النص المفهرس

صفحات 681-700

وشرط الظاهرية والحسن البصري التتابع ، لما روي عن عائشة أنها قالت :
(( نزلت : فعدة من أيام أخر متتابعات )) فسقط متتابعات .
صوم الولي عن الميت قضاء : من مات وعليه صيام شيء من رمضان
فله حالان (١) :
أحدهما - أن يموت قبل إمكان الصيام ، إما لضيق الوقت أو لعذر من مرض
أو سفر أو عجز عن الصوم ، فلاشيء عليه عند أكثر العلماء لعدم تقصيره ، ولا إثم
عليه ؛ لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت ، فسقط حكمه إلى غير بدل كالحج .
وبناء عليه : إن مات المريض أو المسافر ، وهما على حالهما ، لم يلزمهما القضاء .
الحال الثاني - أن يموت بعد إمكان القضاء ، فلا يصوم عنه وليه أي لم يجب
صومه عنه عند أكثر الفقهاء ، ولم يصح صومه عنه عند الشافعية في الجديد ؛ لأنه
عبادة بدنية محضة ، وجبت بأصل الشرع فلم تدخلها النيابة في الحياة أو بعد
الموت كالصلاة ، ولحديث: (( لا يصلي أحد عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد ،
ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدّ من حنطة))(٢). ويستحب عند الحنابلة للولي
أن يصوم عن الميت ؛ لأنه أحوط لبراءة الميت .
وهل يجب الإطعام عنه من التركة ؟
قال الحنفية والمالكية : إن أوصى بالإطعام ، أطعم عنه وليه لكل يوم
مسكيناً نصف صاع(٣) من تمر أو شعير؛ لأنه عجز عن الأداء في آخر عمره ، فصار
كالشيخ الفاني ، ولابد من الإيصاء .
(١) اللباب: ١ / ١٧٠، فتح القدير: ٢ / ٨٣ - ٨٥، بداية المجتهد: ١ / ٢٩٠، مغني المحتاج: ١ / ٤٣٨
وما بعدها ، المغني: ٣ / ١٤٢ وما بعدها، كشاف القناع: ٢ / ٣٦٠، القوانين الفقهية: ص ١٢١، المهذب: ١ / ١٨٧.
(٢) قال عنه الحافظ الزيلعي: غريب مرفوعاً، وروي موقوفاً على ابن عباس ، وابن عمر، فحديث الأول
رواه النسائي ، والثاني رواه عبد الرزاق في مصنفه ( نصب الراية : ٢ / ٤٦٣).
(٣) الصاع: أربعة أمداد وهو يساوي ٢٧٥١ ثم .
- ٦٨١ -
------ II IIKH -- - --

وقال الشافعية في الجديد والحنابلة على الراجح : الواجب أن يطعم عنه
لكل يوم مد طعام(١) لكل مسكين ، للحديث السابق، ولقول عائشة أيضاً :
((يطعم عنه في قضاء رمضان، ولا يصام عنه))(٢) ولحديث ابن عمر: ((من مات
وعليه صيام شهر، فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً ))(٣) .
هذا ... ويرى أصحاب الحديث وجماعة من محدثي الشافعية وأبو ثور
والأوزاعي والظاهرية وغيرهم أنه يصوم الولي عن الميت إذا مات ، وعليه صوم ،
أي صوم كان من رمضان أو نذراً ، والولي على الأرجح : هو كل قريب ، ودليلهم
أحاديث ثابتة ، منها حديث عائشة المتفق عليه أن رسول الله مؤ افترٍ قال: ((من
مات وعليه صيام ، صام عنه وليه))(٤) وقيد ابن عباس والليث وأبو عبيد
وأبو ثور ذلك بصوم النذر.
المطلب الثاني - الكفارة :
وأما الكفارة : فالكلام في موجبها وحكمها ودليلها ، وأنواعها
وتعددها(٥) :
فموجبها : إفساد صوم رمضان خاصة ، عمداً قصداً ، لانتهاك حرمة الصوم
من غير مبيح للفطر ، فلاكفارة على من أفطر في قضاء رمضان عند الجمهور ،
(١) المد : رطل وثلث بالرطل البغدادي ، وبالكيل المصري : نصف قدح من غالب قوت بلده ويساوي
٦٧٥ غم .
(٢) قال الشوكاني عنه : وهو ضعيف جداً .
(٣) رواه ابن ماجه .
(٤) نيل الأوطار: ٤ / ٢٣٥ - ٢٣٧.
(٥) الدر المختار: ٢ / ١٥٠ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ١١٢، البدائع: ٢ / ٩٨ ومابعدها ، الشرح الصغير:
١ / ٧٠٦ - ٧١٥، بداية المجتهد: ١ / ٢٨٩ - ٢٩٧، القوانين الفقهية: ص ١٢٢ - ١٢٤، مغني المحتاج: ١ / ٤٤٤ ،
المهذب: ١ / ١٨٤، المغني: ٣ / ١٢٥ - ١٣٤، كشاف القناع: ٢ / ٣٨١ - ٣٨٢.
- ٦٨٢ -

ولاكفارة على الناسي والمكره ، ولاتجب في القبلة ، ولاعلى الحائض والنفساء
والمجنون والمغمى عليه ؛ لأنه من غير فعلهم ، ولا على المريض والمسافر، والمرهق
بالجوع والعطش ، والحامل ، لعذرهم ، ولا على المرتد ؛ لأنه هتك حرمة
الإسلام ، لاحرمة الصيام خصوصاً . وقد سبق بحث الحالات الموجبة للكفارة في
المذاهب ، وأهمها الجماع بالاتفاق ، والإفطار المتعمد بالأكل ونحوه عند الحنفية
والمالكية .
وحكمها : أنها واجبة بالفطر في رمضان فقط دون غيره إن أفطر فيه - لدى
الحنفية والمالكية - منتهكاً لحرمته ، أي غير مبال بها ، بأن تعمدها اختياراً،
بلاتأويل قريب - على حد تعبير المالكية - احترازاً من الناسي والجاهل والمتأول ،
فلاكفارة عليهم ، كما بينا ، وكان الفطر بجماع ونحوه ، وبأكل ونحوه عند الحنفية
والمالكية .
ودليل إيجابها: حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي معد له ،
فقال : هلكتُ يارسول الله ، قال: وما أهلكك ؟ قال : وقعت على امرأتي في
رمضان ، قال : هل تجد ماتعتق رقبة ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تصوم
شهرين متتابعين ؟ قال : لا ، قال : فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً ؟ قال :
لا .
قال: ثم جلس، فأَتي النبي ◌ََّّ بِعَرَق(١) فيه تمر ، قال : تصدق بهذا،
قال : فهل على أفقر منا ، فما بين لابتيها (٢) أهلُ بيت أحوج إليه منا ؟ ! فضحك
النبي مَ ◌ّ حتى بدت نواجذه، وقال: اذهب فأطعمه أهلك(٣).
(١) العرق: الزنبيل، وهو المكتل ، يسع خمسة عشر صاعاً، ووقع عند الطبراني في الأوسط : أنه أتي بمكتل.
فيه عشرون صاعاً ، فقال : تصدق بهذا .
(٢) اللابتان : تثنية لابة ، وهي الحرة ، والحرة : الأرض التي فيها حجارة سود .
(٣) رواه الجماعة عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ٤ / ٢١٤).
- ٦٨٣ -
.-------

وفي لفظ ابن ماجه قال : أعتق رقبة ؟ قال : لاأجدها ، قال : صم شهرين
متتابعين ؟ قال : لاأطيق ، قال : أطعم ستين مسكيناً .
قال ابن تيمية الجد : وفيه دلالة قوية على الترتيب . وظاهر لفظ
الدارقطني : أن المرأة كانت مكرهة .
أنواع الكفارة : ثلاثة : عتق ، وصيام ، وإطعام ، مثل كفارة الظهار
والقتل الخطأ في الترتيب ، فإن عجز عن العتق بأن لم يجد رقبة فصيام شهرين
متتابعين ، فإن لم يستطع صومهما أطعم ستين مسكيناً .
هذا رأي الجمهور، وقال المالكية: الكفارة واجبة في ثلاثة أنواع على التخيير،
إما إطعام ستين مسكيناً وهو الأفضل، أو صيام شهرين متتابعين، أو عتق رقبة .
فالعتق : تحرير رقبة مؤمنة عند الجمهور غير الحنفية ، سليمة من العيوب أي
عيوب فوات منفعة البطش والمشي والكلام والنظر والعقل ، قياساً في اشتراط
الإيمان على كفارة القتل الخطأ ، وقال الحنفية : ولو كانت غير مؤمنة ، لإطلاق
نص الحديث السابق .
والصيام عند العجز عن الرقبة : صيام شهرين متتابعين ، ليس فيها يوم
عيد ، ولا أيام التشريق ، ولا يجزئه الصوم إن قدر على العتق قبل البدء بالصوم ،
فلو قدر على العتق في أثناء الصوم ولو في آخر يوم ، لزمه العتق عند الحنفية ،
ولم يلزمه عند الجمهور الانتقال عن الصوم إلى العتق ، إلا أن يشاء أن يعتق ،
فيجزئه ، ويكون قد فعل الأولى أي يندب له عتق الرقبة . فلو أفطر ولو لعذر
إلا لعذر الحيض استأنف عند الحنفية الصوم من جديد ، ويستأنف الصوم عند
المالكية إن أفطر متعمداً .
ولا يستأنف إن أفطر ناسياً أو لعذر ، أو لغلط في العدد . وقال الشافعية :
لو أفسد يوماً ولو اليوم الأخير ولو بعذر كسفر ومرض وإرضاع ونسيان نية ،
استأنف الشهرين ، لكن لا يضر الفطر بحيض ونفاس وجنون وإغماء مستغرق ؛
- ٦٨٤ -

لأن كلاً منها ينافي الصوم مع كونه اضطرارياً ، وقال الحنابلة : لا ينقطع التتابع
بالفطر لمرض أو حيض .
والإطعام عند عدم استطاعة الصوم : إطعام ستين مسكيناً ، لكل مسكين
عند الجمهور مد من القمح بمد النبي مع ال أو نصف صاع من تمر أو شعير، وعند
الحنفية : مدان ، أو يغديهم ويعشيهم غداء وعشاء مشبعين ، أو غداءين أو
عشاءين ، أو عشاء وسحوراً . والمدان أو نصف الصاع : هما من بُر أو دقيقه أو
سويقه ، أو يعطي كل فقير صاع تمر أو صاع شعير أو زبيب أو يعطي عند
الحنفية قيمة نصف الصاع من البر، أو الصاع من غيره من غير المنصوص عليه ،
ولو في أوقات متفرقة ، لحصول الواجب .
ولا يجوز للفقير صرف الكفارة إلى عياله ، كالزكاة وسائر الكفارات ، وأما
خبر (( أطعمه أهلك)) فهو خصوصية ، أو أن لغير المكفر الذي تطوع بالتكفير عن
غيره صرف الكفارة للمكفر عنه تطوعاً . والأصح عند الشافعية أن له العدول عن
الصوم إلى الإطعام لغُلْمة ( أي شدة الحاجة للنكاح ) ؛ لأن حرارة الصوم وشدة
الغلمة قد يفضيان به إلى الوقاع ، ولو في يوم واحد من الشهرين ، وذلك يقتضي
استئنافهما لبطلان التتابع ، وهو حرج شديد .
------ ------ ------.
--------
تعدد الكفارة أو تداخلها بتعدد الإفطار في أيام : إن تكرر الجماع ،
أو الإفطار بأكل ونحوه في رأي الحنفية والمالكية ، قبل التكفير عن الأول ، فإما
أن يكون في يوم واحد ، أو في يومين :
أ - فإن كان في يوم واحد، فكفارة واحدة تجزئه ، بالاتفاق .
ب - وإن كان في يومين أو أكثر من رمضان : فعليه كفارتان أو أكثر ، عند
- ٦٨٥ -
------

الجمهور ؛ لأن كل يوم عبادة منفردة ، فإذا وجبت الكفارة بإفساده ، لم تتداخل ،
كرمضانين وكالحجتين .
وتجزئ كفارة واحدة عند الحنفية عن جماع وأكل متعمد متعدد في أيام لم
يتخلله تكفير ، ولو من رمضانين على الصحيح ، فإن تخلل تكفير لاتكفي كفارة
واحدة في ظاهر الرواية ؛ لأن الكفارة جزاء عن جناية تكرر سببها قبل
استيفائها ، والمقصود بها الزجر ، فيجب أن تتداخل كالحد ، ويحصل بها
مقصودها ، وفي حال تخلل التكفير لم يحصل الزجر بعوده لانتهاك حرمة الشهر .
ومن عجز عن الكفارة ، استقرت في ذمته ، والمعتبر حاله حين التكفير ،
فإن قدر على خصلة فعلها .
طروء العذر بعد الإفطار عمداً : إن حدوث السفر أو المرض بعد
الجماع ، أو الأكل المقيس عليه عند القائلين به ، لا يسقط الكفارة عند الشافعية
والمالكية والحنابلة ؛ لأن العذر معنى طرأ بعد وجوب الكفارة ، فلم يسقطها ،
ولأن السفر المنشأ في أثناء النهار لا يبيح الفطر عند غير الحنابلة ، فلا يؤثر فيا
وجب من الكفارة ، ولأن المرض ، لا ينافي الصوم ، فيتحقق هتك حرمته .
ورأى الحنفية أن الكفارة تسقط بعد الإفطار بطروء حيض أو نفاس أو
مرض مبيح للفطر في يومه الذي أفسده ؛ لأن اليوم لا يتجزأ ثبوتاً وسقوطاً
للكفارة ، فتمكنت الشبهة في عدم استحقاقه من أوله بعروض العذر في آخره ،
ولا تسقط عمن سوفر به كرهاً أو سافر اختياراً ، بعد لزومها في ظاهر الرواية ،
والفرق بين الحالين أنه في السفر المكره عليه لم يجئ العذر من قبل صاحب الحق ،
وفي غير السفر تمكنت الشبهة في عدم استحقاق الكفارة من أول اليوم بعروض
العذر في آخره ؛ لأن الكفارة إنما تجب في صوم مستحق ، وهو لا يتجزأ ثبوتاً
وسقوطاً .
- ٦٨٦ -

المطلب الثالث - الفدية :
أما الفدية : فالكلام في حكمها ، وسببها ، وتكررها بتکرر
السنين (١):
فحكم الفدية : الوجوب ، لقوله تعالى : ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية
طعام مسكين ﴾ أي على الذين يتحملون الصوم بمشقة شديدة الفدية . والفدية
عند الحنفية : نصف صاع من برأي قيمته ، بشرط دوام عجز الفاني والفانية إلى
الموت . ومد من الطعام من غالب قوت البلد عن كل يوم عند الجمهور ، بقدر
مافاته من الأيام .
وسببها :
١ - العجز عن الصيام ، فتجب باتفاق الفقهاء على من لا يقدر على الصوم
بحال ، وهو الشيخ الكبير والعجوز ، إذا كان يجهدهما الصوم ويشق عليهما مشقة
شديدة ، فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكيناً ، الآية السابقة: ﴿ وعلى
الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ وقول ابن عباس: ((نزلت رخصة للشيخ
الكبير، ولأن الأداء صوم واجب ، فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء . والشيخ
الهمّ(٢) له ذمة صحيحة ، فإن كان عاجزاً عن الإطعام أيضاً فلاشيء عليه ،
و﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ وقال الحنفية: يستغفر الله سبحانه،
ويستقبله أي يطلب منه العفو عن تقصيره في حقه .
وأما المريض إذا مات فلا يجب الإطعام عنه ؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يجب
(١) مراقي الفلاح: ص ١١٦، الكتاب مع اللباب: ١ / ١٧٠ - ١٧١، فتح القدير: ٢ / ٨١ - ٨٢، الشرح
الصغير: ١ / ٧٢٠ - ٧٢٢، بداية المجتهد: ١ / ٢٨٩، القوانين الفقهية: ص ١٢٤، مغني المحتاج: ١ / ٤٤٠ ومابعدها ،
المهذب: ١ / ١٧٨، ١٨٧، المغني: ٣ / ١٣٩ - ١٤٣، كشاف القناع: ٢ / ٣٨٩ ومابعدها .
(٢) الهم : الشيخ الفاني ، والمرأة : هِمَّة .
- ٦٨٧ -

على الميت ابتداء ، بخلاف ما إذا أمكنه الصوم فلم يفعل ، حتى مات ؛ لأن وجوب
الإطعام يستند إلى حال الحياة .
٢ - وتجب الفدية أيضاً بالاتفاق على المريض الذي لا يرجى برؤه، لعدم وجوب
الصوم عليه، كما بينا، لقوله عز وجل: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ .
٣ - وتجب الفدية كذلك عند الجمهور (غير الحنفية ) مع القضاء على الحامل
والمرضع إذا خافتا على ولدهما ، أما إن خافتا على أنفسهما ، فلهما الفطر ، وعليهما
القضاء فقط ، بالاتفاق . ودليلهم الآية السابقة: ﴿وعلى الذين يطيقونه
فدية .. ﴾ وهما داخلتان في عموم الآية، قال ابن عباس: ((كانت رخصة للشيخ
الكبير والمرأة الكبيرة ، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ، ويطعما مكان كل يوم
مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا))(١) ، ولأنه فطر
بسبب نفس عاجزة من طريق الخلقة ، فوجبت به الكفارة كالشيخ الهرم .
ولا تجب عليهما الفدية مطلقاً عند الحنفية ، لحديث أنس بن مالك الكعبي :
((إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة ، وعن الحامل والمرضع الصوم - أو
الصيام - والله لقد قالهما رسول الله عَالتّ، أحدهما أو كليهما))(٢) فلم يأمر بكفارة ،
ولأنه فطر أبيح لعذر ، فلم يجب به كفارة كالفطر للمرضى .
ورأي الجمهور أقوى وأصح لدي ؛ لأنه نص في المطلوب ، وحديث أنس
مطلق لم يتعرض للكفارة .
٤ - وتجب الفدية أيضاً مع القضاء عند الجمهور ( غير الحنفية ) على من فرط
في قضاء رمضان ، فأخره حتى جاء رمضان آخر مثله بقدر مافاته من الأيام ،
(١) رواه أبو داود ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٣١).
(٢) رواه النسائي والترمذي ، وقال: هذا حديث حسن ، وبقية الخمسة ( أحمد وأبو داود وابن ماجه) ( نيل
الأوطار : ٤ / ٢٣٠).
- ٦٨٨ -

قياساً على من أفطر متعمداً ؛ لأن كليهما مستهين بحرمة الصوم ، ولاتجب على من
اتصل عذره من مرض أو سفر أو جنون أو حيض أو نفاس .
تكرر الفدية : ولا تتكرر الفدية عند المالكية والحنابلة بتكرر الأعوام
وإنما تتداخل كالحدود ، والأصح في رأي الشافعية : أنها تتكرر بتكرر السنين ؛
لأن الحقوق المالية لاتتداخل(١) . وقال الحنفية: لافدية بالتأخير إلى رمضان
آخر ، لإطلاق النص القرآني . ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام
أخر﴾ فكان وجوب القضاء على التراخي ، حتى كان له أن يتطوع ، فلا يلزمه
بالتأخير شيء ولأنه لا يجوز القياس في الكفارات ، غير أنه تارك للأولى من
المسارعة في القضاء .
باقي لوازم الإفطار : أما إمساك بقية اليوم وعقوبة منتهك حرمة صوم
رمضان فقد سبق الكلام عليهما .
وأما قطع التتابع : فهو عند المالكية لمن أفطر متعمداً في صيام النذر
والكفارات المتتابعات كالقتل والظهار ، فيستأنف ، بخلاف من قطع الصوم ناسياً
أو لعذر ، أو لغلط في العدة ، فإنه يبني على ما كان معه . وقد عرفنا رأي بقية
المذاهب الأخرى .
وأما قطع النية : فإنها تنقطع يافساد الصوم أو تركه مطلقاً لعذر أو لغير
عذر ، ولزوال انحتام الصوم كالسفر ، وإن صام فيه ، وإنما ينقطع استصحابها
حكماً . وهذا عند المالكية الذين يكتفون بنية واحدة أول شهر رمضان .
(١) يؤيده ما يروى بإسناد ضعيف عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ في رجل مرض في رمضان، فأفطر، ثم
صح ، ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر ، فقال : يصوم الذي أدركه ، ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ، ويطعم كل يوم
مسكيناً)) ورواه الدارقطني موقوفاً (نيل الأوطار: ٤ / ٢٣٣).
الفقه الإسلامي جـ٢ (٤٤)
- ٦٨٩ -
------ ---- --------
---------
-----
------- ----
------ ----

ملحق - مايلزم الوفاء به من منذور الصوم والصلاة وغيرهما :
قال الحنفية(١): إذا نذر الإنسان شيئاً لزمه الوفاء به بشروط أربعة :
اً - أن يكون من جنسه واجب: فلاتلزم عيادة المريض أو قراءة المولد
النبوي ، إذ ليس من جنسها واجب ، وإيجاب الإنسان شيئاً على نفسه معتبر
يإيجاب الله تعالى ، إذ له الاتباع ، لا الابتداع .
وأجاز الحنفية نذر صوم يوم العيد ، لأن صومه عندهم حرام بوصفه ،
لابأصله ، أي لما يترتب عليه من الإعراض عن ضيافة الله ، أما أصل الصوم
فمشروع .
٢ - أن يكون مقصوداً لذاته، لالغيره: فلا يلزم الوضوء بنذره، ولاقراءة
القرآن ، لكون الوضوء ليس مقصوداً لذاته ، لأنه شرع شرطاً لغيره ، كحل
الصلاة .
8
اً - ألا يكون واجباً: فلا يصح نذر الواجبات كالصلوات الخمس ؛ لأن
إيجاب الواجب محال ، ولا يصح نذر الوتر وسجدة التلاوة عند الحنفية القائلين
بوجوبها ؛ لأنها واجبة بإيجاب الشارع .
٤ - ألا يكون المنذور محالاً كقوله : لله علي صوم الأمس أو البارحة، إذ
لا يلزمه .
وبناء عليه يصح نذر الاعتكاف ، والصلاة غير المفروضة ، والصوم والتصدق
بالمال ، والذبح ، لوجود شيء من جنسها شرعاً كالأضحية . ويصح عند الحنفية
(١) مراقي الفلاح : ص ١١٧ .
- ٦٩٠ -

نذر صوم العيدين وأيام التشريق في المختار، ويجب فطرها وقضاؤها ، وإن
صامها أجزأه مع الحرمة .
وإن نذر شيئاً مطلقاً كصلاة ركعتين ، أو معلقاً بشرط مثل إن رزقني الله
غلاماً ، فعلي إطعام عشرة مساكين ، ووجد الشرط ، لزمه الوفاء به ، لقوله
تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ ولقوله ◌َ ◌ّ: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه،
ومن نذر أن يعصي الله ، فلا يعصه ))(١) .
ويلغى عند الحنفية ماعدا زفر تعيين الزمان والمكان والدرهم والفقير ،
فيجزئه صوم رجب عن نذره صوم شعبان ، ويجزئه صلاة ركعتين بأي بلد ، وقد
كان نذر أداءهما بمكة ، أو المسجد النبوي ، أو الأقصى ، لأن صحة النذر باعتبار
القربة ، لا المكان ؛ لأن الصلاة تعظيم الله تعالى بجميع البدن ، والأمكنة كلها في
هذا المعنى سواء ، وإن تفاوت الفضل . ويجزئه التصدق بدرهم عن درهم عينه
له ، والصرف لزيد الفقير بنذره لعمر ؛ لأن المقصود من الصدقة سد خلة
المحتاج ، أو ابتغاء وجه الله ، وهذا المعنى حاصل بدون مراعاة زمان ومكان
وشخص .
وإن علق النذر بشرط، مثل ((إن قدم فلان فلله علي أن أتصدق بكذا))
لا يجزئه عنه مافعله قبل وجود شرطه ؛ لأن المعلق بالشرط عدم قبل وجوده ،
وإنما يجوز الأداء بعد وجود السبب الذي علق النذر به .
وسيأتي في بحث النذر تفصيل آراء المذاهب الأخرى .
(١) رواه البخاري .
- ٦٩١ -
*** -----

الفصل الثاني
الاعتكاف
فيه مباحث ستة وهي :
المبحث الأول - تعريف الاعتكاف ومشروعيته والهدف منه ، ومكانه
وزمانه .
المبحث الثاني - حكم الاعتكاف وما يوجبه النذر على المعتكف .
المبحث الثالث - شروط الاعتكاف .لا
المبحث الرابع - ما يلزم المعتكف وما يجوز له .
المبحث الخامس - آداب المعتكف ، ومكروهات الاعتكاف ومبطلاته .
المبحث السادس - حكم الاعتكاف إذا فسد .6
ونبدأ ببحثها على الترتيب المذكور .
المبحث الأول - تعريف الاعتكاف ومشروعيته والهدف منه ،
ومكانه وزمانه :
تعريفه : الاعتكاف لغة : اللبث وملازمة الشيء أو الدوام عليه خيراً كان
أو شراً . ومنه قوله تعالى: ﴿ يعكفون على أصنام لهم) وقوله: ﴿ماهذه
التماثيل التي أنتم لها عاكفون) وقوله سبحانه : ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في
المساجد
- ٦٩٢ -

وشرعاً له تعاريف متقاربة في المذاهب ، قال الحنفية(١): هو اللبث في
المسجد الذي تقام فيه الجماعة ، مع الصوم ، ونية الاعتكاف . فاللبث ركنه ؛ لأنه
ينبئ عنه ، فكان وجوده به ، والصوم في الاعتكاف المنذور والنية من شروطه .
ويكون من الرجل في مسجد جماعة : وهو ماله إمام ومؤذن ، أديت فيه الصلوات
الخمس أولا ، ، ومن المرأة : في مسجد بيتها : وهو محل عينته للصلاة ، ويكره في
المسجد ، ولا يصح في غير موضع صلاتها من بيتها .
وقال المالكية (٢): هو لزوم مسلم مميز مسجداً مباحاً لكل الناس ، بصوم ،
كافّاً عن الجماع ومقدماته ، يوماً وليلة فأكثر، للعبادة ، بنية. فلا يصح من
كافر ، ولا من غير مميز ، ولا في مسجد البيت المحجور عن الناس ، ولا بغير صوم ،
أي صوم كان : فرض أو نفل، من رمضان أو غيره ، ويبطل بالجماع ومقدماته
ليلاً أو نهاراً، وأقله يوم وليلة ولاحد لأكثره ، بقصد العبادة بنية ، إذ هو
عبادة ، وكل عبادة تفتقر للنية .
وعبارة الشافعية(٢): هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية.
وعبارة الحنابلة(٤): هو لزوم المسجد لطاعة الله، على صفة مخصوصة ، من
مسلم عاقل ولو مميزاً طاهر مما يوجب غسلاً ، وأقله ساعة ، فلا يصح من كافر ولو
مرتداً ، ولا من مجنون ولاطفل ، لعدم النية ، ولا من جنب ونحوه ولو
متوضئاً ، ولا يكفي العبور، وإنما أقله لحظة .
وأدلة مشروعيته(٥) : الكتاب والسنة والإجماع ، فالكتاب : لقوله
(١) فتح القدير: ٢ / ١٠٦، الدر المختار: ٢ / ١٧٦، مراقي الفلاح: ص ١١٨، اللباب: ١ / ١٧٤.
(٢) الشرح الكبير: ١ / ٥٤١ وما بعدها ، الشرح الصغير: ١ / ٧٢٥ ومابعدها .
(٣) مغني المحتاج : ١ / ٤٤٩ .
(٤) كشاف القناع: ٢ / ٤٠٤، المغني: ٣ / ١٨٣ .
(٥) مراقي الفلاح: ص ١٢٠، مغني المحتاج: ١ / ٤٤٩، المغني: ٣ / ١٨٣.
- ٦٩٣ -
-------
-----

تعالى: ﴿ ولاتباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ ومثله ﴿ ان طهرا بيتي
للطائفين والعاكفين ﴾ فالإضافة في الآية الأولى إلى المساجد المختصة بالقربات ،
وترك الوطء المباح لأجله ، دليل على أنه قربة .
والسنة: لما روى ابن عمر وأنس وعائشة أن ((النبي ◌ُ ◌ّ كان يعتكف في
العشر الأواخر من رمضان ، منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله تعالى))(١) وقال
الزهري: ((عجباً من الناس، كيف تركوا الاعتكاف ، ورسول الله مافي كان
يفعل الشيء ويتركه ، وماترك الاعتكاف حتى قبض )).
وهو من الشرائع القديمة ، قال الله تعالى: ﴿وعهدنا إلى ابراهيم واسمعيل أن
طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ﴾ .
وأجمع العلماء على مشروعيته .
والهدف منه : صفاء القلب بمراقبة الرب والإقبال والانقطاع إلى العبادة في
أوقات الفراغ ، متجرداً لها ، ولله تعالى ، من شواغل الدنيا وأعمالها ، ومسلماً
النفس إلى المولى بتفويض أمرها إلى عزيز جنابه والاعتماد على كرمه والوقوف
بيابه ، وملازمة عبادته في بيته سبحانه وتعالى والتقرب إليه ليقرب من رحمته ،
والتحصن بحصنه عز وجل ، فلا يصل إليه عدوه بكيده وقهره ، لقوة سلطان الله
وقهره وعزيز تأييده ونصره . فهو من أشرف الأعمال وأحبها إلى الله تعالى إذا
كان عن إخلاص لله سبحانه ؛ لأنه منتظر للصلاة ، وهو كالمصلي ، وهي حالة
قرب .
فإذا انضم إليه الصوم عند مشترطيه ازداد المؤمن قرباً من الله بما يفيض على
الصائمين من طهارة القلوب ، وصفاء النفوس .
(١) متفق عليه، عبارة الصحيحين: ((أنه مَطِّ اعتكف العشر الأوسط من رمضان ثم اعتكف العشر الأواخر،
ولازمه حتى توفاه الله تعالى)) ثم اعتكف أزواجه من بعده . ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٦٤) .
- ٦٩٤ -

وأفضله في العشر الأواخر من رمضان ليتعرض لليلة القدر التي هي خير من
ألف شهر .
وزمانه : أنه مستحب كل وقت في رمضان وغيره ، وأقله عند الحنفية(١)
نفلاً : مدة يسيرة غير محدودة ، وإنما بمجرد المكث مع النية ، ولو نواه ماشياً على
المفتى به ؛ لأنه متبرع ، وليس الصوم في النفل من شرطه ، ويعد كل جزء من
اللبث عبادة مع النية بلا انضمام إلى آخر . ولا يلزم قضاء نفل شرع فيه على
الظاهر من المذهب ؛ لأنه لا يشترط له الصوم .
وأقله عند المالكية(٣) : يوم وليلة ، والاختيار: ألا ينقص من عشرة أيام ،
بمطلق صوم من رمضان أو غيره ، فلا يصح من مفطر ، ولو لعذر ، فمن
لا يستطيع الصوم لا يصح اعتكافه؟
والأصح عند الشافعية (٣): أنه يشترط في الاعتكاف لبث قدر يسمى عكوفاً
أي إقامة ، بحيث يكون زمنها فوق زمن الطمأنينة في الركوع ونحوه ، فلا يكفي
قدرها ، ولا يجب السكون ، بل يكفي التردد فيه .
وأقله عند الحنابلة(٤): ساعة أي ما يسمى به معتكفاً لابثاً، ولو لحظة .
فالجمهور على الاكتفاء بمدة يسيرة ، والمالكية يشترطون لأقله يوماً وليلة .
ومكانه : عند الحنفية(٥) للرجل أو المميز في مسجد الجماعة : وهو ماله إمام
ومؤذن ، سواء أديت فيه الصلوات الخمس أو لا ، وأما الجامع فيصح فيه مطلقاً
۔
(١) مراقي الفلاح ونور الإيضاح: ص ١١٩.
(٢) الشرح الكبير والصغير، المكان السابق ، القوانين الفقهية: ص ١٢٥ .
(٣) مغني المحتاج : ١ / ٤٥١، المهذب: ١ / ١٩٠ وما بعدها .
(٤) كشاف القناع: ٢ / ٤٠٤ .
(٥) الدر المختار ورد المختار: ٢ / ١٧٦.
- ٦٩٥ -

اتفاقاً . بدليل قول ابن مسعود: ((لااعتكاف إلا في مسجد جماعة))(١)، وللمرأة في
مسجد بيتها : وهو المعد لصلاتها ، الذي يندب لها ولكل أحد اتخاذه .
وعند الحنابلة(٢): لا يجوز الاعتكاف من رجل تلزمه الصلاة جماعة إلا في
مسجد تقام فيه الجماعة ، فلا يصح بغير مسجد بلاخلاف ، لقوله تعالى :
﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ فلو صح في غيرها لم تختص بتحريم
المباشرة ؛ إذ هي محرمة في الاعتكاف مطلقاً . وإنما اشترط كون المسجد مما يجمع
فيه ؛ لأن الجماعة واجبة ، واعتكاف الرجل في مسجد لاتقام فيه الجماعة يفضي إلى
أحد أمرين : إما ترك الجماعة الواجبة ، وإما خروجه إليها ، فيتكرر ذلك منه
كثيراً مع إمكان التحرز منه ، وذلك مناف للاعتكاف : وهو لزوم المعتكف
والإقامة على طاعة الله فيه.
ويصح الاعتكاف في كل مسجد في الحالات التالية :
اً - إن كان الاعتكاف مدة غير وقت الصلاة كليلة، أو بعض يوم ، لعدم
المانع ، وإن كانت الجماعة تقام في مسجد في بعض الزمان ، جاز الاعتكاف فيه في
ذلك الزمان دون غيره .
اً - إن كان المعتكف ممن لا تلزمه الجماعة كالمريض والمعذور والمرأة والصبي
ومن هو في قرية لا يصلي فيها سواه ، فله أن يعتكف في كل مسجد ؛ لأن الجماعة
غير واجبة عليه . ولا يصح للمرأة الاعتكاف في مسجد بيتها ؛ لأنه ليس بمسجد
حقيقة ولاحكماً ، ولو جاز لفعلته أمهات المؤمنين ، ولو مرة ، تبييناً للجواز .
وإذا اعتكفت المرأة في المسجد ، استحب لها أن تستقر بشيء ؛ لأن أزواج
(١) رواه الطبراني ( نصب الراية: ٢ / ٤٩٠).
(٢) المغني: ٣ / ١٨٧ - ١٩١، كشاف القناع: ٢ / ٤٠٩ - ٤١٢.
- ٦٩٦ -

النبي ◌ُ ◌ّ لما أردن الاعتكاف أمرن بأبنيتهن، فضربن في المسجد، ولأن المسجد
يحضره الرجال ، وخير لهم وللنساء ألا يرونهن ولا يرينهم .
ولا يصح الاعتكاف ممن تلزمه الجماعة في مسجد تقام فيه الجمعة دون الجماعة إذا
كان يأتي عليه وقت صلاة ، حتى لا يترك الجماعة .
ويلاحظ أن سطح المسجد ورحبته المحوطة به وعليها باب ، ومنارته التي
تكون فيه أو التي بابها فيه من المسجد ، بدليل منع الجنب من الدخول فيما ذكر .
وكذا كل مازيد في المسجد حتى في الثواب يعد من المسجد ، ولو المسجد
الحرام ومسجد المدينة، لما روي عن أبي هريرة أن النبي عَ ل قال: ((لو بني هذا
المسجد إلى صنعاء، كان مسجدي))(١) وقال عمر لما زاد المسجد: ((لو زدنا فيه
حتى يبلغ الجبانة، كان مسجد النبي عَ اقٍ)).
ولو اعتكف من لاتلزمه الجمعة كالمسافر والمرأة في مسجد لا تصلى فيه الجمعة ،
بطل اعتكافه بخروجه إليها إن لم يشترط الخروج إليها ؛ لأنه خروج لازم لابد له
منه .
والأفضل الاعتكاف في المسجد الجامع إذا كانت الجمعة تتخلله ، لئلا يحتاج إلى
الخروج إليها ، فيترك الاعتكاف ، مع إمكان التحرز منه .
ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة ، فله فعل
المنذور من اعتكاف أو صلاة في غيره ؛ لأن الله تعالى لم يعين لعبادته موضعاً ، فلم
یتعین بالنذر ، ولو تعين لاحتاج إلى شد رحل .
وإن نذر الاعتكاف أو الصلاة في أحد المساجد الثلاثة : المسجد الحرام ،
(١) حديث ضعيف ، رواه الزبير بن بكار في أخبار المدينة .
- ٦٩٧ -

ومسجد النبي ◌َ ◌ّ ، والمسجد الأقصى ، لم يجزئه في غيرها ، لفضل العبادة فيها
على غيرها ، فتتعين بالتعيين . وله شد الرحال إلى المسجد الذي عينه من
الثلاثة، لحديث أبي هريرة: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد
الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا))(١) .
وأفضلها المسجد الحرام ، ثم مسجد النبي ◌َ ◌ّ ، ثم المسجد الأقصى(٢) ، فإن
عين الأفضل منها وهو المسجد الحرام في نذره ، لم يجزئه الاعتكاف ولا الصلاة فيما
دونه ، لعدم مساواته له .
وقال المالكية (٢): مكان الاعتكاف هو المساجد كلها ، ولا يصح في مسجد
البيوت المحجورة ، ومن نوى الاعتكاف مدة يتعين عليه إتيان الجمعة في أثنائها ،
تعين الجامع ، لأنه إن خرج إلى الجمعة ، بطل اعتكافه . ويلزم الوفاء بالنذر في
المكان الذي عينه الناذر ، فإذا عين مسجد مكة أو المدينة في نذر الصلاة أو
الاعتكاف ، وجب عليه الوفاء فيها . والمدينة عند المالكية أفضل من مكة ،
ومسجدها أفضل من المسجد الحرام ، ويليهما المسجد الأقصى ، لما رواه الدارقطني
والطبراني من حديث رافع بن خديج: (( المدينة خير من مكة )) ولما ورد في
دعائه التّ: (( اللهم كما أخرجتني من أحب البلاد إلي ، فأسكني في أحب البلاد
إليك)) وروى الطبراني عن بلال بن الحارث المزني: ((رمضان بالمدينة خير من
ألف رمضان فيما سواها من البلدان ، وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها
من البلدان )) .
(١) متفق عليه. وقال بعضهم: إلا مسجد قباء؛ لأنه مَّزه ((كان يأتيه كل سبت راكباً وماشياً، ويصلي فيه
ركعتين )) متفق عليه ، وكان ابن عمر يفعله .
(٢) روى الجماعة إلا أبا داود عن أبي هريرة: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيا سواه إلا المسجد
الحرام)) ولأحمد وأبي داود من حديث جابر بن عبد الله مثله، وزاد: (( وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف
صلاة فيما سواه )» .
(٣) القوانين الفقهية: ص ١٢٥، الشرح الصغير: ١ / ٧٢٥، ٢ / ٢٥٣ - ٢٥٥، ٢٦٥.
ے«
- ٦٩٨ -

وكذلك قال الشافعية(١): إنما يصح الاعتكاف في المسجد ، سواء في سطحه
أو غيره التابع له ، والجامع(٣) أولى بالاعتكاف فيه من غيره ، للخروج من خلاف
من أوجبه ، ولكثرة الجماعة فيه ، وللاستغناء عن الخروج للجمعة . ويجب الجامع
للاعتكاف فيه إن نذر مدة متتابعة فيها يوم الجمعة ، وكان ممن تلزمه الجمعة ، ولم
يشترط الخروج لها .
والجديد أنه لا يصح اعتكاف امرأة في مسجد بيتها : وهو المعتزل المهيأ
للصلاة ؛ لأنه ليس بمسجد بدليل جواز تغييره ومكث الجنب فيه ، ولأن نساء النبي
معرّ ورضي عنهن كن يعتكفن في المسجد ، ولو كفى بيوتهن لكان لهن أولى.
وإن نذر أن يعتكف في مسجد غير المساجد الثلاثة بعينه ، جاز- كما قال
الحنابلة - أن يعتكف في غيره ؛ لأنه لامزية لبعضها على بعض ، فلم يتعين .
وإن نذر أن يعتكف في أحد المساجد الثلاثة ( المسجد الحرام ومسجد المدينة
والأقصى ) تعين ، ولزمه أن يعتكف فيه ، لما روى عمر رضي الله عنه ، قال :
((قلت لرسول الله مؤ الله: إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فقال له
النبي ◌ُ ◌ّ: أوف بنذرك))(٣) ويقوم المسجد الحرام مقامهما لمزيد فضله عليهما
وتعلق النسك به ، ولاعكس ، فلا يقومان مقام المسجد الحرام ؛ لأنها دونه في
الفضل ، ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى ؛ لأنه أفضل منه ، ولاعكس ، لأنه
دونه في الفضل .
والخلاصة : أن المالكية والشافعية يجيزون الاعتكاف في أي مسجد ، والحنفية
(١) مغني المحتاج: ١ / ٤٥٠ وما بعدها، المجموع: ٦ / ٥٠٨ ومابعدها، المهذب: ١ / ١٩٠ وما بعدها.
(٢) سمي الجامع لجمعه الناس واجتماعهم فيه .
(٣) رواه البخاري ومسلم .
- ٦٩٩ -

والحنابلة يشترطون كونه في المسجد الجامع ، ولا يجوز عند الجمهور الاعتكاف في
مسجد البيوت ، ويجوز ذلك للمرأة عند الحنفية .
المبحث الثاني - حكم الاعتكاف وما يوجبه النذر على المعتكف :
وفيه مطلبان :
المطلب الأول - حكم الاعتكاف :
الاعتكاف غير المنذور مستحب باتفاق العلماء ، ولكن يحسن بيان الآراء
المذهبية لتحديد رتبة السنة على وجه الدقة .
فقال الحنفية(١) : الاعتكاف ثلاثة أنواع: واجب ، وسنة مؤكدة ،
ومستحب .
أما الواجب: فهو المنذور، كقوله: ((لله علي أن أعتكف يوماً)) أو أكثر
5 ملـ
مثلاً .
وأما السنة المؤكدة على سبيل الكفاية : فهي اعتكاف العشر الأخير من
رمضان، لاعتكافه ◌َ لّ العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف
أزواجه بعده .
وأما المستحب : فهو في أي وقت سوى العشر الأخير ، ولم يكن منذوراً ،
كأن ينوي الاعتكاف عند دخول المسجد ، وأقله : مدة يسيرة ، ولو كانت ماشياً
على المفتى به .
والصوم شرط لصحة الاعتكاف المنذور فقط وغير شرط في التطوع ، وأقله
(١) الدر المختار: ٢ / ١٧٧ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ١١٨ ومابعدها، فتح القدير: ٢ / ١٠٥ وما بعدها .
- ٧٠٠ -