النص المفهرس

صفحات 741-760

٥ - كون المال نصاباً أو مقدراً بقيمة نصاب : وهو مانصبه الشرع
علامة على توفر الغنى ووجوب الزكاة من المقادير الآتية . وسيأتي في بحث أنواع
أموال الزكاة بيان الأنصبة الشرعية ، وخلاصتها : نصاب الذهب عشرون مثقالاً
أو ديناراً ، ونصاب الفضة مائتا درهم ، ونصاب الحبوب ، والثمار بعد الجفاف
عند غير الحنفية خمسة أوسق ( ٦٥٣ كغ ) ، وأول نصاب الغنم أربعون شاة ،
والإبل خمس ، والبقر ثلاثون .
٦ - الملك التام للمال: واختلف الفقهاء في المراد بالملك ، أهو ملك اليد
( الحيازة ) أم ملك التصرف أم أصل الملك ؟
فقال الحنفية(١): المقصود أصل الملك وملك اليد (٢) ، بأن يكون مملوكاً ،
فلازكاة في سوائم الوقف والخيل الموقوفة ، لعدم الملك ، ولا تجب الزكاة في المال
الذي استولى عليه العدو وأحرزه بداره ؛ لأن الأعداء في رأي الحنفية ملكوه
بالإحراز، فزال ملك المسلم عنه ، ولافي الزرع النابت في أرض مباحة لعدم
الملك ، ولا على المدين الذي في يده مال للغير لعدم الملك ، وإنما زكاة هذا المال
على المالك الأصلي . وكذلك أن يكون مملوكاً في اليد أي مقبوضاً ، فلو ملك شيئاً
ولم يقبضه ، كصداق المرأة قبل قبضه ، فلازكاة عليها فيه . ولازكاة في المال
الضمار : وهو كل مال غير مقدور الانتفاع به ، مع قيام أصل الملك ، كالحيوان
الضال ، والمال المفقود والمال الساقط في البحر ، والمال الذي أخذه السلطان
مصادرة ، والدين المجحود إذا لم يكن للمالك بينة وحال الحول ثم صارله بينة ،
بأن أقر عند الناس ، والمال المدفون في الصحراء إذا خفي على المالك مكانه ، فإن
كان مدفوناً في البيت تجب فيه الزكاة بالإجماع .
(١) البدائع: ٢ / ٩، رد المحتار: ٥/٢.
(٢) قد اعتبر صاحب الكنز هذا شرطاً، واعتبره صاحب الدرر سبباً كما بينا، وقال القرافي : إنه سبب.
- ٧٤١ -

٠
وقال المالكية(١) : المقصود أصل الملك والقدرة على التصرف فيا ملك ، فلا
زكاة على المرتهن فيما تحت يده من شيء غير مملوك له ، لعدم الملك ، ولازكاة في
مال مباح لعموم الناس ، كالزرع النابت وحده في أرض غير مملوكة لأحد ، لعدم
الملك ، ولازكاة على غير مالك كغاصب ووديع وملتقط .
وتجب الزكاة على المرأة في صداقها بعد قبضه ومضي حول عليه ، وتجب
الزكاة على الواقف في ملكه إن بلغ نصاباً ، أو نقص عن النصاب وكان عند
الواقف ما يكمل به النصاب ، إن تولى المالك القيام به بأن كان النبات تحت يد
الواقف يزرعه ويعالجه حتى يثمر ثم يفرقه ؛ لأن الوقف لا يخرج العين عندهم عن
الملك . وتجب الزكاة في المغصوب والمسروق والمجحود والمدفون في محل والضال
( الضائع ) ، وإذا قبضه زكاه لحول واحد ، أما الوديعة إذا مكثت أعواماً عند
الوديع ، فتزكى بعد قبضها لكل عام مضى مدة إقامتها عند الأمين . وتجب الزكاة
على المدين في مال النقود الذي بيده لغيره ، متى مضى حول عليه ، إن كان عنده
ما يمكنه أن يوفي الدين منه من عقار أو غيره ؛ لأنه بالقدرة على دفع قيمته صار
مملوكاً له . فإن كان المال الذي عنده حرثاً (زرعاً أو ثمراً) أو ماشية أو معدناً،
فتجب علیه زکاته ، ولو لم يكن عنده مایوفي به الدین .
وقال الشافعية(٣) : المطلوب توافر أصل الملك التام والقدرة على
التصرف ، فلازكاة على السيد في مال المكاتب ؛ لأنه لا يملك التصرف فيه ، فهو
كال الأجنبي ، ولازكاة في الأوقاف ؛ لأنها في الأصح على ملك الله تعالى ، ولا
على المال المباح لعموم ملك الناس كزرع نبت بفلاة وحده ، دون أن يستنبته
أحد ؛ لعدم الملك الخاص .
(١) الشرح الكبير: ١ / ٤٣١، ٤٥٧، ٤٨٤ ومابعدها، الشرح الصغير: ١ / ٥٨٨، ٦٢٢ ومابعدها ، ٦٤٧ .
(٢) المجموع : ٥ / ٣٠٨ - ٣١٨، المهذب: ١ / ١٤١ ومابعدها .
- ٧٤٢ -

وتجب الزكاة على المستأجر الأرض الوقف المأجورة ، مع أجرة الأرض ،
وعلى الموقوف عليه المعين في ثمار الأشجار الموقوفة من نخل وعنب . وفي الجديد
تجب الزكاة في المال المغصوب والضال ، واللقطة في السنة الأولى ، والمسروق
والساقط في البحر والمال الغائب والشيء المودع بعد عود المال إلى يد المالك ؛ لأنه
مال مملوك لصاحبه يملك المطالبة به ، ويجبر الغاصب على تسليمه إليه ، كالمال
الذي في يد و کیله .
والصحيح أنه تجب الزكاة على الملتقط إذا مضى عليه حول من حين ملك
اللقطة ؛ لأنه ملك مضى عليه حول في يد مالكه .
والأصح أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة ؛ لأن الزكاة تتعلق بعين المال ،
والدين يتعلق بالذمة ، فلا يمنع أحدهما الآخر ، كوجود الدين وأرش الجناية .
ويجب على المرأة زكاة صداقها وتخرجها بعد قبضه ؛ لأنه في يد زوجها من
AUP!
قبيل الدين .
وعلى المدين زكاة المال الذي استدانه من غيره ؛ إذا حال عليه الحول وهو في
ملكه ؛ لأنه ملكه بالاستقراض ملكاً تاماً .
وقال الحنابلة(١): لابد من توافر أصل الملك والقدرة على التصرف على
حسب اختياره . فلاتجب الزكاة في الموقوف على غير معين كالمساجد والمدارس
والمساكين ونحوها ، وتجب الزكاة في الموقوف على معين كأرض أو شجر . وتجب
على الراجح في المغصوب والمسروق والمجحود والضال إذا قبضه كالدين . وتجب في
اللقطة على الملتقط إذا صارت بعد الحول كسائر أمواله ، إذا مضى عليها حول بعد
تعريفها . والمرأة إذا قبضت صداقها زكته لما مضى ؛ لأنه دين ، وحكمه كزكاة
(١) المغني: ٣ / ٤٨ - ٥٣.
- ٧٤٣ -

الديون على مامضى ، فإن قبضت صداقها قبل الدخول ومضى عليه حول ،
فزكته ، ثم طلقها الزوج قبل الدخول ، رجع فيها بنصفه ، وكانت الزكاة من
النصف الباقي لها .
٧ - مضي عام أو حَوّلان حول قمري على ملك النصاب :
لقوله علق: ((لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)) (١) والإجماع التابعين
والفقهاء . وحول الزكاة قمري لاشمسي بالاتفاق كباقي أحكام الإسلام من صوم
وحج . ولفقهاء المذاهب آراء متقاربة في حولان الحول .
فقال الحنفية(٢): يشترط كون النصاب كاملاً في طرفي الحول ، سواء بقي
في أثنائه كاملاً أم لا ، فإذا ملك إنسان نصاباً في بدء الحول ، ثم استمر كاملاً لنهاية
الحول ، من غير أن ينقطع تماماً في الأثناء ، أو يذهب كله في أثناء العام ، وجبت
الزكاة ، وتجب أيضاً إن نقص في أثناء الحول ، ثم تم في آخره ؛ فنقصان النصاب
في الحول لا يضر إن كمل في طرفيه .
والمستفاد ولو بهبة أو إرث في وسط الحول يضم إلى أصل المال ، وتجب فيه
الزكاة ؛ لأنه يعسر مراعاة وضبط الحول لكل مستفاد ، وفي ذلك حرج لاسيما إذا
كان النصاب دراهم وهو صاحب غلة يستفيد كل يوم درهماً أو درهمين ، والحول
ماشرط إلا تيسيراً للمزكي .
وحولان الحول شرط في غير زكاة الزرع والثمار ، أما فيهما فتجب الزكاة عند
ظهور الثمرة والأمن عليها من الفساد إذا بلغت حداً ينتفع بها ، وإن لم يستحق
الحصاد .
(١) روي من حديث علي عند أبي داود وهو حسن، ومن حديث ابن عمر وأنس عند الدارقطني وهو إما
ضعيف أو موقوف ، ومن حديث عائشة عند ابن ماجه وهو ضعيف ( نصب الراية : ٢ / ٣٢٨ وما بعدها ) .
(٢) مراقي الفلاح: ص ١٢١، الدر المختار: ٢ / ٣١، ٧٢، فتح القدير: ١ / ٥١٠ ، البدائع: ٢ / ٥١ .
- ٧٤٤ -

وقال المالكية(١): حولان الحول شرط في العين ( الذهب والفضة )
والتجارة ، والأنعام ، وليس بشرط في المعدن والركاز والحرث(٢) (الزرع
والثمار ) ، وإنما تجب في ذلك بطيبه(٣) ولو لم يحل الحول .
أما المال المستفاد في أثناء الحول : فإن كان من هبة أو ميراث ، أو من بيع أو
غير ذلك ، لم تجب عليه زكاة حتى يحول عليه الحول . وإن كان ربح مال أو
تجارة، زكاه لحول أصله، سواء أكان الأصل نصاباً، أم دونه إذا أتم نصاباً بربحه؛
لأن ربح المال مضموم إلى أصله ، فإذا نقص النصاب من الذهب أو الفضة في أثناء
الحول ثم ربح فيه أو اتجر فربح ، وجبت الزكاة ، وخلاصة القاعدة عندهم : أن
حول ربح المال حول أصله ، وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات .
ويشترط أيضاً مجيء الساعي مع الحول في الماشية ، فلاتجب الزكاة فيها قبل
مجيئه .
وقال الشافعية(٤): مثل المالكية : حولان الحول شرط في زكاة الأثمان
( النقود ) وعروض التجارة والماشية ، وليس بشرط في الثمار والزرع والمعادن
والركاز. ويشترط مضي حول كامل متوال ، فلو نقص النصاب في أثناء الحول
ولو لحظة لم تجب الزكاة إلا في نتاج الماشية ، فيتبع الأمهات في الحول وإلا في
(١) القوانين الفقهية: ص ٩٩، ١٠١، الشرح الصغير: ١ / ٥٩٠، بداية المجتهد: ١ / ٢٦١ - ٢٦٣، شرح
الرسالة : ١ / ٣٢٦ .
(٢) سمي حرثاً؛ لأنه تحرث الأرض لأجله غالباً، والحرث : الحبوب وذوات الزيوت الأربع ، والتمر
والزبيب .
(٣) تجب الزكاة بإفراك الحب : وهو طيبه وبلوغه حد الأكل منه واستغناؤه عن السقي لا باليبس والحصاد
ولا بالتصفية، وطيب الثمر: هو الزهو في بلح النخل ، وظهور الحلاوة في العنب ( الشرح الصغير: ١ / ٦١٥) هذا
ماذكره الدردير، وجاء في شرح الرسالة (١ / ٣١٨) أن الوجوب يتعلق بيوم الحصاد والجداد وهو المشهور.
(٤) المهذب: ١ / ١٤٣، المجموع: ٥ / ٣٢٨ ومابعدها، الحضرمية: ص ٩٩.
٠ - ٧٤٥ _

ربح التجارة فيزكى على حول أصله إذا كان الأصل نصاباً ، فمتى تخلل زوال الملك
أثناء الحول بمعاوضة أو غيرها كالبيع والهبة ، استأنف الحول ، وإذا كان النصاب
كاملاً في بدء الحول ثم نقص في أثنائه ، ثم كمل بعد ذلك ، لم تجب الزكاة إلا بمضي
حول كامل من يوم التام .
وأما المستفاد في أثناء الحول بالبيع أو الهبة أو الإرث أو الوقت ونحوها مما
يستفاد لا من نفس المال ، فله حول جديد مستقل عن الأصل أي في غير النتاج
وربح التجارة كما بينا ، فيستأنف له الحول لتجدد الملك ، ولا يجمع إلى ماعنده في
الحول .
ويكره ، وقيل : يحرم وعليه كثيرون أن يزيل ملكه عماتجب الزكاة في عينه
بقصد رفع وجوب الزكاة ؛ لأنه فرار من القربة .
وقال الحنابلة(١): يشترط حولان الحول في زكاة الأثمان ( الذهب
والفضة ) والمواشي وعروض التجارة ، ولا يشترط في غيرها من الثمار والزروع
والمعادن والركاز . والمعتبر وجود النصاب في جميع الحول ، ولا يضر النقص اليسير
كنصف يوم أو ساعات . فلو نقص النصاب في أثناء الحول وجب بدء حول جدید
إلا في النتاج وأرباح التجارة ، فإنها تضم إلى أصلها ؛ لأنها تبع له ومتولدة منه ،
والأرباح تكثر وتتكرر في الأيام والساعات ، ويعسر ضبطها ، وكذلك النتاج ،
وقد يوجد ولا يشعر به ، فالمشقة فيه أتم لكثرة تكرره .
أما المستفاد في أثناء الحول بالبيع أو الهبة أو الميراث أو الاغتنام ونحو ذلك ،
فله حول مستقل ، لاتجب زكاته إلا بمضي حول تام عليه ، لأنه يندر ولا يتكرر ،
(١) المغني: ٢ / ٦٢٥ - ٦٢٩.
- ٧٤٦ -

فلا يشق ضبط حول له ، فإن شق فهو دون المشقة في النتاج والارباح ، فيمتنع
قياسه عليها .
والخلاصة : أن حولان الحول شرط متفق عليه ، وأن نتاج الماشية وأرباح
التجارة تضم إلى أصل النصاب بالاتفاق ، أما المستفاد في أثناء الحول من جنس
المال غير النتاج والأرباح فيضم إليه ويزكى معه عند الحنفية ، تيسيراً على المزكي ،
ودفعاً للمشقة والعسر عنه ، إذ يعسر حساب الحول لكل مستفاد ، والحول ماشرط
إلا تيسيراً على الناس في إخراج الزكاة .
ويحسب لكل مستفاد حول جديد عند الجمهور، لأنه مقتضى العدل، ولتجدد
الملك، فيشترط له الحول كالمستفاد من غير جنس المال الأصلي الذي بدئ به
النصاب، ولحديث: ((من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول))(١) .
٨ - عدم الدين: شرط عند الحنفية في زكاة ماعدا الحرث ( الزرع
والثمار ) ، وعند الحنابلة في كل الأموال ، وعند المالكية في زكاة العين ( الذهب
والفضة ) دون زكاة الحرث والماشية والمعادن . وليس بشرط عند الشافعية(٢).
وتفصيل الآراء ما يأتي :
قال الحنفية : الدين الذي له مطالب من جهة العباد يمنع وجوب الزكاة
سواء أكان لله كزكاة وخراج (ضريبة الأرض)، أم كان لإنسان، ولودين
كفالة ؛ لأن للدائن المكفول له أخذ الدين من أيهم شاء من المدين أو الكفيل ،
ولو ديناً مؤجلاً ، ولو صداق زوجته المؤجل للفراق ، أو كان نفقة لزمته بقضاء
القاضي أو بالتراضي .
(١) حديث موقوف على ابن عمر، رواه الترمذي والدارقطني والبيهقي (نصب الراية: ٢ / ٣٣٠).
(٢) الدر المختار: ٢ / ٦ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٦٤٧ - ٦٤٩، القوانين الفقهية: ص ٩٩ ، المهذب :
١ / ١٤٢، المجموع: ٥ / ٣١٣ وما بعدها، المغني: ٣ / ٤١ ومابعدها.
- ٧٤٧ _

أما الدين الذي ليس له مطالب من جهة العباد كدين النذر والكفارة
والحج ، فلا يمنع وجوب الزكاة .
ولا يمنع الدين وجوب العشر (زكاة الزروع والثمار) والخراج ، والكفارة ،
أي أن الدين لا يمنع وجوب التكفير بالمال على الأصح .
وقال الحنابلة : الدين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة وهي الأثمان
( النقود) وعروض التجارة، لقول عثمان بن عفان: ((هذا شهر زكاتكم ، فمن كان
عليه دين، فليؤده ، حتى تخرجوا زكاة أموالكم))(١) وفي رواية: ((فمن كان عليه
دين ، فليقض دينه ، وليترك بقية ماله)) قال ذلك بمحضر من الصحابة ، فلم
ينكروه ، فدل على اتفاقهم عليه .
وكذلك يمنع الدين الزكاة في الأموال الظاهرة : وهي الأنعام السائمة
والحبوب والثمار ، فيبتدئ بالدين فيقضيه ، ثم ينظر مابقي عنده بعد إخراج
النفقة ، فيزكي مابقي ، لما ذكر في الأموال الباطنة .
ويمنع الدين الزكاة إذا كان يستغرق النصاب أو ينقصه ، ولا يجد ما يقضيه
سوى النصاب ، أو ما لا يستغني عنه ، مثل أن يكون عليه عشرون مثقالاً ،
وعليه مثقال أو أكثر أو أقل مما ينقص به النصاب إذا قضاه به ، ولا يجد قضاء له
من غير النصاب . فإن كان له ثلاثون مثقالاً وعليه عشرة ، فعليه زكاة
العشرين ، وإن كان عليه أكثر من عشرة ، فلازكاة عليه ، أي أن مقدار الدين
لا يمنع الزكاة إذا زاد ماله عن الدين ، فإن كان الدين مساوياً نصاب الزكاة أو
ينقصه ، فهذا هو الذي يمنع الزكاة .
وقال المالكية : الدين يسقط زكاة العين ( الذهب والفضة ) إذا لم يكن
(١) رواه أبو عبيد في الأموال .
- ٧٤٨ -

عروض تفي به ، ولو كان الدين مؤجلاً ، أو كان مهراً عليه لامرأته ، أو مؤخراً ،
أو مقدماً ، أو نفقة متجمدة عليه لزوجة أو أب أو ابن ، أو دين زكاة عليه ،
لادين كفارة ليمين أو ظهار أو صوم ، ولادين هدي وجب عليه في حج أو عمرة ،
فلا يسقطان زكاة العين .
فإن كانت له عروض تفي بدينه ، لم تسقط الزكاة عنه ، ويجعل ذلك في
نظير الدين الذي عليه ، ويزكي ماعليه من العين .
ولا تسقط عنه الزكاة إلا بشرطين :
أولهما - إن حال حول العرض عنده .
والثاني - أن يكون العرض مما يباع على المفلس ، كثياب ونحاس وماشية
ولو دابة ركوب أو ثياب جمعة أو كتب فقه ، فإن كان ثوب جسده أو دار سكناه
فلا يباع ، إلا أن يكون ذلك فاضلاً عن حاجته الضرورية . وتعتبر قيمة العرض
وقت وجوب الزكاة آخر الحول .
وإن كان له دين مرجو الحصول ولو مؤجلاً ، فإنه يجعله فيما عليه ، ويزكي
ما عنده من العين . أما إن كان غير مرجو ، كما لو كان على معسر أو ظالم لاتناله
الأحكام فلا يجعل بدلاً عن الدين الواجب عليه .
ولا يسقط الدين زكاة الحرث ( الزرع والثمر ) والماشية والمعدن ؛ لأن الزكاة
تجب في أعيانها .
ولو ؤُهب الدين للمدين أو أبرأه الدائن (صاحب الدين ) منه ، فلازكاة في
الموهوب حتى يحول عليه الحول في يد الموهوب له ؛ لأن الهبة إنشاء لملك النصاب
الذي بيده ، فلاتجب الزكاة فيه إلا إذا استأنف حولاً من يوم الهبة .
وقال الشافعي في الجديد : الدين الذي يستغرق أموال الزكاة أو ينقص
- ٧٤٩ -

المال عن النصاب لا يمنع وجوب الزكاة ، فتجب الزكاة على مالك المال ؛ لأن
الزكاة تتعلق بالدين ، والدين يتعلق بالذمة ، فلا يمنع أحدهما الآخر كالدين
وأرش الجناية .
٩ - الزيادة عن الحاجات الأصلية: اشترط الحنفية(١) كون المال
الواجب فيه الزكاة فارغاً عن الدين وعن الحاجة الأصلية لمالكه ؛ لأن المشغول بها
كالمعدوم ، وفسر ابن ملك الحاجة الأصلية : بأنها ما يدفع الهلاك عن الإنسان
تحقيقاً كالنفقة ودار السكنى وآلات الحرب والثياب المحتاج إليها لدفع الحر أو
البرد ، أو تقديراً كالدين ، فإن المديون محتاج إلى قضاء دينه بما في يده من
النصاب ، دفعاً عن نفسه الحبس الذي هو كالهلاك ، وكآلات الحرفة وأثاث
المنزل ، ودواب الركوب وكتب العلم لأهلها ؛ فإن الجهل عندهم كالهلاك ، فإذا
كانت له دراهم مستحقة بصرفها إلى تلك الحوائج ، صارت كالمعدومة ، كما أن الماء
المستحق صرفه إلى العطش ، كان كالمعدوم ، وجاز عنده التيم .
علا
شروط صحة أداء الزكاة :
اً - النية: اتفق الفقهاء(٢) على أن النية شرط في أداء الزكاة ، لقول النبي
مَاقّةٍ: ((إنما الأعمال بالنيات)) وأداؤها عمل، ولأنها عبادة كالصلاة فتحتاج إلى
نية لتمييز الفرض عن النفل . وللفقهاء تفصيلات في النية :
قال الحنفية : لا يجوز أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء إلى الفقير ، ولو
حكماً ، كما لو دفع بلانية ثم نوى ، والمال في يد الفقير ، أو نوى عند الدفع
(١) الدر المختار ورد المختار: ٢ / ٧ -٠٨
(٢) فتح القدير: ١ / ٤٩٣، الدر المختار: ٢ / ٤، ١٤ - ١٥، البدائع: ٢ / ٤٠، الكتاب: ١ / ١٤٠
وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٩٩، المهذب: ١ / ١٧٠، المجموع: ٦ / ١٨٢ ومابعدها، الحضرمية: ص ١٠٥،
المغني: ٢ / ٦٣٨ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٦٦٦ وما بعدها، ٦٧٠ وما بعدها .
- ٧٥٠ -

للوكيل ، ثم دفع الوكيل بلانية ، أو مقارنة لعزل مقدار الواجب ؛ لأن الزكاة
عبادة ، فكان من شرطها النية ، والأصل فيها الاقتران بالأداء ، إلا أن الدفع
للفقراء يتفرق فاكتفي بوجودها حالة العزل ، تيسيراً على المزكي ، كتقديم النية في
الصوم . فلو عزل الزكاة ثم ضاعت أو سرقت أو تلفت ، لم تسقط عنه ، ويغرم
بدلها ؛ لأنه يمكن إخراج الزكاة من بقية المال ، ولو مات ورثت عنه وأخرجت .
ومن تصدق بجميع ماله ، لاينوي الزكاة ، سقط فرضها عنه استحساناً ،
بشرط ألا ينوي بها واجباً آخر من نذر أو غيره ؛ لأن الواجب جزء منه ، فكان
متعيناً فيه ، فلاحاجة إلى التعيين ، وعلى هذا لو كان له دين على فقير ، فأبرأه
عنه ، سقط زكاة المبلغ المبرأ عنه ، سواء نوى به عن الزكاة أو لم ينو، لأنه
كالهلاك .
ولو تصدق ببعض النصاب لم تسقط زكاة ما تصدق به عند أبي يوسف وهو
المختار عند صاحب الهداية ، فتجب زكاته وزكاة الباقي ؛ لأن البعض المؤدى لم
يتعين لأداء الواجب . وقال محمد : تسقط زكاة الجزء المؤدى ، كما في حالة التصدق
بكل المال ، للتيقن بإخراج الجزء الذي هو الزكاة .
وقال المالكية : تشترط النية لأداء الزكاة عند الدفع ، ويكفي عند
عزلها ، والصحيح أنها تجزئ من دفعها كرهاً عنه كالصبي والمجنون ، وتجزئ نية
الإمام أو من يقوم مقامه عن نية المزكي .
وقال الشافعية : تجب النية بالقلب ، ولا يشترط النطق بها ، فينوي :
((هذا زكاة مالي)) ولو بدون ذكر الفرض ؛ لأن الزكاة لاتكون إلا فرضاً، ونحو
ذلك ، كهذا فرض صدقة مالي أو صدقة مالي المفروضة ، أو الصدقة المفروضة ، أو
فرض الصدقة . ويجوز تقديم النية على الدفع بشرط أن تقارن عزل الزكاة ، أو
إعطاءها للوكيل أو بعده ، وقبل التفرقة ، كما تجزئ بعد العزل وقبل التفرقة
- ٧٥١ _

وإن لم تقارن أحدهما ، ويجوز تفويضها للوكيل إن كان من أهلها بأن يكون
مسلماً مكلفاً ، أما نحو الصبي والكافر فيجوز توكيله في أدائها ، لكن بشرط أن
يعين له المدفوع إليه . وتجب نية الولي في زكاة الصبي والمجنون والسفيه وإلا ضمنها
لتقصيره . ولو دفعها المزكي للإمام بلانية لم تجزئه نية الإمام في الأظهر. وإذا
أخذت قهراً من المزكي نوى عند الأخذ منه ، وإلا وجب على الآخذ النية .
وكذلك قال الحنابلة : النية أن يعتقد أنها زكاته ، أو زكاة ما يخرج عنه
كالصبي والمجنون ، ومحلها القلب ؛ لأن محل الاعتقادات كلها القلب . ويجوز
تقديم النية على الأداء بالزمن اليسير كسائر العبادات ، وإن دفع الزكاة إلى وكيله
ونوى هو دون الوكيل ، جاز، إذا لم تتقدم نيته الدفع بزمن طويل . فإن
تقدمت النية بزمن طويل لم يجز ، إلا إذا نوى حال الدفع إلى الوكيل ، ونوی
الوكيل عند الدفع إلى المستحق .
لكن إن أخذ الإمام الزكاة قهراً أجزأت من غير نية ؛ لأن تعذر النية في حقه
أسقط وجوبها عنه كالصغير والمجنون .
ولو تصدق الإنسان بجميع ماله تطوعاً ، ولم ينو به الزكاة ، لم يجزئه عند
الجمهور غير الحنفية ؛ لأنه لم ينو به الفرض ، كما لو تصدق ببعضه ، وكما لو صلى
مائة ركعة ، ولم ينو الفرض بها .
٢ - التمليك: يشترط التمليك لصحة أداء الزكاة (١) بأن تعطى للمستحقين،
فلا يكفي فيها الإباحة أو الإطعام إلا بطريق التمليك ، ولا تصرف عند الحنفية إلى
مجنون وصبي غير مراهق ( مميز) إلا إذا قبض لهما من يجوز له قبضه كالأب
(١) البدائع: ٢ / ٣٩، الدر المختار: ٢ / ٨٥، أحكام القرآن لابن العربي: ٢ / ٩٤٧، المهذب: ١ / ١٧١ ،
المغني : ٢ / ٦٦٥ - ٦٦٧ ٠
- ٧٥٢ -

والوصي وغيرهما . وذلك لقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة) والإيتاء هو التمليك ،
وسمى الله تعالى الزكاة صدقة بقوله عز وجل : ﴿ إنما الصدقات للفقراء ﴾
والتصدق تمليك، واللام في كلمة ((للفقراء)) - كما قال الشافعية - لام التمليك ، كما
يقال: ((هذا المال لزيد)).
واشترط المالكية(١) لأداء الزكاة شروطاً ثلاثة أخرى :
١ - إخراجها بعد وجوبها بالحول أو الطيب أو مجيء الساعي ، فإن أخرجها
قبل وقتها ، لم تجزه خلافاً لجمهور الفقهاء . وتأخيرها بعد وقتها مع التمكن من
إخراجها سبب للضمان والعصيان .
٢ - دفعها لمن يستحقها لالغيره .
٣ - كونها من عين ماوجبت فيه .
المبحث الثالث - وقت وجوب الزكاة ووقت أدائها :
وفيه مطالب أربعة :
المطلب الأول - وقت وجوب الزكاة :
اتفق الفقهاء(٣) في المفتى به عند الحنفية على وجوب الزكاة فوراً بعد استيفاء
شروطها من ملك النصاب وحولان الحول ونحوهما ، فمن وجبت عليه الزكاة وقدر
على إخراجها لم يجز له تأخيرها ، ويأثم بالتأخير بلا عذر ، وترد شهادته عند
الحنفية ، لأنه حق يجب صرفه إلى الآدمي توجهت المطالبة بالدفع إليه ، والأمر
(١) شرح الرسالة: ١ / ٣١٧ ، القوانين الفقهية: ص ٩٩.
(٢) الدر المختار: ٢ / ١٦ وما بعدها، شرح الرسالة: ١ / ٣١٧ ، القوانين الفقهية: ص ٩٩ ، بجيرمي الخطيب:
٢ / ٣٢٠، المجموع: ٥ / ٣٠٢، ٣٠٥، المهذب: ١ / ١٤٠، كشاف القناع: ٢ / ١٩٢، المغني: ٢ / ٦٨٤.
الفقه الإسلامي جـ ٢ (٤٨)
- ٧٥٣ -

بالصرف إلى الفقير ومن معه قرينه الفور ؛ لأنها لدفع حاجته ، فإذا لم تجب
معجلة لم يحصل المقصود من الإيجاب على وجه التام .
فإن أخرها وهو قادر على أدائها ضمنها ؛ لأنه أخر ما وجب عليه مع إمكان
الأداء ، كالوديعة إذا طالب بها صاحبها .
المطلب الثاني - وقت أداء الزكاة :
تؤدى الزكاة بحسب نوع المال الذي تجب فيه .
أ - فزكاة الأموال من النقدين ( الذهب والفضة) وعروض التجارة(١)،
والسوائم تدفع بعد تمام الحول مرة واحدة في كل عام .
ب - وزكاة الزروع والثمار تدفع من غلاتها عند تكرر الإنتاج ولو تكرر
مراراً في العام الواحد ، فلا يشترط حولان الحول ، ولابلوغ النصاب عند الحنفية ،
ويشترط النصاب عند الجمهور .
أما وقت وجوب العشر في الثمار والزرع فمختلف فيه :
قال أبو حنيفة وزفر (٢) : يجب عند ظهور الثمرة والأمن عليها من
الفساد ، وإن لم يستحق الحصاد إذا بلغت حداً ينتفع بها(٢) .
وقال الدردير المالكي(٤) : وجوب الزكاة بإفراك الحب ، أي طيبه وبلوغه
حد الأكل منه واستغنائه عن السقي ، لاباليبس ولا بالحصاد ولا بالتصفية ؛
(١) أي البضائع التجارية على اختلاف أنواعها.
(٢) رد المحتار: ٢ / ٧٢ .
(٣) وقال أبو يوسف: عند استحقاق الحصاد ، وقال محمد: إذا حصدت وصارت في الجرين ( بيدر الحب ).
(٤) الشرح الصغير: ١ / ٦١٥، وقال في (شرح الرسالة: ١ / ٣١٨) : الوجوب يتعلق بيوم استحقاق الحصاد
والجداد وهو المشهور، فتجب يوم الاستحقاق ، وتخرج بحسب الإمكان .
- ٧٥٤ -

وبطيب الثمر : وهو الزهو في بلح النحل ، وظهور الحلاوة في العنب .
وقال الشافعية(١): تجب الزكاة بيدو صلاح الثمر، واشتداد الحب ؛ لأن
الثمر حينئذ ثمرة كاملة ، وهو قبل ذلك حصرم وبلح ، والحب حينئذ طعام وهو
قبل ذلك بَقْل أي طري . وليس المراد بوجوب الزكاة بما ذكر وجوب إخراجها في
الحال ، بل انعقاد سبب وجوب إخراج التمر والزبيب والحب المصفى عند
الصيرورة كذلك . علماً بأن مؤنة الجفاف والتصفية والجذاذ والدياس والحمل
وغيرها مما يحتاج إلى مؤنة على المالك ليست من مال الزكاة .
والحنابلة(٢) كالشافعية : تجب الزكاة عند اشتداد الحب في الحبوب ، وعند
· بدو صلاح الثمرة التي تجب فيها الزكاة .
جـ - تجب زكاة العسل في رأي الحنفية والحنابلة عند حصول ماتجب فيه ،
وزكاة المعادن عند استخراج ماتجب فيه ، وزكاة الفطر في رأي غير الحنفية عند
غروب الشمس من ليلة الفطر .
المطلب الثالث - تعجيل الزكاة قبل الحول :
اتفق العلماء على أنه لا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب ؛ لأنه لم يوجد
سبب وجوبها ، فلم يجز تقديمها كأداء الثمن قبل البيع ، والدية قبل القتل(٣).
أما تعجيل الزكاة متى وجد سبب وجوب الزكاة ، وهو النصاب الكامل ،
ففيه رأيان للفقهاء :
(١) مغني المحتاج: ١ / ٣٨٦.
(٢) كشاف القناع : ٢ / ١٩٢.
(٣) المهذب: ١ / ١٦٦، المغني : ٢ / ٦٣١.
- ٧٥٥ -

١ - قال الجمهور(١): يجوز تطوعاً تقديم الزكاة على الحول ، وهو مالك
للنصاب ، لأنه أدى بعد سبب الوجوب ، ولما روى علي كرم الله وجهه أن العباس
رضي الله عنه سأل رسول الله ماتم ليعجل زكاة ماله قبل محلها ، فرخص له في
ذلك(٢) ، ولأنه حق مال أجِّل للرفق ، فجاز تعجيله قبل أجله أو محله ، کالدين
المؤجل ودية الخطأ ، فهي تشبه الحقوق المالية المؤجلة .
وذكر الشافعية أن شرط إجزاء المعجل : أن يبقى المالك أهلاً للوجوب إلى
آخر الحول في الحول ، ودخول شوال في الفطرة ، وأن يكون القابض في آخر
الحول أو عند دخول شوال مستحقاً. وإذا لم يجزئه المعجل انوات أحد هذين
الشرطين ، استرد من القابض إن علم القابض أنها زكاة معجلة . وإن مات المالك
أو القابض قبل ذلك أو ارتد القابض أو غاب أو استغنى بمال غير المعجل كزكاة
أخرى ولو معجلة ، أو نقص النصاب أو زال عن ملكه وليس مال تجارة ، لم
يجزئه المعجل لخروجه عن الأهلية عند الوجوب .
٢ - وقال الظاهرية والمالكية(٣): لا يجوز إخراج الزكاة قبل الحول ؛
لأنها عبادة تشبه الصلاة ، فلم يجز إخراجها قبل الوقت(٤) ، ولأن الحول أحد
شرطي الزكاة ، فلم يجز تقديم الزكاة عليه ، كالنصاب .
المبحث الرابع - هلاك المال بعد وجوب الزكاة :
للفقهاء رأيان في سقوط الزكاة بعد وجوبها وهلاك المال :
(١) فتح القدير: ١ / ٥١٦، البدائع: ٢ / ٥٠ وما بعدها، المجموع: ٦ / ١٣٩ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٦٦
وما بعدها، الحضرمية: ص ١٠٥، المغني: ٢ / ٦٢٩ ومابعدها، كشاف القناع: ٢ / ٣١٠ ومابعدها .
(٢) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي بإسناد حسن ، وذكر أبو داود أنه روي عن الحسن بن مسلم
مرسلاً وأنه أصح ( نيل الأوطار : ٤ / ١٤٩ ).
(٣) بداية المجتهد: ١ / ٢٦٦، الشرح الكبير: ١ / ٤٣١، القوانين الفقهية: ص ٩٩ ، نيل
الأوطار : ٤ / ١٥١ .
(٤) احتج ابن قدامة لهم بحديث أن النبي عَ اقل قال: ((لا تؤدى زكاة قبل حلول الحول)).
- ٧٥٦ _

١ - فقال الحنفية(١): إن هلك المال بعد وجوب الزكاة ، سقطت الزكاة ؛
كما أنه يسقط العشر وخراج المقاسمة ؛ لأن الواجب جزء من النصاب ، وتحقيقاً
للتيسير ، فإن الزكاة وجبت بقدرة مُيسّرة أي بقاء اليسر إلى وقت أداء الزكاة ،
فيسقط الواجب بهلاك محله ، سواء تمكن من الأداء أم لا ؛ لأن الشرع علق
الوجوب بقدرة ميسرة ، والمعلق بقدرة ميسرة لا يبقى بدونها ، والقدرة الميسرة
هنا هي وصف النماء ، لاالنصاب .
ولا تسقط الزكاة بالاستهلاك ، وإن انتفت القدرة الميسرة ، لوجود التعدي .
وإذا هلك البعض يسقط بقدر الهالك اعتباراً للبعض بالكل .
أما زكاة الفطر ومثلها مال الحج : فلا تسقط بهلاك المال بعد الوجوب ، كما
لا يبطل الزواج بموت الشهود .
وسبب التفرقة أن الزكاة تتعلق بالماء ، فشرطت له القدرة الميسرة ( وهي
ما يوجب يسر الأداء على العبد ) تيسيراً على الناس إذ الإنسان إنما يخاطب بأداء
ما يقدر عليه ، ويجوز ألا يكون له مال سواه ، أما الفطرة ومثلها مال الحج فلم
تتعلق بالنماء وإنما تجب في الذمة فشرطت له القدرة الممكّنة ( وهي ما يشترط
للتمكن من الفعل وإحداثه ) .
ويلاحظ أن هلاك المال بعد الإقراض والإعارة واستبدال مال التجارة بمال
التجارة : هلاك ، فلا يضمن الزكاة ، وأما استبدال مال التجارة بغير مال التجارة
واستبدال الماشية السائمة بالسائمة فهو استهلاك ، فيضمن زكاته .
٢ - قال الجمهور(٢): إن هلك المال بعد وجوب الزكاة لم تسقط الزكاة ،
(١) فتح القدير: ١ / ٥١٤ - ٥١٦، الدر المختار: ٢ / ٢٨ وما بعدها، ١٠٠ وما بعدها، البدائع: ٢ / ١٥.
(٢) بداية المجتهد: ١ / ٢٤١، المهذب: ١ / ١٤٤، القوانين الفقهية: ص ٩٩، المغني: ٢ / ٦٨٥ وما بعدها .
- ٧٥٧ _

وإنما يضمنها ، فيكون إمكان الأداء شرطاً في الضمان لا في الوجوب ؛ لأن من تقرر
عليه الواجب لا يبرأ عنه بالعجز عن الأداء كما في صدقة الفطر والحج وديون
الناس ، والزكاة حق متعين على رب المال ، فإن تلف قبل وصوله إلى مستحقه لم
يبرأ منه بذلك ، كدين الآدمي . ولو عزل قدر الزكاة ، فنوى أنه زكاة فتلف ،
فهو في ضمان رب المال ، ولا تسقط الزكاة عنه بذلك ، سواء قدر على أن يدفعها
إليه أو لم يقدر .
واستثنى المالكية زكاة الماشية ؛ لأن وجوبها عندهم إنما يتم بشرط خروج
الساعي ، مع الحول ، فإن تلفت فلاتضمن زكاتها .
هذا وقد ذكر ابن رشد خمسة أقوال فيما إذا أخرج الزكاة فضاعت كأن تسرق
أو تحترق وهي: قول: إنه لا يضمن بإطلاق ، وقول : إنه يضمن بإطلاق ،
وقول: إن فرط ضمن وإن لم يفرط لم يضمن ، وهو مشهور مذهب مالك ،
وقول : إن فرط ضمن ، وإن لم يفرط زكى مابقي ، وبه قال أبو ثور والشافعي .
والقول الخامس : يكون المساكين ورب المال شريكين في الباقي بقدر حظها
من حظ رب المال(١) .
المبحث الخامس - أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة :
تجب الزكاة في أنواع خمسة من المال هي :
النقود ، والمعادن والركاز، وعروض التجارة ، والزروع والثمار، والأنعام
وهي الإبل والبقر والغنم . وأوجب أبو حنيفة خلافاً لصاحبيه الزكاة في الخيل
والمفتى به هو رأيها ، ونبحثها في المطالب الستة الآتية :
(١) بداية المجتهد : ١ / ٢٤٠.
- ٧٥٨ _

المطلب الأول - زكاة النقود ( الذهب والفضة والورق النقدي ) :
اتفق الفقهاء(١) على وجوب الزكاة في النقود سواء أكانت سبائك أم مضروبة أم
آنية، أم كانت حلياً عند الحنفية، للأدلة السابقة من الكتاب والسنة والإجماع في
وجوب الزكاة مطلقاً، ونبحث هنا ما يأتي:
أولاً - نصابها والمقدار الواجب فيها :
نصاب الذهب : عشرون مثقالاً(٢) أو ديناراً(٣)، تعادل أربع عشرة ليرة
ذهبية عثمانية تقريباً ، أو خمس عشرة ليرة ذهبية افرنسية ، واثنتا عشرة ليرة
إنكليزية(٤) وتساوي بالمثقال العراقي مائة غرام تقريباً وبالمثقال العجمي ستة
وتسعين غراماً ، وعند الجمهور ٣٢- ٩١ غراماً.
والفرق بين نوعي المثقال (٠٫٢) إذ المثقال العجمي (٤,٨ غم) والمثقال
العراقي (٥ غرامات) ، ولنعتمد على الأقل من باب الاحتياط ، وهو ٩٦ غراماً،
أو ٨٥ غراماً باعتبار الدرهم العربي (٢٫٩٧٥ غم)
ونصاب الفضة : مائتا درهم تساوي عند الحنفية ( ٧٠٠ ) غراماً تقريباً ،
وعند الجمهور (٦٤٢) غراماً تقريباً (٥).
(١) فتح القدير: ١ / ٥١٩ - ٥٢٥، الدر المختار: ٢/ ٣٨ - ٤٦، اللباب: ١ / ١٤٨ ومابعدها، الشرح
الصغير: ١ / ٦٢٠، القوانين الفقهية: ص ١٠٠، مغني المحتاج: ١ / ٣٨٩ ومابعدها، المهذب: ١ / ١٥٧ ومابعدها ،
المغني: ٣ / ١ - ١٦، كشاف القناع: ٢ / ٢٦٦ - ٢٧٥، شرح الرسالة: ١ / ٣٢٢ وما بعدها .
(٢) المثقال عند الحنفية يساوي خمسة غرامات ، وعند الجمهور يساوي ٣٫٦٠ غم ، وحدده بنك فيصل الإسلامي
في السودان بـ ٤,٤٥٧ غم ، وهو الوسط المعقول ، أو ٤,٢٥ غم .
(٣) يلاحظ أن الدينار عند الحنابلة أصغر من المثقال فيكون النصاب: ١ + ٢ ٢٥ دينار.
(٤) الليرة الانكليزية: ٢٫٥٠ درهم، والليرة العثمانية ٢٫٢٥ درهم، والليرة الافرنسية ٢ درهم.
(٥) كانت المائتا درهم وزن سبعة مثاقيل، والدينار عشرون قيراطاً، والقيراط خمس شعيرات ، فيكون الدرهم
الشرعي سبعين شعيرة والمثقال مائة شعيرة ، وهناك مطابقة بين المثقال والدينار، والدرهم الشرعي عند الحنفية
(٣٫٥٠ غم) وعند الجمهور (٣,٢٠٨ غم) والدرهم العربي (٢,٩٧٥ غم).
- ٧٥٩ _

ويضم عند الجمهور ( غير الشافعية ) أحد النقدين إلى الآخر في تكميل
النصاب ، فيضم الذهب إلى الفضة وبالعكس بالقيمة ، فمن له مائة درهم وخمسة
مثاقيل قيمتها مائة ، عليه زكاتها ؛ لأن مقاصدهما وزكاتها متفقة ، فهما كنوعي
الجنس الواحد .
وقال الشافعية : لا يضم أحدهما إلى الآخر كالإبل والبقر ، وإنما يكمل
النوع بالنوع من الجنس الواحد وإن اختلفا جودة ورداءة ، والرأي الأول هو
الواجب الاتباع اليوم في العملات الورقية ، وضم نوع منها إلى آخر أصبح
ضرورياً ومتعيناً .
سعر الصرف : ويجب تقدير نصاب الزكاة في كل زمان بحسب القوة
الشرائية للنقد المعاصر ، وبحسب سعر الصرف لكل من الذهب والفضة في كل سنة
وفي بلد المزكي وقت إخراج الزكاة ، ، فقد أصبح متقلباً غير ثابت دائماً ، والشرع
حدد مبلغين متعادلين : إما عشرون ديناراً ( مثقالاً ) أو مائتا درهم ، وكانا شيئاً
واحداً ولهما سعر واحد .
ويجب أيضاً اعتبار النصاب الحالي كما كان هو المقرر في أصل الشرع ، دون
النظر إلى تفاوت السعر القائم الآن بين الذهب والفضة. وتقدر الأوراق النقدية
بسعر الذهب ؛ لأنه هو الأصل في التعامل ، ولأن غطاء النقود هو بالذهب ،
ولأن المثقال كان في زمن النبي عّ لّ وعند أهل مكة هو أساس العملة(١)، وهو
أساس تقدير الديات . ويسأل الصراف عن سعر الذهب بالعملة المحلية الرائجة في
كل بلد، مثلاً يعادل الجنيه المصري ذهباً في وقت من الأوقات (٢,٥٥٨٧ ) غم ،
ويساوي غرام الذهب في سوريا وقت كتابة هذا الموضوع ( ١٠ / ٢ / ١٩٨١ ) ٨٣
(١) الخراج في الدولة الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس: ص ٣٤٤ .
- ٧٦٠ -