النص المفهرس

صفحات 841-860

وجد المالك بماله أحدهما أخذ منه ، وإن لم يجد فله تحصيل ماشاء من النوعين
بشراء أو غيره .
وإن وجد الفرضين معاً في ماله تعين الأغبط ( أي الأنفع للمستحقين بزيادة
قيمة أو غيرها ) ، ولا يجزئ غير الأغبط إن دلّس الدافع في إعطائه بأن أخفى
الأغبط ، أو قصر الساعي ، وإن لم يدلس الدافع ولم يقصر الساعي ، فيجزئ
المدفوع عن الزكاة مع وجوب قدر التفاوت بينه وبين قيمة الأغبط ؛ لأنه لم يدفع
الفرض بكماله ، فوجب جبر نقصه .
الجبران حالة فقد أحد الفروض : من فقد واجبه ، كأن لزمه بنت
مخاض ، فلم يجدها عنده ، صعد إلى أعلى منه وأخد من المدفوع له شاتين(١) أو
عشرين درهماً(٢) ، وفقاً لما روى البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر المتقدم ، أو
نزل إلى أسفل من الواجب بدرجة وأعطى على حسب اختياره شاتين أو عشرين
درهماً . وهذا رأي الشافعية والحنابلة(٣)، وقال الحنفية: يدفع المالك في هذه
الحالة قيمة ماوجب عليه ، أو يدفع مادون السن الواجبة والفرق المطلوب من
الدراهم ، أو أخذ الساعي أعلى منها ورد الفضل (٤).
وله صعود درجتين وأخذ جبرانين ، كإعطاء بنت مخاض بدل الحقة بشرط
تعذر وجود الدرجة القربى في تلك الجهة ، فلا يصعد عن بنت المخاض إلى الحقة ،
أو ينزل عن الحقة إلى بنت المخاض إلا عند تعذر بنت اللبون ، لإمكان الاستغناء
عن الجبران الزائد .
(١) أي كالشاتين اللتين تجزئان في الأضحية.
(٢) المراد بها الدراهم الشرعية من الفضة الخالصة .
(٣) المغني ٢ / ٥٨٧ وما بعدها، كشاف القناع: ٢ / ٢١٩ .
(٤) الكتاب مع اللباب : ١ /١٤٦ .
- ٨٤١ -

واتفق الفقهاء على أنه يجوز أن يخرج المالك عن الواجب سنا أعلى من
جنسه ؛ لأنه زاد على الواجب من جنسه .
زكاة البقر :
ثبتت فرضية زكاة البقر كما بينا بالسنة والإجماع ، أما السنة فمنها حديث
معاذ: أن النبي ◌َّ بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو
تبيعة ، ومن كل أربعين مُسِنَّة ، أو عَدْله مَعَافرياً))(١) والتبيع : ذو الحول ذكراً
كان أو أنثى ، والمسنة : ذات الحولين ، والمعافر : الثياب المعافرية ، نسبة إلى حي
في اليمن تنسب إليهم هذه الثياب .
ومنها حديث أبي ذر: « مامن صاحب إبل ولابقر ولاغنم لا تؤدى زكاتها إلا
جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت ، وأسمن ، تنطحه بقرونها ، وتطؤه بأخفافها ،
كلما نفدت أخراها ، عادت عليه أولاها ، حتى يقضى بين الناس ))(٢) .
ولازكاة فيما دون الثلاثين من البقر ، لحديث معاذ السابق ، ولازكاة عند
الجمهور في غير السائمة ، وعند المالكية : تجب الزكاة في المعلوفة والعوامل ،
كالإبل. والأرجح كما قدمنا رأي الجمهور، لحديث: (( ليس في البقر العوامل
صدقة)) (٣). ولأن صفة النماء معتبرة في الزكاة ، ولا يوجد إلا في السائمة .
واتفق الفقهاء(٤) عملاً بحديث معاذ على أن أول نصاب البقر ومثله الجاموس
(١) رواه الخمسة واللفظ لأحمد .
(٢) متفق عليه .
(٣) رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وروى أبو داود عن علي ((ليس على العوامل
- أي من البقر - شيء )) ( سنن أبي داود: ١ / ٣٦٢).
(٤) الدر المختار: ٢ / ٢٤، فتح القدير: ١ / ٤٩٩ ومابعدها، البدائع: ٢ / ٢٨، الشرح الصغير: ١ / ٥٩٧ ،
القوانين الفقهية: ص ١٠٨، مغني المحتاج: ١ / ٣٧٤، المهذب: ١ / ١٢٨، المغني: ٢ / ٥٩٢ ، كشاف القناع: ٢ /
٢٢١ وما بعدها .
- ٨٤٢ -

٠۔۔۔
ثلاثون ، ففي ثلاثين إلى تسع وثلاثين (٣٠ - ٣٩ ) بقرة : تبيع أو تبيعة ، وهو
عند الجمهور : ماأتم السنة ودخل في الثانية ، وعند المالكية : ماأتم سنتين ودخل
في الثالثة ، وذلك إذا حال عليها الحول .
وأوجب الحنفية الزكاة في البقر والجاموس ولو متولداً من وحشي وأهلية
بخلاف عكسه أي المتولد من أهلي ووحشية ، كما بينا .
وفي أربعين إلى تسع وخمسين ( ٤٠ - ٥٩ ) : مسنّة: وهي عند الجمهور ما أتمت
السنتين ودخلت في الثالثة ، وهي الثنية . وقال المالكية : هي ما أوفت ثلاث
سنين ودخلت في الرابعة . وأجاز الحنفية في هذا النصاب دفع مُسنّ ذكر أو
مسنة .
ثم في كل ثلاثين بدءاً من الستين تبيع ، وفي كل أربعين مسنة . ففي ( ٦٠ -
٦٩ ): تبيعان أو تبيعتان، وفي (٧٠ - ٧٩ ): مسنة وتبيع، يدفع عن ٤٠ مسنة
وعن ٣٠ تبيع ، وفي ( ٨٠ - ٨٩ ) مسنتان، وفي (٩٠ - ٩٩ ) ثلاثة أتبعة ، وفي
مائة تبيعتان ومسنة ، عن ٦٠ تبيعان ، وعن ٤٠ مسنة ، وهكذا يتغير الفرض في
كل عشرة من تبيع إلى مسنة ، عملاً بحديث معاذ .
وقال المالكية : في مائة وعشرين ، يخير الساعي ( آخذ الزكاة ) بين أخذ
ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة إذا وجد الصنفان معاً أو فقدا معاً . فإذا وجد
أحدهما فقط عند المالك تعين أخذه .
العفو : ومابين الفريضتين عفو إلا فيما زاد على الأربعين إلى الستين ،
فيجب عند أبي حنيفة في الزيادة بقدر ذلك ، ففي الواحدة : ربع عشر مُسِنَّة ،
وفي الاثنين : نصف عشر مسنة ، وفي الثلاثة: ثلاثة أرباع عُشْر مسنة ، وفي
الأربع : عُشْرِ مسنَّة .
- ٨٤٣ -

وقال الصاحبان: وعلى رابها الفتوى، وقولهما هو المختار: لاشيء في
الزيادة على الأربعين ، حتى تبلغ إلى ستين ، فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان
ولاخلاف في أن الجواميس والبقر سواء لاتحاد الجنسية ، إذ هو نوع منه .
ولا يخرج الذكر في الزكاة أصلاً إذا كانت الحيوانات ذكوراً وإناثاً؛ لأن الأنثى
أفضل ، لما فيها من الدر والنسل ، إلا في البقر ، لنص حديث معاذ السابق . فإن
كان النصاب كله ذكوراً ، أجزأ الذكر في جميع أنواع زكاة الحيوان من إبل أو بقر
أو غنم ؛ لأن الزكاة وجبت مواساة ، فلا يكلفها من غير ماله .
زكاة الغنم :
تشمل الضأن والمعز ، ذكوراً وإناثاً :
وهي أيضاً واجبة بالسنة والإجماع كما بينا ، أما السنة فحديث أنس في
كتاب أبي بكر المذكور فيه: ((وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى
عشرين ومائة شاةٍ : شاةٌ ، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ، ففيها
شاتان ، فإذا زادت على مائتين إلى ثلثمائة ، ففيها ثلاث شياه ، فإذا زادت على
ثلثمائة ، ففي كل مائةٍ : شاة)).
فإذا كانت سائمة الرجل ناقصةً عن أربعين شاةً : شاةً واحدةً ، فليس فيها
صدقة ، إلا أن يشاء ربها .
ولا يُجمع بين مُتفرِّق، ولا يُفرَّق بين مُجتَمِع خشية الصدقة(١). وماكان من
(١) الجمع بين المفترق: أن يكون لكل شريك من ثلاثة شركاء أربعون شاة مقدار النصاب، فلا يجمع بين
الحصص لإخراج شاة واحدة فقط . والتفريق بين مجتمع : أن يكون لكل شريك من الشريكين مائة وشاة ، فيكون
على كل منها ثلاث شياه ، فلا يفرق غنهما ، حتى يخرج عن كل واحد منهما سوى شاة واحدة .
- ٨٤٤ _

خليطين ، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية(١).
ولا يُخرج في الصدقة هَرِمة ولاذات عُوار، ولاتيس إلا أن يشاء المصدّق(٢).
بناء عليه اتفق الفقهاء(٢) على أنه ليس فيما دون أربعين من الغنم السائمة أكثر
السنة صدقة ، لعدم بلوغ النصاب ، ولازكاة عند الجمهور في المعلوفة والعوامل ؛
لأنها من الحوائج الأصلية . وسوى المالكية بين المعلوفة والسائمة في وجوب الزكاة .
فإذا كانت أربعين إلى مائة وعشرين ( ٤٠ - ١٢٠) شاة ، وحال عليها
الحول ، ففيها شاة واحدة .
وفي مائة وإحدى وعشرين إلى مائتين ( ١٢١ - ٢٠٠ ) : شاتان .
وفي مائتين وواحدة إلى ثلثمائة وتسع وتسعين (٢٠١ - ٣٩٩): ثلاث شياه .
وفي أربعمائة ( ٤٠٠ ) أربع شياه .
ثم في كل مائة شاة .
8
ولاخلاف في أن الضأن والمعِز سواء في النصاب والوجوب وأداء الواجب ،
ولا يؤخذ إلا الثني وهو ماتمت له سنة عند الجمهور ، وشرط الشافعية في المعز أن
يكون له سنتان ، واكتفى الحنابلة في جذع الضأن أن يكون مما له ستة أشهر ،
فإن تطوع المالك بأفضل منها في السن ، جاز، ودليل الحنابلة : مارواه مالك
(١) معناه أن يكون لشريك مثلاً أربعون بقرة، وللآخر ثلاثون بقرة، ومالهما مشترك، فيأخذ الساعي عن
الأربعين مسنة وعن الثلاثين تبيعاً ، ثم يرجع باذل المسنة بثلاثة أسباعها على شريكه ، وباذل التبيع بأربعة أسباعه على
شريكه .
(٢) المصدق : هو المالك ، والاستثناء راجع إلى الأخير وهو التيس .
(٣) البدائع: ٢ / ٢٨ وما بعدها، فتح القدير: ١ / ٥٠١ ومابعدها، الشرح الكبير: ١ / ٤٣٥، القوانين
الفقهية: ص ١٠٨، المهذب: ١ / ١٤٨، مغني المحتاج: ١ / ٣٧٤ ، المغني: ٢ / ٥٩٦ وما بعدها ، ٦٠٥، كشاف
القناع : ٢ / ٢٢٥ - ٢٢٧ .
- ٨٤٥ -

عن سويد بن غفلة قال: (( أتانا مصدّق رسول الله عالٍ وقال : أمرنا أن نأخذ
الجذعة من الضأن ، والثنية من المعز )) قال إبراهيم الحربي : إنما أجزأ الجذع من
الضأن لأنه يلقح ، والمعز لا يلقح ، إلا إذا كان ثنياً .
واتفق الفقهاء على أن مابين الفريضتين في كل الأحوال عفو ، لازكاة فيه .
والأصح عند الشافعية أنه يجوز إخراج ضأن عن معز أو عكسه ، بشرط
رعاية القيمة ، كأن تساوي ثنية المعز في القيمة جَذَعة الضأن ، وعكسه ، لاتحاد
الجنس .
وأجاز الحنابلة أيضاً إخراج ثنية المعز ( وهي مالها سنة كاملة ) عن جذع
الضأن ، وإخراج جذع الضأن ( وهو ماله ستة أشهر فأكثر) عن ثنية المعز ،
ولا يجبر أحدهما عن الآخر بالقيمة ، لعدم وروده .
زكاة الخيل والبغال والحمير :
لاشيء من الزكاة في البغال والحمير إجماعاً إلا أن تكون للتجارة ؛ لأنها تصير
من العروض التجارية ، وتجب الزكاة أيضاً في الخيل إن كانت للتجارة
بلاخلاف .
5
وأما الخيل غير التجارية : فقال أبو حنيفة(١): إذا كانت سائمة ذكوراً وإناثاً ،
أو إناثاً فقط ، من أجل الدر والنسل ، فتجب فيها الزكاة ، وصاحبها بالخيار :
إن شاء أعطى عن كل فرس ديناراً ، وإن شاء قوَّمها ، وأعطى عن كل مائتي
درهم خمسة دراهم كعروض التجارة ، وأما ذكور الخيل السائمة منفردة فلازكاة
فيها ، لعدم الرواية في السنة .
(١) الكتاب مع اللباب: ١ / ١٤٥ ومابعدها، البدائع: ٢ / ٣٤، فتح القدير: ١ / ٥٠٢ ، الدر المختار: ٢ /
٢٥ ومابعدها .
- ٨٤٦ _

ودليله: حديث جابر: ((في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم))(١)،
وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما في
صدقة الخيل : أن خيّر أربابها ، فإن شاؤوا أدوا من كل فرس ديناراً ، وإلا
قوَّمْها ، وخذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم(٢). وقال الصاحبان ، وبقولهما
يعتى : لازكاة في الخيل ولافي شيء من البغال والحمير إلا أن تكون للتجارة . وهذا
موافق لرأي بقية الأئمة(٣). بدليل حديث (( ليس على المسلم صدقة في عبده
ولافرسه))(٤)، وقال أبو هريرة: سئل رسول الله مدافع عن الحمير، فيها زكاة ،
فقال : ماجاءني فيها شيء إلا هذه الآية الفاذّة: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً
يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾(6) وروى علي حديث: ((عفوت لكم عن
صدقة الخيل والرقيق )) (٢). وأما عمر فإنما أخذ منهم شيئاً تبرعوا به ، وسألوا
أخذه ، وعوضهم عنه برزق عبيدهم . وهذا الرأي هو الصحيح . وبه يتبين أن
ليس في الإسلام زكاة خيل وبغال وحمير .
رابعاً - زكاة الخليطين في الماشية وغيرها :
لا يتأثر وجوب الزكاة عند الحنفية بالخلطة أي الشركة ؛ لأن ملك كل
واحد دون النصاب ، كما لو لم يختلط بغيره ، فإذا اختلطا في نصابين بأن كان كل
واحد منهما يملك أربعين من الغنم ، وجبت على كل واحد منهما شاة ، للحديث
النبوي: ((في أربعين شاة شاة)).
(١) أخرجه البيهقي والدارقطني، وهو ضعيف جداً (نصب الراية: ٢ / ٣٥٧ وما بعدها ).
(٢) الأثر مروي عند الدارقطني بنحو آخر مقارب للمذكور (نصب الراية: ٢ / ٣٥٨).
(٣) بداية المجتهد: ١ / ٢٤٣، الشرح الصغير: ١ / ٥٨٩، مغني المحتاج: ١ / ٣٦٩، المغني: ٢ / ٦٢٠.
(٤) رواه الجماعة عن أبي هريرة، ولأبي داود: (( ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر)) (نيل الأوطار:
٤ / ١٣٦ ) .
(٥) رواه أحمد عن أبي هريرة ، وفي الصحيحين معناه ( المصدر السابق ) .
(٦) رواه الترمذي عن علي .
- ٨٤٧ -

وقال الجمهور : للخلطة في الماشية تأثير في الزكاة ، فيزكى الخليطان زكاة
المالك الواحد ، إلا أن المالكية قالوا : إن اجتمع نصاب من مجموع حصة كليها
فلازكاة عليهما ، والخلطة إنما تؤثر إذا كان لكل واحد من الشركاء نصاب .
وتفصيل مذاهب الجمهور ما يأتي :
قال المالكية (١): خلطاء الماشية المتحدة النوع يكون حكمهم حكم المالك
الواحد في الزكاة ، كثلاثة لكل واحد أربعون من الغنم ، فعليهم شاة واحدة ، على
كل ثلثها ، فالخلطة أثرت فأوجدت التخفيف ، أما لو كانوا متفرقين فعلى كل
واحد شاة . وقد تؤدي الخلطة إلى التثقيل ، كما لو كان لأحدهما مائة شاة وللآخر
مائة من الغنم وشاة ، فعليهما ثلاث شياه ، ولولا الخلطة لكان على كل منهما شاة
واحدة ، فالخلطة أوجبت الثالثة ، فلا يفرق بين مجتمع ، ولا يجمع بين مفترق ،
خشية الزكاة .
ولا تؤثر الخلطة إلا إذا كان لكل واحد من الخليطين مقدار النصاب لو انفرد
بنفسه ، فإن اجتمع نصاب من مجموع الحصتين ، فلازكاة عليهما . وإن لم يكمل من
مجموعهما نصاب فلازكاة عليهما إجماعاً . وإن كان لأحدهما نصاب وللآخر أقل من
نصاب ، فيزكي صاحب النصاب وحده زكاة المنفرد .
والاختلاط المؤثر يكون بتوافر شروط أربعة :
أولها - عدم نية الفرار من الزكاة بالاشتراك .
ثانيها - أن تكون ماشية كل واحد من الخليطين مما يضم بعضه إلى بعض
کالضأن والمعز .
(١) الشرح الصغير: ١ / ٦٠٢، القوانين الفقهية: ص ١٠٨، الشرح الكبير: ١ / ٤٣٩.
- ٨٤٨ -

ثالثها - أن يكون كل واحد من الشريكين مخاطباً شرعاً بالزكاة : بأن يكون
حراً ، مسلماً ، ملك نصاباً ، تم حوله . فإن كان أحدهما تجب عليه الزكاة فقط
والآخر كافر مثلاً ، وجبت على الأول وحده ، حيث توفرت الشروط. وإن
حال الحول على ماشية أحدهما دون الآخر ، زكى الآخر زكاة المنفرد .
رابعها - أن يتم الاختلاط في الراعي والفحل والدلو والمسرح والمبيت . بأن
يكون لهما راع واحد أو أكثر، فيشتركان في الرعي ، أو يتعاونان ولو لم يحتج
لهما، ويتم التلقيح في الجميع بفحل واحد بإذنها ، وتشرب من ماء واحد مملوك لهما
أو لأحدهما ولا يمنع الآخر، وتسرح معاً ، وتبيت معاً ، إلا أنه إذا تعدد المسرح أو
المبيت بشرط الحاجة فلا يضر .
وقال الشافعية والحنابلة(١): إما أن تكون الخلطة أي الشركة في
المواشي ، أو في غيرها من الأموال .
أ - أما في غير المواشي وهي النقود ( الأثمان ) والحبوب والثمار وعروض
التجارة، فلاتؤثر الخلطة فيها عند الحنابلة، لقوله تع الى: ((لا يجمع بين متفرق
خشية الصدقة )) لأنه إنما تكون الخلطة في الماشية ، لأن فيها منفعة أحياناً وضرراً
أحياناً ، أما غير الماشية فلا يتصور فيها غير الضرر برب المال ، لأنه تجب فيها
الزكاة فيما زاد على النصاب بحسابه ، فلاأثر لجمعها ، أي لا يعفى منها شيء بعد
النصاب ، وعليه فتؤخذ من كل واحد منهم زكاته على انفراد إذا كان ما يخصه تجب
فيه الزكاة .
وتؤثر الخلطة على الجديد في مذهب الشافعية في غير المواشي ، لعموم
الحديث السابق: ((لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة))،
(١) المهذب: ١ / ١٥٠ - ١٥٣، مغني المحتاج: ١ / ٣٧٦ وما بعدها، المغني: ٢ / ٦٠٧ - ٦١٩، كشاف القناع:
٢ / ٢٢٧ - ٢٣٥، شرح المجموع: ٥ / ٤٠٨ ومابعدها .
الفقه الإسلامي جـ ٢ (٥٤)
- ٨٤٩ _

ولأنه مال تجب فيه الزكاة فأثرت الخلطة في زكاتها كالماشية ، ولأن المالين كالمال
الواحد في المؤن ( التكاليف ) من مخزن وناطور وغيرهما ، فهي كالمواشي ، فتخف
المؤونة إذا كان المخزن والميزان والبائع واحداً . والخلاصة : أن الحنابلة قالوا :
لامنفعة للشركاء في الشركة في غير الماشية ، وقال الشافعية : المنفعة متوفرة ،
فيزكى المالان كالمال الواحد .
ب - أما الخلطة في المواشي : بأن اشترك أهل الزكاة في ماشية ، فلها
تأثير عند الشافعية والحنابلة في الزكاة إيجاباً وإسقاطاً وتشديداً وتخفيفاً، فتصير
الأموال كالمال الواحد، للحديث السابق: (( لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين
مجتمع .. )) نهى المالك عن التفريق وعن الجمع خشية وجوب الزكاة أو كثرتها ،
ونهى الساعي عنها خشية سقوطها أو قلتها .
والخلطة الجائزة المؤثرة نوعان : خلطة شيوع أو أعيان ، وخلطة مجاورة أو
أوصاف .
أما خلطة الأعيان : فهي أن يشترك أهل الزكاة في ماشية من جنس واحد
يارث أو شراء أو هبة أو غيره ، وهي نصاب ، أو أقل ولأحدهما نصاب فأكثر
وداما على ذلك . أو هي أن تكون الماشية مشتركة بينهما لكل واحد منهما منها
نصيب مشاع .
وأما خلطة المجاورة أو الأوصاف : وهي أن يكون مال كل واحد منهما مميزاً ،
فخلطاه واشتركا في الأوصاف التي نذكرها ، سواء تساويا في الحصة أو اختلفا ،
مثل أن يكون لرجل شاة ، ولآخر تسعة وثلاثون ، أو يكون لأربعين رجلاً
أربعون شاة ، لكل واحد منهم شاة .
فلا يشترط عندهم خلافاً للمالكية أن تكون حصة كل منهم قبل الاشتراك
نصاباً ، ولا تشترط نية الخلطة ؛ لأن خفة المؤنة على الشركاء باتحاد المواقف
- ٨٥٠ -

لا تختلف قصداً وعدمه ، أي أن المقصود بالخلطة من الارتفاق يحصل بدونها ،
ولأن النية لاتؤثر في الخلطة ، فلا تؤثر في حكمها . وإنما اشترط الاتحاد في أمور
ليجتمع المالان كالمال الواحد ، ولتخف المؤنة على المحسن بالزكاة .
وهذه الشركة بنوعيها قد تفيد الشريكين تخفيفاً كالاشتراك في ثمانين شاة
على السواء ، أو تثقيلاً كالاشتراك في أربعين ، أو تخفيفاً على أحدهما وتثقيلاً على
الآخر، كأن ملكا ستين لأحدهما ثلثاها وللآخر ثلثها ، وقد لاتفيد تخفيفاً
ولاتثقيلاً كمائتين على السواء .
وتجب الزكاة في مال الشركة كما تجب في مال الرجل الواحد بشروط :
أ - أن يكون الشريكان من أهل وجوب الزكاة ، ومن المعلوم أنه لاتجب
الزكاة إلا على حر مسلم تام الملك .
٢ - أن يكون المال المختلط نصاباً ، فلازكاة على مالم يبلغ مقدار النصاب.
٣ - أن يمضي عليهما حول كامل ، وإلا زكى كل منهما على انفراد بحسب مضي
حوله ، فإن كان لرجل أربعون شاة ، ومضى عليها بعض الحول ، ثم باع بعضها
مشاعاً ، اتقطع حول البائع فيما لم يبع ، ويستأنفان حولاً جديداً من حين البيع .
٤ - ألا يتميز مال أحدهما عن الآخر في ستة أوصاف: المسرح ، والمبيت
( المراح) والمشرب ( مكان الشرب فقط )، والمحلب ( موضع الحلب ) ،
والفحل(١) ، والراعي؛ لأنه إذا تميز مال كل واحد منهم بشيء مما ذكر، لم يصيرا
كمال واحد ، والقصد بالخلطة ( الشركة ) : أن يصير المالان كمال واحد لتخف
(١) المسرح : الموضع الذي تجتمع فيه ثم تساق إلى المرعى، ويستتبع ذلك الاتحاد في المرعى: وهو الموضع الذي
ترعى فيه ، واتحاد الممر بينهما . والمراح بضم الميم: مأواها ليلاً ، واتحاد الفحل أو الفحول : أن تكون مرسلة فيها تنزو
على كل من الماشيتين بحيث لاتختص ماشية هذا بفحل عن ماشية الآخر .
- ٨٥١ -

المؤنة ( النفقة ) . ويجوز تعدد الرعاة قطعاً بشرط ألا تنفرد هذه عن هذه براع .
والأصل في هذه الشروط الحديث السابق: (( لا يجمع بين متفرق ، ولا يفرق
بين مجتمع خشية الصدقة ، وما كان من خليطين ، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية))
ولأن المالين صارا كمال واحد في المؤن ، فوجب أن تكون زكاته زكاة المال الواحد
ويؤيد ذلك حديث آخر: ((والخليطان : ما اجتمعا على الفحل والرعي
والحوض))(١) فنص على هذه الثلاثة ، ونبّه على ماسواها .
ما يأخذه الساعي من مال الشركة ( الخلطة ) والتراجع فيما بينهم
بالحصص :
قال الشافعية في الأصح والحنابلة في ظاهر كلام أحمد(٢): يأخذ الساعي
فرض الزكاة من مال أي الخليطين شاء ، سواء دعت الحاجة إلى ذلك أم لا ، مثال
الحاجة : أن تكون الفريضة عيناً واحدة ، لا يمكن أخذها إلا من أحد المالين ،
ومثال عدم الحاجة : أن يجد فرض كل واحد من المالين فيه ؛ لأن المالين بالخلطة
جعلا كالمال الواحد في وجوب الزكاة ، فوجب أن يجوز الأخذ منهما .
ودليل ذلك قول النبي مع المه: ((لا يجمع بين متفرق ، ولا يفرق بين مجتمع
خشية الصدقة )) وهما خشيتان : خشية رب المال من زيادة الصدقة ، وخشية
الساعي من نقصانها ، فليس لأرباب الأموال أن يجمعوا أموالهم المتفرقة التي كان
الواجب في كل واحد منها شاة ، ليقل الواجب فيها ، ولاأن يفرقوا أموالهم المجتمعة
التي كان فيها باجتماعها فرض ، ليسقط عنها بتفرقتها ، وليس للساعي أن يفرق
بين الخلطاء لتكثر الزكاة ، ولاأن يجمعها إذا كانت متفرقة لتجب الزكاة .
(١) رواه الدارقطني والبيهقي يإسناد ضعيف عن سعد بن أبي وقاص.
(٢) المهذب: ١ / ١٥٣، شرح المجموع: ٥ / ٤٢٦ ومابعدها، المغني: ٢ / ٦١٤ ومابعدها، كشاف القناع:
٢ / ٢٣٤ ومابعدها .
- ٨٥٢ -

ومتى أخذ الساعي الفرض من مال أحدهما ، رجع على شريكه بقدر حصته
من الفرض، وهذا رأي المالكية أيضاً(١)، عملاً بالحديث السابق: ((ماكان من
خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية )) فإذا كان لأحدهما ثلث المال ، وللآخر ثلثاه ،
فأخذ الفرض من مال صاحب الثلث ، رجع بثلثي قيمة المخرج على صاحبه ، وإن
أخذه من الآخر ، رجع على صاحب الثلث بثلث قيمة المخرج .
والقول قول المرجوع عليه مع يمينه إذا اختلفا ، وعدمت البينة ؛ لأنه
غارم ، فكان القول قوله ، كالغاصب إذا اختلف مع المالك في قيمة المغصوب بعد
تلفه .
وإن أخذ الساعي أكثر من الفرض بغير تأويل ، مثل أن يأخذ شاتين مكان
شاة ، أو يأخذ جذعة مكان حقة، لم يكن للمأخوذ منه الرجوع إلا بقدر الواجب
دون الزيادة ؛ لأنه ظلمه ، فلا يرجع به على غير الظالم .
وإن أخذ أكثر من الحق بتأويل سائغ ، أن يأخذ الصحيحة عن المراض ،
والكبيرة عن الصغار، فإنه يرجع على شريكه بنصف ماأخذ منه ؛ لأن ذلك
اجتهاد من السلطان ، فلا ينقض مافعله باجتهاده . وكذلك يرجع عليه إن أخذ
منه قيمة الفرض ؛ لأنه أخذها باجتهاده .
خامساً - أحكام متفرقة في زكاة الحيوان :
١ - هل تجب الزكاة في العين أم في الذمة ؟
للفقهاء رأيان(٢):
(١) القوانين الفقهية : ص ١٠٩ .
(٢) الدر المختار: ٢ / ٢٧ ومابعدها، الكتاب مع اللباب: ١ / ١٤٨، شرح المجموع: ٥ / ٣٤١ وما بعدها ،
٤٥٤ وما بعدها، البدائع: ٢ / ٢٢ - ٢٥، المغني: ٢ / ٦٧٨ - ٦٧٩، القوانين الفقهية: ص ٩٩ .
- ٨٥٣ -

أ - قال الحنفية والمالكية والشافعي في مذهبه الجديد : الزكاة تجب في العين
دون الذمة ، فإذا هلك المال بعد وجوب الزكاة ، ولو بعد مَنْع الساعي في الأصح
عند الحنفية ، سقطت الزكاة عنه ، لأنه حق يتعلق بالمال ، فيسقط بهلاكه ،
فيتعلق بعينه ، كحق المضارب . وإذا هلك بعض المال سقط حظه من الزكاة .
أما الاستهلاك فلا يسقط الزكاة ؛ لأنها بعد الوجوب بمنزلة الأمانة ، فإذا
استهلكها صاحبها ضمنها كالوديعة .
ب - وقال الحنابلة: تجب الزكاة بحلول الحول ، وإن تلف المال فرط أو لم
يفرط ، وإذا حال الحول على مال ولم يؤد زكاته ، وجب أداؤها لما مضى .
وفرع الشافعية أيضاً على مبدأ تعلق الزكاة بالعين دون الذمة : أنه إذا باع
المالك مال الزكاة بعد وجوبها فيه، سواء أكان تمرأ أم حباً أم ماشية أم نقداً أم
غيره ، قبل إخراجها ، كان البيع باطلاً في قدر فرض الزكاة ، وقدر الفرض
للمساكين ، فلا يجوز بيعه بغير إذنهم ؛ لأنهم شركاء فيه .
وأجاز الحنفية والحنابلة بيع مال الزكاة ، على أن يضمن البائع قدر الزكاة .
٢ - دفع القيمة في الزكاة:
أ - قال الحنفية(١) تفريعاً على مبدئهم أن الواجب في الزكاة جزء من النصاب
إما صورة ومعنى ، أو معنى فقط : يجوز دفع القيمة في الزكاة ، وكذا في العشر
والخراج وزكاة الفطرة والنذر والكفارة غير الإعتاق ، وتعتبر القيمة يوم الوجوب
عند الإمام أبي حنيفة ، وعند الصاحبين : يوم الأداء ، وفي السوائم يوم الأداء
بالاتفاق بينهم ، ويُقوَّم الواجب في البلد الذي فيه المال ، فإن كان في
(١) البدائع: ٢ / ٢٥، الدر المختار: ٢ / ٢٩، اللباب: ١ / ١٤٧، فتح القدير: ١ / ٥٠٧ .
- ٨٥٤ _

مفازة ففي أقرب الأمصار إليه . وذلك لأن الواجب أداء جزء من النصاب من
حيث المعنى ، وهو المالية ، وأداء القيمة مثل أداء الجزء من النصاب من حيث إنه
مال ، ولأن في ذلك تيسيراً على المزكي ، وتوفيراً لحرية الفقير في التصرف بالمال
حسب الحاجة .
وقد روي أن رسول الله ماتم رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء(١) ، فغضب
على المصدّق ( العامل ) ، وقال: ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس(٢) ؟ فقال:
أخذتها ببعيرين من إبل الصدقة ، وفي رواية : ارتجعتها ، فسكت رسول الله
سافرٍ. فأخذ البعير ببعيرين يكون باعتبار القيمة (٣).
ب - وقال الجمهور(٤) : لا يجزئ إخراج القيمة في شيء من الزكاة ؛ لأن
الحق لله تعالى ، وقد علقه على مانص عليه ، فلا يجوز نقل ذلك إلى غيره ،
كالأضحية لما علقها على الأنعام، لم يجز نقلها إلى غيرها . وبعبارة أخرى : إن
الزكاة قربة لله تعالى ، وكل ماكان كذلك ، فسبيله أن يتبع فيه أمر الله تعالى .
وقال النبي صَ لّ: ((في أربعين شاة شاة ، وفي مائتي درهم خمسة دراهم)» وهو وارد
بياناً لمجمل قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة) فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة
المأمور بها، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن النبي ◌ُ ◌ّ قال لمعاذ حين بعثه إلى
اليمن: (( خذ الحب من الحب ، والشاة من الغنم ، والبعير من الإبل ، والبقرة من
البقر))(٥) وهو نص يجب التزامه ، ولا يتجاوز عنه إلى القيمة ؛ لأنه يكون أخذاً من
(١) أي مُشرفة السنام عاليته ، فالكوماء ، هي الناقة العظيمة السنام .
(٢) ورد النهي عن ذلك في حديث ابن عباس عند الجماعة بلفظ ((فإياك وكرائم أموالهم)) ( نيل الأوطار:
٤ / ١١٤) .
(٣) رواه أحمد والبيهقي .
(٤) الشرح الكبير: ١ / ٥٠٢ ، بداية المجتهد: ١ / ٢٦٠، المهذب: ١ / ١٥٠، شرح المجموع: ٥ / ٤٠١
وما بعدها، ٦ / ٢٥٣، تحفة الطلاب الأنصاري: ص ٩٥، كشاف القناع: ٢ / ٢٢٦، المغني: ٢ / ٦٥ - ٠٦٦
(٥) رواه أبو داود وابن ماجه ( نيل الأوطار: ٤ / ١٥٢).
- ٨٥٥ _

غير المأمور به في الحديث ، ولأن مخرج القيمة قد عدل عن المنصوص ، فلم يجزئه ،
كما لو أخرج الرديء مكان الجيد ، وهذا كله يدل على أن الزكاة واجبة في العين .
قال الشافعية : لا يجوز أخذ القيمة في الزكاة إلا في خمس مسائل : زكاة
التجارة ، والجبران (وهو شاتان أو عشرون درهماً في الإبل في حال عدم وجود
الواجب ) ، وفي حالة إخراج الشاة عن الإبل دون الخمسة والعشرين ، علماً بأن
الشاة وإن لم تكن قيمة فهي بمعناها ، وفي حالة جبر التفاوت بين الأغبط وغيره
بنقد أو جزء من الأغبط فيما لو أخذ الساعي في اجتماع فرضين غير الأغبط
باجتهاده بلا تقصير منه ، ولاتدليس من المالك . وفي حالة صرف الإمام
للمستحقين ماأخذه من النقد من المستحق الذي استغنى بدلاً عن زكاة تعجلها ، ولم
يقع المعجل الموقع المطلوب لاستغناء المستحقين .
وأرجح رأي الحنفية ؛ لأن المقصود من الزكاة إغناء الفقير وسد حاجة
المحتاج ، وهذا يتحقق بأداء القيمة ، كما يحصل بأداء جزء من عين المال المزكى ،
ولأن الفقير يرغب الآن في القيمة أكثر من رغبته في أعيان الأموال ، ولأن إعطاء
القيمة أهون على الناس وأيسر في الحساب .
٣ - ضم أنواع الأجناس إلى بعضها :
لاخلاف بين أهل العلم في ضم أنواع الأجناس ، بعضها إلى بعض في إيجاب
الزكاة(١)، فيضم المعز إلى الضأن، والجواميس إلى البقر، والبُخْت(٢) من الإبل إلى
العِرَاب .
(١) المغني: ٢ / ٦٠٥ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ١٠٨، اللباب: ١ / ١٤٣، مغني المحتاج: ١ / ٣٧٤
ومابعدها، كشاف القناع: ٢ / ٢٢٤، الشرح الصغير، ١ / ٥٩٨ .
(٢) البخت : جمع البُختي وهو المتولد بين العربي والعجمي ، منسوب إلى بُخْتَ نَصَّر. والعراب : جمع عربي
وهي جرد ملس حسان الألون كريمة .
- ٨٥٦ -

ويخرج المزكي عند الجمهور الزكاة من أي الأنواع أحبَّ ، سواء دعت الحاجة
إلى ذلك : بأن يكون الواجب واحداً ، أو لا يكون أحد النوعين موجباً لواحد ،
أو لم تدع الحاجة : بأن يكون كل واحد من النوعين يجب فيه فريضة كاملة ؛
لأنها نوعا جنس واحد ، من الماشية ، فجاز الإخراج من أيها شاء .
فإن كانت عشرين ضأناً ، وعشرين معزاً ، أخذ من أحدهما ما يكون قيمته
نصف شاة ضأن ونصف معز .
وقال الشافعية : إن اتحد نوع الماشية أخذ الفرض منه ، کان کانت إبله كلها
من صفة واحدة أو بقره كلها جواميس ، ويجوز في الأصح أخذ ضأن عن معز أو
عكسه بشرط رعاية القيمة . وإن اختلف النوع كضأن ومعز، فالأظهر أن يخرج
المالك ماشاء من النوعين ، مقسَّطاً عليهما بالقيمة ، فإذا وجد ثلاثون عزاً وعَشْر
نَعَجات من الضأن ، أخذ الساعي عنزاً، أو نعجة بقيمة ثلاثة أرباع عنز ورُبُع
نعجة ، وفي عنز بقيمة ثلاثة أرباع نعجة وربع عنز .
وبه يكون الشافعية في الحقيقة كباقي المذاهب إلا في مراعاة فرق القيمة بين
المعز والضأن .
٤ - كون الفرع أو النتاج يتبع الأصل في الزكاة :
اتفق أئمة المذاهب الأربعة(١) على أن النتاج أو الفرع - أولاد الأنعام يتبع
الأمهات في الحول ، فكل مانتج أو تولد من الأمهات وتم انفصاله قبل تمام حول
النصاب الأصلي ولو بلحظة ، يزكى بحول الأصل ، لقول عمر رضي الله عنه
لساعيه: ((اعتد عليهم بالسخلة(٢) يروح بها الراعي على يديه، ولاتأخذها
(١) البدائع: ٢ / ٣١، فتح القدير: ١ / ٥٠٤، الدر المختار: ٢ / ٢٦، القوانين الفقهية: ص ١٠٩، الشرح
الصغير: ١ / ٥٩١، مغني المحتاج: ١ / ٣٧٨، المغني: ٢ / ٦٠٢، ٦٠٤، الشرح الكبير: ١ / ٤٣٢.
(٢) السخلة : الصغيرة من أولاد المعز والضأن مالم تبلغ سنة ، وتطلق على الذكر والأنثى.
- ٨٥٧ _

منهم)) (١) ، ولأن الحول إنما اشترط لتكامل النماء الحاصل ، والنتاج نماء في نفسه ،
فيجب أن يضم إليه في الحول كأموال التجارة .
فعلى هذا إذا كان عنده مائة وعشرون من الغنم ، فولدت واحدة منها سخلة
قبل الحول ولو بلحظة ، والأمهات كلها باقية ، لزمه شاتان .
أما لو انفصل النتاج بعد الحول أو قبله ، ولم يتم انفصاله إلا بعده ، كجنين
خرج بعضه في الحول ، ولم يتم انفصاله إلا بعد تمام الحول ، لم يكن حول النصاب
الأصلي حوله ، لانقضاء حول أصله ، ولأن الحول الثاني أولى به .
زكاة الصغار : يرى أبو حنيفة ومحمد أنه ليس في الفُصلان والحُمْلان
والعجاجيل زكاة إلا أن يكون معها كبار ولو واحداً ، ويجب ذلك الواحد مالم
يكن جيداً ، فيلزم الوسط ، وعلى هذا فإنه يشترط أن تبلغ الماشية سناً يجزئ
مثله في الزكاة وهو السنة ، بأن تكون كلها أو بعضها مسانّ ، لأن السن يتغير به
الفرض ، فكان لنقصانه تأثير في الزكاة كالعدد . وخالفهما باقي الأئمة فأوجبوا فيها
الزكاة ، لأن السخال تعد مع غيرها ، فتعد منفردة كالأمهات ، والعدد تزيد
الزكاة بزيادته بخلاف السن .
٥ - المستفاد في أثناء الحول :
قال الجمهور(٢) : من كان له نصاب ، فاستفاد في أثناء الحول شيئاً من جنسه
بشراء أو هبة أو صدقة ، ضمه إليه أي إلى النصاب ، وزكاه معه ، كربح مال
التجارة ونتاج السائمة ، ويعتبر حوله حول أصله ، لأنه تبع له من جنسه ، فأشبه
(١) رواه مالك في الموطأ (نصب الراية: ٢ / ٣٥٥).
(٢) فتح القدير: ١ / ٥١٠، الدر المختار: ٢ / ٣١، اللباب: ١ / ١٤٧، الشرح الصغير: ١ / ٥٩٣ ، المغني:
٢ / ٦٢٦، حاشية الدسوقي : ١ / ٤٣٢ .
- ٨٥٨ -

الماء المتصل ، وهو زيادة قيمة عروض التجارة . وإن لم يكن من جنسه لا يضم
اتفاقاً .
وقال الشافعية(١): لا يضم المملوك بشراء أو غيره كهبة أو إرث أو وصية إلى
ماعنده ، في الحول ، وإنما يبدأ له حول جديد ؛ لأنه ليس في معنى النتاج ؛ لأن
الدليل قد قام على اشتراط الحول ، واستثني النتاج لقول عمر المتقدم ، فبقي
ماعداه على الأصل . ثم إن الأولاد والنتاج تابعة في الملك ، فتلك بملك الأصل ،
بخلاف المستفاد .
ويتفرع على الخلاف : من كان عنده نصاب من النعم كخمس من الإبل ،
وثلاثين من البقر ، وأربعين من الغنم فأكثر ، فاستفاد بهبة أو صدقة ، أو
استحقاق في وقف ، أو دين ، أو بشراء قدر نصاب آخر أو مايكل نصاباً آخر ،
فإنه على رأي الجمهور يضم للأول الذي كان عنده ، ويزكيه معه ، فيكون عليه
شاتان بعد أن كان عليه واحدة مثلاً ، أو تبيعان بعد أن كان عليه تبيع ، أو حقة
مثلاً .
ومثله : من كان عنده نصاب نقدي في بدء الحول ، ثم قبض رواتب
شهرية ، فيضم ما يدخره ولو من آخر راتب إلى أصل النصاب ، ويزكيه معه .
أما عند الشافعية ، فإنه يكون للمستفاد أو المتجدد من الدخل حول مستقل
على حدة ، کل متجدد أو مدخر جديد له حوله .
٦ - الزكاة في النصاب دون العفو (الأوقاص ) :.
الأوقاص : جمع وقص : وهو مابين الفريضتين من كل الأنعام .
(١) مغني المحتاج: ١ / ٣٧٩.
- ٨٥٩ -
..----

لازكاة في الأوقاص ، وهي عفو أي معفو عنها باتفاق المذاهب(١) ، فلا تتعلق
به الزكاة، بل تتعلق بالنصاب المقرر شرعاً فقط، لقوله تع الى: ((إن الأوقاص
لاصدقة فيها))(٣)، ولأن العفو مال ناقص عن نصاب ، يتعلق به فرض مبتدأ،
فلم يتعلق به الوجوب قبله ، كما لو نقص عن النصاب الأول .
فما دون النصاب عفو ، ومافوقه إلى حد آخر عفو، فلو هلك العفو ، وبقي
النصاب ، بقي كل الواجب ، كأن كان له تسع من الإبل ، أو مائة وعشرون من
الغنم ، فهلك بعد الحول من الإبل أربع ، ومن الغنم ثمانون ، لم يسقط من الزكاة
شيء .
٧ - ما يأخذه الساعي :
الساعي أو العامل أو المصدّق : هو الموظف المخصص من الحاكم لجمع الزكاة
وجبايتها من المالكين .
فإن كان في المال المزكى كرائم ولئام(٣) ، وسمان ومهازيل ، وصحاح
ومراض ، وكبار وصغار، وجب الوسط بقدر قية المالين ، طلباً للتعديل بينهما ،
وهو عند الحنفية أعلى الأدنى وأدنى الأعلى ، فلا يؤخذ من خيار الأموال ولامن
شرارها ، ولامن الأولاد، فإن كانت كلها جياداً فجيد عند الحنفية(٤)، لقوله معدل الّ
(١) فتح القدير: ١ / ٥١١، الشرح الصغير: ١ / ٥٩٩، المهذب: ١ / ١٤٥، المغني: ٢ / ٦٠٤، كشاف
القناع: ٢ / ٢١٩ .
(٢) رواه أبو عبيد في الأموال عن يحيى بن الحكم .
(٣) الكرائم : جمع كريمة ، وهي الجامعة للكمال الممكن في حقها من غزارة لبن أو جمال صورة أو كثرة لحم أو
صوف . واللئام : جمع لئيمة وهي ضد الكريمة .
(٤) البدائع: ٢ / ٣٢ - ٣٤، الدر المختار: ٢ / ٣٠ وما بعدها، فتح القدير: ١ / ٥٠٦، ٥١٠، اللباب: ١ /
١٤٦، الشرح الكبير: ١ / ٤٣٤ - ٤٣٦، الشرح الصغير: ١ / ٥٩٨، ٦٠٤، القوانين الفقهية: ص ١٠٨، مغني المحتاج:
١ / ٣٧٥ ومابعدها، المهذب: ١ / ١٤٧، ١٥٠، المغني: ٢ /٥٩٨ - ٦٠٤، كشاف القناع: ٢ / ٢١٣، ٢١٩، ٢٢٣
وما بعدها .
- ٨٦٠ -