمن مات بعد الغروب تجب عليه ، أما من ولد أو أسلم بعد الغروب أو كان معسراً وقت الوجوب ثم أيسر بعده ، فلافطرة عليه عند الجمهور، لعدم وجود سبب الوجوب وعليه الفطرة عند الحنفية ، ولا تسقط عند الجمهور بعد وجوبها بموت ولاغيره ، وتبقى في ذمته أبداً حتى يخرجها .. أما تعجيلها : فيجوز عند الشافعية تقديم الفطرة من أول شهر رمضان ؛ لأنها تجب بسببين : صوم شهر رمضان ، والفطر منه ، فإذا وجد أحدهما ، جاز تقديمها على الآخر ، كزكاة المال بعد ملك النصاب وقبل الحول ، ولا يجوز تقديمها على شهر رمضان ؛ لأنه تقديم على السببين ، فلايجوز إخراج زكاة المال قبل الحول والنصاب . (١) بداية المجتهد: ١ / ٢٧٣، القوانين الفقهية: ص ١١٢، الشرح الصغير: ١ / ٦٧٧ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١ / ٤٠١ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٦٥، كشاف القناع: ٢ / ٢٩٤، المغني: ٣ / ٦٧ - ٦٩ ، الشرح الكبير: ١ / ٥٠٨ . - ٩٠٧ - ويجوز عند المالكية والحنابلة تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين ، لاأكثر من ذلك، لقول ابن عمر: ((كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين))(١) ولا تجزئ قبل ذلك، لفوات الإغناء المأمور به في قوله معر فتي: ((أغنوهم عن الطلب هذا اليوم)) (٢) ، بخلاف زكاة المال . وأما تأخيرها عن صلاة العيد : فقال الشافعية : المستحب ألا تؤخر عن صلاة العيد ، للأمر بها قبل الخروج إليها في الصحيحين ، فإن أخرت استحب الأداء أول النهار للتوسعة على المستحقين ، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد بلا عذر ، كغيبة ماله أو المستحقين ، لفوات المعنى المقصود ، وهو إغناؤهم عن الطلب في يوم السرور ، فلو أخر بلا عذر ، عصى وقضى ، لخروج الوقت على الفور ، لتأخيره من غير عذر . أما تأخير زكاة المال عن التمكين فتكون أداء ، والفرق أن الفطرة مؤقتة بزمن محدود كالصلاة . وقال الحنابلة مثل الشافعية : آخر وقت الفطرة : غروب الشمس يوم الفطر، للحديث المتقدم: (( أغنوهم عن الطلب هذا اليوم » فإن أخرها عن يوم العيد ، أثم لتأخيره الواجب عن وقته ، ومخالفته الأمر ، وعليه القضاء ؛ لأنها عبادة ، فلم تسقط بخروج الوقت ، كالصلاة . والأفضل إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة أو قدرها في موضع لا يصلى فيه العيد ، كما سنوضح . وقال المالكية : يجوز إخراجها بعد صلاة العيد يوم الفطر ، ولا تسقط الفطرة بمضي زمنها ، بل هي باقية في الذمة أبداً حتى يخرجها ، كغيرها من (١) رواه البخاري (٢) رواه الدارقطني - ٩٠٨ - الفرائض ، وأثم إن أخرها عن يوم الفطر مع القدرة ، فإن مضى زمنها مع العسر تسقط عنه . المبحث الثالث - جنس الواجب وصفته ومقداره . قال الحنفية(١) : تجب زكاة الفطر من أربعة أشياء : الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، وقدرها نصف صاع من حنطة أو صاع من شعير أو تمر أو زبيب ، والصاع عند أبي حنيفة ومحمد ثمانية أرطال بالعراقي ، والرطل العراقي مائة وثلاثون درهماً، ويساوي ٣٨٠٠ غراماً ؛ لأنه عليه السلام كان يتوضأ بالمد رطلين ، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال (٢)، وهكذا كان صاع عمر رضي الله عنه(٣) وهو أصغر من الهاشمي ، وكانوا يستعملون الهاشمي . ودليلهم على تقدير الفطرة بصاع أو نصفه : حديث ثعلبة بن صعير العذري أنه قال: خطبنا رسول الله مُ التّ فقال: (( أدوا عن كل حر وعبد نصف صاع من بر، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير)) (3) دفع القيمة : ويجوز عندهم أن يعطى عن جميع ذلك القيمة دراهم أو دنانير أو فلوساً أو عروضاً أو ما شاء ؛ لأن الواجب في الحقيقة إغناء الفقير ، لقوله عَالله: ((أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم)) والإغناء يحصل بالقيمة، بل أتم (١) البدائع: ٧٢/٢ وما بعدها، الفتاوى الهندية: ١٧٩/١، فتح القدير: ٣٦/٢ - ٤١، الكتاب مع اللباب: ١٤٧/١، ١٦٠، تبيين الحقائق: ٣٠٨/١ وما بعدها . (٢) روي من حديث أنس عند الدارقطني من ثلاثة طرق ، ومن حديث جابر عند ابن عدي ، وهو ضعيف ، والصحيح ما روي عن أنس أن رسول الله مصطفي كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ، كما ذكر البيهقي ( نصب الراية : ٤٣٠/٢ ) (٣) رواه ابن أبي شيبة عن حسن بن صالح ( المرجع السابق ) (٤) رواه أبو داود، وروي أيضاً عن ابن عباس في معناه ( نيل الأوطار: ١٨٣/٤، نصب الراية: ٤٠٦/٢ وما بعدها ، ٤١٨) وهو حديث معلول مضطرب ، بسبب الاختلاف في اسم أبي صعير، وفي اللفظ . - ٩٠٩ - وأوفر وأيسر ؛ لأنها أقرب إلى دفع الحاجة ، فيتبين أن النص معلل بالإغناء . وقال الجمهور(١) : تؤدى زكاة الفطر من الحبوب والثمار المقتاتة وهي صاع ، وتفصيل كلامهم ما يأتي . يرى المالكية : أنها تجب من غالب قوت البلد من أصناف تسعة فقط : قمح أو شعير أوسلت ( نوع من الشعير) أو ذرة أو دَخَن أو تمر أو زبيب أو أقط : وهو يابس اللبن المخرج زبده ، فيتعين الإخراج مما غلب الاقتيات منه من هذه الأصناف التسعة ، ولا يجزئ الإخراج من غيرها ، ولا منها إن كان غالب القوت غيره ، إلا أن يخرج الأحسن ، كالقمح بدل الشعير . وزكاة الفطر صاع ( أربعة أمداد ) والمد : حفنة ملء اليدين المتوسطتين . وذهب الشافعية إلى أنها تجب من غالب قوت البلد أو المحل ؛ لأن ذلك يختلف باختلاف النواحي ، والمعتبر في غالب القوت غالب قوت السنة ، ويجزئ الأعلى عن الأدنى ، لا العكس ، وذلك بزيادة الاقتيات في الأصح لا بالقيمة ، فالبُرّ خير من التمر والأرزّ ، والأصح أن الشعير خير من التمر، وأن التمر خير من الزبيب ، ولا يبعَّض الصاع المخرج عن الشخص الواحد من جنسين ، ولو كان في بلد أقوات لا غالب فيها تخير ، والأفضل أشرفها ، والواجب : الحب السليم ، فلا يجزئ المسوس والمعيب وإن كان يقتاته . ومقدارها صاع وهو في الأصح ستمائة درهم وخمسة وثمانون درهماً وخمسة أسباع درهم ( ٥/٣- ٦٨٥ ) أو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي ، وأربعة أرطال ونصف وربع رطل وسبع أوقية بالمصري . (١) الشرح الصغير: ٦٧٥/١ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢٧٢/١، القوانين الفقهية: ص١١٢، مغني المحتاج: ٤٠٥/١ - ٤٠٧، المهذب: ١٦٥/١، المغني: ٦٠/٣ - ٦٥، كشاف القناع: ٢٩٥/٢ - ٢٩٧ . - ٩١٠ - وقرر الحنابلة : أنه يجب المنصوص عليه من البر والشعير والتمر والزبيب والأقط ، فإن لم توجد هذه الأصناف يجزئه كل مقتات من الحبوب والثمار ، ولا يجزئ المقتات من غيرها كاللحم واللبن . وظاهر المذهب أنه لا يجوز له العدول عن هذه الأصناف مع القدرة عليها ، سواء كان المعدول إليه قوت بلده أو لم يكن ، ويجوز إخراج الدقيق والسويق . ولا يجوز إخراج الخبز، ومن أي الأصناف المنصوص عليها أخرج جاز، وإن لم يكن قوتاً له ، أو كان قوته غالب قوت البلد . ومقدارها صاع عراقي وهو أربع حفنات بكفي رجل معتدل القامة ؛ لأنه الذي أخرج به في عهده مَ ◌ّ، ويقدر كما بينا عند الجمهور بـ ( ٢٧٥١ غم ) . ودليل الجمهور : الأحاديث السابقة ، وهي أصح من أحاديث الحنفية ، ومنها حديث أبي سعيد الخدري: (( كنا نخرج زكاة الفطر، إذ كان فينا النبي عَ ◌ّ صاعاً من طعام ، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر ، أو صاعاً من زبيب ، أو صاعاً من أقط )) وروى الدارقطني عن مالك بن أنس أن صاع النبي عَخاتم خمسة أرطال وثلث بالعراقي . دفع القيمة : ولا يجزئ عند الجمهور إخراج القيمة عن هذه الأصناف ، فمن أعطى القيمة لم تجزئه، لقول ابن عمر: ((فرض رسول الله مَ الٍ صدقة الفطر صاعاً من تمر ، وصاعاً من شعير))(١) فإذا عدل عن ذلك فقد ترك المفروض . المبحث الرابع - مندوباتها وجائزاتها اتفق الفقهاء(٢) على أنه يستحب إخراج صدقة الفطر يوم الفطر بعد الفجر (١) رواه الجماعة ( نيل الأوطار: ١٧٩/٤ ) (٢) فتح القدير: ٤٢/٢، اللباب: ١٦٢/١، حاشية ابن عابدين: ١٠٧/٢، القوانين الفقهية: ص١١٢، الشرح الصغير: ٦٧٧/١، المهذب: ١٦٥/١، مغني المحتاج: ٤٠٢/١، كشاف القناع: ٢٩٤/٢، المغني: ٦٦/٣ وما بعدها . - ٩١١ - قبل الصلاة، لحديث ابن عمر: ((أن النبي مخالفة أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)) (١) ولحديث ابن عباس: ((من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات))(٢) والمراد بالزكاة : صدقة الفطر ، والمراد بالصدقة : أنها التي يتصدق بها في سائر الأوقات ، وأمر القبول فيها متوقف على مشيئة الله تعالى . إلا أن أكثرية الفقهاء ذهبوا إلى أن إخراجها قبل صلاة العيد إنما هو مستحب فقط ، وجزموا بأنها تجزئ إلى آخر يوم الفطر ، فمن أخرها عن الصلاة ، ترك الأفضل ؛ لأن المقصود منها الإغناء عن الطواف والطلب في هذا اليوم ، لحديث: ((أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم)) فمتى أخرها لم يحصل إغناؤهم في جميعه ، لاسيما في وقت الصلاة ، فدل على أن تأخيرها عن الصلاة مكروه تنزيهاً ، وأن الأمر بإخراجها قبل الصلاة للندب . ويحرم بالاتفاق تأخيرها عن يوم العيد ؛ لأنها زكاة ، فوجب أن يكون في تأخيرها إثم ، كما في إخراج الصلاة عن وقتها . وذكر المالكية أنه يندب إخراجها من قوته الأحسنَ من قوت أهل البلد . وندب عدم زيادة على الصاع ، بل تكره الزيادة ؛ لأن الشارع إذا حدد شيئاً كان مازاد عليه بدعة ، والبدعة تارة تقتضي الفساد ، وتارة تقتضي الكراهة ، ومحل الكراهة إن تحققت الزيادة ، وإلا فيتعين أن يزيد ما يزيل به الشك . المبحث الخامس - مصرفها أو من يأخذها : اتفق الفقهاء(٣) على أن مصرف زكاة الفطر هو مصارف الزكاة المفروضة ؛ لأن (١) رواه الجماعة إلا ابن ماجه (نيل الأوطار: ١٨٣/٤) (٢) رواه أبو داود وابن ماجه ( نيل الأوطار: ١٨٤/٤ ) (٣) الدر المختار ورد المختار: ١٠٧/٢ - ١٠٨، بداية المجتهد: ٢٧٣/١، القوانين الفقهية: ص١١٢، الشرح = - ٩١٢ - صدقة الفطر زكاة ، فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات ؛ ولأنها صدقة ، فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ ولا يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه ، ولا يجوز عند الجمهور ( المالكية والشافعية والحنابلة ) دفعها إلى ذمي ؛ لأنها زكاة ، فلم يجز دفعها إلى غير المسلمين ، كزكاة المال ، ولا خلاف في أن زكاة المال لا يجوز دفعها إلى غير المسلمين ، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على ألا يجزئ أن يعطى من زكاة المال أحد من أهل الذمة . وقال الحنفية : صدقة الفطر كالزكاة في المصارف وفي كل حال ، إلا في جواز الدفع إلى الذمي مع الكراهة ، وعدم سقوطها بهلاك المال ، لكن الفتوى على قول أبي يوسف وهو عدم جواز صرفها للذمي ، كزكاة الأموال ، للحديث المتقدم في الزكاة: ((صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)». وعليه : تدفع صدقة الفطر بالاتفاق لكل حر مسلم فقير ، غير هاشمي لشرفه وتنزهه عن أوساخ الناس ، لكن في الوقت الحاضر تعطى الزكوات للهاشمي لانقطاع موردهم من بيت المال . فإن لم يقدر المسلم إلا على بعض الصاع - بعض الفطرة ، أو بعض ما وجب عليه إن وجب أكثر من فطرة ، أخرجه وجوباً ، محافظة على الفطرة بقدر الإمكان ، ويبدأ بنفسه ، ثم بمن يعول ، ويقدم ممن يعول عند الجمهور الزوجة لأن نفقتها آكد ، والأظهر عند المالكية والحنابلة تقديم الوالد على الولد ، ودليل الترتيب قوله عليه السلام: (( ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول))(١) ولأن الفطرة تنبني = الصغير: ٦٧٧/١ وما بعدها، المهذب: ١٧٠/١، حاشية الباجوري: ٢٩١/١، المغني: ٧٤/٣، ٧٨، ٧٩ ، مغني المحتاج : ٤٠٥/١ ٠ (١) هذا مجموع حديثين: الشق الأول منه رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر، والثاني مروي عن حكيم بن حزام عند الطبراني ، وعن طارق المحاربي عند النسائي ( نيل الأوطار: ٣٢١/٦، ٢٢٧) الفقه الإسلامي جـ ٢ (٥٨) - ٩١٣ - على النفقة ، فكما يبدأ بنفسه في النفقة ، فكذلك في الفطرة . ويقدم عند الشافعية نفسه ثم زوجته ، ثم ولده الصغير ، ثم الأب ، ثم الأم ، ثم الولد الكبير، لخبر مسلم: (( ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك )) . ويجوز أن يعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله ، ولا يعطي منها غنياً ، ولا ذا قربى تجب عليه نفقته ، ولا أحداً ممن منع أخذ زكاة المال . ويجوز صرفها في الأصناف الثانية ؛ لأنها صدقة ، فأشبهت صدقة المال . وظاهر المذهب الشافعي أنه يجب دفعها للأصناف الثانية ، وفيه عسر ، واختار بعض الشافعية صرفها إلى واحد ، ولابأس بتقليده في زماننا هذا ، كما قال الباجوري ، وقال بعضهم : لو كان الشافعي حياً لأفتى به . وأجاز الفقهاء دفع صاع واحد لمساكين يقتسمونه ، وأباح غير الشافعي دفع آصع متعددة لواحد من الفقراء ، ودفع كل شخص فطرته إلى مسکین أو مساكين ، أي أن الجمهور أجازوا إعطاء الواحد ما يلزم الجماعة ، والجماعة ما يلزم الواحد ، أي دفع صدقة جماعة إلى مسكين واحد ، لكن لا خلاف بين الفقهاء في إعطاء الجماعة ما يلزم الواحد ؛ لأنه صرف صدقته إلى مستحقها ، فبرئ منها كما لو دفعها إلى واحد . أما إعطاء الواحد صدقة الجماعة : فإن الشافعي أوجب تفرقة الصدقة على ستة أصناف ، ودفع حصة كل صنف إلى ثلاثة منهم ، كما ذكر في مصارف الزكاة . والراجح رأي الجمهور ؛ لأنها صدقة لغير معين ، فجاز صرفها إلى واحد ، فيجوز أن يأخذ الواحد زكاة أكثر من واحد . - ٩١٤ - الفصل الثالث صدقة التطوع نتكلم عن حكم صدقة التطوع : استحبابها ، الإسرار بها ، التصدق بجميع المال ، الأولى في الصدقة ، المتصدق عليه ( الغني ، الكافر ، القريب ، صاحب الحاجة الشديدة ، الصدقة على الميت ) صدقة المديون ومن عليه نفقة ، نية جميع المؤمنين ، التصدق من المال الحرام ، كراهة استرداد الصدقة بشراء أو غيره ، وحرمة السؤال لغير حاجة ، وكراهة السؤال بوجه الله . أولاً - حكم صدقة التطوع : صدقة التطوع مستحبة في جميع الأوقات، وسنة بدليل الكتاب والسنة(١) . أما الكتاب : فقوله تعالى : ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ، فيضاعفه له أضعافاً كثيرة﴾ وأمر الله سبحانه بالصدقة في آيات كثيرة . وأما السنة : فأحاديث عديدة منها قوله متجاهلة: (( من أطعم جائعاً أطعمه الله من ثمار الجنة ، ومن سقى مؤمناً على ظماً ، سقاه الله عزوجل يوم القيامة من الرحيق المختوم ، ومن كسا مؤمناً عارياً، كساه الله من خُضْر الجنة))(٢). ومنها قوله عليه السلام: ((إن العبد إذا تصدَّق من طيِّب ، تقبلها الله منه ، وأخذها بيمينه ، فرباها كما يُربِّي أحدُكم مُهْره أو فصيله ، وإن الرجل (١) مغني المحتاج: ١٢٠/٣، المغني: ٨١/٣ (٢) رواه أبو داود والترمذي بإسناد جيد، وخضر الجنة بضم الخاء وإسكان الضاد : ثيابها الخضر. - ٩١٥ - ليتصدق بالُّلِقْمة فتربُو في يد الله ، أو في كف الله ، حتى تكون مثل الجبل ، ١ فتصدقوا))(١) وقد تصبح الصدقة حراماً : كأن يعلم أن آخذها يصرفها في معصية . وقد تجب الصدقة : كأن وجد مضطراً ، ومعه ما يطعمه فاضلاً عن حاجته . ثانياً - الإسرار بها ودفعها في رمضان : صدقة السر أفضل من صدقة العلانية أو الجهر ، فالأفضل الإسرار بصدقة التطوع بخلاف الزكاة ، لقوله تعالى : ﴿إن تبدوا الصدقات فنعًما هي ، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ، ويكفر عنكم﴾ ، ولما في الصحيحين عن أبي هريرة في خبر السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله : ((ورجل تصدق بصدقة ، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه )) وروى الطبراني في الصغير: ((صدقة السر تطفئ غضب الرب)). ودفعها في رمضان أفضل من دفعها في غيره ، لما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه: ((سئل رسول الله ع تٍ، أي الصدقة أفضل؟ قال : صدقة في رمضان)) ولأن الفقراء فيه يضعفون ويعجزون عن الكسب بسبب الصوم ، ولأن الحسنات تضاعف فيه . وتتأكد في الأيام الفاضلة كعشر ذي الحجة وأيام العيد ، وكذا في الأماكن الشريفة كمكة والمدينة ، وفي الجهاد والحج ، وعند الأمور المهمة كالكسوف والمرض والسفر . وتتأكد الصدقة بالماء إن كان الاحتياج إليه أكثر من الطعام ؛ لخبر أبي داود : (١) رواه ابن خزيمة عن أبي هريرة ، ورواية البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ « من تصدَّق بعِدْل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب ، فإن الله يقبلها بيمينه ، ثم يربيها لصاحبها ، كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل)) وعدل: مقدار، والأخذ باليمين معناه القبول والرضا ، والمهر: هو الفلو، والفصيل : هو ولد الناقة إذا فطم . والله طيب : أي منزه عن النقائص . - ٩١٦ - (( أي الصدقة أفضل؟ قال: الماء)) ، فإن كانت الحاجة إلى الطعام فهو أفضل ، وتتأكد أيضاً بالمنيحة : وهي الشاة اللبون ونحوها يعطيها المحتاج يشرب لبنها ما دامت لبوناً ثم يردها إليه ، لما في ذلك من مزيد البر والإحسان . ويستحب الإكثار من الصدقة في أوقات الحاجات، لقوله تعالى: (( أو إطعام في يوم ذي مسغبة )) . ويسن التصدق عقب كل معصية ، وتسن التسمية عند التصدق ؛ لأن الصدقة عبادة(١) . ثالثاً - التصدق بجميع المال : إن كان الرجل وحده ، أو كان لمن يمون كفايتهم ، فأراد الصدقة بجميع ماله ، وكان ذا مكسب ، أو كان واثقاً من نفسه بحسن التوكل ، والصبر على الفقر ، والتعفف عن المسألة ، فهو حسن ، وإلا فلا يجوز بل يكره (٢)؛ لأن النبي عَِّ سئل: ((أي الصدقة أفضل؟ قال: سرّ إلى فقير أو جَهْد من مُقلّ))(٣)، وروي عن عمر رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله عَالتّ أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً ، فجئته بنصف مالي ، فقال رسول الله عَ التّ: ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : أبقيت لهم مثله ، فأتاه أبو بكر بكل ما عنده ، فقال له : ما أبقيت لأهلك ؟ قال : الله ورسوله ، فقلت : لا أسابقك إلى شيء بعده أبداً(٤) . فهذا كان فضيلة في حق أبي بكر رضي الله عنه ، لقوة يقينه وكال إيمانه ، وكان أيضاً تاجراً ذا مكسب . (١) مغني المحتاج: ١٢١/٣، ١٢٣، المغني: ٨٢/٣، المجموع: ٢٥٨/٦ - ٢٦٠ (٢) الدر المختار: ٩٦/٢، مغني المحتاج: ١٢٢/٣، المغني: ٨٣/٣ (٣) رواه أحمد والطبراني عن أبي أمامة ، وفي إسناده علي بن يزيد ( الترغيب والترهيب: ٣٢/٢) (٤) رواه الترمذي وصححه . - ٩١٧ - رابعاً - الأولى في الصدقة : الأولى أن يتصدق المرء من الفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه على الدوام ، وإن تصدق بما ينقص من مؤنة من يمونه أثم (١)، لقوله عّ لّ في الأولى: ((خير الصدقة: ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول))(٣) أي عن غنى النفس وصبرها على الفقر، ولقوله عليه السلام في حالة الإثم: « كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ))(٣) . خامساً - استحباب التصدق بما فضل عن الحاجة : يستحب أن يتصدق بما فضل عما يلزمه من النفقات(٤)، لقوله عالٍ: (( ليتصدق الرجل من ديناره"، وليتصدق من درهمه ، وليتصدق من صاع بره ، وليتصدق من صاع تمره )) (٥) . سادساً - التصدق بما تيسر : يستحب أن يتصدق بما تيسر ، ولا يستقله ، ولا يمتنع من الصدقة به لقلته وحقارته ، فإن قليل الخير كثير عند الله تعالى ، وما قبله الله تعالى وبارك فيه ، فليس هو بقليل(١) ، قال الله تعالى : ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ) ، وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم: ((اتقو النار ولو بشق تمرة )) وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة: (( يا نساء المسلمات لا تحقرِنَّ جارة لجارتها ولو فِرْسن شاة)) (١) المجموع: ٢٥٣/٦، وما بعدها، المهذب: ١٧٥/١، الدر، ومغني، والمغني: المكان السابق (٢) متفق عليه ، وروى القسم الأول منه أبو داود وصححه الحاكم (٣) حديث حسن رواه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة ، والقوت : ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام . (٤) المجموع : ٢٥٥/٦ وما بعدها، المهذب : ١٧٥/١ (٥) حديث صحيح رواه مسلم عن جرير بن عبد الله (٦) المجموع : ٢٦١/٦ - ٩١٨ - والفرسن من البعير والشاة كالحافر من غيرهما . وروى النسائي وابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة: (( سَبَق درهم مائة ألف درهم ، فقال رجل : وكيف ذاك يا رسول الله ؟ قال: رجل له مال كثير أخذ من عُرْضه - جانبه - مائة ألف درهم تصدق بها ، ورجل ليس له إلا درهمان ، فأخذ أحدهما ، فتصدق به )) . سابعاً - التصدق على الصلحاء : يستحب أن يخص بصدقته الصلحاء ، وأهل الخير والمروءات والحاجات(١). ثامناً - المتصدق عليه (٢): أ - الأقارب : الأفضل أن يخص بالصدقة الأقارب ، ثم الجيران ، فهم أولى من الأجانب، لقوله تعالى: ﴿يتيماً ذا مقربة) ولقوله مؤهل لزينب امرأة عبد الله بن مسعود: ((زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم))(٣) ، ولقوله عليه السلام في حديث حسن رواه أحمد وابن ماجه والترمذي: (( الصدقة على المسكين صدقة ، وهي على ذي الرحم اثنتان : صدقة وصلة )) ولخبر البخاري عن عائشة : ((إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ فقال : إلى أقربها منك باباً)) وهكذا الحكم في الزكوات والكفارات والنذور والوصايا والأوقاف وسائر جهات البر ، يستحب فيها تقديم الأقارب إذا كانوا مستحقين . ويستحب أن يقصد بصدقته من أقاربه أشدهم له عداوة ليتألف قلبه ويرده إلى المحبة والألفة . ب - صاحب الحاجة الشديدة : تستحب الصدقة على من اشتدت حاجته لقول الله تعالى : ﴿ أو مسكيناً ذا متربة ﴾ (١) المجموع : ٢٦١/٦ (٢) المجموع: ٢٥٨/٦ - ٢٦٢، المهذب: ١٧٦/١، مغني المحتاج: ١٢٠/٣ وما بعدها، المغني: ٨٢/٣ (٣) رواه البخاري ومسلم ، وفيه جواب عن وضع الصدقة في زوجها وبني أخ لها يتامى: ((نعم لها أجران : أجر القرابة وأجر الصدقة )» ( نيل الأوطار : ١٧٦/٤ ) - ٩١٩ - = جـ ـ الغني والهاشمي والكافر والفاسق : تحل الصدقة لغني ولو من ذوي القربى ، لقول جعفر بن محمد عن أبيه : أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة، فقيل له: أتشرب من الصدقة؟ فقال: ((إنما حرَّم الله علينا الصدقة المفروضة))(١)، وأقر النبي مع الزّ في حديث الصحيحين عن أبي هريرة صدقة رجل على سارق وزانية وغني ، وفيه: (( أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته ، وأما الزانية فلعلها تستعف عن زناها ، وأما الغني فلعله يعتبر ، وينفق بما آتاه الله تعالى)) . لكن يستحب للغني التنزه عنها ، ويكره له التعرض لأخذها . وأما الصدقة على الهاشمي : فقد عرفنا في الزكاة جوازها في رأي أكثرية العلماء ، فهي تحل للهاشميين دونه معالج اتّ تشريفاً له . وتحل الصدقة أيضاً على فاسق ، وكافر من يهودي أو نصراني أو مجوسي ، ذمي أو حربي ، لقوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً﴾ ومعلوم أن الأسير حربي. ولقوله مر اته في الصحيحين عن أبي هريرة فين سقى الكلب العطشان: ((في كل كبد رطبة أجر)) وأما حديث: ((لا يأكل 5 طعامك إلا تقي )) فأريد به الأولى . د - الصدقة على الميت : ينفع الميت - كما قدمنا في الجنائز - صدقة عليه من أكل أو شرب أو كسوة أو درهم أو دينار، وينفعه أيضاً دعاء له بنحو: ((اللهم اغفر له)) ((اللهم ارحمه)) بالإجماع ، ولا يتصدق عليه بالأعمال البدنية كأن تهب له ثواب صلاة أو صوم(٢) ، وأما قراءة القرآن كالفاتحة ، فقال مالك والشافعي : لا ينتفع بها ، ورأي الأكثرين : أنه ينتفع . (١) رواه الشافعي والبيهقي . (٢) الشرح الصغير: ٥٨٠/١ - ٩٢٠ -