النص المفهرس
صفحات 641-660
... ...... المبحث السادس - الأعذار المبيحة للفطر : يباح الفطر الأعذار أهمها سبع أو تسع هي ما يأتي(١) ، وقد نظمها بعضهم بقوله : وعوارض الصوم التي قد يغتفر للمرء فيها الفطر تسع تستطر مرض جهاد جَوْعة عطش كبر حبل وإرضاع وإكراه سفر ١ - السفر: لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴾ والسفر في عرف اللغة: عبارة عن خروج يُتكلف فيه مؤنة ، ويفصل فيه بُعْد في المسافة . ولم يرد فيه من الشارع نص ، لكن ورد فيه تنبيه ، وهو قوله عليه السلام في الصحيح: (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر مسيرة يوم وليلة إلا معها ذو مَحْرم منها)) . أ - والسفر المبيح للفطر: هو السفر الطويل الذي يبيح قصر الصلاة الرباعية وذلك لمسافة تقدر بحوالي ٨٩ كم ، وبشرط عند الجمهور : أن ينشئ السفر قبل طلوع الفجر ويصل إلى مكان يبدأ فيه جواز القصر وهو بحيث يترك البيوت وراء ظهره ، إذ لا يباح له الفطر بالشروع في السفر بعد ما أصبح صائماً ، تغليباً لحكم الحضر على السفر إذا اجتمعا . فإذا شرع بالسفر بأن جاوز عمران بلده قبل طلوع الفجر ، جاز له الإفطار، وعليه القضاء . وإن شرع في الصوم ، ثم تعرض لمشقة شديدة لاتحتمل عادة، أفطر وقضى، لحديث جابر: ((أن رسول الله مع الخ خرج إلى مكة عام الفتح ، فصام حتى بلغ كُرَاع الغميم(٢) ، وصام الناس معه ، (١) الدر المختار: ٢ / ١٥٨ - ١٦٨، مراقي الفلاح: ص ١١٥ - ١١٧، البدائع: ٢ / ٩٤ - ٩٧ ، الشرح الكبير: ١ / ٥٣٤، القوانين الفقهية: ص ١٢٠ - ١٢٢، الشرح الصغير: ١ / ٦٨٩ - ٦٩١، بداية المجتهد: ١ / ٢٨٥ - ٢٨٨، مغني المحتاج: ١ / ٤٣٧ - ٤٤٠، المهذب: ١ / ١٧٨ وما بعدها، غاية المنتهى: ١ / ٣٢٣، المغني: ٣ / ٩٩ ومابعدها ، كشاف القناع: ٢ / ٣٦١ _ ٣٦٥ . (٢) كراع الغميم : اسم واد أمام عسفان ، وهو من أموال أعالي المدينة . الفقه الإسلامي جـ٢ (٤١) - ٦٤١ - فقيل له : إن الناس قد شق عليهم الصيام ، وإن الناس ينظرون فيا فعلت ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر ، فشرب والناس ينظرون إليه ، فأفطر بعضهم ، وصام بعضهم ، فبلغه أن ناساً صاموا ، فقال : أولئك العصاة))(١) قال الشوكاني: فيه دليل على أنه يجوز للمسافر أن يفطر بعد أن نوى الصيام من الليل ، وهو قول الجمهور . وأجاز الحنابلة للمسافر الإفطار ولو سافر من بلده في أثناء النهار ولو بعد الزوال ، لأن السفر معنى لو وجد ليلاً واستمر في النهار، لأباح الفطر ، فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمرض ، وعملاً بما رواه أبو داود عن أبي بصرة الغفاري الذي أفطر بعد شروعه في السفر ، وقال: إنها سنة رسول الله مز جلال . واشترط الشافعية شرطاً ثالثاً : وهو ألا يكون الشخص مديماً للسفر ، فإن كان مديماً له كسائقي السيارات ، حرم عليه الفطر ، إلا إذا لحقه بالصوم مشقة ، كالمشقة التي تبيح التيم : وهي الخوف على نفس أو منفعة عضو من التلف ، أو الخوف من طول مدة المرض ، أو حدوث شين قبيح في عضو ظاهر : وهو ما لا يعد كشفه هتكاً للمروءة ، بأن يبدو في المهنة غالباً . وهناك شرطان آخران عند الجمهور غير الحنفية : أن يكون السفر مباحاً ، وألا ينوي إقامة أربعة أيام في خلال سفره ، وأضاف المالكية شرطاً آخر : هو أن يبيت الفطر قبل الفجر في السفر ، فإن السفر لا يبيح قصراً ولافطراً إلا بالنية والفعل ، كما سنبين في الفقرة التالية وأجاز الحنفية الفطر في السفر ولو بمعصية . والخلاصة أن المالكية يبيحون الفطر بسبب السفر بأربعة شروط : أن ٠. (١) رواه مسلم والنسائي والترمذي وصححه (نيل الأوطار: ٤ / ٢٦٦). - ٦٤٢ - يكون السفر سفر قصر ، وأن يكون مباحاً ، وأن يشرع قبل الفجر إذا كان أول يوم ، وأن يبيت الفطر . : ب - ولو أصبح المسافر صائماً ، ثم بدا له أن يفطر ، جاز له ذلك ولا إثم عليه عند الشافعية والحنابلة ، عملاً بحديث صحيح متفق عليه عن ابن عباس ، ولأن النبي ◌ُّ أفطر في أثناء فتح مكة(١) . ويحرم الفطر ويأثم عند الحنفية والمالكية، وعليه القضاء فقط عند الجمهور ، والقضاء والكفارة عند المالكية ، لأنه أفطر في صوم رمضان ، فلزمه ذلك ، كما لو كان مقيماً أو حاضراً . والصوم عند الحنفية والشافعية أفضل للمسافر إن لم يتضرر ، أو لم تكن عند الحنفية عامة رفقته مفطرين ، ولا مشتركين في النفقة ، فإن كانوا مشتركين في النفقة أو مفطرين ، فالأفضل فطره موافقة للجماعة ، ويجب الفطر ويحرم الصوم في حال الضرر. ودليلهم قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ والتضرر: هو الخوف من التلف أو تلف عضو منه أو تعطيل منفعة . وقال المالكية والحنابلة : يسن الفطر ويكره الصوم في حالة سفر القصر ، ولو بلامشقة؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ قال عن الصائمين عام الفتح: (( أولئك العصاة)) ولقوله ◌َ ◌ّ في الصحيحين: ((ليس من البر الصوم في السفر)). والرأي الأول هو المعقول عملاً بظاهر الآية: ﴿وأن تصوموا خير لكم ) ولأن الفطر عام الفتح من أجل القتال . حـ ـ وليس للمسافر أن يصوم في رمضان عن غيره كالنذر والقضاء؛ لأن الفطر أبيح رخضة عنه ، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه ، لزمه أن يأتي بالأصل . فإن نوى المسافر أو المريض صوماً غير رمضان ، لم يصح صومه عند الجمهور (١) وأفطر تبعاً له بعض الناس، وصام بعضهم، فقال عنهم النبي: ((أولئك العصاة)) رواه مسلم. - ٦٤٣ _ لاعن رمضان ولاعما نواه ؛ لأنه أبيح له الفطر للعذر ، فلم يجز له أن يصومه عن غير رمضان كالمريض . وقال الحنفية : يقع عما نواه إذا كان واجباً ، لاتطوعاً؛ لأنه زمن أبيح له فطره ، فكان له صومه عن واجب عليه كغير شهر رمضان . د - وإن صام المسافر ومثله المريض أجزأه باتفاق المذاهب الأربعة عن فرضه ، وقال الظاهرية : لايجزيه . ومنشأ الاختلاف هو المفهوم من قوله · تعالى: ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو على سفر، فعدة من أيام أخر ﴾ فقال الجمهور: الكلام محمول على المجاز، وتقديره: (( فأفطر فعدة من أيام أخر)) وهذا الحذف هو المعروف بلحن الخطاب . وقال الظاهرية : الكلام محمول على الحقيقة ، لاالمجاز ، وفرض المسافر هو عدة من أيام أخر ، فمن قدر وأفطر ، ففرضه عدة من أيام أخر إذا أفطر . وتأيد مذهب الجمهور بحديث أنس: (( كنا نسافر مع رسول الله مَّ ◌ُّه ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم)) (١). وتأيد مذهب أهل الظاهر بما ثبت عن ابن عباس: أن رسول الله متع خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان ، فصام حتى بلغ الكَديد ( وهو ماء بين عُسْفان وقُديد ) فأفطر ، وأفطروا))(٢) وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث أو بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ماتم . ٢ - المرض : معنى يوجب تغير الطبيعة إلى الفساد، وهو يجيز الفطر كالسفر، الآية السابقة: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر، فعدة من أيام أخر ﴾ . (١) متفق عليه ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٢٢) وروى مسلم عن أبي سعيد مثله . (٢) متفق عليه ( المصدر السابق ) . - ٦٤٤ _ أ - وضابط المرض المبيح الفطر: هو الذي يشق معه الصوم مشقة شديدة أو يخاف الهلاك منه إن صام ، أو يخاف بالصوم زيادة المرض أو بطء البرء أي تأخره (١). فإن لم يتضرر الصائم بالصوم كمن به جرب أو وجع ضرس أو إصبع أو دمل ونحوه ، لم يبح له الفطر . والصحيح الذي يخاف المرض أو الضعف بغلبة الظن بأمارة أو تجربة أو بإخبار طبيب حاذق مسلم مستور العدالة ، كالمريض عند الحنفية . والصحيح الذي يظن الهلاك أو الأذى الشديد كالمريض عند المالكية . وليس الصحيح كالمريض عند الشافعية والحنابلة . وإن غلب على الظن الهلاك بسبب الصوم ، أو الضرر الشديد كتعطيل حاسة من الحواس ، وجب الفطر وأضاف الحنفية أن المحارب الذي يخاف الضعف عن القتال ، وليس مسافراً ، له الفطر قبل الحرب ، ومن له نوبة حمى أو عادة حيض ، لا بأس بفطره على ظن وجوده . فالجهاد ولو بدون سفر سبب من أسباب إباحة الفطر ، للتقوي على لقاء العدو ، وعملاً بالثابت في السنة عام فتح مكة . ب - ولا يجب عند الجمهور على المريض أن ينوي الترخص بالفطر ، ويجب ذلك عند الشافعية وإلا كان آثماً . وإن صام المريض في مرضه ، أجزأه صومه ؛ لصدوره من أهله في محله ، كما لو أتم المسافر . (١) يرى الأطباء أن الأمراض المبيحة للفطر هي مثل: مرض القلب الشديد، والسل ( التدرن ) والتهابات الرئة ، والورم الرئوي ، والسرطانات ، والتهاب الكلية الحاد ، والمصاب بحصاة في المجاري البولية مع اختلاطات والتهابات ، وتصلب الشرايين ، والقرحة ، والسُّكري الشديد . - ٦٤٥ - جـ - وللفقهاء آراء في فطر المريض : فقال الحنفية والشافعية : المرض يبيح الفطر . وقال الحنابلة : يسن الفطر حالة المرض ويكره الصوم ، لآية ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو على سفر ، فعدة من أيام أخر ﴾ أي فليفطر عدد ما أفطره . وقال المالكية : للمريض أحوال أربعة : الأولى : ألا يقدر على الصوم بحال ، أو يخاف الهلاك من المرض أو الضعف إن صام ، فالفطر عليه واجب . الثانية : أن يقدر على الصوم بمشقة فالفطر له جائز، فهم كالحنفية والشافعية ، وقال ابن العربي : يستحب(١). الثالثة : أن يقدر بمشقة ويخاف زيادة المرض ، ففي وجوب فطره قولان . الرابعة : ألا يشق عليه ولا يخاف زيادة المرض ، فلا يفطر عند الجمهور ، خلافاً لابن سيرين . د - إذا أصبح المريض أو المسافر على نية الصيام ، ثم زال عذره ، لم يجزله الفطر. وإن أصبح على نية الفطر ثم زال عذره ، جاز له الأكل بقية يومه ، . وكذلك من أصبح مفطراً لعذر مبيح ، ثم زال عذره في بقية يومه ، عند الجمهور خلافاً لأبي حنيفة . هـ - لا يصح بالاتفاق لمريض ولالمسافر أن يصوم تطوعاً في رمضان . وكذا لا يصح عند الجمهور أن يصوم واجباً آخر، ويصح ذلك عند الحنفية على الراجح ، كما بينا في عذر السفر . ٣، ٤ - الحمل والرضاع: يباح للحامل والمرضع الإفطار إذا خافتا على (١) أحكام القرآن: ١ / ٧٧ . - ٦٤٦ - ٠ أنفسهما أو على الولد ، سواء أكان الولد ولد المرضعة أم لا ، أي نسباً أو رضاعاً ، وسواء أكانت أماً أم مستأجرة ، وكان الخوف نقصان العقل أو الهلاك أو المرض ، والخوف المعتبر : ما كان مستنداً لغلبة الظن بتجربة سابقة ، أو إخبار طبيب مسلم حاذق عدل . ودليل الجواز لهما: القياس على المريض والمسافر، وقوله عز لة: ((إن الله عز وجل وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم))(١) ويحرم الصوم إن خافت الحامل أو المرضع على نفسها أو ولدها الهلاك . وإذا أفطرتا وجب القضاء دون الفدية عند الحنفية ، ومع الفدية إن خافتا على ولدهما فقط عند الشافعية والحنابلة ، ومع الفدية على المرضع فقط لاالحامل عند المالكية ، كما سنبين . ٥ - الهرم : يجوز إجماعاً الفطر للشيخ الفاني والعجوز الفانية العاجزين عن الصوم في جميع فصول السنة ، ولاقضاء عليهما ، لعدم القدرة ، وعليهما عن كل يوم فدية طعام مسكين ، وتستحب الفدية فقط عند المالكية ، لقوله تعالى : ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ قال ابن عباس: ليست بمنسوخة ، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما ، فيطعمان مکان كل يوم مسكيناً ))(٢). ومثلهما : المريض الذي لا يرجى برؤه ، لقوله تعالى: ﴿ وماجعل عليكم في الدين من حرج﴾ . أما من عجز عن الصوم في رمضان ولكن يقدر على قضائه في وقت آخر ، فيجب عليه القضاء ولافدية عليه . (١) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن) عن أنس بن مالك الكعبي (نيل الأوطار: ٤ / ٢٣٠). (٢) رواه البخاري ( المصدر السابق: ص ٢٣١ ). - ٦٤٧ - ٦ - إرهاق الجوع والعطش : يجوز الفطر لمن حصل له أو أرهقه جوع أو عطش شديد يخاف منه الهلاك أو نقصان العقل أو ذهاب بعض الحواس ، بحيث لم يقدر معه على الصوم ، وعليه القضاء . فإن خاف على نفسه الهلاك ، حرم عليه الصيام ، لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) . وإذا أفطر المرهق بالجوع أو العطش ، فاختلف : هل يمسك بقية يومه ، أو يجوز له الأكل . ٧ - الإكراه : يباح الفطر للمستكره ، وعليه عند الجمهور القضاء ، وعند الشافعية لا يفطر المستكره . وإذا وطئت المرأة مكرهة أو نائمة ، فعليها القضاء . هذه أهم الأعذار المبيحة للفطر ، أما الحيض والنفاس والجنون الطارئ على الصائم فيبيح الفطر ، بل ولا يوجب الصوم ولا يصح معه ، كما بينا في الشروط . صاحب العمل الشاق : قال أبو بكر الآجري(١): من صنعته شاقة : فإن خاف بالصوم تلفاً ، أفطر وقضى إن ضره ترك الصنعة ، فإن لم يضره تركها ، أثم بالفطر، وإن لم ينتف التضرر بتركها ، فلاإثم عليه بالفطر للعذر . وقرر جمهور الفقهاء أنه يجب على صاحب العمل الشاق كالحصاد والخباز والحداد وعمال المناجم أن يتسحر وينوي الصوم ، فإن حصل له عطش شديد أو جوع شديد يخاف منه الضرر، جاز له الفطر ، وعليه القضاء ، فإن تحقق الضرر وجب الفطر ، لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ﴾ . إنقاذ الغريق ونحوه : قال الحنابلة(٢): يجب الفطر على من احتاجه غيره لإنقاذ آدمي معصوم من مهلكة كغرق ونحوه ، ولا يفدي ، فإن قدر بدون فطر حرم ، فإن دخل الماء حلقه ، لم يفطر . (١) كشاف القناع: ٢ / ٣٦١، غاية المنتهى: ١ / ٣٢٣. (٢) غاية المنتهى : ١ / ٣٢٤ . - ٦٤٨ - ٠ صوم التطوع : ولا يجوز الفطر بلاعذر للمتطوع بالصوم عند الحنفية القائلين بلزوم النفل في الشروع بالعبادة في الرواية الصحيحة ، والضيافة عذر في الأظهر للضيف والمضيف قبل الزوال لابعده ، إلا أن يكون في عدم الفطر بعد الزوال عقوق لأحد الأبوين ، لاغيرهما ، لتأكد الصوم . وإذا أفطر المتطوع على أي حال ، وجب عليه عند الحنفية القضاء ، إلا إذا شرع متطوعاً في خمسة أيام : يومي العيدين ، وأيام التشريق ، فلا يلزمه قضاؤها يإفسادها في ظاهر الرواية ، كما بينا سابقاً . الإمساك بعد الفطر بعذر : اختلف الفقهاء على رأيين بوجوب الإمساك بقية النهار أو استحبابه على من أفطر في رمضان بعذر من الأعذار ، فقال الحنفية والحنابلة بالوجوب ، وقال الشافعية بالاستحباب ، وقال المالكية بعدم الوجوب وعدم الاستحباب إلا في حالتين ، وتفصيل الحالات والآراء يظهر فيما يأتي . قال الحنفية(١): يجب الإمساك بقية اليوم على من فسد صومه ولو بعذر ثم زال ، وعلى حائض ونفساء طهرتا بعد طلوع الفجر، وعلى مسافر أقام ، ومريض برئ ، ومجنون أفاق ، وعلى صبي بلغ وكافر أسلم ، لحرمة الوقت بالقدر الممكن ، وعليهم القضاء إلا الأخيرين ( الصبي والكافر ) لعدم توافر الخطاب التكليفي لهما عند طلوع الفجر عليهما . وقد عرفنا أن الجنون المتقطع ، لا المستوعب جميع الشهر يوجب القضاء ، بخلاف الإغماء ، فإنه يوجب القضاء ولو استوعب جميع الشهر ؛ لأنه نوع مرض ، إلا أنه لا يقضي اليوم الذي حدث فيه الإغماء أو حدث في ليلته ، لوجود شرط الصوم وهو النية . ٠٠ (١) مراقي الفلاح: ص ١١٤، البدائع: ٢ / ١٠٢ ومابعدها . - ٦٤٩ - ٠٠ وقال المالكية(١): إمساك بقية اليوم يؤمر به من أفطر في رمضان خاصة أو في نذر واجب عمداً أو إكراهاً أو نسياناً ، لامن أفطر لعذر مبيح ، فمن أفطر لأجل عذر يباح له الفطر ، ثم زال عذره ، لا يستحب له الإمساك ، كأن زال الحيض أو النفاس في أثناء نهار رمضان ، أو انقضى السفر، أو زال الصبا وبلغ في أثناء نهار رمضان ، أو زال الجنون أو الإغماء ، أو قوي المريض المفطر ، أو زال اضطرار المضطر للأكل أو الشرب ، فلا يستحب لهم الإمساك ، ويجوز لهم التمادي في تعاطي الفطر . لكن يندب إمساك يوم الشك بقدر ماجرت العادة فيه بثبوت الشهر من المارين في الطريق من السفارة ، وذلك بارتفاع النهار . ويجب الإمساك أيضاً في حال الإفطار نسياناً في صوم النفل ، لا في العمد الحرام على المعتمد ، وفي الصوم الذي يجب فيه التتابع ككفارة الظهار والقتل . ويرى الشافعية(٢): أنه يلزم الإمساك من تعدى بالفطر كأن أكل ، عقوبة له ومعارضة لتقصيره ، أو من نسي النية من الليل ؛ لأن نسيانه يشعر بترك الاهتمام بأمر العبادة ، فهو نوع من التقصير ، وفي يوم الشك إن تبين كونه من رمضان ، لما في فطره من نوع تقصير لعدم الاجتهاد في الرؤية ، ويجب قضاؤه على الفور على المعتمد . ولا يلزم الإمساك بقية النهار في الأصح إذا بلغ الصبي مفطراً ، أو أفاق المجنون ، أو أسلم الكافر ، في أثناء النهار ، لعدم التمكن من زمن يسع الأداء ، لكن يندب القضاء لمن أفاق أو أسلم في أثناء النهار ، خروجاً من الخلاف . كما لا يلزم الإمساك مسافراً أو مريضاً زال عذرهما بعد الفطر ، كأن أكلا ؛ (١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ١ / ٥١٤، ٥٢٥، القوانين الفقهية: ص ١٢٤، الشرح الصغير وحاشية لصاوي : ١ / ٧٠٥ ومابعدها . (٢) مغني المحتاج: ١ / ٤٣٨، الحضرمية: ص ٤١٣. - ٦٥٠ - لأن زوال العذر بعد الترخص لا يؤثر ، كما لو قصر المسافر ، ثم أقام ، والوقت باق ، لكن يستحب لهم الإمساك لحرمة الوقت ، ويستحب أيضاً للحائض أو النفساء إذا طهرت . وإنما لم يجب الإمساك ؛ لأن الفطر مباح لهم مع العلم بحال اليوم ، وزوال العذر بعد الترخص لا يؤثر . ويرى الحنابلة(١): أنه يلزم الإمساك من أفطر بغير عذر، أو أفطر يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع ، أو يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب ، أو الناسي لنية الصوم ونحوهم ، بلاخلاف بين العلماء . ويلزم الإمساك أيضاً على الراجح كل من زال عذره في أثناء النهار ، وعليه القضاء ، كالصبي والمجنون والكافر ، والمريض والمسافر ، والحائض والنفساء ، إذا زالت أعذارهم في النهار ، فبلغ الصبي ، وأفاق المجنون ، وأسلم الكافر ، وصح المريض المفطر ، وأقام المسافر ، وطهرت الحائض والنفساء . ولهم ثواب إمساك ، لاثواب صيام . فإن بلغ الصغير صائماً بسن ، أو احتلام ، وقد نوى من الليل ، أتم وأجزأ ، كنذر إتمام نفل ، وإن علم مسافر أنه يقدم غداً أهله ، لزمه الصوم . المبحث السابع - ما يفسد الصوم وما لا يفسده : اختلف الفقهاء في هذا المبحث من ناحيتي الشكل ( الصياغة ) والموضوع ، اختلافاً يقتضي بياناً مستقلاً في كل مذهب على حدة . (١) المغني: ٣ / ١٣٤، غاية المنتهى: ١ / ٣٢٠ . - ٦٥١ - الحنفية(١): ما يفسد الصوم نوعان : نوع يوجب القضاء فقط ، ونوع يوجب القضاء والكفارة . أولاً - ما يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط دون الكفارة : وهو سبعة وخمسون شيئاً تقريباً ، يمكن تصنيفها في ثلاثة أشياء : الأول - أن يتناول ماليس بغذاء ولافي معنى الغذاء وهو الدواء : وهو تناول كل شيء لا يقصد به التغذي عادة ولا يميل إليه الطبع ، كأن أكل الصائم أرزاً نيئاً ، أو عجيناً أو دقيقاً غير مخلوط بشيء يؤكل عادة كالسمن والدبس والعسل والسكر، وإلا وجبت به الكفارة ، أو أكل ملحاً كثيراً دفعة واحدة ، فإن أكل ملحاً قليلاً ، وجبت به الكفارة ، أو أكل ثمرة قبل نضجها ، أو أكل ما بقي بين أسنانه ، وكان قدر الخمصة ، فإن كان أقل ، فلا يفسد صومه ، أو أكل جوزة رطبة . أو أكل طيناً غير أرمني لم يعتد أكله ، أما أكل الطين الأرمني ( وهو معروف عند العطارين ) فيوجب الكفارة . أو أكل نواة ( بزرة ) أو قطناً أو ورقاً ، أو جلداً ، أو ابتلع حصاة أو حديداً أو تراباً أو حجراً أو درهماً أو ديناراً ونحو ذلك ، أو أدخل دخاناً بصنعه ، أو أدخل ماء أو دواء في جوفه بواسطة الحقنة في قبل المرأة أو الدبر مطلقاً أو الأنف أو الحلق، أو استعط في أنفه شيئاً(٢) أو قطر في أذنه دهناً، لاماء على الصحيح لعدم سريان الماء، ولضرر الدماغ به، أو دخل حلقه مطر أو ثلج في الأصح، ولم يبتلعه بصنعه . (١) الدر المختار: ٢ / ١٣٢ - ١٥٣، فتح القدير: ٢ / ٦٤ - ٧٧، البدائع: ٢ / ٩٤ - ١٠٢، اللباب: ١ / ١٦٥ - ١٧٣، مراقي الفلاح: ص ١٠٩ - ١١٤، تبيين الحقائق: ١ / ٣٢٢ - ٣٣٢. (٢) الحقنة : صب الدواء في الدبر أو قبل المرأة ، والسعوط : صبه في الأنف . - ٦٥٢ - أو استقاء ( تعمد إخراج القيء ) من جوفه ، أو خرج كرهاً وأعاده بصنعه ، إذا كان القيء عمداً ملء الفم أو ولو كان أقل من ملء الفم في حالة الإعادة بقدر حمصة منه فأكثر على الصحيح ، وكان ذاكراً لصومه ، فإن ذرعه ( غلبه ) القيء ، أو كان القيء حال الاستقاءة أقل من ملء الفم ، أو كان ناسياً لصومه ، أو كان القيء بلغهاً لاطعاماً ، لم يفطر في جميع هذه الحالات اتفاقاً ، والدليل حديث : ((من ذرعه القيء، فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض))(١) . الثاني - أن يتناول غذاء ، أو دواء لعذر شرعي كمرض أو سفر أو إكراه أو خطأ أو إهمال أو شبهة : كأن سبق خطأ ماء المضمضة إلى جوفه ، أو داوى جرحاً في رأسه أو بطنه ، فوصل الدواء إلى دماغه أو جوفه ، أو صب أحد ماء في جوف إنسان نائم ، أو أفطرت امرأة خوفاً على نفسها من أن تمرض من الخدمة . أو أكل أو جامع عمداً لشبهة شرعية بعد أن أكل ناسياً أو جامع ناسياً ، أو أكل بعدما نوى نهاراً ، ولم يكن قد بيت نيته ليلاً ، أو أكل المسافر الذي نوى الصوم ليلاً بعد أن نوى الإقامة ، أو أكل أو جامع في حالة السفر بعد أن أصبح مقيماً ناوياً الصوم من الليل ، ثم بدأ السفر نهاراً ، لشبهة السفر ، وإن لم يحل له الفطر . أو أكل أو شرب أو جامع شاكاً في طلوع الفجر ، وهو طالع ، ولا كفارة عليه للشبهة ؛ لأن الأصل بقاء الليل أو أفطر ظاناً الغروب ، والشمس باقية ؛ ولا كفارة عليه لغلبة الظن بحدوث الغروب . ومن جامع قبل طلوع الفجر أو أكل ، ثم طلع عليه الفجر ، فإن نزع فوراً ، أو ألقى مافي فمه ، لم يفسد صومه . (١) رواه الخمسة إلا النسائي عن أبي هريرة (نيل الأوطار: ٤ / ٢٠٤). - ٦٥٣ - الثالث - إذا قضى شهوة الفرج غير كاملة : كأن أنزل المني بوطء ميتة أو بهيمة أو صغيرة لاتشتهى ، أو بمفاخذة أو تبطين ، أو قبلة أو لمس ، أو عبث بباطن الكف ، أو وطئت المرأة وهي نائمة ، أو قطرت في فرجها دهناً ونحوه . ويلحق به ما إذا أدخل أصبعه مبلولة بماء أو دهن في دبره ، أو استنجى فوصل الماء إلى داخل دبره ، أو أدخل في دبره قطنة أو خرقة أو طرف حقنة ولم يبق منه شيء ، أو أدخلت المرأة أصبعها مبلولة بماء أو دهن في فرجها الداخل ، أو أدخلت قطنة أو خشبة أو عوداً وغيبته ؛ لأنه تم الدخول ، بخلاف مالو بقي طرفه خارجاً ؛ لأن عدم تمام الدخول كعدم دخول شيء بالمرة ، فلا يفسد الصوم إذا بقي منه في الخارج شيء بحيث لم يغب كله . ومما يلحق به : ما إذا أفسد صوماً غير أداء رمضان بجماع أو غيره ، لعدم هتك حرمة الشهر . ثانياً - ما يفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة معاً : وهو اثنان وعشرون شيئاً تقريباً ، إذا فعل الصائم المكلف منها شيئاً ، مبيتاً النية في أداء رمضان ، متعمداً ، طائعاً ، غير مضطر، ولم يطرأ ما يبيح الفطر بعده كمرض ، أو قبله كسفر. فلو فعلها صبي ، أو لم يبيت النية ، أو في قضاء مافاته من رمضان أو في صوم آخر غير رمضان ، أو كان ناسياً أو مخطئاً ، أو مستكرهاً ، أو مضطراً ، أو طرأ عليه سفر أو مرض ، فلاكفارة عليه ، وإنما عليه القضاء فقط . ويمكن تصنيفها بشيئين : الأول - أن يتناول غذاء أو مافي معناه بدون عذر شرعي : كالأكل والشرب ، والدواء ، والدخان المعروف ، والأفيون والحشيش ونحوهما من - ٦٥٤ _ المخدرات ؛ لأن الشهوة فيه ظاهرة . والأكل يشمل كل ماهو مأكول عادة ، من أنواع اللحوم والشحوم المختلفة ، النيئة والمطبوخة والقديد ، والفواكه والخضروات ومنها أكل ورق الكرم وقشر البطيخ ، والنشويات ، ومنها حب الحنطة وقضها ، ولو حبة أو سمسمة أو نحوها من خارج فمه في المختار، إلا إذا مضغها فتلاشت ، ولم يصل منها شيء إلى جوفه . ومنها الأكل عمداً بعد أن يغتاب آخر ظناً منه أنه أفطر بالغيبة ، أو بعد حجامة أو مس أو قبلة بشهوة أو بعد مضاجعة من غير إنزال ، أو دهن شاربه ، ظاناً أنه أفطر بذلك ، إلا إذا أفتاه فقيه . ومن هذا النوع ابتلاع مطر دخل إلى فمه ، وابتلاع ريق زوجته أو حبيبه للتلذذ به . ومنه أكل الطين الأرمني ( وهو معروف عند العطارين ) ، والطين غير الأرمني كالطفل إن اعتاد أكله ، وقليل الملح في المختار . والدليل حديث : ((الفطر مما دخل))(١). الثاني - أن يقضي شهوة الفرج كاملة : وهو الجماع في القبل أو الدبر ، سواء الفاعل والمفعول به ، ولو بمجرد التقاء الختانين وإن لم ينزل ، بشرط أن يكون المفعول به آدمياً حياً يشتهى . وتجب الكفارة اتفاقاً إن مكنت المرأة من نفسها صغيراً أو مجنوناً . والدليل : حادثة الأعرابي الذي جامع امرأته في نهار رمضان ، وإلزام النبي ◌ُ التٍّ له بالكفارة ( عتق رقبة ، ثم صوم شهرين متتابعين إن لم يجد الرقبة ، ثم إطعام ستين مسكيناً عند العجز عن الصوم )(٢) . (١) رواه أو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة بلفظ ((إنما الإفطار مما دخل، وليس مما خرج)) (نصب الراية: ٢ / ٢٥٣) . (٢) رواه الجماعة عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ٤ / ٢١٤) .. - ٦٥٥ - مالا يفسد الصوم عند الحنفية : هو أربعة وعشرون شيئاً تقريباً : اً - الأكل أو الشرب أو الجماع ناسياً، لقوله ع لل: ((من نسي وهو صائم ، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)) (١) وفي لفظ: (( من أفطر يوماً من رمضان ناسياً فلاقضاء عليه ولاكفارة )» والجماع في معناهما ، فإن تذكر نزع فوراً ، فإن مكث بعده ، فسد صومه . ولو نزع خشية طلوع الفجر ، فأمنى بعد الفجر والنزع ، ليس عليه شيء ، وإن حرك نفسه ولم ينزع ، أو نزع ثم أولج ، لزمته الكفارة . ويجب تذكير الناسي القادر على الصوم ليترك الأكل ، ويكره عدم تذكيره ، والأولى عدم تذكير العاجز الذي لاقوة له لطفاً به . اً - إنزال المني بنظر أو فكر، وإن أدام النظر والفكر؛ لأنه لم يوجد منه صورة الجماع ولامعناه ، وهو الإنزال عن مباشرة وإن كان آثماً . وفعل المرأتين ( السحاق ) بلاإنزال منهما لا يفسد الصوم ، لكن الفاعل يأثم ، ولا يلزم من الحرمة فيما ذكر الإفطار . وكذا لا يفطر بالاحتلام نهاراً . اً - القطرة أو الاكتحال في العين، ولو وجد الصائم الطعم أو الأثر في حلقه؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ اكتحل في رمضان ، وهو صائم(٢) . ٤ - الحجامة: لأن النبي مُ لّ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم(٢) . ٥ - السواك ولو كان مبلولاً بالماء؛ لأنه سنة. (١) رواه الجماعة إلا النسائي عن أبي هريرة (المصدر السابق: ص ٢٠٦). (٢) أخرجه ابن ماجه عن عائشة ، وهو ضعيف ( المصدر السابق: ص ٢٠٥ ). (٣) رواه أحمد والبخاري عن ابن عباس ( المصدر السابق : ٢٠٢). - ٦٥٦ - . . ٦ - المضمضة والاستنشاق، ولو فعلهما لغير الوضوء، لكن لا يبالغ فيهما لئلا يدخل شيء إلى الجوف . لاً - الاغتسال أو السباحة ، أو التلفف بثوب مبتل ، للتبرد لدفع الحر، وإدخال عود إلى الأذن . ٨ - الاغتياب ، ونية الفطر ، ولم يفطر . ١ - دخول الدخان، أو الغبار ولو غبار الطاحون، أو الذباب، أو أثر طعم الأدوية إلى الحلق ، بلاصنع الصائم أي رغماً عنه وهو ذاكر الصوم ؛ لأنه لا يمكن الاحتراز أو الامتناع عنها . لكن لو تبخر ببخور ، فآواه إلى نفسه ، واشتم دخانه ، ذاكراً لصومه ، أفطر ، لإمكان التحرز عنه . ولا يتوهم أنه كشم الورد ومائه ، والمسك، لوجود الفرق بين هواء تطيب بريح المسك وشبهه ، وبين جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله . ١٠ - خلع الضرس، مالم يبتلع شيئاً من الدم أو الدواء ، فيفطر . (اً - صب ماء أو دهن أو حقنة في الإحليل (مجرى البول في قبل الرجل ) ، أو دخول ماء في الأذن بسبب خوض نهر ، أو إدخال العود في الأذن وإخراج درن الصماخ ؛ لأن الإحليل ليس بمنفذ مفتوح ، ودخول الماء في الأذن للضرورة ، ولعدم وصول المفطر إلى الدماغ بإدخال العود للأذن ، والأولى ترك ذلك كله . ١٢ - ابتلاع النخامة ، واستنشاق المخاط عمداً وابتلاعه ، لنزوله من الدماغ ، لكن الأولى رميه لقذارته ، وخروجاً من خلاف من أفسد الصوم بابتلاعه . ١٣ - القيء قسراً عنه ، أو عودته قهراً ولو كان ملء الفم ، في الصحيح ، - ٦٥٧ - الفقه الإسلامي جـ ٢ (٤٢) والاستقاءة عمداً بما هو أقل من ملء الفم على الصحيح ، لكن لو أعاد ماقاء أو قدر حمصة منه ، وكان أصل القيء ملء الفم ، أفطر باتفاق الحنفية ولاكفارة ، على المختار، وإن عاد قسراً، لم يفطر، سواء أكان القيء العائد قليلاً أم كثيراً(١). والخلاصة : أن القيء عامداً ملء الفم أو إعادة القيء مفطر يوجب القضاء فقط دون الكفارة ، أما القيء قهراً أو عودة القيء بنفسه أو القيء أقل من ملء الفم فلا يفطر . ١٤ - أكل ما بين الأسنان ، وكان دون الخمصة ، لأنه تبع طريقه . أو مضغ مثل سمسمة من خارج فمه ، حتى تلاشت ولم يجد لها طعماً في حلقه ، لعدم ابتلاع شيء . ١٥ - إذا أصبح جنباً ، ولو استمر يوماً بالجنابة ؛ لأن الجنابة لا تؤثر في صحة الصوم للزومها الصوم للضرورة ، كما بينا سابقاً ، وإن كان الغسل فرضاً للصلاة ، لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ ولأنه من آداب الإسلام ، لقوله عَالقلم: ((لاتدخل الملائكة بيتاً فيه صورة، ولاكلب، ولاجنب))(٢). ١٦ - الحُقَن في العضل أو تحت الجلد أو في الوريد، والأولى عند الإمكان تأخيرها إلى المساء ، أما الحقن الشرجية فتفطر . ١٧ - شم الروائح العطرية كالورد أو الزهر والمسك أو الطيب . المالكية(٣) : ما يفسد الصيام نوعان: أحدهما - يوجب القضاء فقط، والثاني - يوجب القضاء والكفارة . (١) الدر المختار: ٢ / ١٥١ ومابعدها، تبيين الحقائق: ١ / ٣٢٥ ومابعدها. (٢) رواه أبو داود والنسائي والحاكم عن علي . (٣) القوانين الفقهية: ص ١١٩، ١٢٢ - ١٢٤، الشرح الصغير: ١ / ٦٩٨ - ٧١٢، ٧١٥ وما بعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي : ١ / ٥٢٣ - ٥٣٤ ، بداية المجتهد: ١ / ٢٨١ ومابعدها. - ٦٥٨ - الأول - ما يفسد الصوم ويوجب القضاء فقط : هو ما يأتي : ١ - الإفطار متعمداً في صيام فرض غير رمضان : كقضاء رمضان ، والكفارات والنذر غير المعين ، وصوم المتمتع والقارن إذا لم يجد الهدي . أما النذر المعين ، كما لو نذر صوم يوم معين ، أو أيام معينة ، أو شهر معين ، فإن أفطر فيه لعذر مانع من صحته كحيض ونفاس وإغماء وجنون ، أو لعذر مانع من أدائه كمرض واقع ، أو شدة ضرر أو زيادته أو تأخر برئه ، فلا يقضى لفوات وقته ، وإن زال عذره وبقي منه شيء ، وجب صومه . . ٢ - الإفطار متعمدا في صيام فرض رمضان إذا لم تتوافر شروط الكفارة ، كالإفطار لعذر مبيح كالمرض والسفر، أو لعذر يرفع الإثم كالنسيان والخطأ والإكراه ، والإفطار بسبب خروج المذي ، أو خروج المني بنظر أو فكر مع لذة معتادة بلااستدامة نظر وكانت عادته الإنزال عند الاستراحة . وفي الجملة : كل فرض أفطر فيه يجب عليه قضاؤه إلا النذر المعين لعذر . ٣ - الإفطار متعمداً في صوم التطوع ؛ لأن الشروع في النفل ملزم عندهم ، كما بينا . فإن أفطر فيه ناسياً أو بعذر مبيح ، فلاقضاء عليه. والخلاصة : أن من أفطر عامداً في جميع أنواع الصيام ، فعليه القضاء ، ولا يكفر إلا في رمضان ، ومن أفطر في جميعها ناسياً ، فعليه القضاء دون الكفارة ، إلا في التطوع فلاقضاء ولاكفارة . أما المفطرات فهي خمسة : ١ - الجماع الذي يوجب الغسل . ٢ - إخراج المني أو المذي بالتقبيل أو المباشرة أو النظر أو الفكر المستديمين . - ٦٥٩ - ٣ - الاستقاءة ( تعمد القيء ) سواء ملأ الفم أم لا ، بخلاف ما إذا غلبه القيء إلا إذا رجع شيء منه ولو غلبة ، فيفسد صومه . ٤ - وصول مائع إلى الحلق من فم أو أنف أو أذن ، عمداً أو سهواً أو خطأ أو غلبة كماء المضمضة أو السواك ، وفي حكم المائع : البخور وبخار القدر إذا استنشقهما ، فوصلا إلى حلقه ، والدخان المعروف ، والاكتحال نهاراً ودهن الشعر نهاراً إذا وجد طعمها في الحلق ، فإن تحقق عدم وصول الكحل والدهن للحلق فلاشيء عليه ، كأن حدث ذلك ليلاً . ٥ - وصول أي شيء إلى المعدة، سواء أكان مائعاً أم غيره من فم أو أنف أو أذن أو عين أو مسام رأس ، إذا كان وصوله عمداً أو خطأ أو سهواً أو غلبة . أما الحقنة في الإحليل ( وهو ثقبة الذكر ) فلا تفسد الصوم ، وكذا نبش الأذن بنحو عود لاشيء فيه ، ولا يضر ابتلاع مابين الأسنان من طعام ولو عمداً فلا يفطر . وهكذا: كل ما وصل للمعدة من منفذ عال سواء أكان مائعاً أم غير مائع موجب للقضاء، سواء أكان ذلك المنفذ واسعاً أم ضيقاً، بخلاف ما يصل للمعدة من منفذ سافل ، فإنه يشترط كونه واسعاً كالدبر وقبل المرأة والثقبة ، لا كإحليل وجائفة : وهي الخرق الصغير جداً الواصل للبطن ، وصل للمعدة أو لا ، ويشترط كونه مائعاً لا جامداً ، فوصول المائع للمعدة مفسد مطلقاً ، سواء أكان المنفذ عالياً أم سافلاً ، ووصول الجامد لها لا يفسد إلا إذا كان المنفذ عالياً . ويجب القضاء على من أفطر في صوم الفرض مطلقاً ، أي سواء حدث الفطر عمداً أو سهواً أو غلبة أو إكراهاً، وسواء أكان الفطر حراماً أم جائزاً أم واجباً كمن أفطر خوف هلاك، وسواء وجبت الكفارة أم لا، أو كان الفرض أصلياً أم نذراً. - ٦٦٠ -