النص المفهرس

صفحات 601-620

وقال الشافعية(١) : تثبت رؤية الهلال لرمضان أو شوال أو غيرهما
بالنسبة إلى عموم الناس برؤية شخص عدل ، ولو مستور الحال ، سواء أكانت
السماء مصحية أم لا ، بشرط أن يكون الرائي عدلاً مسلماً بالغاً عاقلاً حراً ذكراً ،
وأن يأتي بلفظ ((أشهد)) فلاتثبت برؤية الفاسق والصبي والمجنون والعبد والمرأة .
ودليلهم : أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رأى الهلال، فأخبر رسول الله مع الفتح
بذلك، فصام وأمر الناس بصيامه(٢) . وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال :
((جاء أعرابي إلى رسول الله مَ التّ فقال: إني رأيت هلال رمضان، فقال : أتشهد
أن لا إله إلا الله ؟ قال: نعم ، قال : تشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم ،
قال : يابلال ، أذن في الناس ، فليصوموا غداً))(٣) والمعنى في ثبوته بالواحد
الاحتياط للصوم .
أما الرائي نفسه فيجب عليه الصوم، ولو لم يكن عدلاً ( أي فاسقاً ) أو كان
صبياً أو امرأة أو كافراً ، أو لم يشهد عند القاضي ، أو شهد ولم تسمع شهادته ، كما
يجب الصوم على من صدقه ووثق بشهادته.
وإذا صمنا برؤية عدل ، ولم نر الهلال بعد ثلاثين ، أفطرنا في الأصح ، وإن
كانت السماء صحواً ، لكمال العدد بحجة شرعية .
وقال الحنابلة (٤) : يقبل في إثبات هلال رمضان قول مكلف عدل واحد
ظاهراً وباطناً ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً ، ولو لم يقل: أشهد أو شهدت أني
رأيته ، فلا يقبل قول مميز ولامستور الحال لعدم الثقة بقوله في الغيم والصحو ،
(١) المهذب: ١ / ١٧٩، مغني المحتاج: ١ / ٤٢٠ - ٤٢٢.
(٢) رواه أبو داود وصححه ابن حبان ، ورواه الحاكم وقال: على شرط مسلم .
(٣) صححه ابن حبان والحاكم ورواه أبو داود والترمذي .
(٤) كشاف القناع: ٢ / ٣٥٢ - ٣٥٨، المغني: ٣ / ١٥٦ - ١٦٣ .
- ٦٠١ -

ولو كان الرائي في جمع كثير ولم يره منهم غيره. ودليلهم الحديث المتقدم أنه معد لة
صوَّم الناس بقول ابن عمر ، ولقبوله خبر الأعرابي السابق به ، ولأنه خبر ديني
وهو أحوط ، ولاتهمة فيه ، بخلاف آخر الشهر ، ولاختلاف حال الرائي
والمرئي ، فلو حكم حاكم بشهادة واحد ، عمل بها وجوباً . ولا يعتبر لوجوب الصوم
لفظ الشهادة ، ولا يختص بحاكم ، فيلزم الصوم من سمعه من عدل . ولا يجب على
من رأى الهلال إخبار الناس أو أن يذهب إلى القاضي أو إلى المسجد . ويجب
الصوم على من ردت شهادته لفسق أو غيره، لعموم الحديث: (( صوموا لرؤيته))
ولا يفطر إلا مع الناس ؛ لأن الفطر لا يباح إلا بشهادة عدلين . وإن رأى هلال
شوال وحده لم يفطر لحديث أبي هريرة يرفعه قال: (( الفطر يوم يفطرون ،
والأضحى يوم يضحون)) (١) ولاحتمال خطئه وتهمته ، فوجب الاحتياط . وتثبت
بقية الأحكام إذا ثبتت رؤية هلال رمضان بواحد من وقوع الطلاق المعلق به ،
وحلول آجال الديون المؤجلة إليه ، وغيرها كانقضاء العدة والخيار المشروط ومدة
الإيلاء ونحوها تبعاً للصوم .
ولا يجب الصوم بالحساب والنجوم ولو كثرت إصابتهما ، لعدم استناده لما
يعول عليه شرعاً .
5
ولا يقبل في إثبات بقية الشهور كشوال ( من أجل العيد ) وغيره إلا رجلان
عدلان ، بلفظ الشهادة ؛ لأن ذلك مما يطلع عليه الرجال غالباً ، وليس بمال
ولا يقصد به المال . وإنما ترك ذلك في إثبات رمضان احتياطاً للعبادة .
وإذا صام الناس بشهادة اثنين : ثلاثين يوماً ، فلم يروا الهلال ، أفطروا ،
سواء في حال الغيم أو الصحو ، لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب السابق
(١) رواه الترمذي ، وقال: حسن صحيح غريب .
- ٦٠٢ -

أن النبي ◌ُ ◌ٍّ قال: ((وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا))(١).
ولا يفطروا إن صاموا الثلاثين يوماً بشهادة واحد ، لأنه فطر ، فلا يجوز أن
يستند إلى واحد ، کما لو شهد بهلال شوال .
وإن صاموا ثمانية وعشرين يوماً ، ثم رأوا الهلال ، قضوا يوماً فقط . وإن
صاموا لأجل غيم ونحوه كقتر ودخان ، لم يفطروا ؛ لأن الصوم إنما كان
احتياطاً ، فمع موافقته للأصل: وهو بقاء رمضان ، أولى . وإن رأى هلال شوال
عدلان ، ولم يشهدا عند الحاكم ، جاز لمن سمع شهادتهما الفطر إذا عرف عدالتها ،
وجاز لكل واحد منهما أن يفطر بقولهما إذا عرف عدالة الآخر، لقوله تع الى:
((فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا )) فإن لم يعرف أحدهما عدالة الآخر ، لم يجز
له الفطر لاحتمال فسقه إلا أن يحكم بذلك حاكم ، فيزول اللبس .
وإن شهد شاهدان عند الحاكم برؤية هلال شوال : فإن رد الحاكم شهادتها ،
لجهله بحالهما ، فلمن علم عدالتهما الفطر ؛ لأن رده ههنا ليس بحكم منه بعدم قبول
شهادتها ، إنما هو توقف لعدم علمه بحالهما ، فهو كالتوقف عن الحكم انتظاراً
للبينة ، فلو ثبتت عدالتها بعد ذلك ممن زكاهما حكم بها ، لوجود المقتضي ، وأما
إن رد الحاكم شهادتها لفسقهما ، فليس لهما ولالغيرهما الفطر بشهادتها .
وإذا اشتبهت الأشهر على أسير أو سجين أو من بمفازة أو بدار حرب
ونحوهم ، اجتهد وتحرى في معرفة شهر رمضان وجوباً ؛ لأنه أمكنه تأدية فرضه
بالاجتهاد ، فلزمه كاستقبال القبلة ، فإن وافق ذلك شهر رمضان أو ما بعد
رمضان ، أجزأه . وإن تبين أن الشهر الذي صامه ناقص ، ورمضان الذي فاته
كامل تمام ، لزمه قضاء النقص ؛ لأن القضاء يجب أن يكون بعدد المتروك . وإن
(١) رواه النسائي وأحمد .
- ٦٠٣ -

وافق صومه شهراً قبل رمضان كشعبان لم يجزه ؛ لأنه أتى بالعبادة قبل وقتها ، فلم
يجزه ، كالصلاة ، فلو وافق بعضه رمضان ، فما وافقه أو بعده ، أجزأه ، دون
ماقبله .
وإن صام من اشتبهت عليه الأشهر ، بلااجتهاد ، فكمن خفيت عليه القبلة ،
لا يجزيه مع القدرة على الاجتهاد .
والخلاصة : أن الحنفية يشترطون لإثبات هلال رمضان وشوال رؤية جمع
عظيم إذا كانت السماء صحواً ، وتكفي رؤية العدل الواحد في حال الغيم ونحوه .
ولابد عند المالكية من رؤية عدلين أو أكثر، وتكفي رؤية العدل الواحد عندهم
في حق من لا يهتم بأمر الهلال .
وتكفي رؤية عدل واحد عند الشافعية والحنابلة ، ولو مستور الحال عند
الشافعية ، ولا يكفي المستور عند الحنابلة ، كما لابد عند الحنابلة من رؤية هلال
شوال من عدلين لإثبات العيد .
وتقبل شهادة المرأة عند الحنفية والحنابلة، ولا تقبل عند المالكية
والشافعية .
طلب رؤية الهلال : قال الحنفية(١): يجب للناس أن يلتمسوا الهلال في
اليوم التاسع والعشرين من شعبان ، وكذا هلال شوال لأجل إكمال العدة ، فإن
رأوه صاموا ، وإن ثم عليهم ، أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ، ثم صاموا ؛ لأن
الأصل بقاء الشهر ، فلا ينتقل عنه إلا بدليل ، ولم يوجد .
وقال الحنابلة(٢) : يستحب ترائي الهلال احتياطاً للصوم ، وحذاراً من
(١) اللباب شرح الكتاب: ١ / ١٦٣.
(٢) كشاف القناع: ٢ / ٣٤٩ .
- ٦٠٤ _

الاختلاف، قالت عائشة: ((كان النبي ◌ّ يتحفظ في شعبان ما لا يتحفظ في
غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان))(١) وروى أبو هريرة مرفوعاً: ((أحصوا هلال
شعبان لرمضان ))(٢).
ويسن إذا رأى المرء الهلال كبَّر ثلاثاً، وقال: ((اللهم أهله علينا باليُمن
والإيمان، والأمن والأمان، ربي وربك الله)» ويقول ثلاث مرات: « هلال خير
ورشد)) ويقول: ((آمنت بالذي خلقك)) ثم يقول: ((الحمد لله الذي ذهب بشهر
كذا، وجاء بشهر كذا)) وروى الأثرم عن ابن عمر، قال: ((كان النبي عّ لّ إذا
رأى الهلال قال : الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان ، والسلامة
والإسلام ، والتوفيق لما تحب وترضى ، ربي وربك الله )) .
وإذا رئي الهلال يكره عند الحنفية أن يشير الناس إليه ، لأنه من عمل.
الجاهلية .
المطلب الثالث - اختلاف المطالع
اختلف الفقهاء على رأيين في وجوب الصوم وعدم وجوبه على جميع المسلمين
في المشارق والمغارب في وقت واحد ، بحسب القول باتفاق مطالع القمر أو
اختلاف المطالع ، ففي رأي الجمهور: يوحد الصوم بين المسلمين ، ولاعبرة
باختلاف المطالع . وفي رأي الشافعية يختلف بدء الصوم والعيد بحسب اختلاف
مطالع القمر بين مسافات بعيدة . ولاعبرة في الأصح بما قاله بعض الشافعية : من
ملاحظة الفرق بين البلد القريب والبعيد بحسب مسافة القصر ( ٨٩ كم ) .
هذا مع العلم بأن نفس اختلاف المطالع لانزاع فيه ، فهو أمر واقع بين البلاد
(١) رواه الدارقطني بإسناد صحيح.
(٢) رواه الترمذي .
- ٦٠٥ -

البعيدة كاختلاف مطالع الشمس ، ولاخلاف في أن للإمام الأمر بالصوم بما ثبت
لديه؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف ، وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان
النائية جداً كالأندلس والحجاز، وأندونيسيا والمغرب العربي(١).
وأذكر أولاً عبارات الفقهاء في هذا الموضوع المهم .
قال الحنفية(٢) : اختلاف المطالع ، ورؤية الهلال نهاراً قبل الزوال وبعده
غير معتبر ، على ظاهر المذهب ، وعليه أكثر المشايخ ، وعليه الفتوى ، فيلزم أهل
المشرق برؤية أهل المغرب ، إذا ثبت عندهم رؤية أولئك ، بطريق موجب ، كأن
يتحمل اثنان الشهادة ، أو يشهدا على حكم القاضي ، أو يستفيض الخبر ، بخلاف
ما إذا أخبر أن أهل بلدة كذا رأوه ؛ لأنه حكاية .
وقال المالكية(٣): إذا رئي الهلال، عَّ الصوم سائر البلاد ، قريباً أو
بعيداً ، ولا يراعى في ذلك مسافة قصر، ولااتفاق المطالع ، ولا عدمها ، فيجب
الصوم على كل منقول إليه ، إن نقل ثبوته بشهادة عدلين أو بجماعة مستفيضة ،
أي منتشرة .
وقال الحنابلة(٤) : إذا ثبتت رؤية الهلال بمكان ، قريباً كان أو بعيداً ،
لزم الناس كلهم الصوم، وحكم من لم يره حكم من رآه .
وأما الشافعية فقالوا (*): إذا رئي الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب
(١) رد المحتار لابن عابدين: ٢ / ١٣١، مجموعة رسائل ابن عابدين: ١ / ٢٥٣، تفسير القرطبي: ٢ / ٢٩٦،
فتح الباري: ٤ / ٨٧، المجموع: ٦ / ٣٠٠، بداية المجتهد: ١ / ٢٧٨، القوانين الفقهية: ص ١١٦.
(٢) الدر المختار ورد المختار: ٢ / ١٣١ - ١٣٢، مراقي الفلاح: ص ١٠٩.
(٣) الشرح الكبير: ١ / ٥١٠ ، بداية المجتهد: ١ / ٢٧٨ ومابعدها ، القوانين الفقهية: ص ١١٦ .
(٤) كشاف القناع: ٢ / ٣٥٣.
(٥) المجموع: ٦ / ٢٩٧ - ٣٠٣، مغني المحتاج: ١ / ٤٢٢ - ٤٢٣.
- ٦٠٦ -

لا البعيد ، بحسب اختلاف المطالع في الأصح ، واختلاف المطالع لا يكون في أقل
من أربعة وعشرين فرسخاً(١) .
وإذا لم نوجب على البلد الآخر وهو البعيد ، فسافر إليه من بلد الرؤية من
صام به ، فالأصح أنه يوافقهم وجوباً في الصوم آخراً ، وإن كان قد أتم ثلاثين ؛
لأنه بالانتقال إلى بلدهم ، صار واحداً منهم ، فيلزمه حکھم ، وروي أن ابن
عباس أمر كُرَيْباً بذلك كما سيأتي .
ومن سافر من البلد الآخر الذي لم يرفيه الهلال إلى بلد الرؤية ، عيَّد معهم
وجوباً ، لأنه صار واحداً منهم ، سواء أصام ثمانية وعشرين يوماً ، أم تسعة
وعشرين بأن كان رمضان تاماً عندهم ، وقضى يوماً إن صام ثمانية وعشرين ؛ لأن
الشهر لا يكون كذلك .
ومن أصبح معيِّداً ، فسارت سفينته أو طائرته إلى بلدة بعيدة أهلها صيام ،
فالأصح أنه يمسك بقية اليوم وجوباً ؛ لأنه صار واحداً منهم .
الأدلة :
أدلة الشافعية : استدلوا على اعتبار اختلاف المطالع بالسنة والقياس
والمعقول :
اً - السنة: استدلوا بحديثين: أولهما حديث كُرَيب ، وثانيهما حديث ابن
عمر :
أ - حديث كريب : أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام ، فقال :
(١) الفرسخ (٥٥٤٤ م) وهذه المسافة تساوي ٥٥٤٤ × ٢٤ = ١٣٣٫٠٥٦ كم، انظر جدول المقاييس ، علماً بأن
مسافة القصر ( ٨٩ كم) : هي أربعة برد أو ستة عشر فرسخاً ، والفرسخ ثلاثة أميال والميل أربعة آلاف خطوة ،
والخطوة : ثلاثة أقدام ، والقدمان : ذراع ، والذراع : أربعة وعشرون إصبعاً معترضات .
- ٦٠٧ -

فقدمتَ الشام ، فقضيت حاجتها ، واستُهلَّ علي رمضانُ وأنا بالشام ، فرأيت
الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمتُ المدينة في آخر الشهر ، فسألني عبد الله بن عباس ،
ثم ذكر الهلال ، فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت : رأيناه ليلة الجمعة ، فقال :
أنت رأيتَه ؟ فقلت : نعم ، ورآه الناس وصاموا ، وصام معاوية ، فقال : لكنا
رأيناه ليلة السبت ، فلانزال نصوم حتى نُكْمِل ثلاثين أو نراه ، فقلت : ألا
نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله مَ اقيم(١).
فدل على أن ابن عباس لم يأخذ برؤية أهل الشام ، وأنه لا يلزم أهل بلد
العمل برؤية أهل بلد آخر .
ب - حديث ابن عمر: أن رسول الله عَ ل قال: ((إنما الشهر تسع
وعشرون ، فلا تصوموا حتى تروه ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غُمّ عليكم فاقدُروا
له)» (٢) وهو يدل على أن وجوب الصوم منوط بالرؤية ، لكن ليس المراد رؤية
كل واحد ، بل رؤية البعض .
٢ - القياس: قاسوا اختلاف مطالع القمر على اختلاف مطالع الشمس
المنوط به اختلاف مواقيت الصلاة .
٣ - المعقول : أناط الشرع إيجاب الصوم بولادة شهر رمضان ، وبدء الشهر
يختلف باختلاف البلاد وتباعدها ، مما يقتضي اختلاف حكم بدء الصوم تبعاً
لاختلاف البلدان .
أدلة الجمهور : استدلوا بالسنة والقياس .
أما السنة: فهو حديث أبي هريرة وغيره: ((صوموا لرؤيته ، وأفطروا
(١) رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه (نيل الأوطار: ٤ / ١٩٤).
(٢) رواه مسلم وأحمد ( نيل الأوطار: ٤ / ١٨٩ وما بعدها) .
- ٦٠٨ -

لرؤيته ، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))(١) فهو يدل على أن إيجاب
الصوم على كل المسلمين معلق بمطلق الرؤية ، والمطلق يجري على إطلاقه ، فتكفي
رؤية الجماعة أو الفرد المقبول الشهادة .
وأما القياس : فإنهم قاسوا البلدان البعيدة على المدن القريبة من بلد
الرؤية ، إذ لافرق ، والتفرقة تحكّم ، لاتعتمد على دليل .
هذا ... وقد ذكر ابن حجر في الفتح ستة أقوال في الموضوع ، وقال
الصنعاني : والأقرب لزوم أهل بلد الرؤية وما يتصل بها من الجهات التي على
سَمْتها(٢) أي على خط من خطوط الطول : وهي مابين الشمال إلى الجنوب إذ بذلك
تتحد المطالع ، وتختلف المطالع بعدم التساوي في طول البلدين أو باختلاف
درجات خطوط العرض .
وقال الشوكاني : إن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس ، لا في
اجتهاده الذي فهم عنه الناس، والمشار إليه بقوله: (( هكذا أمرنا رسول الله
مَّ)» وقوله: (( فلانزال نصوم حتى نكمل الثلاثين)».
والأمر الوارد في حديث ابن عمر ، لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد ،
بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين ، فالاستدلال به عل لزوم رؤية
أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد ، أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم ؛ لأنه
إذا رآه أهل بلد ، فقد رآه المسلمون ، فيلزم غيرهم مالزمهم .
والذي ينبغي اعتماده هو ماذهب إليه المالكية وجماعة من الزيدية واختاره
المهدي منهم ، وحكاه القرطبي عن شيوخه : أنه إذا رآه أهل بلد ، لزم أهل البلاد
كلها(٣).
(١) رواه البخاري ومسلم ( نيل الأوطار: ٤ / ١٩١).
(٢) سبل السلام : ٢ / ١٥١ .
(٣) نيل الأوطار : ٤ / ١٩٥.
الفقه الإسلامي جـ ٢ (٣٩)
- ٦٠٩ -

وهذا الرأي ( رأي الجمهور ) هو الراجح لدي توحيداً للعبادة بين المسلمين ،
ومنعاً من الاختلاف غير المقبول في عصرنا ، ولأن إيجاب الصوم معلق بالرؤية ،
دون تفرقة بين الأقطار .
والعلوم الفلكية تؤيد توحيد أول الشهر الشرعي بين الحكومات الإسلامية ،
لأن أقصى مدة بين مطلع القمر في أقصى بلد إسلامي وبين مطلعه في أقصى بلد
إسلامي آخر هي نحو ٩ ساعات ، فتكون بلاد الإسلام كلها مشتركة في أجزاء من
الليل تمكنها من الصيام عند ثبوت الرؤية والتبليغ بها برقياً أو هاتفياً(١).
والاحتياط هو الاكتفاء بتوحيد الأعياد في حدود البلاد العربية بدءاً من
عمان في الشرق إلى المغرب الأقصى .
المبحث الرابع - شروط الصوم :
فيه مطلبان : الأول - في شروط الوجوب ، والثاني - في شروط صحة الأداء .
المطلب الأول - شروط وجوب الصوم :
اشترط الفقهاء لوجوب الصوم شروطاً خمسة هي ما يأتي (٢):
١ - الإسلام : شرط وجوب عند الحنفية ، شرط صحة عند الجمهور،
فلايجب الصوم على الكافر ، ولا يطالب بالقضاء عند الأولين ، ولا يصح صوم
الكافر بحال ولو مرتداً عند الآخرين ، وليس عليه القضاء عندهم أيضاً . ومنشأ
(١) كتاب الشيخ محمد أبو العلا البنا مدرس الفلك بكلية الشريعة بالأزهر المشار إليه في بحث الشيخ المرحوم
محمد السايس ، في بحوث المؤتمر الثالث لمجمع البحوث الإسلامية : ص ٩٩ ومابعدها .
(٢) البدائع: ٢ / ٨٧ - ٨٩، فتح القدير: ٢ / ٨٧ - ٩٣، الدر المختار: ٢ / ١٤٥ وما بعدها، اللباب: ١ /
١٧٢ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٦٨١ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص ١١٣ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٧٧
وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٤٣٢ - ٤٣٨، المغني: ٣ / ١٥٣ - ١٥٦، كشاف القناع: ٢ / ٣٥٩ - ٣٦٤، شرح
الرسالة: ١ / ٣٠٠ وما بعدها، ٣٠٦، بداية المجتهد: ١ / ٢٨٨ ومابعدها، المغني: ٣ / ٩٨ وما بعدها .
- ٦١٠ -

الخلاف : مخاطبة الكفار بفروع الشريعة ، فعند الحنفية : إن الكفار غير
مخاطبين بفروع الشريعة التي هي عبادات ، وعند الجمهور : الكفار مخاطبون
بفروع الشريعة في حال كفرهم بمعنى أنه يجب عليهم الإسلام ، ثم الصوم ، إذ
لا يصح الصوم لأنه عبادة بدنية محضة تفتقر إلى النية ، فكان من شرطه الإسلام
كالصلاة ، ويزاد في عقوبتهم في الآخرة بسبب ذلك ، ولكن لا يطالبون بفعلها في
حال كفرهم ، فتنحصر ثمرة الخلاف في مضاعفة العذاب في الآخرة ، فعند
الحنفية : العذاب واحد على الكفر ، وعند الجمهور يضاعف العذاب على الكفر
وعلى ترك التكاليف الشرعية .
فإن أسلم الكافر في شهر رمضان ، صام ما يستقبل من بقية شهره ، وليس
عليه قضاء ماسبق بالاتفاق ، لقوله تعالى : ﴿ قل للذين كفروا : إن ينتهو يغفر
لهم ماقد سلف ) ، ولأن في إيجاب قضاء مافات في حال الكفر تنفيراً عن
الإسلام . والردة تمنع صحة الصوم ، لقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن
عملك ﴾ .
أما إن أسلم الكافر في أثناء النهار ، فيلزمه عند الحنابلة إمساك بقية اليوم ،
وقضاؤه ، لأنه أدرك جزءاً من وقت العبادة ، فلزمته ، كما لو أدرك جزءاً من
وقت الصلاة ، ويستحب الكف عن الأكل عند الحنفية والمالكية والشافعية مراعاة
لحرمة أو لحق الوقت بالتشبه بالصائمين ، كما يستحب القضاء عند المالكية ،
ولا يلزم عند الحنفية . ولاقضاء عليه في الأصح عند الشافعية لعدم التمكن من
زمن يسع الأداء ، ولا يلزمه إمساك بقية النهار في الأصح ؛ لأنه أفطر لعذر فأشبه
المسافر والمريض . لكن إن أسلم المرتد ، وجب عليه عند الشافعية والحنابلة قضاء
ما تركه في حال الكفر ؛ لأنه التزم ذلك بالإسلام ، فلم يسقط ذلك بالردة كحقوق
الآدميين .
- ٦١١ -

٢ - ٣ - البلوغ والعقل: فلا يجب الصوم على صبي ومجنون ومغمى عليه
وسكران ، لعدم توجه الخطاب التكليفي لهم بعدم الأهلية للصوم ، المفهوم من
قوله ◌َّ: ((رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى
يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ )) فمن زال عقله غير مخاطب بالصوم في حال
زوال العقل ، ولا يصح الصوم من المجنون والمغمى عليه والسكران لعدم إمكان
النية منه .
ويصح الصوم من الصبي المميز أو المميزة كالصلاة ، ويجب عند الشافعية
والحنفية والحنابلة على وليه أمره به إذا أطاقه بعد بلوغه سبع سنين ، وضربه
حينئذ على الصوم بعد بلوغه عشر سنين ، إذا تركه ليعتاده ، كالصلاة ، إلا أن
الصوم أشق ، فاعتبرت له الطاقة ، لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصيام .
وقال المالكية : لا يؤمر الصبيان بالصوم بخلاف الصلاة ، فلاصيام على
الصبيان حتى يحتلم الغلام وتحيض الفتاة، وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان
فريضة .
فإذا بلغ الصبي أثناء اليوم أمسك عند الحنفية بقية اليوم ، كما لو أسلم الكافر ،
وصام مابعده من الأيام ، لتحقق السببية والأهلية ، ولم يقض يوم الذي تأهل
فيه ، ولا مامضى قبله من الشهر، لعدم الخطاب بعدم الأهلية له . ومن أغمي
عليه في رمضان ، لم يقض عند الحنفية اليوم الذي حدث فيه الإغماء ، لوجود
الصوم ، وهو الإمساك المقرون بالنية ، إذ الظاهر وجودها منه ؛ لأن ظاهر حال
المسلم في ليالي رمضان عدم الخلو عن النية . وقضى مابعده من الأيام لانعدام
النية . وإن أغمي عليه أول ليلة قضاه كله غير يوم تلك النية ، لأن ظاهر حال
المسلم نية الصوم .
- ٦١٢ -

ومن أغمي عليه رمضان كله ، قضاه ؛ لأنه نوع مرض يُضعف القُوى ،
ولا يزيل الحجا ، فيصير عذراً في التأخير، لافي الإسقاط .
وإذا أفاق المجنون في بعض رمضان ، قضى مامضى منه ؛ لأن السبب - وهو
شهود الشهر - قد وجد ، وأهلية نفس الوجوب بالذمة وهي متحققة بلامانع ،
فإذا تحقق الوجوب بلامانع ، تعين القضاء . وإن استوعب الجنون جميع ما يمكنه
فيه إنشاء الصوم ، لا يقضي للحرج ، بخلاف الإغماء ؛ لأنه لا يستوعب الوقت
عادة ، وامتداده نادر ، ولاحرج في ترتيب الحكم على ماهو من النوادر .
والخلاصة : أن الإغماء والجنون المتقطع لا يمنع إيجاب الصوم وقضاءه ، وأما
الجنون المستوعب لجميع الشهر، فلاقضاء على صاحبه ، وأما الإغماء ففيه القضاء ،
والسكر كالإغماء .
وقال المالكية : لا يصح صوم المجنون ، ويجب عليه القضاء مطلقاً في
المشهور، لقوله مَّ الّ: ((وعن المجنون حتى يفيق)) قال ابن رشد : وفيه ضعف،
ولا يصح أيضاً صوم المغمى عليه مطلقاً ، ويجب عليه القضاء إن بقي مغمى عليه
يوماً فأكثر ، فإن أغمي عليه يسيراً كنصف اليوم فأقل بعد الفجر ، لم يقض .
وإن أغمي عليه ليلاً ، فأفاق بعد طلوع الفجر ، فعليه قضاء الصوم ، لفوات
محل النية ، وهو ليس بعاقل ، ولا يقضي من الصلوات إلا ماأفاق في وقتها ،
ويختلف الإغماء عن النوم لكونه بين رتبتي الجنون والنوم .
ولا يقضي النائم مطلقاً ولو نام كل النهار ، والسكر كالإغماء إلا أنه يلزمه
الإمساك في يومه ، ومن سكر ليلاً وأصبح ذاهب العقل ، لم يجز له الفطر ،
ويلزمه القضاء .
وقال الشافعية : إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون في أثناء النهار ، فكما لو
- ٦١٣ -

أسلم الكافر ، لاقضاء عليهم في الأصح ، ولا يلزمهم إمساك بقية النهار في الأصح .
ويجب قضاء مافات بالإغماء والردة والسكر ، دون الكفر الأصلي والصّبا
والجنون إلا إذا كان متعدياً بجنونه بأن تناول ليلاً عامداً شيئاً أزال عقله نهاراً ،
فعليه قضاء ماجن فيه من الأيام ، فلايجب قضاء مافات على الكافر ، لما في
وجوبه من التنفير عن الإسلام ولقوله تعالى ﴿قل للذين كفروا : إن ينتهوا
يغفر لهم ماقد سلف﴾، ولا على الصبي والمجنون لارتفاع قلم التكليف عنهما .
ولو ارتد ، ثم جن أو سكر، فالأصح قضاء جميع أيام الجنون ، وأيام
السكر، لأن حكم الردة مستمر ، بخلاف السكر. ويجب القضاء على الحائض
والمفطر بلا عذر ، وتارك النية ، والمسافر والمريض ، كما سيأتي .
وقال الحنابلة : إن بلغ الصغير صائماً ذكراً كان أو أنثى في أثناء نهار
رمضان بتمام سن الخامسة عشرة أو باحتلام ( أي إنزال مني بسبب حلم ) ، أتم
صومه بغير خلاف ، ولاقضاء عليه إن كان نوى ليلاً ، ولامانع أن يكون أول
الصيام نفلاً وباقيه فرضاً ، كنذر إتمام نفل .
وإذا أفاق المجنون في أثناء الشهر، فعليه صوم مابقي من الأيام بغير
خلاف ، ولا يلزمه سواء أكان متعدياً بجنونه أم لا قضاء مامضى خلافاً للمالكية ،
وخلافاً للحنفية إن أفاق في أثناء الشهر ؛ لأن الجنون معنى يزيل التكليف ، فلم
يجب القضاء في زمانه كالصغر والكبر .
وأما قضاء اليوم الذي أسلم فيه الكافر أو بلغ الصغير أو أفاق فيه المجنون ،
وإمساكه فيه ، ففيه روايتان ، أصحهما لزوم إمساك ذلك اليوم وقضاؤه ، لحرمة
الوقت ، ولقيام البينة فيه بالرؤية ، ولإدراكه جزءاً من وقته كالصلاة . وكذا
يلزم الإمساك والقضاء على كل من أفطر لغير عذر ، ومن أفطر ظاناً أن الفجر لم
- ٦١٤ -

يطلع وقد كان طلع ، أو ظن الشمس قد غابت ولم تغب ، أو الناسي النية ، أو
طهرت الحائض والنفساء ، أو تعمدت مكلفة الفطر ، ثم حاضت أو نفست ، أو
تعمد الفطر مقيم ثم سافر ، أو قدم مسافر أو أقام مدة تمنع القصر ، أو برئ مريض
مفطر . أما النوم فلا يؤثر في الصوم ، سواء وجد في بعض النهار أو جميعه .
والخلاصة : أن الجنون المستمر لا يوجب القضاء عند الجمهور ، ويوجبه عند
المالكية على المشهور. وأما الإغماء فيوجب القضاء بالاتفاق . ويصح صوم المغمى
عليه عند الشافعية والحنابلة إن أفاق لحظة من النهار ، فإن أطبق الاغماء جميع
النهار لم يصح الصوم ، ويصح صوم المغمى عليه مطلقاً عند الحنفية ، ولا يصح
صومه عند المالكية إلا إذا أغمي يسيراً كنصف اليوم فأقل .
٤، ٥ - القدرة ( أو الصحة من المرض ) ، والإقامة : فلا يجب الصوم
على المريض والمسافر ، ويجب عليهما القضاء إن أفطرا إجماعاً ، ويصح صومها إن
صاما ، والدليل قوله تعالى: ﴿ أياماً معدودات ، فمن كان منكم مريضاً أو على
سفر ، فعدة من أيام أخر ، وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ، فمن تطوع
خيراً فهو خير له ، وأن تصوموا خيرلكم إن كنتم تعلمون ﴾ وإذا قدم المسافر
أمسك عن الطعام والشراب بقية يومه ، كما إذا طهرت الحائض في بعض النهار .
كما لا يجب الصوم على من لم يطقه للكبر، ولاعلى نحو حائض لعجزها شرعاً ،
ولا على حامل أو مرضع لعجزهما حساً . ويشترط لعدم وجوب الصوم على المسافر
أن يكون السفر سفر قصر ، وأن يكون عند الجمهور ( غير الحنفية ) مباحاً ؛ لأن
الرخص لاتناط بالمعاصي ، ولا يشترط كونه مباحاً عند الحنفية ؛ لأن سبب وجود
الترخص وهو السفر قائم ، وأن يكون السفر عند الجمهور (غير الحنابلة ) قبل
الفجر ، فلو أصبح المقيم صائماً ، فسافر ، فلا يفطر ؛ لأن الصوم عبادة اجتمع فيها
الحضر والسفر ، فغلب جانب الحضر ؛ لأنه الأصل . لكن لو أصبح صائماً فمرض ،
- ٦١٥ -

أفطر لوجود المبيح للإفطار ، ولو أقام المسافر ، وشفي المريض ، حرم الفطر .
ولم يشترط الحنابلة هذا الشرط ، لكن الأفضل لمن سافر في أثناء يوم نوى
صيامه إتمام الصوم ، خروجاً من خلاف من لم يبح له الفطر ، تغليباً لحكم الحضر ،
كالصلاة .
وأضاف الحنفية شرطاً آخر لوجوب الصوم وهو مفهوم أصولياً : وهو العلم
بالوجوب لمن أسلم بدار الحرب ، أو الكون بدار الإسلام لمن نشأ فيها .
المطلب الثاني - شروط صحة الصوم :
اشترط الحنفية (١) لصحة الصوم شروطاً ثلاثة : هي النية ، والخلوعما ينافي
الصوم من حيض ونفاس ، وعمايفسده . فإذا حاضت المرأة أفطرت وقضت .
واشترط المالكية(٢) أربعة شروط هي النية ، والطهارة عن الحيض والنفاس ،
والإسلام ، والزمان القابل للصوم ، فلا يصح في يوم العيد ، واشترطوا أيضاً لصحة
الصوم : العقل : فلا يصح من مجنون ولامغمى عليه ، ولا يجب عليهما أيضاً .
واشترط الشافعية(٣) أربعة شروط أيضاً: وهي الإِسلام، والعقل ، والنقاء
عن الحيض والنفاس جميع النهار، والنية ، فلا يصح صوم الكافر والمجنون والصبي
غير المميز والحائض والنفساء .
واشترط الحنابلة(٤) شروطاً ثلاثة: هي الإسلام ، والنية ، والطهارة عن
(١) مراقي الفلاح: ص ١٠٥، الدر المختار: ٢ / ١١٦ ومابعدها .
(٢) القوانين الفقهية: ص ١١٣، الشرح الصغير: ١ / ٦٨١ وما بعدها، ٦٩٥ وما بعدها ، الشرح
الكبير : / ٥٢٢ .
(٣) مغني المحتاج: ٤٢٣/١، ٤٣٢، المهذب : ١٧٧/١ .
(٤) كشاف القناع: ٢ / ٣٥٩، ٣٦٦، ٣٧٦، المغني: ٣ / ١٣٧ وما بعدها .
- ٦١٦ -

الحيض والنفاس . ويظهر من ذلك أن الفقهاء اتفقوا على اشتراط النية ،
والطهارة من الحيض والنفاس جميع النهار . وأما الإسلام فهو شرط صحة عند
الجمهور وشرط وجوب عند الحنفية كمابينا . وسنبحث شرط النية تفصيلاً .
شرط الطهارة : اتفق الفقهاء على أنه لا يشترط الخلو عن الجنابة ، حتى
يتمكن من إزالتها ، ولضرورة حصولها ليلاً وطروء النهار ، ولما روت عائشة وأم
سلمة: أن النبي ◌ُّ كان يصبح جُنُبا من جماع غير احتلام، ثم يصوم في
رمضان(١) . وعن أم سلمة قالت: كان رسول الله ◌ُ لم يصبح جنباً من جماع
لاحُلُم ، ثم لا يفطر ولا يقضي(٢) . فمن أصبح جنباً ولم يتطهر ، أو امرأة حائض
طهرت قبل الفجر ، فلم يغتسلا إلا بعد الفجر ، أجزأهما صوم ذلك اليوم .
أما النية فنذكر هنا تعريفها وهل هي شرط أم ركن ، ومحلها ،
وشروطها ، وصفتها ، وأثرها .
تعريف النية : القصد وهو اعتقاد القلب فعل شيء وعزمه عليه ، من غير
تردد . والمراد بها هنا : قصد الصوم ، فمتى خطر بقلبه في الليل أن غداً من
رمضان وأنه صائم فيه ، فقد نوى .
هل النية شرط أم ركن ؟
اتفق الفقهاء على أن النية مطلوبة في كل أنواع الصيام ، فرضاً كان أو
تطوعاً ، إما على سبيل الشرطية أو الركنية ، علماً بأن الشرط : ما كان خارج
ماهية أو حقيقة الشيء ، والركن عند الحنفية : ما كان جزءاً من الماهية . لقوله
عَّ: ((إنما الأعمال بالنيات))(٣) وقوله أيضاً: ((من لم يُجمع الصيام قبل
(١) متفق عليه ( نيل الأوطار: ٤ / ٢١٢).
(٢) رواه الشيخان ( المصدر السابق ) .
(٣) رواه البخاري ومسلم عن عمر رضي الله عنه .
- ٦١٧ -

الفجر، فلا صيام له)) (١) وعن عائشة مرفوعاً إلى النبي عَ ل: ((من لم يبيت
الصيام قبل طلوع الفجر ، فلاصيام له )) (٢) ولأن الصوم عبادة محضة ، فافتقر إلى
النية كالصلاة .
واعتبرها الحنفية والحنابلة وكذا المالكية على الراجح ، شرطاً(٣)؛ لأن صوم
رمضان وغيره عبادة ، والعبادة : اسم لفعل يأتيه العبد باختياره خالصاً لله تعالى
بأمره ، والاختيار والإخلاص لا يتحققان بدون النية ، فلا يصح أداء الصوم إلا
بالنية ، تمييزاً للعبادات عن العادات .
وهي عند الشافعية(٤) ركن كالإمساك عن المفطرات .
ومحل النية : القلب ، ولا تكفي باللسان قطعا ، ولا يشترط التلفظ بها
قطعاً(٥). لكن يسن عند الجمهور (غير المالكية ) التلفظ بها ، والأولى عند المالكية
ترك التلفظ بها .
شروط النية : يشترط في النية ما يأتي :
١ - تبييت النية: أي إيقاعها ليلاً، وهو شرط متفق عليه(١) ، للحديث
السابق: (( من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر، فلاصيام له )) ولأن النية عند
ابتداء العبادة كالصلاة .
لكن تساهل بعض الفقهاء أحياناً في تحديد وقت النية لبعض أنواع الصيام .
(١) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن حفصة رضي الله عنها ( نيل الأوطار: ٤ / ١٩٥).
(٢) رواه الدارقطني، وقال: إسناده كلهم ثقات، وفي لفظ ((من لم يبيت الصيام من الليل فلاصيام له)).
(٣) البدائع: ٢ / ٨٣، كشاف القناع: ٢ / ٣٦٦، الشرح الكبير مع الدسوقي: ١ / ٥٢٠ .
(٤) مغني المحتاج: ١ / ٤٢٣ .
(٥) مغني المحتاج ، المكان السابق :
(٦) البدائع: ٢ / ٨٥، الشرح الكبير: ١ / ٥٢٠، الشرح الصغير: ١ / ٦٩٥، مغني المحتاج: ١ / ٤٢٣ ،
كشاف القناع: ٢ / ٣٦٦، المغني : ٣ / ٩١ .
- ٦١٨ -

فقال الحنفية(١) : الأفضل في الصيامات كلها أن ينوي وقت طلوع الفجر
إن أمكنه ذلك ، أو من الليل ؛ لأن النية عند طلوع الفجر تقارن أول جزء من
العبادة حقيقة ، ومن الليل تقارنه تقديراً .
وإن نوى بعد طلوع الفجر: فإن كان الصوم ديناً ، لا يجوز بالإجماع ، وإن
كان عيناً وهو صوم رمضان ، وصوم التطوع خارج رمضان ، والمنذور المعين ،
يجوز .
فالصوم نوعان :
أ - نوع يشترط له تبييت النية وتعيينها : وهو ما يثبت في الذمة : وهو
قضاء رمضان ، وقضاء ما أفسده من نفل ، وصوم الكفارات بأنواعها ككفارة
اليمين وصوم التمتع والقرآن ، والنذر المطلق ، كقوله : إن شفى الله مريضي ،
فعلي صوم يوم مثلاً ، فحصل الشفاء . فلا يجوز صوم ذلك إلا بنية من الليل .
ب - ونوع لا يشترط فيه تبييت النية وتعيينها : وهو ما يتعلق بزمان
بعينه ، كصوم رمضان ، والنذر المعين زمانه ، والنفل كله مستحبه ومكروهه ،
يصح بنية من الليل إلى ماقبل نصف النهار على الأصح ، ونصف النهار : من
طلوع الفجر إلى وقت الضحوة الكبرى .
وقال المالكية(٢): يشترط لصحة النية إيقاعها في الليل من الغروب إلى
آخر جزء منه ، أو إيقاعها مع طلوع الفجر ، ولا يضر في الحالة الأولى ماحدث
بعد النية من أكل أو شرب أو جماع ، أو نوم ، بخلاف الإغماء والجنون ، فيبطلانها
(١) البدائع: ٢ / ٨٥، فتح القدير: ٢ / ٤٣ - ٥٠، ٦٢، مراقي الفلاح: ص ١٠٦ وما بعدها، الكتاب مع
اللباب : ١ / ١٦٣ .
(٢) الشرح الصغير: ١ / ٦٩٥ ومابعدها، الشرح الكبير: ١ / ٥٢٠ ، القوانين الفقهية: ص ١١٥، ١١٧، بداية
المجتهد : ١ / ٢٨٤ .
- ٦١٩ -

إن استمر للفجر ، وإلا فلا . فلو نوى نهاراً قبل الغروب لليوم المستقبل ، أو قبل
الزوال لليوم الذي هو فيه ، لم تنعقد ولو نفلاً .
وقال الشافعية(١) : يشترط لفرض الصوم من رمضان ، أو غيره كقضاء أو
نذر تبييت النية ليلاً ، والصحيح أنه لا يشترط النصف الآخر من الليل ، وأنه
لا يضر الأكل والجماع بعدها ، وأنه لا يجب تجديد النية إذا نام ثم تنبه .
ويصح صوم النفل بنية قبل الزوال؛ لأنه عائل قال لعائشة يوماً: ((هل
عندكم من غداء ؟ قالت : لا ، قال : فإني إذن أصوم ، قالت : وقال لي يوماً
آخر: أعندكم شيء ؟ قلت : نعم ، قال : إذن أفطر ، وإن كنت فرضت
الصوم))(٢) واختص بما قبل الزوال للخبر ، إذ الغداء : اسم لما يؤكل قبل الزوال ،
والعشاء : اسم لما يؤكل بعده، ولأنه مضبوط بيِّن، ولإدراك معظم النهار به .
وبدهي أنه يشترط لصحة الصوم الامتناع عن المفطرات من أول النهار .
وقال الحنابلة(٣) كالشافعية: الصوم الواجب أو الفرض لا يصح إلا بنية من
الليل ، للحديث المتقدم: (( من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلاصيام له )» وأما
صوم التطوع فيصح بنية قبل النهار ، وبعده خلافاً للشافعية ، إذا لم يكن طعم
بعد الفجر، لحديث عائشة المتقدم ، قالت: ((دخل علي النبي ◌َّ ذات يوم ،
فقال : هل عندكم شيء ؟ فقلنا : لا ، قال: فإني إذاً صائم))(٤) ويدل عليه أيضاً
حديث عاشوراء: ((هذا يوم عاشوراء ، ولم يكتب الله عليكم صيامه ، وأنا
صائم ، فمن شاء فليصم ، ومن شاء فليفطر ))(٥) ، ولأن الصلاة خفف نفلها عن
(١) مغني المحتاج: ١ / ٤٢٣ وما بعدها .
(٢) رواه الدارقطني وصحح إسناده .
(٣) المغني: ٣ / ٩١، ٩٦، كشاف القناع: ٢ / ٣٦٦ - ٣٦٩.
(٤) رواه مسلم وأبو داود والنسائي .
(٥) متفق عليه عن معاوية .
- ٦٢٠ -