النص المفهرس
صفحات 881-900
( مسافة القصر ) ودينه المؤجل وكسب لا يليق به ، ولا يشترط فيه الزمانة ولا التعفف عن المسألة في الجديد ، والمكفي بنفقة قريب أو زوج ليس فقيراً في الأصح . ولو اشتغل بعلم والكسب يمنعه من اشتغاله بذلك ، فهو فقير . والغني عند الحنابلة(١) في أظهر الروايتين عن أحمد: هو من ملك خمسين درهماً أوقيمتها من الذهب ، أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسب أو تجارة أو عقار أو نحو ذلك، لحديث أبي داود والترمذي: (( الغنى : خمسون درهماً أوقيمتها من الذهب )) والفقير: من لا يجد شيئاً ألبتة ( أي قطعاً ) ، أو يجد شيئاً يسيراً من الكفاية دون نصفها من كسب أو غيره ، مما لا يقع موقعاً من كفايته ، كدرهمين من عشرة . والمسكين : من يجد معظم الكفاية أو نصفها من كسب أو غيره . فيعطى كل منهما كفايته مع عائلته سنة . ولا يعطى كل منهما من الزكاة إذا كان قادراً على الاكتساب إذ إنه لاحظ فيها لغني ولالقوي مكتسب ، كما روى أبو داود . لكن إذا تفرغ القادر على التكسب لطلب العلم ، وتعذر الجمع بين طلب العلم والتكسب ، يعطى من الزكاة ، ولا يعطى إذا تفرغ للعبادة ، لقصور نفعها . والخلاصة : أن المانع من الصدقة وهو الغنى : هو أقل ما ينطلق عليه الاسم عند الشافعية والحنابلة أخذاً بالمعنى اللغوي للكلمة ، وهو ملك النصاب عند الحنفية أخذاً بالمعنى الشرعي ؛ لأن الشرع اعتبر في حديث معاذ مالك النصاب هو الغني . وقال مالك: ليس في ذلك حد إنما هو راجع إلى الاجتهاد ، وذلك يختلف باختلاف الحالات والحاجات والأشخاص والأمكنة والأزمنة . ويحرم سؤال الزكاة أو صدقة التطوع أو الكفارة ونحوها ، وله ما يغنيه أي يكفيه ؛ لأنه لا يحل له أخذهما إذاً ، ووسائل المحرم محرمة . (١) كشاف القناع: ٢ / ٣١٧، ٣١٩، ٣٣٤ وما بعدها، المغني : ٢ / ٦٦١ . الفقه الإسلامي جـ٢ (٥٦) - ٨٨١ - الإعلام بكون المدفوع زكاة : إذا دفع المسلم الزكاة إلى من يظنه فقيراً أو رآه ظاهر الحاجة ، لم يحتج إلى إعلامه أنها زكاة . إذا ظهر كونه غنياً أو غير مستحق : وإن دفعت الزكاة إلى من ظاهره الفقر أو يظنه فقيراً ، فبان غنياً ، أو ظنه مسلماً ، فبان كافراً ، لم يجزه ذلك عن الفرض ويجب ردها منه ، في رأي المالكية والشافعية وفي الراجح عند الحنابلة(١)؛ لأنه دفع الواجب إلى غير مستحقه ، فلم يخرج من عهدته ، كما لو دفعها إلى كافر أو ذي قرابة ، كديون الآدميين . ثم إن كان المال باقياً ، استرجع منه ، ودفع إلى فقير ، وإن كان فائتاً ، أخذ البدل ، وصرف إلى فقير. فإن لم يكن للمدفوع إليه مال ، لم يجب على رب المال ضمانه ؛ لأنه إذا دفعه إلى الإمام ، فقد سقط الفرض عنه بذلك ، ولا يضمنه الإمام ؛ لأنه أمين غير مفرط . وإن كان الدافع هو نفس رب المال ، فإن لم يبين عند الدفع أنه زكاة واجبة ، لم يكن له أن يرجع ، لأنه قد يدفع عن زكاة واجبة وعن تطوع . وإن كان قد بين أنها زكاة ، رجع فيها . والخلاصة : أن الجمهور يقررون أنه لاتجزئ الزكاة إذا دفعت لغير مستحق إلا الإمام ، ومثله عند المالكية نائب القاضي والوصي ، فإنها تجزئ إن تعذر ردها ؛ لأنهم يدفعونها بالاجتهاد . واستثنى الحنابلة حالة الدفع لغني ظنه فقيراً ، فإنها تجزئه . وقال الحنفية(٢): إذا دفع الزكاة لإنسان ثم بان أنه غني أو ذمي ، أو أنه أبوه أو ابنه أو امرأته أو هاشمي ، لا يعيد الدفع ؛ لأنه أتى بمافي وسعه ، أي أتى بالتمليك (١) المهذب: ١ / ١٧٥، المغني: ٢ / ٦٦٧ وما بعدها، كشاف القناع: ٢ / ٣٤٤، الشرح الصغير: ١ / ٦٦٨، غاية المنتهى : ١ / ٣١٥ ومابعدها . (٢) الدر المختار ورد المختار: ٢ / ٩٣، الكتاب مع اللباب: ١ / ١٥٧. - ٨٨٢ - الذي هو ركن الأداء على قدر وسعه ، إذ ليس مكلفاً بأكثر من التحري والبحث ، فلو دفع بلاتحرٍ ، لم يجز ؛ لأنه أخطأ . ٢ - أن يكون مستحق الزكاة مسلماً: إلا المؤلفة قلوبهم في رأي المالكية والحنابلة : فلا يجوز صرف الزكاة إلى الكافر بلاخلاف ، لحديث معاذ رضي الله عنه المتقدم: (( خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم » أمر بوضع الزكاة في فقراء من يؤخذ من أغنيائهم وهم المسلمون ، فلا يجوز وضعها في غيرهم . وأما ماسوى الزكاة من صدقة الفطر والكفارات والنذور، فلاشك في أن صرفها إلى فقراء المسلمين أفضل ؛ لأن الصرف إليهم يقع إعانة لهم على الطاعة . وهل يجوز صرفها إلى أهل الذمة ؟ قال أبو حنيفة ومحمد : يجوز، لقوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي ، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء ، فهو خير لكم ، ونكفر عنكم سيئاتكم﴾ من غير تفرقة بين فقير وفقير ، وعموم هذا النص يقتضي جواز صرف الزكاة إليهم ، إلا أنه خص منه الزكاة لحديث معاذ ، وقوله تعالى في الكفارات : ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين .. ﴾ من غير تفرقة بين مسكين ومسكين ، إلا أنه خص منه الحربي بدليل حتى لا يكون ذلك إعانة لهم على قتالنا ، ولأن صرف الصدقة إلى أهل الذمة من باب إيصال البر إليهم ، ومانهينا عن ذلك ، قال تعالى : ﴿ لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ... ﴾ . وقال أبو يوسف وزفر والشافعي والجمهور : لا يجوز صرف غير الزكاة أيضاً إلى الذميين قياساً على الزكاة ، وعلى الحربي . ٣ - ألا يكون المستحق من بني هاشم : لأن آل البيت تحرم عليهم .. - ٨٨٣ - الزكاة ؛ لأنها أوساخ الناس ، ولهم من خمس الخمس في بيت المال ما يكفيهم ، بدليل قوله مع الله: ((إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس ، وإنها لاتحل لمحمد ، ولا لآل محمد))(١). وبنو هاشم الذين تحرم عليهم الصدقات هم عند الحنفية والحنابلة(٢): آل العباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل بني أبي طالب ، وآل الحارث بن عبد المطلب ، لعموم الحديث المتقدم(٣) وكذلك قال الشافعية(٤): هم بنو هاشم وبنو المطلب لقوله مَ ◌ّ: ((إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد ، وشبك بين أصابعه )»(٥). ٠ وقال المالكية(٢): هم بنو هاشم فقط ، وأما بنو المطلب أخو هاشم فليسوا عندهم من آل البيت ، فيعطون من الزكاة على المشهور . هذا ... وقد نقل عن أبي حنيفة وعن المالكية وبعض الشافعية : جواز إعطاء الهاشميين من الزكاة إذا حرموا من بيت المال سهم ذوي القربى ، منعاً لتضييعهم ولحاجتهم ، وإعطاؤهم - كما قال الدسوقي المالكي - حينئذ أفضل من إعطاء غيرهم . وتحل صدقة التطوع لهم عند الأكثرين. (١) رواه مسلم في حديث طويل من رواية عبد المطلب بن ربيعة مرفوعاً، وروى الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن) عن أبي رافع: ((إن الصدقة لاتحل لتا)) (نصب الراية: ٢ / ٤٠٣، نيل الأوطار: ٤ / ١٧٤). (٢) البدائع: ٢ / ٤٩، كشاف القناع: ٢ / ٣٣٩ . (٣) فالهاشمي : من لهاشم عليه ولادة ، كأولاد العباس وحمزة وأبي طالب وأبي لهب ، وأولاد فاطمة ، وقد أدخل الحنابلة آل أبي لهب بن عبد المطلب؛ لأنه ثبت أنه أسلم عتبة ومعتب ابنا أبي لهب عام الفتح، وسر علاقة بإسلامهما، ودعا لهما، وشهدا معه حنيناً والطائف ولهما عقب عند أهل النسب (نيل الأوطار: ٤ / ١٧٢) وهاشم: هو ثاني أجداد النبي متر ، فهو أبو عبد المطلب . (٤) شرح المجموع : ٦ / ٢٤٤ وما بعدها . (٥) رواه البخاري عن جبير بن مطعم . (٦) الشرح الصغير: ١ / ٦٥٩، الشرح الكبير: ١ / ٤٩٣. - ٨٨٤ _ ٤ - ألا يكون ممن تلزم المزكي نفقته من الأقارب والزوجات ولو في العدة : لأن ذلك يمنع وقوع الأداء تمليكاً للفقير من كل وجه ، بل يكون صرفاً إلى نفسه من وجه . فلاتدفع الزكاة إلى الوالدين وإن علوا ( أي الأجداد ) والمولودين وإن سفلوا ( أي الأحفاد والأسباط ) ، ولا إلى الزوجات ؛ بصفة الفقر أو المسكنة ؛ لأن نفقتهم واجبة على المزكي ، والزكاة للحاجة ، ولاحاجة مع وجوب النفقة ، ولأن أحدهم ينتفع بمال الآخر ، بل ولا يجوز دفعها عند الشافعية لشخص لاتلزم المزكي نفسه نفقته ، وإنما تلزم غيره ؛ لأنه غير محتاج ، کمكتسب كل يوم قدر كفايته . وأجاز الحنفية دفع الزكاة لامرأة فقيرة وزوجها غني ؛ لأنها لا تستحق على زوجها إلا مقدار النفقة ، فلا تعد بذلك القدر غنية ، ولا يجوز عندهم دفع زكاة الزاني لولده من الزنا إلا إذا كان الولد من ذات زوج معروف . لكن يجوز دفعها لمن ذكر بصفة كونهم غارمين أو غزاة مجاهدين مثلاً . وهل يجوز دفع الزوجة إلى زوجها زكاتها ؟ 8 0 قال أبو حنيفة ، والحنابلة على الراجح (١): لا يجوز؛ لأن الزكاة تعود إليها پإنفاقه عليها . وقال الصاحبان والشافعية ، والمالكية على الصحيح(١) : يجوز، لحديث زينب امرأة ابن مسعود: ((زوجُك وولدك أحق من تصدقت عليهم به))(٣) ويجوز دفع الزكاة إلى بقية الأقارب غير المذكورين كالأخ والأخت والعمة والخالة ونحوهم ، لحديث الطبراني عن سلمان بن عامر: ((الصدقة على المسكين (١) الدر المختار: ٢ / ٨٧، البدائع: ٢ / ٤٠، كشاف القناع: ٢ / ٣٣٩، الكتاب مع اللباب: ١ / ١٥٦. (٢) البدائع : ٢ / ٤٠، أحكام ابن العربي: ٢ / ٩٦٠، المجموع: ٦ / ٢٤٧ . (٣) رواه البخاري ومسلم . 0 - ٨٨٥ _ صدقة وهي لذي الرحم اثنتان : صدقة وصلة )) بل إن القرابة أحق بزكاة المزكي ، قال مالك : أفضل من وضعت فيه زكاتك قرابتك الذين لاتعول . أما صدقات التطوع(١): فيجوز دفعها للأصول والفروع والزوجات والأزواج ، والدفع إليهم أولى ؛ لأن فيه أجرين : أجر الصدقة وأجر الصلة . وتجوز صدقة التطوع للأغنياء والكفار، ولهم أخذها ، وفيه أجر ، لقوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ﴾ ولم يكن الأسير يومئذ إلا كافراً، وكسى عمر خاله مشركاً حلة كان النبي مع الز كساه إياها، وقال النبي ◌ُ ◌ّ لأسماء بنت أبي بكر التي استفتته في صلة أمها وهي مشركة: ((صلي أمك))(٢) ، لكن يستحب للغني التعفف ، فلا يأخذ صدقة ولا يتعرض لها ؛ لأن الله تعالى مدح المتعففين عن السؤال ، مع وجود حاجتهم ، فقال : ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ﴾ فإن أخذها الغني مظهراً للفاقة ، حرم عليه ذلك ، وإن كانت تطوعاً ، لما فيه من الكذب والتغرير . ٥ - أن يكون بالغاً عاقلاً حراً : فلا تجزئ لعبد اتفاقاً ، ولا تجزئ عند الحنفية(٣) لصغير غير مراهق ( مادون السابعة ) ولا مجنون إلا إذا قبض عن الصغير والمجنون لهما من يجوز له قبضه كالأب والوصي وغيرهما ، وتجوز عندهم لصبيان أقاربه المميزين في مناسبة عيد أو غيره ، ولا يجوز دفع الزكاة لولد الغني إذا كان صغيراً ؛ لأن الولد الصغير يعد غنياً بغنى أبيه ، ويجوز إعطاؤها له إذا كان كبيراً فقيراً ؛ لأنه لا يعد غنياً بمال أبيه ، فكان كالأجنبي . (١) البدائع: ٢ / ٥٠، أحكام ابن العربي: ٢ / ٩٦٠، المجموع: ٦ / ٢٥٨ وما بعدها ، كشاف القناع: ٢ / ٣٤٥ ومابعدها . (٢) رواه البخاري ومسلم وأبو داود . (٣) حاشية ابن عابدين: ٢ / ٨١، ٨٥، ٩٥ وما بعدها، البدائع: ٢ / ٤٧. - ٨٨٦ - واشترط الشافعية (١) أن يكون قابض الزكاة رشيداً : وهو البالغ العاقل حسن التصرف ، فلاتجزئ لصبي أو مجنون أو سفيه ديانة كتارك الصلاة إلا أن يقبضها له وليه لسفهه أو قصوره . واشترط المالكية(٢) أن يكون عامل الزكاة بالغاً ، فلا تعطى الزكاة لقاصر . أما الحنابلة(٣) : فأجازوا دفع الزكاة إلى الكبير والصغير ، سواء أكل الطعام أو لم يأكل ، والمجنون ، لكن يقبضها ولي الصغير والمجنون عنهما ، أو القيِّم عليها ، روى الدارقطني عن أبي جحيفة قال: (( بعث رسول الله عَّ التّ ساعياً، فأخذ الصدقة من أغنيائنا ، فردها في فقرائنا ، وكنت غلاماً يتيماً لامال لي ، فأعطاني قَلْوصاً )) أي ناقة شابة . وبناء على هذه الشروط : لا يجوز دفع الزكاة لغني بمال أو كسب ، ولالعبد ، ولالبني هاشم ، وبني المطلب عند الجمهور غير المالكية في الأخير ، ولالكافر ، ولالمن تلزم المزكي أو غيره نفقته ، ولاللصغار والمجانين بأنفسهم ، ولالمن ليس في بلد الزكاة كما سنبين في مسألة نقل الزكاة . وأضاف الحنفية : لا يجوز صرف الزكاة لأهل البدع كالمشبهة في ذات الله أو في الصفات . وأجاز الحنفية دفع الزكاة للفقراء في المواسم والأعياد ، أو لمن يأتيه ببشارة ونحوها . المطلب الثاني - أحكام متفرقة في توزيع الزكاة : أولاً - دفع الزكاة إلى الإمام وإخراج الإنسان زكاة نفسه : دل قوله تعالى: ﴿ والعاملين عليها) على أن أخذ الزكوات إلى الإمام ، إذ (١) مغني المحتاج: ٣ / ١١٢. (٢) الشرح الكبير : ١ / ٥٩٥ (٣) المغني : ٢ / ٦٤٦ . - ٨٨٧ - لو جاز للمالك أداء الزكاة إلى المستحقين ، لما احتيج إلى عامل لجبايتها . ويؤكده قوله تعالى : ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ . ويجب على الإمام(١) أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة؛ لأن النبي عَ لّ والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة ، ولأن في الناس من يملك المال ، ولا يعرف ما يجب عليه ، وفيهم من يبخل ، فوجب أن يبعث من يأخذ . ولا يبعث الإمام إلا ساعياً حراً عدلاً ثقة ؛ لأن هذا ولاية وأمانة ، والعبد والفاسق ليسا من أهل الأمانة والولاية . ولا يبعث إلا فقهياً؛ لأنه يحتاج إلى معرفة ما يؤخذ وما لا يؤخذ ، ويحتاج إلى الاجتهاد فيما يعرض له من مسائل الزكاة وأحكامها . وهناك آية تجيز لأرباب الأموال دفع الزكاة بأنفسهم إلى المستحقين وهي قوله تعالى: ﴿ والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) لأنه إذا كان ذلك الحق حقاً للسائل والمحروم ، وجب أن يجوز دفعه إليهما مباشرة . وعملاً بمادلت عليه الآيات فصل العلماء في بيان تفرقة الزكاة : أ - فإن كان مال الزكاة خفياً أو باطناً: وهو الذهب والفضة وأموال التجارة في مواضعها ، جاز للمالك أن يفرقها بنفسه ، أو أن يدفعها إلى الإمام ، لأن رسول الله عَ ◌ّ طالب بزكاته ، وتبعه في ذلك أبو بكر وعمر ، ثم طالب بها عثمان لمدة ، ولما كثرت أسوال الناس ورأى أن في تتبعها حرجاً على الأمة، فوض الأداء إلى أربابها . ودفعها إلى الإمام لأنه نائب عن الفقراء ، فجاز الدفع إليه كولي اليتيم ، ولأن الإمام أعلم بمصارفها ، ودفعها إليه يبرئه ظاهراً وباطناً ، لاحتمال أن يكون غير مستحق لها ، ولأنه يخرج من الخلاف وتزول التهمة عنه . (١) المهذب : ١ / ١٦٨. - ٨٨٨ - ب - وإن كان مال الزكاة ظاهراً: وهو المواشي والزروع والثمار والمال الذي يمر به التاجر على العاشر ، فيجب عند الجمهور منهم الحنفية والمالكية(١) دفعها إلى الإمام ، فإن فرقها بنفسه ، لم يحتسب له ماأدى ، لقوله تعالى: ﴿ خذ من أموالهم صدقة ) أمر الله نبيه بأخذ الزكاة ، فدل أن للإمام المطالبة بذلك والأخذ . ودل ذكر (( العاملين عليها )) في المصارف على أن للإمام مطالبة أرباب الأموال بالصدقات . وكان النبي يبعث المصدّقين ( الجباة ) إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ الصدقات من الأنعام والمواشي في أماكنها(٢). وتابعه على ذلك الخلفاء الراشدون ، وقال أبو بكر رضي الله عنه لما امتنعت العرب عن أداء الزكاة : (( والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله پالم ، لحاربتهم عليه »(٣) . لكن المالكية قالوا : إذا كان الإمام عدلاً ، وجب دفع الزكاة إليه ، وإن كان غير عدل ، فإن لم يتمكن المزكي صرفها عنه ، دفعت إليه وأجزأت . وإن تمكن صرفها عنه دفعها صاحبها لمستحقها . ويستحب ألا يتولى دفعها بنفسه خوف الثناء . وقال الشافعي في الجديد(٤): يجوز للمزكي أن يفرق زكاة الأموال الظاهرة بنفسه كزكاة الباطن ؛ لأنها زكاة ، فجاز أن يفرقها بنفسه كزكاة المال الباطن . (١) البدائع: ٢ / ٣٥، الشرح الصغير: ١ / ٦٧٠، القوانين الفقهية: ص ١١١. (٢) ثبت ذلك في حديث أنس عن أبي بكر عند أحمد والنسائي وأبي داود والبخاري ، وعند الخمسة عن معاذ بن جبل، وعن رواة آخرين ( نيل الأوطار: ٤ / ١٢٤ وما بعدها ، ١٣٢ وما بعدها ). (٣) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ٤ / ١١٩). (٤) المهذب : ١ / ١٦٨ . - ٨٨٩ - وقال الحنابلة(١): يستحب للإنسان أن يلي تفرقة الزكاة بنفسه ، ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها، سواء أكانت من الأموال الظاهرة أم الباطنة . قال أحمد : أعجب إلي أن يخرجها ، وإن دفعها إلى السلطان فهو جائز. ودليلهم أن المزكي دفع الحق إلى مستحقه الجائز تصرفه ، فأجزأه ، كما لو دفع الدين إلى غريمه ، وكزكاة الأموال الباطنة ، ولأن المال الظاهر أحد نوعي الزكاة ، فأشبه النوع الآخر ، ولتوفير أجر العمالة ( رزق العامل ) . ولكن للإمام أخذها ، وهذا لاخلاف فيه ، لدلالة الآية : ﴿ خذ من أموالهم صدقة﴾ ، ومطالبة أبي بكر لهم بها لكونهم لم يؤدوها إلى أهلها، ولو أدوها إلى أهلها لم يقاتلهم عليها . وعلى كل حال فالواقع أن إخراج الزكاة أصبح منوطاً بأرباب الأموال ، ويطلب اليوم سن تشريعات فريضة الزكاة ، وقيام الدولة بجبايتها ، بسبب تقصير الكثيرين عن أدائها ، على أن تصرف في المصارف الشرعية ، وأن يكون الحاكم عادلاً أميناً على مصالح المسلمين . ثانياً - التوكيل في أداء الزكاة : اتفق الفقهاء(٢) على أنه يجوز التوكيل في أداء الزكاة ، بشرط النية من الموكل أو المؤدي ، فلو نوى المزكي عند الأداء أو الدفع للوكيل عند الحنفية والشافعية ، أو قبل الأداء بزمن يسير عند الحنابلة ، أو عند العزل لدى المالكية والحنفية والشافعية ، ثم أداها الوكيل إلى الفقير بلا نية جاز ؛ لأن تفرقة الزكاة من حقوق المال ، فجاز أن يوكل في أدائه كديون الآدمیین . وللو کیل أن یوکل غيره بلا إذن (١) المغني: ٢ / ٦٤١ . (٢) البدائع: ٢ / ٤٠ ومابعدها، الدر المختار: ٢ / ١٤ ومابعدها، الشرح الصغير: ١ / ٦٦٦ ومابعدها ، المهذب: ١ / ١٦٨، المغني: ٢ / ٦٣٨ ومابعدها . - ٨٩٠ - ولو نوى الوكيل ولم ينو الموكل ، لم يجز ؛ لأن الفرض يتعلق به ، والإجزاء يقع عنه ، وإن دفعها إلى الإمام ناوياً ولم ينو الإمام حال دفعها إلى الفقراء ، جاز . وبناء عليه يجوز في رأي الحنفية توكيل الذمي غير المسلم بأداء الزكاة للفقراء ؛ لأن المؤدي في الحقيقة هو المسلم . ولو قال الموكل : هذا تطوع أو عن كفارتي ، ثم نواه عن الزكاة قبل دفع الوكيل ، صح . وللوكيل أن يدفع الزكاة لولده الفقير أو زوجته الفقيرة إذا لم يأمره بالدفع إلى شخص معين ، ولا يجوز له أن يأخذ الزكاة لنفسه إلا إذا قال له الموكل : ضعها حيث شئت . وإن أمره بالدفع إلى شخص معين ، فدفعها الوكيل لغيره ، ففيه قولان عند الحنفية : قول بأنه لا يضمن ، كمن نذر أن يتصدق على فلان معين ، له أن يتصدق على غيره ، وقول رجحه ابن عابدين : يضمن ؛ لأن الوكيل يستمد سلطته بالتصرف من الموكل ، وقد أمره بالدفع إلى فلان ، فلا يملك الدفع إلى غيره ، كمن أوصى لزيد بكذا ، ليس للوصي الدفع إلى غيره . ثالثاً - شرط المال المؤدى : يشترط أن يكون المؤدى مالاً متقوماً على الإطلاق ، سواء أكان عند الحنفية(١) منصوصاً عليه أم لا ، من جنس المال الذي وجبت فيه الزكاة أو من غير جنسه ، والأصل عندهم أو القاعدة : أن كل مال يجوز التصدق به تطوعاً ، يجوز أداء الزكاة منه ، ومالا فلا . وعليه : لو أعطى الفقير سلعة من السلع كقماش أو خبز أو سكر أو سمن أو حذاء ، ناوياً الزكاة صح . وعند غير الحنفية : يتعين أداء المنصوص عليه ، وقد بحث الموضوع في إخراج القيمة في الزكاة . (١) البدائع: ٢ / ٤١ . - ٨٩١ - رابعاً - نقل الزكاة لبلد آخر غير بلد المزكي : القاعدة العامة أن تفرق صدقة كل قوم فيهم ، لحديث معاذ المتقدم : ((خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم »، والمعتبر عند الحنفية والشافعية والحنابلة في زكاة المال : المكان الذي فيه المال ، والمعتبر في صدقة الفطر : المكان الذي فيه المتصدق اعتباراً بسبب الوجوب فيها ، وللفقهاء تفصيل في نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر(١) . قال الحنفية : يكره تنزيها نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر إلا أن ينقلها إلى قرابته المحاويج ليسد حاجتهم ، أو إلى قوم هم أحوج إليها أو أصلح أو أورع أو أنفع للمسلمين ، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام ، أو إلى طالب علم ، أو إلى الزهاد ، أو كانت معجلة قبل تمام الحول ، فلا يكره نقلها . ولونقلها لغير هذه الأحوال جاز ؛ لأن المصرف مطلق الفقراء . وقال المالكية : لا يجوز نقل الزكاة لبلد لمسافة القصر، فأكثر، إلا لمن هو أحوج إليها ، ويجوز نقلها لمن هو دون مسافة القصر (٨٩ كم) ؛ لأنه في حكم موضع الوجوب ، ويتعين تفرقتها فوراً بموضع الوجوب : وهو في الحرث ( الزرع والثمر ) والماشية : الموضع الذي جبيت منه ، وفي النقود وعروض التجارة : موضع المالك ، حيث كان ، مالم يسافر، ويوكل من يخرج عنه ببلد المال . وقال الشافعية : الأظهر منع نقل الزكاة ، ويجب صرفها إلى الأصناف في البلد الذي فيه المال ، لحديث معاذ المتقدم ، فإن لم توجد الأصناف في البلد الذي (١) الدر المختار: ٢ / ٩٣ - ٩٥، الفتاوى الهندية: ١ / ١٧٨، الكتاب مع اللباب: ١ / ١٥٨، فتح القدير: ٢ / ٢٨ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ١١١، الشرح الصغير: ١ / ٦٦٧، أحكام القرآن لابن العربي: ٢ / ٩٦٣ ، المجموع: ٦ / ٢٣٧، مغني المحتاج: ٣ / ١١٨، بجيرمي الخطيب: ٢ / ٣١٨، المهذب: ١ / ١٧٣، المغني : ٢ / ٦٧١ - ٦٧٤ . - ٨٩٢ - وجبت فيه الزكاة ، أو لم يوجد بعضهم ، أو فضل شيء عن بعض وجد منهم ، نقلت إلى أقرب البلاد لبلد الوجوب . وقال الحنابلة : المذهب أنه لا يجوز نقل الصدقة من بلد مال الزكاة إلى بلد مسافة القصر ، أي يحرم نقلها إلى مسافة القصر ، ولكن تجزئه . ويجوز نقلها لأقل من مسافة القصر من البلد الذي فيه المال . والمستحب تفرقة الصدقة في بلدها ، ثم الأقرب فالأقرب من القرى والبلدان . خامساً - أخذ البغاة والخوارج الزكاة : إذا تغلبت فئة الخوارج والبغاة على بلد إسلامي ، فأخذوا زكواتهم وعشور أراضيهم وخراجها ، ثم استعادها الإمام منهم أو أخذ السلطان الجائر الزكاة ، أجزأ المدفوع عن أصحابه ولا يثنى عليهم ، وأجزأ دفع الخراج عن المكلف به ، سواء عدل الآخذ فيا أخذ أو جار ، وسواء أخذها قهراً أو دفعت إليه اختياراً . وذلك عملاً بفعل الصحابة ، ولأن المعطي دفعها إلى أهل الولاية ، ولأن حق الأخذ للإمام لأجل الحفظ والحماية ، ولم يوجد ذلك منه(١). لكن قال الحنفية: إلا أن المعطين يفتون فيمابينهم وبين ربهم أن يؤدوا الزكاة والعشور ثانياً . وقالوا أيضاً : لو أخذ السلطان الصدقات أو الجبايات أو أخذ مالاً مصادرة إن نوى المأخوذ منه الصدقة عند الدفع ، جاز وبه يفتى ، أو إذا دفع إلى كل جائر بنية الصدقة يجزئ ، والأحوط الإعادة . سادساً - الحيلة لإسقاط الزكاة : يحرم التحايل لإسقاط الزكاة كأن يهب المال المزكى لفقير ثم يشتريه منه ، أو يهبه لقريب قبل حولان الحول ثم يسترده منه فيما بعد . (١) البدائع: ٢ / ٣٦، فتح القدير: ١ / ٥١٢، المغني: ٢ / ٦٤٤ وما بعدها، الدر المختار: ٢ /٣٣. - ٨٩٣ - ولو أبدل النصاب بغير جنسه كإبدال الماشية بدراهم ، فراراً من الزكاة ، أو · أتلف جزءاً من النصاب قصداً للتنقيص لتسقط عنه الزكاة ، أو جعل السائمة علوفة ، لم تسقط عنه الزكاة عند الحنابلة والمالكية(١) سداً للذرائع، لأنه قصد إسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه ، ولقوله تعالى : ﴿ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ، إذ أقسموا ليصرمُنَّها مصبحين ، ولا يستثنون ، فطاف عليها طائف من ربك ، وهم نائمون ، فأصبحت كالصريم ) فعاقبهم الله تعالى بذلك ، لفرارهم من الصدقة . قال أبو يوسف : لايحتال في إبطال الصدقة بوجه ولاسبب . وقال أبو حنيفة والشافعي : تسقط عنه الزكاة ؛ لأنه نقص قبل تمام حوله ، فلم تجب فيه الزكاة ، كما لو أتلف لحاجته . سابعاً - هل تجزئ الضريبة المدفوعة للدولة عن الزكاة ؟ لاتجزئ أصلاً الضريبة عن الزكاة ؛ لأن الزكاة عبادة مفروضة على المسلم شكراً لله تعالى وتقرباً إليه ، والضريبة التزام مالي محض خال عن كل معنى للعبادة والقربة ، ولذا شرطت النية في الزكاة ولم تشرط في الضريبة ، ولأن الزكاة حق مقدر شرعاً ، بخلاف الضريبة فإنها تخضع لتقدير السلطة ، ولأن الزكاة حق ثابت دائم ، والضريبة مؤقتة حسب الحاجة ، ولأن مصارف الزكاة هي الأصناف الثانية: الفقراء والمساكين المسلمون إلخ، والضريبة تصرف لتغطية النفقات العامة للدولة. وللزكاة أهداف روحية وخلقية واجتماعية إنسانية، أما الضريبة فلا يقصد بها تحقيق شيء من تلك الأهداف(٢). (١) المغني: ٢ / ٦٧٦، مغني المحتاج: ١ / ٣٧٩، حاشية ابن عابدين: ٢ / ٤٥، الخراج لأبي يوسف: ص ٨٠ . (٢) فقه الزكاة للقرضاوي : ٩٩٧ - ١٠٠٣. - ٨٩٤ - ثامناً - حكم من مات وعليه زكاة أمواله، أو هل تسقط الزكاة بالموت ؟ اختلف الفقهاء في ذلك(١)، فقال المالكية والشافعية والحنابلة: من وجبت عليه زكاة وتمكن من أدائها ، فمات قبل أدائها ، عصى ، ووجب إخراجها من تركته ، وإن لم يوص بها ، ولا تسقط بموته ؛ لأنها حق واجب تصح الوصية به ، أو حق مال لزمه في حال الحياة ، فلم يسقط بالموت كدين الآدمي . ولكن تنفذ من ثلث التركة كالوصية في مشهور مذهب المالكية ، ومن رأس مال التركة كلها في رأي الشافعي وأحمد . وإذا اجتمع في تركة الميت دين الله تعالى ودين لاّدمي ، مثال الأول : زكاة وكفارة ونذر وجزاء صيد حرمي وغير ذلك ، فالأصح عند الشافعية تقديم دين الله تعالى . وقال أبو حنيفة : تسقط عنه الزكاة بالموت ، إلا أن يوصي بها وصية ، فتخرج من الثلث ، ويزاحم بها أصحاب الوصايا ، وإذا لم يوص بها سقطت ؛ لأنها عبادة من شرطها النية ، فسقطت بموت من هي عليه كالصوم . فتكون مسقطات الزكاة عند الحنفية ثلاثة : موت من عليه الزكاة من غير وصية ، والردة ، وهلاك النصاب بعد الحول قبل التمكن من الأداء وبعده ، خلافاً للشافعي وغيره في الأمور الثلاثة . تاسعاً - إسقاط الدين لا يقع عن الزكاة : يترتب على اشتراط تمليك الزكاة للفقراء ونحوهم(٢) أن المسامحة بالدين (١) بداية المجتهد: ١ / ٢٤١ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٧٥، المجموع: ٦ / ٢٥٠ وما بعدها، المغني: ٢ / ٦٨٣ ومابعدها، ٣ / ٨٠ وما بعدها ، البدائع: ٢ / ٥٢ وما بعدها . (٢) البدائع: ٢ / ٣٩، الدر المختار: ٢ / ٨٥، الفتاوى الهندية: ١ / ١٧٨، كشاف القناع: ٢ / ٣٣٧ . - ٨٩٥ _ لاتجزئ عند الحنفية عن الزكاة ، وإنما يجب إعطاء الزكاة للفقير ، ويمكن استيفاء الدين منه بعد ذلك فيعطيه الزكاة ، ثم بعد أن يستلمها يقول له : أعطني ديني ، وكذلك أجاز الحنابلة الإعطاء للمدين ثم يستوفي منه حقه ، مالم يكن حيلة أي بأن شرط عليه أن يردها عليه من دينه . ولو اشترى بالزكاة طعاماً ، فأطعم الفقراء غداء وعشاء ، ولم يدفع عين المال إليهم ، لا يجوز، لعدم التمليك ، ولو دفع الزكاة للفقير لا يتم الدفع مالم يقبضها بنفسه أو يقبضها له وليه أو وصيه . ولو قضى دين ميت فقير بنية الزكاة ، لم يصح عن الزكاة ؛ لأنه لم يوجد التمليك من الفقير، لعدم قبضه ، لكن لو قضى دين فقير حي بأمره ، جاز عن الزكاة ، لوجود التمليك من الفقير ؛ لأنه لما أمره به ، صار وكيلاً عنه في القبض ، فصار كأن الفقير قبض الصدقة بنفسه ، وملكها للغريم الدائن . المبحث السابع - آداب الزكاة وممنوعاتها : قال ابن جزي المالكي(١): ممنوعات الزكاة ثلاثة : ١ - أن تبطل بالمن والأذى ؛ لأن المن بالصدقة يحبطها أي يمنع ثوابها لآية : ﴿ ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ كذلك لا يستعظم مقدارها ؛ لأن ذلك محبط للأعمال . ٢ - وأن يشتري الرجل صدقته . ٣ - وأن يحشر المصدّق (الساعي) الناس إليها، بل يزكيهم بمواضعهم . ووافق الحنابلة المالكية في الممنوع الثاني قائلين(٢): ليس يخرج الزكاة شراؤها (١) القوانين الفقهية : ص ٩٩ ومابعدها . (٢) المغني : ٢ / ٦٥١ . - ٨٩٦ - ممن صارت إليه ، لما روي عن عمر أنه قال : حَمّلت على فرس في سبيل الله ، فأضاعه الذي كان عنده ، وظننت أنه باعه برخص ، فأردت أن أشتريه ، فسألت رسول الله مَ الٍ، فقال: ((لاتبتعه ، ولاتعد في صدقتك ولو أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته کالكلب يعود في قیئه )»(١). وقال الشافعي وغيره: يجوز استرداد الزكاة بالشراء وغيره لقول النبي مع الفتح السابق: ((لاتحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل ابتاعها بماله .. ))(٢) قال النووي(٣) عن حديث عمر : هذا نهي تنزيه لاتحريم ، فيكره لمن تصدق بشيء أو أخرجه في زكاة أو كفارة أو نذر أو نحو ذلك من القربات أن يشتريه من دفعه هو إلیه أو بهبه أو يتملكه باختياره منه ، فأما إذا ورثه منه ، فلا كراهة فيه . وأضاف ابن جزي أن آداب الزكاة ستة : ١ - أن يخرجها طيبة بها نفسه. ٢، ٣ - وأن تكون من أطيب كسبه ومن خياره أي أحله وأجوده وأحبه إليه ، لكن يأخذ الساعي - كما بينا - أوسط المال. ٤ - أن يسترها عن أعين الناس ، وهذا رأي الحنفية أيضاً، فالإسرار بإخراجها أفضل ، لكونه أبعد عن الرياء ، وعن إذلال الفقير ، إلا إذا كان غنياً، ليقتدي به غيره من الأغنياء . وقال الشافعية والحنابلة(٤): الأفضل في الزكاة : إظهار إخراجها، ليراه (١) متفق عليه عن زيد بن أسلم عن أبيه، ومعنى ((حملت ... )) أي تصدقت به ووهبته لمن يقاتل عليه في سبيل الله، فأضاعه صاحبه: أي قصر في القيام بعلفه ومؤنته ( شرح مسلم: ١١ / ٦٢ ). (٢) رواه أبو داود وغيره . (٣) شرح مسلم : ١١ / ٦٢ . (٤) المجموع: ٦ / ٢٥٣، غاية المنتهى: ١ / ٣٠٢. - ٨٩٧ - الفقه الإسلامي جـ٢ (٥٧) غيره ، فيعمل عمله ، ولئلا يساء الظن به وذلك بالنسبة للمالك في غير الأموال الباطنة ، وللإمام مطلقاً . أما صدقة التطوع فالأفضل الإسرار بها اتفاقاً، لحديث السبعة الذين يستظلون بظل العرش، والذي منهم: (( من أخفى صدقته حتى لاتعلم شماله ماتنفق يمينه))(١) وأضاف الشافعية: إن أظهرها مقتدى به ليقتدى به ، ولم يقصد رياء ولاسمعة ولا تأذى به الآخذ ، كان الإظهار أفضل . ٥ - وأن يوكل في إخراجها ، خوف الثناء . ٦ - وأن يدعو المزكي عند دفعها، فيقول: ((اللهم اجعلها مغنماً، ولا تجعلها مغرماً)) ويقول الآخذ والعامل: ((آجَرَك الله فيما أعطيت ، وبارك لك فيما أبقيت ، وجعله لك طهوراً». ويمكن إضافة آداب أخرى منها" ٧ - أن يختار لأداء الزكاة من اتصف بالتقوى والعلم وإخفاء الفقر والقرابة أو الرحم ؛ لأن في إعطاء المال عوناً على طاعة الله ، وتحصيل العلم ، وتحقيق التعفف ، ولأن الصدقة على الأقارب فيها أجران لكونها صدقة وصلة . ٨ - المبادرة لإخراج الزكاة ، امتثالاً لأمر الله ، علماً بأنها تجب على الفور ، فلو أخرها ليدفعها إلى من هو أحق بها من ذي قرابة أو ذي حاجة شديدة ، قال الحنابلة : فإن كان شيئاً يسيراً ، فلابأس ، وإن كان كثيراً، لم يجز. قال أحمد : ((لا يجزي على أقاربه من الزكاة في كل شهر)) يعني لا يؤخر إخراجها حتى يدفعها (١) رواه مالك والترمذي عن أبي هريرة وأبي سعيد، ورواه أحمد والشيخان والنسائي عن أبي هريرة ورواه مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد معاً . (٢) غاية المنتهى: ١ / ٣١٤، المغني: ٢ / ٦٨٥، الدر المختار: ٢ / ٩٥، فتح القدير: ٢ / ٢٨. - ٨٩٨ - إليهم متفرقة في كل شهر شيئاً . فإن عجلها فدفعها إليهم أو إلى غيرهم متفرقة أو مجموعة ، جاز؛ لأنه لم يؤخرها عن وقتها . ٩ - يندب عند الحنفية الدفع إلى الفقير بما يغنيه عن سؤال جميع ما يحتاجه في يومه لنفسه وعياله . ١٠ - لاحاجة لإعلام الفقير بكون المدفوع له هو زكاة ، كما بينا سابقاً . لله تعالى - ٨٩٩ - الفصل الثاني صدقة الفطر فيه مباحث خمسة : المبحث الأول - مشروعيتها وحكمها ومن يؤمر بها . المبحث الثاني - وقت وجوبها وحكم تعجيلها وتأجيلها . المبحث الثالث - جنس الواجب وصفته ومقداره . المبحث الرابع - مندوباتها وجائزاتها . المبحث الخامس - مصرفها أو من يأخذها . المبحث الأول - مشروعية صدقة الفطر وحكمها ومن يؤمر بها : شرعت زكاة الفطر في السنة الثانية من الهجرة ، عام فرض صوم رمضان ، قبل الزكاة . وأدلة وجوبها : أخبار منها : ١ - خبر ابن عمر: ((فرض رسول الله عز ◌ّ زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ، على كل حر أو عبد ، ذكر أو أنثى من المسلمين )» والصاع قدح وثلث بالكيل المصري الحالي ، وبالقديم قدحان ، أو ثُمن مد دمشقي وهو المعروف بالثمنية ويساوي ( ٢٧٥١ غم ) وعند الحنفية - ٩٠٠ -