النص المفهرس

صفحات 801-820

الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ماكسبتم ، ومما أخرجنا لكم من الأرض ﴾ والزكاة
تسمى نفقة ، بدليل قوله تعالى: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ،
ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ .
وأما السنة: فقوله ◌َ ◌ّ: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرياً (١)
العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر))(٢) وقوله: ((فيما سقت الأنهار والغَيْم:
العشور، وفيما سقي بالسانية(٣) نصف العشور))(٤) .
وأما الإجماع : فقد أجمعت الأمة على فرضية العشر.
وأما المعقول : فكما ذكرنا في حكمة مشروعية الزكاة ؛ لأن إخراج العشر إلى
الفقير من باب شكر النعمة ، وإقدار العاجز ، وتقويته على القيام بالفرائض ،
ومن باب تطهير النفس عن الذنوب وتزكيتها ، وكل ذلك لازم عقلاً وشرعاً .
وأما سبب فرضية هذه الزكاة : فهو الأرض النامية بالخارج منها ،
حقيقة في حق العشر ، أو تقديراً في حق الخراج ، فلو أصاب الخارج آفة ، فهلك
لا يجب فيه العشر في الأرض العشرية ، ولا الخراج في الأرض الخراجية ، لفوات
النماء حقيقة وتقديراً . ولو كانت الأرض عشرية فتمكن من زراعتها ، فلم تزرع ،
لا يجب العشر، لعدم الخارج حقيقة . ولو كانت أرضاً خراجية يجب الخراج ،
لوجود الخارج تقديراً .
ثانياً - شروط زكاة الزروع والثمار :
هناك شروط عامة في كل زكاة ، بيناها سابقاً كالأهلية من البلوغ والعقل ،
(١) العثري: ما يسقيه المطر أو تشرب عروقه من ماء قريب من غير سقي، وفي لفظ ((بعلاً)).
(٢) رواه الجماعة إلا مسلماً عن ابن عمر ( نيل الأوطار: ٤ / ١٣٩ وما بعدها ) .
(٣) السانية : البعير الذي يستقى به الماء من البئر.
(٤) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود وقال: الأنهار والعيون، عن جابر ( نيل الأوطار: المكان السابق ).
الفقه الإسلامي جـ ٢ (٥١)
- ٨٠١ -

فلا تجب الزكاة عند الحنفية في مال الصبي والمجنون إلا زكاة الخارج من الأرض ،
وكالإسلام ، فلاتجب على الكافر ؛ لأن فيها معنى العبادة ، والكافر ليس من أهل
التكليف بها .
ويضاف لها شروط خاصة بها ، مفصلة في المذاهب .
فعند الحنفية(١) يشترط زيادة على الشروط العامة ما يأتي :
١ - أن تكون الأرض عشرية: فلاتجب الزكاة في الأرض الخراجية ؛ لأن
العشر والخراج لا يجتمعان في أرض واحدة عندهم .
اً - وجود الخارج: فلو لم تخرج الأرض شيئاً ، لم يجب العشر ؛ لأن الواجب
جزء من الخارج .
◌ً - أن يكون الخارج مما يقصد بزراعته ماء الأرض واستثمارها أو استغلالها،
فلاتجب هذه الزكاة في الحطب والحشيش ونحوهما ؛ لأن الأرض لاتنمو بزراعة
ذلك ، بل تفسد بها .
ولا يشترط عند أبي حنيفة النصاب لوجوب العشر ، فيجب العشر في كثير
5
الخارج وقليله .
واشترط المالكية(٢) شرطين :
أ - أن يكون الناتج من الحبوب، ومن الثمار (التمر والزبيب والزيتون )
ولازكاة في الفواكه كالتفاح والرمان ، ولا في الخضراوات والبقول . وذلك سواء في
الأرض الخراجية كأرض مصر والشام التي فتحت عنوة ، وخراجها لا يسقط عنها
(١) البدائع: ٢ / ٥٧ - ٦٣.
(٢) الشرح الصغير: ١ / ٦٠٨ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ١٠٥ .
- ٨٠٢ -

الزكاة ، وغير الخراجية : وهي أرض الصلح التي أسلم أهلها ، وأرض الموات .
٢ - أن يكون الناتج نصاباً وهو خمسة أوسق ( ٦٥٣ كغ) ، والوسق ستون
صاعاً والصاع أربعة أمداد بمد النبي ظافر، وهو اثنا عشر قنطاراً أندلسية .
واشترط الشافعية ثلاثة شروط(١):
اً - أن يكون الناتج الذي تخرجه الأرض مما يقتات ويدخر وينبته
الآدميون : فمن الحب : الحنطة والشعير والدُخن والذرة والأرز وما أشبه ذلك ،
ومن الثمار: التمر والزبيب . ولازكاة في الخضراوات والبقول والفواكه كالقثاء
والبطيخ والرمان والقصب .
٣ - أن يكون الناتج نصاباً كاملاً، وهو خمسة أوسق وهي ألف وستمائة رطل
بغدادية ، وبالدمشقي في الأصح ثلثمائة واثنان وأربعون رطلاً وستة أسباع
رطل ، وهي تساوي ٦٥٣ كغ .
٣ - أن يكون مملوكاً لمالك معين : فلا زكاة في الموقوف على المساجد على
الصحيح ، إذ ليس لها مالك معين ، ولا زكاة في نخيل الصحراء المباح إذ ليس له
مالك معين .
واشترط الحنابلة شروطاً ثلاثة (٢):
أ - أن يكون الناتج قابلاً للادخار والبقاء مما يجمع هذه الأوصاف : الكيل
والبقاء واليبس في الحبوب والثمار، مما ينبته الآدميون إذا نبت في أرضه ، سواء
أكان قوتاً كالحبوب، أم من القطنيات كالعدس والحمص والباقلا (الفول)، أم
(١) المهذب: ١ / ١٥٦ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٣٨١ وما بعدها .
(٢) المغني: ٢ / ٦٩٠ - ٦٩٥، كشاف القناع: ٢ / ٢٣٩ - ٢٤٢.
٩٠
- ٨٠٣ -

من المقبّلات كالكمون والكراويا وحب القثاء وحب الخيار، أم من حب البقول
كحب الفجل والقرطم والترمس والسمسم، وسائر الحبوب.
وتجب أيضاً في الثمار مما جمع هذه الأوصاف كالتمر والزبيب واللوز والفستق
والبندق .
ولا زكاة في الفواكه كالخوخ والدراق والكمثرى والتفاح، ولا في الخضر، كالقثاء
والخيار والباذنجان واللفت والجزر.
٢ - أن يبلغ الناتج نصاباً وهو خمسة أوسق بعد التصفية في الحبوب والجفاف
في الثمار، وهي (٤٣ ١٤٢٨) رطلاً مصرياً أو (٥٠ كيلة) أو ٤ أرادب،
والأردب المصري ١٢٨ لترماء، أو ٩٦ قدحاً.
٣ - أن يكون النصاب مملوكاً للحر المسلم وقت وجوب الزكاة فيه: وهو
وقت اشتداد الحب وبدو صلاح الثمر، فتجب الزكاة فيما نبت بنفسه مما يزرعه
الآدمي ، كمن سقط له حب في أرضه ، فنبت ؛ لأنه يملكه وقت الوجوب ،
وفعل الزرع ليس شرطاً ، ولا زكاة فيما يكتسبه اللقاط ، أو يوهب له بعد بدو
صلاحه ، أو يشتريه ونحوه بعد ذلك ، أو يأخذه الحصاد ونحوه أجرة لحصاده
ودياسه ونحوه ، كأجرة تصفيته أو نطارته ، ولا فيما يملك من زرع وثمرة بعد بدو
صلاحه بشراء أو إرث أو غيرهما كصداق وعوض خلع وإجارة وعوض صلح ؛
لأنه لم يكن مالكاً له وقت الوجوب . ولا زكاة فيا يجتنيه من مباح ، سواء نبت
في أرضه أو أخذه من موات ؛ لأنه لا يملك إلا بأخذه ، فلم يكن وقت الوجوب
في ملکه .
ثالثاً - ما تجب فيه الزكاة :
للفقهاء رأيان في زكاة ما تخرجه الأرض ، رأي يعمم في كل خارج ، ورأي
- ٨٠٤ -

يخصص الخارج فيما يقتات ويدخر(١).
الرأي الأول - لأبي حنيفة : تجب الزكاة في قليل ما أخرجته الأرض
وكثيره إلا الخطب والحشيش والقصب الفارسي (وهو ما يتخذ منه الأقلام أما
قصب السكر ففيه العشر) والسعف والتبن ، وكل مالا يقصد به استغلال الأرض
ويكون في أطرافها . أما إذا اتخذ أرضَه مَقْصَبة أو مَشْجَرة أو مَنْبتا للحشيش ،
وساق إليه الماء، ومنع الناس عنه ، فيجب فيه العشر . وأطلق الوجوب فيا
أخرجته الأرض لعدم اشتراط الحول ؛ لأن فيه معنى المؤنة ( الضريبة ) ، ولذا
كان للإمام أخذ هذه الزكاة (العشرة) جبراً، ويؤخذ من التركة ، ويجب مع
الدين ، وفي أرض الصغير والمجنون والوقف .
ودليله: حديث (منا أخرجته الأرض ففيه العشر))(٣) عم الواجب في كل
خارج ، والصحيح عند الخلفية ما قاله الإمام ، ورجح الكل دليله .
الرأيُّ الثاني - للصاحبين وجمهور الفقهاء : لا تجب زكاة الزروع
والثمار إلا فيما يقبل الاقتيات والادخار وعند الحنابلة فيا بيبس ويبقى ويكال ،
ولا زكاة في الخضروات (بفتح الخاء ) والفواكه. وهذا هو الراجح .
أما الصاحبان من الحنفية فقالا : لأن يجبَ العشر إلا فيما له ثمرة باقية إذا
بلغ خمسة أوسق ، وليس في الخضروات والفواكه كالتفاح والكمثرى وغيرهما ، أو
البقول كالكراث والكرفس ونحوهما ) عندهما عُشْر، لعدم الثمرة الباقية .
(١) فتح القدير: ٢/٢ وما بعدها، اللباب: ١٥١/١ وما بعدها، الشرح الكبير: ٤٤٧/١ وما بعدها ، الشرح
الصغير: ٦٠٩/١ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص١٠٥، مغني المحتاج: ٢٨١/١ ومابعدها، المهذب: ١ /١٥٦ ، المغني :
٦٩٠/٢ وما بعدها، كشاف القناع: ٢٣٦/٢ - ٢٣٨، المجموع : ٤٣٢/٥ - ٤٤٢.
(٢) قال الزيلعي عنه: غريب بهذا اللفظ، وبمعناه حديث ابن عمر السابق: ((فيما سقت السماء والعيون
العشر» (نصب الراية : ٣٨٤/٢ )
- ٨٠٥ -

وأما المالكية فقالوا : تجب الزكاة في عشرين صنفاً : أما الحبوب فسبعة
عشر : القطاني السبعة ( وهي الخمص - بكسر الميم وفتحها ، والفول ، واللوبيا
والعدس ، والتُرمس، والجُلْبان، والبسيلة) والقمح ، والسُلت ( نوع من الشعير
لا قشر له) ، والعلس ، والذرة ، والدُخن، وأُرْز، وذوات الزيوت الأربعة:
وهي الزيتون والسمسم ، والقِرطِم ( حب العصفر) ، وحب الفجل الأحمر ، أما
الفجل الأبيض فلا زكاة في حبه ، إذ لا زيت له .
وأما الثمار فثلاثة: التمر والزبيب والزيتون، لقول عمر: ((وفي الزيتون
العشر)» .
ولا تجب الزكاة في الفواكه كالتين والرمان والتفاح ونحوها ، ولا في بزر
الكتان ، والسَّلْجَم ( اللفت ) ، ولا في جوز ولوز ، ولا غير ذلك .
وأما الشافعية : فقرروا أن الزكاة تختص بالقوت ، وهو من الثمار: التمر
والزبيب ، ومن الحب : الحنطة والشعير والأَرْزَّ والعدس والماش ، وسائر المقتات
اختياراً كالحِمِّص ، والباقلا ( الفول) والذرة ، والهرطمان : ( حب متوسط بين
الحنطة والشعير) وهو الجُلْبانة والكرسنة والحلبة والخشخاش والسمسم .
ولا زكاة في القّاء والبطيخ والرمان ، والقَضْب ( البرسيم ) ؛ لأن الرسول
◌َّ عفا عنه . ولا زكاة في الفواكه كخوخ ورمان وتين ولوز وجوز هند وتفاح
ومِشْبِشٍ ، ولا زكاة في حبوب البوادي كحب الحنظل ، ولا في الوحشيات من
الظباء ونحوها ، ولا في الموقوف على المساجد والقناطر والرباطات ( الثغور)
والفقراء والمساكين ، على الصحيح ؛ إذ ليس له مالك معين ، ولا في الزيتون
والزعفران والورس والقُرطِمُ ( حب العصفر) ولا في العسل ، في المذهب
الجديد .
- ٨٠٦ -

وقال الحنابلة : تجب الزكاة في كل مقتات مكيل مدخر من الحبوب ،
كالحنطة والشعير والسُلت ( وهو نوع من الشعير لونه لون الحنطة ، وطبعه
كالشعير في البرودة ) والذرة والقطنيات(١)، كالباقلاء (الفول ) والحمص واللوبيا
والعدس والماش والتُرْمس ( حب عريض أصغر من الفول) والدخن والأرز
والهرطمان ( وهو الجلبانة والكرسنة والحلبة والخشخاش والسمسم ) والعلس ( نوع
من الحنطة يدخر في قشره ) .
وتجب الزكاة في بزر البقول كلها : كالهندبا والكرفس والبصل وبزر قَطُونا
ونحوها ، وبزر الرياحين جميعاً ، وبزر الكزبرة والكمون والكراويا والشونيز
( يقال له: الحبة السوداء ) ، وحب الرازيانج (وهو الشمر والأنيسون وحب
القضب ) والخَرْدل وبزر الكتان ، وبزر القطن واليقطين (وهو القرع) وبزر
البقلة الحمقاء ، وبزر الباذنجان والخس والجزر .
وفي حب البقول: كالرَّشَاد(٢) ، وحب الفجل، والقرطم (حب العصفر) .
وتجب الزكاة في كل ثمر يكال ويدخر ، كالتمر والزبيب واللوز والفستق
والبندق والسماق . والخلاصة أن الزكاة تجب في الحبوب والبزور والثمار المدخرة .
والأظهر وجوب الزكاة في العُنَّاب والتين والمشمش والتوت؛ لأنه يدخر
كالتمر ، وتجب الزكاة في صعتر وأشنان وحب ذلك ، وكل ورق مقصود ، كورق
سدر وخطمي وآسي ؛ لأنه نبات مكيل مدخر . ولا تجب الزكاة في قطن وكتان
وقنب وزعفران وورس ونيل وجوز الهند ، وسائر الفواكه كالخوخ والتفاح أو
(١) بكسر القاف وفتحها وضمها ، وتشديد الياء وتخفيفها ، سمي بذلك : من قطن يقطن في البيت ؛ لأنها
تمکث فيه
(٢) الرشاد : بقلة سنوية من الفصيلة الصليبية ، تزرع وتنبت برية ، ولها حب حريف يسمى حب الرشاد
- ٨٠٧ -

الإجاص والكمثرى ، والسفرجل والرمان والنبق والزعرور والموز؛ لأنها ليست
مكيلة ، ولا في الجوز ؛ لأنه معدود ، ولا في قصب السكر .
ولا زكاة في الخضر كبطيخ وقثاء وخيار وباذنجان ولفت وسلق وگُرْب
وقنبيط وبصل وثوم وكرات وجزر وفجل ونحوه، لحديث علي: أن النبي مع اله
قال: ((ليس في الخضراوات صدقة))(١). ولا في البقول كالهندَبا والكرَفْسِ
والنعناع والرشاد وبقلة الحمقاء والقرظ والكزبرة والجرجير ونحوه .
ولا في المسك والزهر ، كالورد والبنفسج والنرجس واللينوفر والخيري : وهو
المنثور، ونحوه كالزنبق ، ولا في طلع الفُحَّال (وهو ذكر النخل ) ، ولا في
السُعُف ( وهو أغصان النخل ، أي جريد النخل الذي لم يجرد عنه خوصه ، فإن
جرد عنه خوصه فجريد ) ولا في الخوص (وهو ورق السعف ) ، ولا في قشور
الحب والتبن والحطب والخشب وأغصان الخلاف ، وورق التوت والكلأ ،
والقصب الفارسي ، ولبن الماشية وصوفها ونحو ذلك كالوبر والشعر، وكذا الحرير
ودود القز ؛ لأن ذلك كله ليس منصوصاً عليه ، ولا في معنى المنصوص عليه ،
فبقي على أصل العفو .
والخلاصة بالنسبة للزيتون : أنه لا زكاة فيه عند الشافعية في الجديد ، وفيه
الزكاة عند أبي حنيفة والمالكية والحنابلة(٢) ونصابه عند المالكية والحنابلة خمسة
أوسق .
زكاة العسل : اختلف الفقهاء في حكم زكاة العسل على رأيين(٣):
(١) وعن عائشة معناه، رواهما الدارقطني، وروى الأثرم في سننه عن موسى بن طلحة حديثاً عن
الخضراوات: ((ليس في ذلك صدقة)) وهو مرسل قوي ( نيل الأوطار: ١٤٢/٤)
(٢) الأموال: ص٥٠٤ وما بعدها ، المغني: ٦٩٤/٢ وما بعدها ، ٧١٣
(٣) البدائع : ٦١/٢ وما بعدها، اللباب: ١٥٣/١، الأموال لأبي عبيد: ص٥٠٦ وما بعدها، فتح القدير:
٥/٢ ، المجموع: ٤٣٤/٥ وما بعدها، مغني المحتاج: ٣٨٢/١، كشاف القناع: ٢٥٧/٢، المغني: ٧١٣/٢
- ٨٠٨ -

فقال الحنفية والحنابلة : فيه العشر، إلا أن أبا حنيفة قال : يجب فيه العشر
إذا أخذ من أرض العشر ، قل المأخوذ أو كثر وليس في أرض الخارج من أرض
الخراج عشر، وقال الحنابلة : نصاب العسل عشرة أفراق ، وهي جمع فَرَق ،
والفرق عندهم ستة عشرة رطلاً ، فيكون النصاب مائة وستين رطلاً بالبغدادي ،
ومائة وأربعة وأربعين بالمصري، والرطل عند الحنفية: ١٣٠ درهماً، والدرهم
( ٢,٩٧٥ غم ) .
ودليلهم على وجوب الزكاة في العسل آثار منها :
ما رواه أبو سيّارة المُتَعي قال: قلت: ((يا رسول الله، إن لي نحلاً ، قال :
فأدّ العشور))(١) .
وما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي مائة ((أنه أخذ من
العسل العشر))(٢) وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يأخذ عن العسل العشر من كل
عشر قِرَب قربة .
وروى العقيلي في الضعفاء من طريق عبد الرزاق عن أبي هريرة حديثاً ((في
العسل العشر))(٣).
8
وقال المالكية والشافعية : لا زكاة في العسل ، بدليل أمرين :
الأول - ما قاله الترمذي: ((لا يصح عن النبي ◌َّ في هذا كبير شيءٍ))
وما قاله ابن المنذر: ((إنه ليس في وجوب الصدقة فيه خبر يثبت ولا إجماع)).
(١) رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود والبيهقي، وهو منقطع (نيل الأوطار: ١٤٥/٤ وما بعدها)
(٢) رواه ابن ماجه، روي) مسنداً ومرسلاً (المرجع السابق ) ورواه أيضاً أبو عبيد والأثرم
(٣) قال الزيلعي: لم أجده في مصنف عبد الرزاق بهذا اللفظ ، وإنما لفظه أن النبي عليه السلام كتب إلى أهل
اليمن: أن يؤخذ من أهل العسل العشر (نصب الراية : ٣٩٠/٢)
- ٨٠٩ -

الثاني - أنه مائع خارج من حيوان ، فأشبه اللبن ، واللبن لا زكاة فيه
بالإجماع .
ورجح أبو عبيد أن يكون أربابه يؤمرون بأداء صدقته ، ويُحتُّون عليها ،
ويكره لهم منعها ، ولا يؤمن عليهم المأثم في كتمانها ، من غير أن يكون ذلك فرضاً
عليهم .
رابعاً - النصاب الذي يبدأ به زكاة الزرع والثمر :
قال أبو حنيفة(١) : النصاب ليس بشرط لوجوب العشر، فيجب العشر
في كثير الخارج وقليله ، لعموم قوله تعالى)) ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من
طيبات ما كسبتم ، ومما أخرجنا لكم من الأرض ) وقوله عز وجل: ﴿وآتوا
حقه يوم حصاده) وقول النبي عظ اتٍ: (( ما سقته السماء ففيه العشر، وما سقي
بغَرْب أو دالية ، ففيه نصف العشر)) (٢) من غير تفصيل بين القليل والكثير. ولأن
سبب الوجوب وهي الأرض النامية بالخارج لا يميز بين القليل والكثير ، وكل
شيء أخرجته الأرض مما فيه العشر لا يحتسب فيه أجر العمال ونفقة الزرع من
أدوات الحراثة ؛ لأن النبي ◌َّ حكم بتفاوت الواجب بتفاوت المؤنة
( التكاليف)؛ لأنه قال: (( ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغَرْب ففيه
نصف العشر)) وعلى هذا تكون النفقات على الزارع ، وتجب الزكاة في كل الخارج
بدون أن تخصم منه النفقات .
وقال الصاحبان وجمهور الفقهاء (٣) : النصاب شرط ، فلا تجب الزكاة
(١) البدائع : ٥٩/٢ ، فتح القدير: ٢/٢ وما بعدها
(٢) رواه أبو مطيع البلخي عن أبان بن عياش عن رجل عن النبي مَائل، لكن إسناده لا يساوي شيئاً (نصب
الراية: ٣٨٥/٢) والغرب: الدلو العظيمة ، والدالية : الناعورة يديرها الماء.
(٣) القوانين الفقهية: ص١٠٥، الشرح الصغير: ٦٠٨/١ وما بعدها، الشرح الكبير: ٤٤٧/١ وما بعدها ، مغني
المحتاج: ٣٨٢/١ وما بعدها، المغني: ٦٩٠/٢، ٦٩٥ - ٦٩٩، المجموع : ٤٣٩/٥
- ٨١٠ -

في شيء من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق وهي ( ٦٥٣ كغ ) أو ٥٠ كيلة
مصرية، لقول النبي مع القلم: (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))(١) والوسق ستون
صاعاً ، وهذا حديث خاص بهذه الزكاة ، يجب تقديمه ، وتخصيص عموم أدلة أبي
حنيفة، كما خصص قوله: ((في سائمة الإبل الزكاة )) بقوله في نهاية هذا الحديث :
((ليس فيما دون خمسة ذَوْد صدقة)) وقوله: ((في الرقة العشر)) بقوله (( ليس فيما
دون خمس أواق صدقة)) ، ولأنه مال تجب فيه الصدقة ، فلم تجب في يسيره
كسائر الأموال الزكائية ، ولأن الصدقة تجب على الأغنياء ، ولا يحصل الغنى بدون
النصاب ، كسائر الأموال الزكائية . وهذا هو الراجح لدي لصحة الحديث .
وإنما لم يعتبر الحول ؛ لأنه يكمل ماؤه باستحصاده لا ببقائه ، واعتبر الحول
في غيره من الزكوات ؛ لأنه مظنة لكمال النماء في سائر الأموال . والنصاب معتبر
بالكيل ، فإن الأوساق مكيلة ، وكان الصاع مكيال أهل المدينة في عهد النبي
مَ ◌ّ وقدره أربعة أمداد، والصاع خمسة أرطال وثلث رطل ، والرطل ( ٦٧٥
غم ) وذكر الشافعية والحنابلة أنه يعتبر النصاب تمراً أو زبيباً إن تتمر وتزبب ،
لحديث مسلم (( ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق)) وإن لم يتتمر
الرطب ولم يتزبب العنب ، بأن لم يأت منه تمر ولا زبيب جيدان في العادة ، أو
كانت تطول مدة جفافه كسنة ، اعتبر نصاباً رطباً وعنباً ، فيوسق رطباً وعنباً ؛
لأن ذلك وقت كماله . فيكل به نصاب ما يجف من ذلك ، وتخرج الزكاة من كل
منهما في الحال ؛ لأن ذلك أكمل أحوالهما .
ويعتبر الحب خمسة أوسق حال كونه مصفى من تبنه ؛ لأنه لا يدخر فيه
ولا يؤكل معه .
(١) رواه الجماعة عن أبي سعيد الخدري ( نيل الأوطار: ١٤١/٤)
- ٨١١ -

وأما ما ادخر في قشره كالأَّرُزّ والعلس ، فنصابه عشرة أوسق ، اعتباراً بقشره
الذي يكون ادخاره فيه أصلح له أو أبقى بالنصف ، ولا يضم ثمر عام إلى ثمر عام
آخر في إكمال النصاب ، ولا زرع عام إلى زرع عام آخر كذلك ، ويضم ثمر العام
بعضه لبعض ، وكذلك زرع العام بعضه لبعض ، وإن اختلف إدراكه لاختلاف
أنواعه وبلاده حرارة وبرودة . والمراد بالعام هنا : اثنا عشر شهراً عربية .
وذكر المالكية أن المقتبر كون الحب منقى من تبنه وصوانه الذي لا يخزن
به ، مقدر الجفاف ، وأكون الرطب تمراً والعنب زبيباً ، فإن بيع رطباً أو عنباً
فيجب نصف عشر القيمة ، ونصف عشر ثمن فول أخضر وحمص مما شأنه ألا
.بيبس . ويؤخذ نصف العشر من زيت ماله زيت . ويحسب في النصاب الشرعي
قشر الأرز والعلس والشعير الذي يخزن به ، فلو كان الأرز مثلاً مقشوراً أربعة
"أوسق، وبقشره خمسة أوسق زكي ، وإن كان أقل فلا زكاة .
واتفق الجمهور مع الحنفية على أنه لا ينقص النصاب بمؤنة الحصاد والدياس
وغيرهما من نفقات الزرع .
تعالى:
خامساً - مقدار الواجب وصفته :
اتفق الفقهاء(١) على أن العشر يجب فيما سقي بغير مؤنمة ( مشقة ) كالذي
يشرب من السماء ( الأمطار) ، وما يشرب بعروقه : وهو الذي يشرب من ماء
قريب منه .
ويجب نصف العشر فيما سقي بالمؤن كالدوالي ( النواعير ) النواضح .
والدليل لهم قول النبي صَ لّ المتقدم: ((فيما سقت السماء والعيون، أو كان
(١) البدائع :: ٠٦٢/٢٠ ٦٣، القوانين الفقهية: ص١٠٦، الشرح الصغير: ٦١٠/١ - ٦١٢، مغني المحتاج:
٦٨٥/١، المغني: ٦٩٨/٢، ٧٠٢، كشاف القناع: ٢٤٢/٢ وما بعدها .
- ٨١٢ -

عَثَرياً العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر)) (١) ، وانعقد الإجماع على ذلك ، كما
قال البيهقي وغيره . فإن سقي نصف السنة بكلفة ونصفها بغير كلفة ففيه ثلاثة
أرباع العشر، عملاً بمقتضى كل واحد منهما . وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر ،
اعتبر الأكثر، فوجب مقتضاه ، وسقط حكم الآخر .
وسبب التفرقة واضح وهو كثرة المؤنة في أرض السقي ، وخفتها في أرض
البعل(٢)، كما هو الفرق بين الماشية المعلوفة والسائمة. ولا وقص ( لا عفو) في
نصاب الحبوب والثمار، بل مهما زاد على النصاب أخرج منه بالحساب ، فيخرج
العشر أو نصفه ، فإنه لا ضرر في تبعيضه ، بخلاف الماشية ففي تبعيضها ضرر .
وأما صفة الواجب : فهو جزء من الخارج أوقيته عند الحنفية . وأما عند
الجمهور : الواجب عين الجزء ولا يجوز غيره .
سادساً - وقت الوجوب :
وقت الوجوب عند أبي حنيفة(٢) : وقت خروج الزرع ، وظهور الثمر،
لقوله تعالى: ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض )
أمر الله تعالى بالإنفاق مما أخرجه من الأرض ، فدل أن الوجوب متعلق
بالخروج . فإن استهلكها صاحبها بعد الوجوب يضمن عشره ، وأما قبل الوجوب
فلا يضمن ، ولو هلك الخارج بنفسه فلا عشر في الهالك .
ووقت الوجوب عند المالكية : في الثمار الطيب (وهو الزهو في بلح النخل ،
(١) رواه الجماعة إلا مسلماً عن ابن عمر، وعند مسلم من حديث جابر ((فيما سقت الأنهار والغير العشر، وفيما
سقي بالسانية نصف العشر)) وفي رواية لأبي داود: ((إن في البعل العشر))
(٢) قال أهل اللغة : البعل : ما يشرب بعروقه، والعثري: ما سقي بماء السيل الجاري إليه في حفرة ، وتسمى
الحفرة عاثوراء ، لتعثر المار بها إذا لم يعلمها . والسواني: هي النواضح ، وهي الإبل التي يستقى بها لشرب الأرض .
(٣) البدائع : ٦٣/٢
- ٨١٣ -

وظهور الحلاوة في العنب ) ، وفي الزرع : إفراك الحب ، أي طيبه وبلوغه حد
الأكل منه ، واستغناؤه عن السقي ، لا باليبس ولا بالحصاد ولا بالتصفية(١).
وأما عند الشافعية والحنابلة (٢): فتجب الزكاة ببدو صلاح الثمر ؛ لأنه حينئذ ثمرة
كاملة ، وهو قبل ذلك حصرم وبلح ، وببدو اشتداد الحب ؛ لأنه حينئذ طعام ،
وهو قبل ذلك بقل .
وليس المراد بوجوب الزكاة بما ذكر : إخراجها في الحال ، بل انعقاد سبب
وجوب إخراج الثمر والزبيب والحب المصفى عند الصيرورة كذلك .
وبناء على الرأي الأخير إن أتلفها صاحبها أو تلفت بتفريطه أو عدوانه بعد
الوجوب ، لم تسقط عنه الزكاة . وإن كان قبل الوجوب سقطت ، إلا أن يقصد
بذلك الفرار من الزكاة ، فيضمنها ولا تسقط عنه .
وإن جذّها وجعلها في الجرين ( موضع تجفيف التمر ) ، أو جعل الزرع في
البيدر ، استقر الوجوب عليه . وإن تلفت بعد ذلك لم تسقط الزكاة عنه ، وعليه
ضمانها ، كما لو تلف نصاب الماشية السائمة أو الأثمان ( النقود ) بعد الحول .
وإن تلفت الثمرة قبل بدو الصلاح أو الزرع قبل اشتداد الحب ، فلا زكاة
فيه .
ويصح تصرف المالك في النصاب قبل الخرص وبعده بالبيع والهبة وغيرهما ،
فإن باعه أو وهبه بعد بدو صلاحه ، فصدقته على البائع والواهب . وهذا قول
الحنابلة والمالكية .
وقال الحنفية : إذا باع الزرع قبل إدراكه ، وجبت الزكاة على المشتري .
وقال الشافعية : تجب الزكاة على مالك الزرع عند الوجوب .
(١) القوانين الفقهية: ص١٠٦، الشرح الصغير: ٦١٥/١ الشرح الكبير: ٤٥١/١.
(٢) مغني المحتاج: ٣٨٦/١، كشاف القناع: ٢٤٥/٢، المجموع: ٤٥٤/٥، المغني: ٧٠٢/٢ - ٧٠٥، المهذب:
١٥٧/١ ٠
- ٨١٤ -

سابعاً - مايضم بعضه إلى بعض :
لاخلاف بين أهل العلم في غير الحبوب والثمار : أنه لا يضم جنس إلى جنس
آخر في تكميل النصاب ، فالماشية ثلاثة أجناس : الإبل ، والبقر ، والغنم ، لا يضم
جنس منها إلى آخر . والثمار لا يضم جنس إلى غيره ، فلا يضم التمر إلى الزبيب ،
ولا إلى اللوز، والفستق ، والبندق . ولا يضم شيء من هذه إلى غيره ، ولاتضم
الأثمار إلى شيء من السائمة ، ولامن الحبوب والثمار .
ولا خلاف بينهم في أن أنواع الأجناس يضم بعضها إلى بعض في إكمال
النصاب .
ولاخلاف بينهم أيضاً في أن العروض التجارية تضم إلى الأثمان ( النقود ) ،
وتضم الأثمان إليها ، إلا أن الشافعي لايضها إلا إلى جنس ما اشتريت به ؛ لأن
نصابها معتبر به (١) .
ولاخلاف عند الجمهور غير المالكية في ضم الحنطة إلى العلس ؛ لأنه نوع
منها ، ومثله السلت يضم إلى الشعير ؛ لأنه منه ، فيضم إليه عند غير الشافعية .
واختلف العلماء في ضم الحبوب بعضها إلى بعض ، وفي ضم أحد النقدين إلى
الآخر .
فقال الحنفية والشافعية : لا يضم جنس منها إلى غيره ، ويعتبر النصاب في
كل جنس منها منفرداً ؛ لأنها أجناس ، فاعتبر النصاب في كل جنس منها منفرداً
كالثمار أيضاً والمواشي . لكن يلاحظ أن أبا حنيفة يوجب الزكاة في كل ما أخرجت
الأرض ، ولا يشترط النصاب ، فلاتثور مشكلة الضم لديه .
(١) المغني: ٢ / ٧٣٠.
- ٨١٥ -

وقال المالكية والحنابلة : إن الحنطة تضم إلى الشعير ، وتضم القطنيات
بعضها إلى بعض ؛ لأن هذا كله مقتات ، فيضم بعضه إلى بعض كأنواع الحنطة .
وتفصيل هذه الآراء كما يأتي :
قال المالكية (١) : تضم القطاني السبعة ( الخمص والفول واللوبيا والعدس
والترمس والجُلْبان والبسيلة ) لبعضها بعضاً؛ لأنها جنس واحد في الزكاة ، فإذا
اجتمع من جميعها أو من اثنين منها مافيه الزكاة ، زكاه ، وأخرج من كل صنف
منها ما ينوبه . والقمح والشعير والسلت صنف واحد ، فتضم لبعضها .
ويجزئ إخراج الأعلى من الأدنى لاعكسه ، كقمح وسلت وشعير ؛ لأن
الثلاثة جنس واحد . ولا يضم شيء منها لعلس ( حب طويل يشبه البُرّ
بالين ) ؛ لأنه جنس منفرد ، ولا يضم شيء منها لذرة ولادخن ولا أرز ؛ لأن كل
واحد منها جنس على حدة ، فلا يضم واحد منها لآخر ، بل يعتبر كل واحد منها
جنساً على حدة .
8
وذوات الزيوت الأربع : وهي الزيتون والسّمسِم ، وبذر الفُجل الأحمر ،
والقرطم : أجناس ، لا يضم بعضها إلى بعض .
وتضم أنواع الجنس الواحد لبعضها ، فالزبيب بأصنافه جنس واحد ،
ولا يضم هو لغيره ، والتمر بأصنافه جنس واحد ، والقمح بأصنافه الجيد منها
والرديء جنس واحد .
وقال الشافعية(٢) : لا يكمل جنس بجنس ، ويضم النوع إلى النوع ، ويخرج
من كل من النوعين بقسطه ، لعدم المشقة فيه بخلاف المواشي ، فإن الأصح أنه
(١) الشرح الصغير: ١ / ٦١٣ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ١٠٦، الشرح الكبير: ١ / ٤٤٩ ومابعدها .
(٢) المجموع : ٥ / ٤٤٣، المهذب: ١ / ١٥٧، مغني المحتاج: ١ / ٣٨٤ .
- ٨١٦ -

يخرج نوعاً منها ، بشرط اعتبار القيمة والتوزيع ، ولا يؤخذ البعض من هذا
والبعض من هذا ، لما فيه من المشقة ، فإن عسر إخراج جزء من كل نوع لكثرة
الأنواع وقلة الحاصل من كل نوع ، أخرج الوسط منها ، لا أعلاها ولا أدناها ،
رعاية للجانبين .
ويضم العلس إلى الحنطة ؛ لأنه نوع منها ، وهو قوت صنعاء اليمن .
والسُّلْت جنس مستقل ، فلا يضم إلى غيره كالشعير .
ولا يضم ثمرة عام وزرعه إلى آخر ، ويضم ثمر العام بعضه إلى بعض ، وإن
اختلف وقت إدراكه ، لاختلاف أنواعه وبلاده حرارة أو برودة . والأظهر في
الضم وقوع حصاديها في سنة .
وقال ابن قدامة من الحنابلة(١): الصحيح عند القاضي أبي يعلى من الروايات
الثلاث عن أحمد : أن الحنطة تضم إلى الشعير، وتضم القطنيات بعضها إلى
بعض ، وكذلك يضم الذهب والفضة . وتضم أنواع الجنس من حبوب أو ثمار من
عام واحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب ، كأنواع الماشية والنقدين .
فالسلت نوع من الشعير، فيضم إليه ، والعلس: نوع من الحنطة ، فيضم
إليها .
ويضم زرع العام الواحد ، وثمرة العام الواحد إلى بعض ، في تكميل
النصاب ، سواء اتفق وقت زرعه وإدراكه أو اختلف ، وسواء اتفق وقت ظهور
الثمرة وإدراكها أو اختلف .
وقال البُهوتي في كشاف القناع : تضم أنواع الجنس الواحد من حبوب وثمار
(١) المغني: ٢ / ٧٣٠ وما بعدها، كشاف القناع: ٢ / ٢٤١ وما بعدها .
الفقه الإسلامي جـ ٢ (٥٢)
- ٨١٧ -

من عام واحد ، ولا یضم جنس إلى آخر کبر إلى شعير ، أو دخن أو ذرة أو عدس
ونحوه ؛ لأنها أجناس يجوز التفاضل فيها ، فلم يضم بعضها إلى بعض ، كأجناس
الثمار وأجناس الماشية ، ولا يصح القياس على ضم العلس إلى الحنطة ؛ لأنه نوع
منها . ولاتضم النقود أو الأثمان من الذهب والفضة إلى بعضها ، ولا إلى شيء من
الحبوب أو الثمار أو الماشية؛ لأنها أجناس مختلفة ، إلا إلى عروض التجارة ، فتضم
النقود ( الأثمان ) إلى قيمتها . وهذا هو المعتمد لدى الحنابلة ، فيتفق رأيهم مع
المذاهب الأخرى .
والخلاصة : أن الحنطة تضم مع الشعير لدى المالكية والقاضي من الحنابلة ،
ولا يضمان عند الشافعية وفي المعتمد عند الحنابلة ، وأما القطاني فتضم لبعضها عند
المالكية والحنابلة ، ولاتضم عند الشافعية وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد .
ثامناً - زكاة الثمار الموقوفة :
للفقهاء رأيان في زكاة الموقوف بالنظر لاشتراط ملك الأرض أو عدم اشتراطه،
رأي يوجب الزكاة، ورأي يعفي منها (١).
قال الحنفية : الشرط ملك الخارج من الأرض ، فيجب العشر في الأراضي
التي لامالك لها ، وهي الأراضي الموقوفة ، لعموم قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين
آمنوا أنفقوا من طيبات ماكسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض ) وقوله عز
وجل: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده) وقول النبي مع اقتّ: ((ماسقته السماء ففيه
العشر، وماسقي بغرب أو دالية ، ففيه نصف العشر)) ولأن العشر يجب في الشيء
الخارج ، لافي نفس الأرض ، فكان ملك الأرض وعدمه بمنزلة واحدة .
(١) البدائع: ٢ / ٥٦، الشرح الكبير: ١ / ٤٨٥ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٣٨٢، كشاف القناع: ٢ /
٢٤٢، غاية المنتهى: ١ / ٢٦٦ وما بعدها .
- ٨١٨ -

وقال المالكية كالحنفية : يجب على الواقف أو متولي الوقف زكاة عين :
ذهب أو فضة وقفت للسلف أي القرض ، إن مر عليها حول من يوم ملكها ، أو
كانت هي مع مالم يوقف نصاباً ؛ إذ وقفها لا يسقط زكاتها عليه منها كل عام .
كما يزكى نبات وقف ليزرع كل عام في أرض مملوكة أو مستأجرة ، ويزكى حيوان
من الأنعام وقف ليفرق لبنه أو صوفه أو ليحمل عليه أو يركب ، ونسله تبع
له ، ولو سكت عنه ، على مساجد أو على فقراء غير معينين أو معينين ، إن تولى
المالك تفرقته وسقيه وعلاجه بنفسه أو نائبه . فإن لم يتول المالك القيام به ،
وإنما تولاه المعينون الموقوف عليهم الذين وضعوا أيديهم عليه وحازوه ، وصاروا
يزرعون النبات ويفرقون ماحصل على أنفسهم ، فعليهم الزكاة إن حصل لكل
واحد منهم نصاب ، وإلا فلاه مالم يكن عنده ما يضمه له ويكمل به النصاب .
وقال الشافعية : لاتجب الزكاة على الصحيح في ثمار البستان وغلة القرية
الموقوفين على المساجد والقناطر والرباطات(١) والفقراء والمساكين ، إذ ليس لها
مالك معين .
وفصل الحنابلة ، فأوجبوا الزكاة في موقوف على معين من سائمة أو غلة
أرض وشجر ، إن بلغت حصة كل واحد نصاباً ، ولم يوجبوها في موقوف على غير
معين أو مسجد .
تاسعاً - زكاة الأرض المستأجرة :
اختلف الفقهاء على رأيين في هذه الزكاة ، أهي على المؤجر ، أم على
المستأجر(٢) .
(١) الرباطات : المعاهد المبنية والموقوفة للفقراء .
(٢) البدائع: ٢ / ٥٦، اللباب: ١ / ١٥٤، المهذب: ١ / ١٥٧، المغني: ٢ / ٧٢٨، كشاف القناع: ٢ /
٢٥٣ ، فتح القدير : ٢ / ٨ .
- ٨١٩ -

قال أبو حنيفة : زكاة الأرض على المؤجر ؛ لأنه من مؤنتها فهي كالخراج
الموظّف ؛ ولأن الخارج للمؤاجر معنى ؛ لأن بدله وهو الأجرة له ، فصار كأنه زرع
بنفسه .
وخالفه الصاحبان ، فقالوا : الزكاة على المستأجر ؛ لأن العشر يجب في
الخارج، والخارج ملك المستأجر ، فكان العشر عليه كالمستعير . لكن الفتوى على
قول الإمام ، وعليه العمل ؛ لأنه ظاهر الرواية . فإن كان إيجاب الزكاة على
المستأجر أنفع للفقراء ، وجبت عليه ، وبه أفتى المتأخرون .
وقال الجمهور : إذا استأجر إنسان أرضاً ، فزرعها ، أو استعار أرضاً
فزرعها ، أو غرسها ثمرأ تجب فيه الزكاة ، فالعشر على المستأجر والمستعير دون
مالك الأرض ؛ لأنه واجب في الزرع ، فكان على مالكه ، وهو معيرها أو
مؤجرها، لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده) وقوله مؤلفل: ((فيما سقت
السماء العشر - الحديث)) وفي إيجاب الزكاة على المالك إجحاف ينافي المواساة ،
وهي من حقوق الزرع ، بدليل أنها لاتجب إن لم تزرع ، وتتقيد بقدره .
عاشراً - زكاة الأرض الخراجية :
نوعا الأرض : الأراضي نوعان عشرية وخراجية(١).
أما العشرية : فهي التي يجب فيها العشر الذي فيه معنى العبادة ، وتشمل
ما يأتي :
أ - أرض العرب من العُذَيب (قرية من قرى الكوفة) إلى أقصى حدود
اليمن وعدن؛ لأن رسول الله مائةٍ والخلفاء الراشدين بعده لم يأخذوا من أرض
العرب خراجاً ، فدل أنها عشرية .
(١) البدائع: ٢ / ٥٧ وما بعدها، اللباب: ٤ / ١٣٧ - ١٣٩، الفتاوى الهندية: ٢ / ٢١٩، فتح القدير: ٤ /
٣٥٨ وما بعدها .
- ٨٢٠ -