النص المفهرس
صفحات 581-600
فصادف يوم الشك . ويندب الإمساك ( الكف عن المفطر ) يوم الشك ليتحقق الحال ، فإن ثبت رمضان وجب الإمساك لحرمة الشهر، ولو لم يكن أمسك أولاً . وقال الشافعية(١) : يوم الشك : هو يوم الثلاثين من شعبان في حال الصحو، إذا تحدث الناس برؤية الهلال ليلته، ولم يعلم من رآه، ولم يشهد برؤيته أحد ، أو شهد بها صبيان أو عبيد أو فسقة أو نساء ، وظن صدقهم ، أو شهد شخص عدل ولم يكتف به . وليس إطباق الغيم بشك ، كما أنه إذا لم يتحدث أحد من الناس بالرؤية فليس بشك ، بل هو يوم من شعبان ، وإن أطبق الغيم ، لخبر الصحيحين المتقدم: ((فإن غم عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)). وحكمه : أنه يحرم ولا يصح التطوع بالصوم يوم الشك ، لقول عمار بن ياسر رضي الله عنه: ((من صام يوم الشك، فقد عصى أبا القاسم ◌ُطفٍ)) (٢). وحكمة التحريم : توفير القوة على صوم رمضان ، وضبط زمن الصوم وتوحيده بين الناس ، دون زيادة . وكذلك يحرم صوم يوم أو يومين قبل رمضان ، والأظهر أنه يلزم الإمساك من أكل يوم الشك ، ثم ثبت كونه من رمضان ، لأن صومه واجب عليه ، إلا أنه جهله . ويجوز صوم يوم الشك عن القضاء والنذر والكفارة ، ولموافقة عادة تطوعه ، ونحوه مما له سبب يقتضي الصوم ، على الأصح مسارعة لبراءة الذمة ، فيما عدا الاعتياد، وعملاً في الاعتياد بالحديث المتقدم: (( ... إلا رجل كان يصوم صوماً ، فليصمه )) ويجب الإمساك على من أصبح يوم الشك مفطراً ، ثم تبين أنه (١) مغني المحتاج: ١ / ٤٣٣، ٤٣٨. (٢) رواه أصحاب السنن الأربعة ، وصححه الترمذي وغيره . - ٥٨١ - من رمضان ، ثم يقضيه بعد رمضان فوراً ، وإن صامه متردداً بين كونه نفلاً من شعبان أو فرضاً من رمضان ، لم يصح فرضاً ولانفلاً إن ظهر أنه من رمضان . وقال الحنابلة(١): يوم الشك: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال ليلته ، مع كون السماء صحواً لاعلة فيها من غيم أو قَتَر ونحوهما ، أو شهد برؤية الهلال من ردت شهادته لفسق ونحوه ، فهم في تحديده كالشافعية . وحكمه كما قال المالكية : يكره ويصح صوم يوم الشك بنية الرمضانية احتياطاً ، ولا يجزئ إن ظهر منه ، إلا إذا وافق عادة له ، أو وصله بصيام قبله ، فلاكراهة، للحديث المتقدم: (( لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين ، إلا رجل كان يصوم صوماً ، فليصمه )) وإلا أن يصومه عن قضاء أو نذر أو كفارة ، فلاكراهة ؛ لأن صومه واجب إذاً . وإن صامه موافقة لعادة ثم تبين أنه من رمضان ، فلا يجزئه عنه ، ويجب عليه الإمساك فيه ، وقضاء يوم بعده . والخلاصة : أن صوم يوم الشك مكروه عند الجمهور ، حرام عند الشافعية . ٣ - صوم عيد الفطر والأضحى وأيام التشريق بعده : مكروه تحريماً عند الحنفية ، حرام لا يصح عند باقي الأئمة (١٢، سواء أكان الصوم فرضاً أم نفلاً، ويكون عاصياً إن قصد صيامها ، ولا يجزئه عن الفرض لما روى أبو هريرة: (( أن رسول الله مُ ◌ّ نهى عن صيام يومين: يوم فطر ، ويوم أضحى))(٣) والنهي عند غير الحنفية يقتضي فساد المنهي عنه وتحريمه . وروى مسلم في صحيحه عن النبي ◌ُ ◌ّ: ((أيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى)). (١) المغني: ٣ / ٨٩، كشاف القناع: ٢ / ٣٥٠ - ٣٥١، ٣٩٨ وما بعدها. (٢) الدر المختار: ٢ / ١١٤، مراقي الفلاح: ص ١٠٦، القوانين الفقهية: ص ١١٤، مغني المحتاج: ١ / ٤٣٣، المهذب: ١ / ١٨٩، المغني: ٣ / ١٦٣، كشاف القناع: ٢ / ٣٩٩. (٣) متفق عليه ، وعن أبي سعيد الخدري عند الشيخين ( البخاري ومسلم ) مثله . - ٥٨٢ _ وقصر المالكية تحريم صوم التشريق على يومين بعد الأضحى ، وقال الجمهور : ثلاثة أيام بعده ، وأما صوم اليوم الرابع عند المالكية فمكروه فقط . وتحريم الصوم في أيام العيدين عند الشافعية ، ولو لمتمتع بالحج والعمرة ، للنهي عن صيامها كما رواه أبو داود بإسناد صحيح . واستثنى الجمهور ( الحنفية والمالكية والحنابلة ) حالة الحج للمتمتع والقارن ، فأجازوا لهما صيامها ، لقول ابن عمر وعائشة: ((لم يرخص في أيام التشريق أن يُصْنَ إلا لمن لم يجد الهدي))(١) . ٤ - صوم الحائض والنفساء حرام ولا يصح ولا ينعقد ، كما بينا في مبحث الحيض والنفاس ، وعليهما قضاء الصوم دون الصلاة . ه - قال الشافعية : يحرم صوم النصف الأخير من شعبان الذي منه يوم الشك ، إلا لوژد بأن اعتاد صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم أو صوم يوم معين كالاثنين فصادف مابعد النصف ، أو نذر مستقر في ذمته ، أو قضاء لنفل أو فرض ، أو كفارة ، أو وصل صوم مابعد النصف بما قبله ، ولو بيوم النصف . ودليلهم حديث: ((إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا))(٢) ولم يأخذ به الحنابلة وغيرهم لضعف الحديث في رأي أحمد . ٦ - صيام من يخاف على نفسه الهلاك بصومه . النوع الثالث - الصوم المكروه : هو كصوم الدهر(٣) ، وإفراد يوم الجمعة بالصوم ، وإفراد يوم السبت ، وصوم (١) رواه البخاري . (٢) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة ، وهو حسن ، كما ذكر السيوطي وصححه ابن حبان وغيره ( سبل السلام : ٢ / ١٧١ ) . (٣) الدهر: الأبد المحدود، وأما قوله ◌َّم: ((لا تسبوا الدهر، فإن الدهر هو الله)) فمعناه أن ماأصابك من الدهر فالله فاعله ، ليس الدهر، فإذا سببت به الدهر، فكأنك أردت الله سبحانه ( مغني المحتاج: ١ / ٤٤٨ ). - ٥٨٣ - يوم الشك وصوم يوم أو يومين قبل رمضان عند الجمهور، ويحرم الأخيران عند الشافعية ، والراجح عند المالكية عدم كراهة صوم الدهر وإفراد الجمعة بالصوم . والكراهة فيهما عند غير المالكية تنزيهية . وللفقهاء تفصيلات في بيان الصوم المكروه : فقال الحنفية(١): الصوم المكروه قسمان : مكروه تحريماً ، ومكروه تنزيهاً . والمكروه تحريماً : هو صوم أيام العيدين والتشريق وصوم يوم الشك ، لورود النهي السابق عن صيامها ، فإذا صامها انعقد صومه مع الإثم ، ولا يلزم القضاء لمن شرع في صومه وأفسده ، لأن المبدأ الأصولي عندهم هو أن النهي المتوجه إلى وصف من أوصاف العمل اللازم له يقتضي فساد الوصف فقط ، ويبقى أصل العمل على مشروعيته . والمكروه تنزيهاً: هو إفراد صيام يوم عاشوراء ( العاشر من المحرم ) عن التاسع أو عن الحادي عشر، وإفراد يوم الجمعة في قول البعض ، ويوم السبت ، ويوم النيروز ( يوم في طرف الربيع ) والمهرجان ( يوم في طرف الخريف ) بالصوم إلا أن يوافق ذلك عادته ، فتزول علة الكراهة، أما الجمعة فلقوله تعالى : (( لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)) (٢). وأما السبت: فلقوله ◌ِالّ: (( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة، فليمضغه))(٣). وأما النيروز والمهرجان فلأن فيه تعظيم أيام نهينا عن تعظيمها . (١) الدر المختار: ٢ / ١١٤ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ١٠٦. (٢) رواه مسلم، ورواه الجماعة عن أبي هريرة بلفظ ((لاتصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم)) ( نيل الأوطار : ٤ / ٢٤٩ ) . (٣) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي عن عبد الله بن بُشْر عن أخته الصماء (نيل الأوطار: ٤ / ٢٥١). - ٥٨٤ _ ويكره تنزيهاً أيضاً صوم الدهر؛ لأنه يضعفه ، ولحديث (( لاصام من صام الأبد)) (١) ويكره صوم الصمت : وهو أن يصوم ولا يتكلم بشيء ، وعليه أن يتكلم بخير وبحاجة دعت إليه . ويكره صوم الوصال ولو بين يومين فقط ، وهو ألا يفطر بعد الغروب أصلاً حتى يتصل صوم الغد بالأمس ، للنهي عنه ، قال مَ الله: ((إياكم والوصال))(٢) وقالت عائشة: ((نهاهم النبي ◌ُ ◌ّ عن الوصال رحمة لهم ، فقالوا : إنك تواصل ؟ قال : إني لست كهيئتكم ، إني يطعمني ربي ويسقيني ))(٣). ويكره صوم المسافر إذا أجهده الصوم ، وصوم المرأة تطوعاً بغير رضا زوجها ، وله أن يفطرها ، لقيام حقه واحتياجه ، إلا أن يكون مريضاً أو صائماً أو محرماً بحج أو عمرة . وقال المالكية(٤): قال العلامة خليل : يندب صوم الدهر ولا يكره ، للإجماع على لزومه لمن نذره ، ولو كان مكروهاً أو ممنوعاً لما لزم على القاعدة ، ويندب صوم يوم الجمعة ولا يكره لأن محل النهي عن ذلك على خوف فرضه ، وقد انتفت هذه العلة بوفاته عليه الصلاة والسلام ، وقال ابن جزي : المكروه : صوم الدهر ، وصوم يوم الجمعة خصوصاً إلا أن يصوم يوماً قبله ، أو يوماً بعده ، وصوم السبت خصوصاً ، وصوم يوم عرفة بعرفة ، وصوم يوم الشك : وهو آخر يوم من شعبان احتياطاً إذا لم يظهر الهلال . وصوم اليوم الرابع من النحر ، إلا (١) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن عبد الله بن عمرو (نيل الأوطار: ٤ / ٢٥٤). (٢) متفق عليه عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ٤ / ٢١٩). (٣) متفق عليه ( نيل الأوطار: ٤ / ٢١٩). (٤) القوانين الفقهية: ص ١١٥، ١١٩، الشرح الصغير: ١ / ٦٨٦، ٦٩٢ - ٦٩٤، ٧٢٢ - ٧٢٣، الشرح الكبير مع الدسوقي : ١ / ٥٣٤ . - ٥٨٥ - لقارن أو متمتع أو لمن لزمه هدي لنقص في الحج ، أو في حالة النذر والكفارات ، فلا يكره . ويكره صوم التطوع لمن عليه صوم واجب كالقضاء ، وصوم الضيف بدون إذن المضيف ، وصوم يوم المولد النبوي ، لأنه شبيه بالأعياد . ويكره نذر صوم يوم مكرر ككل خميس ، لأن التزام يوم متكرر أو دائم يؤدي إلى التثاقل والندم ، فيكون لغير الطاعة أقرب . ويكره تطوع بصوم قبل صوم واجب غير معيَّن ، كقضاء رمضان وكفارة . أما المعين فلا يكره التطوع فيه . ويكره تعيين صوم الثلاثة البيض من كل شهر وهي الثالث عشر وتالياه ، فراراً من التحديد ، كما يكره صوم ستة من شوال إن وصلها بالعيد مظهراً لها ، ولا يكره إن فرقها أو أخرها أو صامها سراً ، لانتفاء علة اعتقاد الوجوب . وقال الشافعية(١): يكره إفراد الجمعة بالصوم ، وإفراد السبت والأحد بالصوم ، وصوم الدهر غير العيد والتشريق لمن خاف به ضرراً أو فوت حق واجب أو مستحب ، للنهي المتقدم عنها في الأحاديث السابقة ، ولخبر البخاري : ((إن لربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً ، فصم وأفطر ، وم ونم ، وائت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه )). فإن صام العيدين وأيام التشريق أو شيئاً منها مع الدهر ، حرم ، وعليه حمل خبر الصحيحين: ((لاصام من صام الأبد)). ويستحب صوم الدهر لمن لم يخف ضرراً أو فوت حق ، لإطلاق الأدلة ، ولأنه مَافّ قال: ((من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا، وعقد تسعين))(٢). (١) مغني المحتاج: ١ / ٤٤٧ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٨٨ ومابعدها . (٢) رواه البيهقي وأحمد، ومعنى ((ضيقت عليه)) أي عنه، فلم يدخلها ، أو لا يكون له فيها موضع ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٥٥) ورأى الجمهور أن الحديث في صوم الدهر على ظاهره، وحملوه على من صام الأيام المنهي عنها . - ٥٨٦ - -*- -* وهذا موافق لمذهب الحنابلة أيضاً . ويكره صوم المريض والمسافر والحامل والمرضع والشيخ الكبير إذا خافوا مشقة شديدة ، وقد يحرم صومهم إذا خافوا الهلاك أو تلف عضو بترك الغذاء . ولا يكره صوم يوم النيروز والمهرجان . وقال الحنابلة(١): مثل الشافعية ؛ وزادوا أنه يكره صوم الوصال : وهو ألا يفطر بين اليومين ، وتزول الكراهة بأكل تمرة ونحوها ، ويكره صوم بسفر قصر ولو بلامشقة ، فلو سافر ليفطر حرم السفر والفطر . ويكره إفراد رجب بالصوم؛ لأن النبي ◌َ ◌ّ ((نهى عن صيامه))(٢)، ولأن فيه إحياء لشعار الجاهلية بتعظيمه ، وتزول الكراهة بفطره فيه ، ولو يوماً ، أو بصومه شهراً آخر من السنة ، ولا يكره إفراد شهر غير رجب بالصوم . ويكره إفراد يوم نيروز ( اليوم الرابع من الربيع ) ويوم مهرجان ( اليوم التاسع عشر من الخريف ) بالصوم ، وهما عيدان للكفار، لما فيه من موافقة الكفار في تعظيها . ويكره أيضاً صوم يوم الشك ، كما بينا ، وتقدم رمضان بصوم يوم أو یومین ، ولا یکره تقدمه بأکثر من یومین . النوع الرابع - صوم التطوع أو الصوم المندوب : التطوع : التقرب إلى الله تعالى بماليس بفرض من العبادات ، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ومن تطوع خيراً﴾، وقد يعبر عنه بالنافلة كما في الصلاة ، (١) كشاف القناع: ٢ / ٣٩٧ - ٣٩٩، غاية المنتهى: ١ /٣٣٤. (٢) رواه ابن ماجه عن ابن عباس ، وهو ضعيف . وكل حديث روي في فضل صوم رجب أو الصلاة فيه فكذب باتفاق أهل العلم . - ٥٨٧ ١ ٠ لقوله تعالى : ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴾ . ولاشك أن الصوم - كما بينا - من أفضل العبادات، ففي الصحيحين: (( من صام يوماً في سبيل الله ، باعد الله تعالى وجهه عن النار سبعين خريفاً)) وفي الحديث المتقدم: ((كل عمل ابن آدم له ، إلا الصوم فإنه لي ، وأنا أجزي به )) . وأيام صوم التطوع بالاتفاق ما يلي : ١ - صوم يوم وإفطار يوم : أفضل صوم التطوع صيام يوم، وإفطار يوم، لخبر الصحيحين: ((أفضل الصيام صوم داود ، كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً)) وفيه ((لا أفضل من ذلك)»(١) . ٢ - صوم ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل أن تكون الأيام البيض أي أيام الليالي البيض ، وهي الثالث عشر والرابع عشر، والخامس عشر، وسميت بيضاً لابيضاضها ليلاً بالقمر ، ونهاراً بالشمس ، وأجرها كصوم الدهر ، بتضعيف الأجر ، الحسنة بعشر أمثالها من غير حصول المضرة أو المفسدة التي في صيام الدهر. ودليلها ماروى أبو ذر أن النبي ◌ُ ◌ّ قال له: ((إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثالث عشرة، ورابع عشرة، وخامس عشرة))(٢) وروي (( أن النبي مؤقٍّ كان يصوم عدة ثلاثة أيام من كل شهر))(٢) . ٣ - صوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، لقول أسامة بن زيد ((إن النبي ◌ُ ◌ّ كان يصوم يوم الاثنين والخميس ، فسئل عن ذلك فقال: إن أعمال (١) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو، ولفظه: ((صم يوماً وأفطر يوماً، فذلك صيام داود ، وهو أفضل الصيام ، قلت : فإني أطيق أفضل من ذلك ، فقال: لاأفضل من ذلك)) ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٥٤). (٢) رواه الترمذي وحسنه، والنسائي وابن حبان في صحيحه، وأحمد ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٥٢ ومابعدها ، سبل السلام: ٢ / ١٦٨ ) . (٣) رواه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة من حديث ابن مسعود، وأخرج مسلم من حديث عائشة ((كان رسول الله عَ ال يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ما يبالي في أي الشهر صام)) ( سبل السلام: ٢ / ١٦٨). - ٥٨٨ - الناس تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس)) (١)، وفي لفظ: ((وأحب أن يُعْرَض عملي وأنا صائم )) . ٤ - صوم ستة أيام من شوال ، ولو متفرقة ، ولكن تتابعها أفضل عقب العيد مبادرة إلى العبادة ، ويحصل له ثوابها ولو صام قضاء أو نذراً أو غير ذلك ، فمن صامها بعد أن صام رمضان ، فكأنما صام الدهر فرضاً ، لما روى أبو أيوب ((من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال، فذاك صيام الدهر))(٢) وروى ثوبان: (( صيام شهر رمضان بعشرة أشهر ، وصيام ستة أيام بشهرين ، فذلك سنة))(٣) يعني أن الحسنة بعشر أمثالها ، الشهر بعشرة أشهر ، والستة بستين ، فذلك سنة كاملة . ٥ - صوم يوم عرفة: وهو تاسع ذي الحجة لغير الحاج ، لخبر مسلم: (( صيام يوم عرفة أحتسب على الله أنه يكفر السنة التي قبله ، والسنة التي بعده )) وهو أفضل الأيام لخبر مسلم: (( مامن يوم أكثر من أن يعتق الله فيه من النار من يوم عرفة))، وأما قوله ◌َ التّ: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة)) فمحمول على غير يوم عرفة بقرينة ماذكر (٤) . أما الحاج فلايسن له صوم يوم عرفة ، بل يسن له فطره وإن كان قوياً ، ليقوى على الدعاء ، واتباعاً للسنة ، كما روى الشيخان ، فصومه له خلاف الأولى ، قال أبو هريرة رضي الله عنه: (( نهى رسول الله مَُّفّ عن صوم يوم عرفة (١) رواه أبو داود . (٢) رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي، ورواه أحمد من حديث جابر ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٣٧). (٣) رواه سعيد بن منصور بإسناده عن ثوبان . (٤) قيل : المكفر الصغائر دون الكبائر، ورد عليه: وهذا تحكم يحتاج إلى دليل ، والحديث عام ، وفضل الله واسع لا يحجر . - ٥٨٩ - بعرفات )) (١) . ولا بأس بصومه للحاج عند الحنفية إذا لم يضعفه الصوم . ٦ - صوم الثمانية الأيام من ذي الحجة قبل يوم عرفة للحاج وغيره ، لقول حفصة: ((أربع لم يكن يدعُهنَّ رسول الله مَ ◌ّ: صيام عاشوراء ، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة)) (٢) وقد تقدم في بحث ((صلاة العيدين)) أحاديث تدل على فضيلة العمل في عشر ذي الحجة عموماً ، والصوم مندرج تحتها . ٧ - صوم تاسوعاء وعاشوراء : وهما التاسع والعاشر من شهر المحرم ، ويسن الجمع بينهما ، لحديث ابن عباس مرفوعاً: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر)) (٣) ويتأكد صيام عاشوراء لقوله ◌ّ الرّ فيه: ((أحتسب على الله تعالى أن يكفر السنة التي قبله))(٤)، وإنما لم يجب صومه لخبر الصحيحين: ((إن هذا اليوم يوم عاشوراء ، ولم يكتب عليكم صيامه ، فمن شاء فليصم ، ومن شاء فليفطر )) وحملوا الأخبار الواردة بالأمر بصومه على تأكد الاستحباب . والحكمة من صيام عاشوراء: مابينه ابن عباس، قائلاً: ((قدم النبي مَ ◌ٍّ ، فرأى اليهود تصوم عاشوراء ، فقال : ماهذا ؟ قالوا : يومٌ صالح ، نجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم ، فصامه موسى ، فقال : أنا أحق بموسى منكم ، فصامه ، وأمر بصيامه )»(٥) . (١) رواه أحمد وابن ماجه ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٣٩). (٢) رواه أحمد وأبو داود والنسائي ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٣٨). (٣) رواه الخلال بإسناد جيد، واحتج به أحمد، وروى مسلم: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع)). (٤) روى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن أبي قتادة قال: قال رسول الله عَ ل: ((صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة ، وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية)) وحكمة التفرقة : أن عرفة يوم محمدي : يعني أن صومه مختص بأمة محمد الفل، وعاشوراء يوم موسوي، ونبينا محمد عملياتل أفضل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٣٨) . (٥) متفق عليه ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٤١). - ٥٩٠ - فإن لم يصم مع عاشوراء تاسوعاء ، سن عند الشافعية أن يصوم معه الحادي عشر ، بل نص الشافعي في الأم والإملاء على استحباب صوم الثلاثة . وذكر الحنابلة أنه إن اشتبه على المسلم أول الشهر، صام ثلاثة أيام ، ليتيقن صومها ، وتاسوعاء وعاشوراء آكد شهر الله المحرم . ولا يكره عند الجمهور غير الحنفية إفراد العاشر بالصوم . ٨ - صيام الأشهر الحرم : وهي أربع: ثلاثة متوالية: وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم ، وواحد منفرد وهو رجب ، وهي أفضل الشهور للصوم بعد رمضان ، وأفضل الأشهر الحرم : المحرم ، ثم رجب ، ثم باقي الحرم ، ثم بعد الحرم شعبان . واستحباب صوم هذه الأشهر هو عند المالكية والشافعية(١) ، واكتفى الحنابلة باستحباب صوم المحرم ، فهو عندهم أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان ، لقوله مسافةٍ: ((أفضل الصلاة بعد المكتوبة جوف الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم)) (٢) ، وأفضل المحرم يوم عاشوراء ، كما بينا . وقال الحنفية: المندوب في الأشهر الحرم أن يصوم ثلاثة أيام من كل منها ، وهي الخميس والجمعة والسبت . ٩ - صوم شعبان: لحديث أم سلمة: أن النبي ◌ُ اللّه لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصل به رمضان(٣)، وعن عائشة قالت: ((لم يكن النبي عَدٍّ يصوم أكثر من شعبان، فإنه كان يصومه كله)) (٤) وكره قوم صوم النصف (١) القوانين الفقهية: ص ١١٤، الحضرمية: ص ١١٨ . (٢) رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة . (٣) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن) ولفظ ابن ماجه ((كان يصوم شهري شعبان ورمضان)) ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٤٥ ). (٤) متفق عليه ( المصدر والمكان السابق ) . - ٥٩١ - ١ الآخر من شعبان ، وقال الشافعية: لا يصح صومه ، للحديث المتقدم: ((إذا انتصف شعبان فلاتصوموا )) . آراء المذاهب في الصوم المندوب : للفقهاء تصنيفات لأيام الصوم المتطوع بها ، هي ما يأتي : قال الحنفية(١) : صوم التطوع أنواع ثلاثة : مسنون ، ومندوب ، ونقل . والمسنون: هو ماواظب عليه النبي ◌ُ ◌ّه، والمندوب أو المستحب : هو مالم يواظب عليه وَ لّ، وإن لم يفعله بعدما رغب إليه . والنفل: ماسوى ذلك وهو ما رغب فيه الشرع من مطلق الصوم . أما المسنون : فهو صوم عاشوراء مع التاسع . وأما المندوب : فهو صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، ويندب كونها الأيام البيض : وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وصوم الاثنين والخميس ، وصوم ست من شوال ولا يكره التتابع على المختار، وكل صوم ثبت طلبه والوعد عليه بالسنة كصوم داود عليه السلام . ومنه صوم يوم الجمعة ولو منفرداً ، فلا بأس بصيامه عند أبي حنيفة ومحمد ، لما روي عن ابن عباس أنه كان يصومه ولا يفطر . ومنه صوم يوم عرفة ، ولو لحاج لم يضعفه عن الوقوف بعرفات ، ولا يخل بالدعوات ، فلو أضعفه كره . وأما النفل : فهو ماسوى ذلك مما لم يثبت كراهيته . وذكر الحنفية تصنيفاً آخر فقالوا : أنواع الصوم اللازم ثلاثة عشر : سبعة متتابعة : وهي رمضان ، وكفارة (١) الدر المختار ورد المختار: ٢ / ١١٣ - ١١٦، ١٧١، مراقي الفلاح: ص ١٠٥ ومابعدها. - ٥٩٢ - ظهار وقتل ، ويمين ، وإفطار رمضان بلاعذر ، ونذر معين ، وصوم اعتكاف واجب . وستة يخير فيها بين التتابع والتفريق وهي : صوم النفل ، وقضاء رمضان ، وصوم القرآن والتمتع في الحج إذا عجز عن الذبح ، وفدية حلق ، وجزاء صيد ، ونذر مطلق عن التقييد بشهر كذا وعن ذكر التتابع أو نيته . وقال المالكية(١) : التطوع ثلاثة أنواع : سنة ومستحب ونافلة ، فهم كالحنفية . فالسنة : صيام يوم عاشوراء : وهو عاشر المحرم . والمستحب : صيام الأشهر الحرم وشعبان والعشر الأول من ذي الحجة ، ويوم عرفة ، وستة أيام من شوال ، وثلاثة أيام من كل شهر ، ويوم الاثنين والخميس . والنافلة : كل صوم لغير وقت ولاسبب في غير الأيام التي يجب أو يمنع . وذكر الشافعية(٢) : أن صوم التطوع المؤكد قسمان : قسم لا يتكرر كصوم الدهر . وقسم يتكرر ، وهو أنواع ثلاثة : الأول - ما يتكرر بتكرر السنين : وهو صوم يوم عرفة لغير الحاج والمسافر ، وعشر ذي الحجة ، وعاشوراء وتاسوعاء ، والحادي عشر من المحرم ، وست من شوال ويسن تواليها واتصالها بالعيد . وسن صوم الأشهر الحرم ( وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ) وكذا يسن صوم شعبان . الثاني - ما يتكرر بتكرر الشهور: وهي الأيام البيض : وهي الثالث عشر والرابع والخامس عشر من كل شهر، والأيام السود : وهي الثامن والعشرون (١) القوانين الفقهية: ص ١١٤، بداية المجتهد: ١ / ٢٩٨ - ٣٠٠. (٢) مغني المحتاج: ١ / ٤٤٦ ومابعدها ، الحضرمية : ص ١١٨ . الفقه الإسلامي جـ ٢ (٣٨) - ٥٩٣ - وتالياه ، وعند نقص الشهر يعوض عنه أول الشهر ، ويسن أن يصوم معها السابع والعشرين احتياطاً . وخصت أيام البيض وأيام السود بذلك لتعميم ليالي الأولى بالنور والثانية بالسواد ، فناسب صوم الأولى شكراً ، والثانية لطلب كشف السواد ، ولأن الشهر نميف قد أشرف على الرحيل ، فناسب تزويده بذلك . الثالث - ما يتكرر بتكرر الأسابيع : وهو الاثنين والخميس . وسرد الحنابلة(١) أوقات صوم التطوع فقالوا : أفضل صوم التطوع يومٍ ويوم ، ولا يكره صوم الدهر إلا لخائف ضرراً أو فوت حق . وسن ثلاثة من كل شهر، وكونها أيام البيض أفضل : وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وذلك كصيام الدهر ، فإن الحسنة بعشر أمثالها . ويسن صوم الاثنين والخميس ، وستة من شوال ، والأولى تتابعها وعقب العيد، إلا لمانع كقضاء ، ومن صامها مع رمضان ، كأنما صام الدهر . ويسن صوم المُحرَّم ، وهو أفضل الصيام بعد رمضان ، وآكده عاشوراء وهو كفارة سنة(٢) ، ثم تاسوعاء ، ولا يكره إفراد العاشر بالصوم . ويسن صوم أيام عشر ذي الحجة ، وهي أفضل من العشر الأخير من رمضان ، وآكده يوم عرفة ، وهو كفارة سنتين ، والمراد كفارة الصغائر ، فإن لم تكن رُجي تخفيف الكبائر ، فإن لم تكن فرفع درجات . (١) كشاف القناع: ٢ / ٣٩٣ - ٣٩٦، غاية المنتهى: ١ / ٣٣٤ ومابعدها. (٢) وينبغي فيه التوسعة على العيال، قال ابراهيم بن محمد بن المنتشر، وكان أفضل أهل زمانه، أنه بلغه ((من وسع على عياله يوم عاشوراء ، وسَّع الله عليه سائر سنته )) . - ٥٩٤ - ولا يستحب صيام يوم عرفة لمن كان بعرفة من الحاج ، بل فطره أفضل ، لما روت أم الفضل بنت الحرث (( أنها أرسلت إلى النبي عَ لّ بقدح لبن، وهو واقف على بعيره بعرفة، فشرب))(١)، وأخبر ابن عمر أنه ((حج مع النبي ◌ُ ◌ّ ، ثم أبي بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، فلم يصمه أحد منهم » ولأنه يُضعف عن الدعاء ، فكان تركه أفضل . ويكره إفراد رجب بالصوم ، لما بينا سابقاً في الصوم المكروه . ولا يكره إفراد شهر غير رجب بالصوم؛ لأنه مَ ◌ّ ((كان يصوم شعبان ورمضان)) أي أحياناً ، إذ لم يداوم على غير رمضان . هل يلزم التطوع بالشروع فيه ؟ للفقهاء نظريتان في هذا الموضوع ، الأولى للحنفية والمالكية ، والثانية للشافعية والحنابلة : قال الفريق الأول(٣): من دخل في صوم التطوع أو في صلاة التطوع ، لزمه إتمامه ، فإن أفسده قضاه وجوباً ، كما أنه إذا سافر عمداً فأفطر لسفره ، فعليه القضاء ، لأن المؤدى قربة وعمل صار لله تعالى ، فتجب صيانته بالمضي فيه عن الإبطال ، ولاسبيل إلى صيانة ماأداه إلا بلزوم الباقي ، وإذا وجب المضي وجب القضاء ، ولأن الوفاء بالعقد مع الله واجب ، وحله حرام في كل عبادة يتوقف أولها على آخرها ، لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ وقال مالك: لا ينبغي أن يفطر من صام متطوعاً ، إلا من ضرورة ، وبلغني أن ابن عمر قال : من صام متطوعاً ، ثم أفطر من غير ضرورة ، فذلك الذي يلعب بدينه ، وقياساً على (١) متفق عليه . (٢) اللباب شرح الكتاب: ١ / ١٧١ وما بعدها، فتح القدير: ٢ / ٨٥، ١٠٥، الدر المختار: ٢ / ١٦٤، شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني: ١ / ٢٩٦، فواتح الرحموت: ١ / ١١٤، كشف الأسرار: ١ / ٦٣٢. - ٥٩٥ - النذر ، فإن النفل ينقلب واجباً بالنذر ، ويجب أداؤه ، لكن ذكر الحنفية أنه إذا شرع متطوعاً في خمسة أيام : يومي العيدين وأيام التشريق ، فلا يلزمه قضاؤها في ظاهر الرواية . وقال الفريق الثاني(١): من دخل في تطوع غير حج وعمرة كأن شرع في صوم أو صلاة أو اعتكاف أو طواف أو وضوء أو قراءة سورة الكهف ليلة الجمعة أو يومها ، أو التسبيحات عقب الصلاة ، فلا يلزمه إتمامه ، وله قطعه ، ولاقضاء عليه ، ولا مؤاخذة في قطعه ، لكن يستحب له إتمامه ، لأنه تكميل العبادة ، وهو مطلوب ، ويكره الخروج منه بلاعذر، لظاهر قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه ، ولما فيه من تفويت الأجر . فإن وجد عذر كمساعدة ضيف في الأكل إذا عز عليه امتناع مضيفه منه ، أو عكسه، فلا يكره الخروج منه ، بل يستحب لخبر: ((وإن لزَوْرك عليك حقاً)) والزور: الزائرون ، وخبر (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم (٢) ضيفه )»(٢). ودليلهم على عدم لزوم النفل بالشروع فيه في الصوم: قوله مرات: ((الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر ))(٣) وتقاس الصلاة وبقية النوافل غير الحج والعمرة على الصوم ، ولأن أصل مشروعية النفل غير لازم ، والقضاء يتبع المقضي عنه ، فإذا لم يكن واجباً ، لم يكن القضاء واجباً ، بل (١) مغني المحتاج: ١ / ٤٣٧، ٤٤٨، كشاف القناع: ٢ / ٤٠٠، المغني: ٣ / ١٥١ وما بعدها، شرح المحلي على جمع الجوامع: ١ / ٦٩ ، غاية الوصول للأنصاري: ص ١٢، الوسيط في أصول الفقه للمؤلف، ص ٨٠ وما بعدها ، ط ثانية . (٢) رواهما الشيخان . (٣) رواه أحمد وصححه من حديث أم هانئ ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، وضعفه البخاري . - ٥٩٦ - يستحب ، وروي جواز قطع صوم التطوع عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود . أما التطوع بالحج أو العمرة فيحرم قطعه ، لمخالفته غيره في لزوم الإتمام ، والكفارة بالجماع ، لأن الوصول إليها لا يحصل في الغالب إلا بعد كلفة عظيمة ، ومشقة شديدة ، وإنفاق مال كثير ، ففي إبطالهما تضييع لماله ، وإبطال لأعماله الكثيرة . المبحث الثالث - متى يجب الصوم ، وكيفية إثبات هلال الشهر واختلاف المطالع ؟ : وفيه مطالب ثلاثة : المطلب الأول - متى يجب الصوم ؟ يجب الصوم بأحد أمور ثلاثة(١).) الأول - النذر : بأن ينذر المرء صوم يوم أو شهر تقرباً إلى الله تعالى ، فيجب عليه بإيجابه على نفسه ، ويكون سبب صوم المنذور هو النذر ، فلو عين شهراً أو يوماً ، وصام شهراً أو يوماً قبله عنه ، أجزأه ، لوجود السبب ، ويلغو التعيين . الثاني - الكفارات: عن معصية ارتكبها المرء ، كالقتل الخطأ ، وحنث اليمين ، وإفطار رمضان بالجماع نهاراً ، والظهار ، ويكون سبب الصوم هو القتل أو الحنث أو الإفطار، أو المظاهرة . الثالث - شهود جزء من شهر رمضان من ليل أو نهار على المختار عند الحنفية ، فيكون السبب شهود الشهر . (١) الدر المختار ورد المختار: ٢ / ١١١، مغني المحتاج: ١ / ٤٢٠، الشرح الكبير: ١ / ٥٠٩ ، كشاف القناع: ٢ / ٣٤٩ . - ٥٩٧ - ويجب صوم رمضان : إما برؤية هلاله إذا كانت السماء صحواً ، أو بإكمال شعبان ثلاثين يوماً إذا وجد غيم أو غبار ونحوهما ، لقوله تعالى : ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصه) وقوله مع اليه: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن ثم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))(١) وفي لفظ البخاري: ((الشهر تسع وعشرون ليلة ، فلاتصوموا حتى تروه ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين » وفي لفظ لمسلم : (( أنه ذكر رمضان ، فضرب بيديه ، فقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا ، ثم عقد إبهامه في الثالثة ، صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فاقدُروا ثلاثين )» وقد يقع نقص الشهر أي تسعة وعشرين يوماً مدة شهرين أو ثلاثة أو أربعة فقط ، كما في شرح مسلم للنووي ، ولا تثبت بقية توابع رمضان كصلاة التراويح ووجوب الإمساك على من أصبح مفطراً إلا برؤية الهلال ، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً . المطلب الثاني - كيفية إثبات هلال رمضان وهلال شوال : تتردد أقوال الفقهاء في طريق إثبات هلال رمضان وشوال بين اتجاهات ثلاثة : رؤية جمع عظيم ، ورؤية مسلمين عدلين ، ورؤية رجل عدل واحد . أما الحنفية(٢) فقالوا : أ - إذا كانت السماء صحواً: فلابد من رؤية جمع عظيم لإثبات رمضان ، والفطر أو العيد ، ومقدار الجمع : من يقع العلم الشرعي ( أي غلبه الظن ) (١) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ، ورواه البخاري عن ابن عمر، ورواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر أيضاً بلفظ آخر، ورواه أحمد والنسائي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، ورواه أحمد والنسائي والترمذي بمعناه وصححه عن ابن عباس ، وروي عن آخرين ( نيل الأوطار: ٤ / ١٨٨ - ١٩٢). (٢) رسائل ابن عابدين: ١ / ٢٥٣، الدر المختار: ٢ / ١٢٣ - ١٣٠، مراقي الفلاح: ص ١٠٨ ومابعدها ، اللباب : ١ / ١٦٤ . - ٥٩٨ - بخبرهم ، وتقديرهم مفوض إلى رأي الإمام في الأصح؛ واشتراط الجمع لأن المَطْلع متحد في ذلك المحل ، والموانع منتفية ، والأبصار سليمة ، والهمم في طلب الهلال مستقيمة ، فالتفرد في الرؤية من بين الجم الغفير - مع ذلك - ظاهر في غلط الرأي . ولابد من أن يقول الواحد منهم في الإدلاء بشهادته: ((أشهد)). ب - وأما إذا لم تكن السماء صحواً بسبب غيم أو غبار ونحوه : اكتفى الإمام في رؤية الهلال بشهادة مسلم واحد عدل عاقل بالغ ، ( والعدل : هو الذي غلبت حسناته سيئاته ) أو مستور الحال في الصحيح ، رجلاً كان أو امرأة ، حراً أم غيره ، لأنه أمر ديني ، فأشبه رواية الأخبار . ولا يشترط في هذه الحالة أن يقول: ((أشهد)) وتكون الشهادة في مصر أمام القاضي، وفي القرية في المسجد بین الناس . وتجوز الشهادة على الشهادة ، فتصح الشهادة أمام القاضي بناء على شهادة شخص آخر رأى الهلال . ومن رأى الهلال وحده ، صام ، وإن لم يقبل الإمام شهادته ، فلو أفطر وجب عليه القضاء دون الكفارة . ولا يعتمد على ما يخبر به أهل الميقات والحساب والتنجيم ، لمخالفته شريعة نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم . وقال المالكية(١) : يثبت هلال رمضان بالرؤية على أوجه ثلاثة هي ما يأتي : (١) القوانين الفقهية: ص ١١٥ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٦٨٢ ومابعدها، الشرح الكبير : ١ / ٥٠٩ وما بعدها . - ٥٩٩ - اً - أن يراه جماعة كثيرة وإن لم يكونوا عدولاً: وهم كل عدد يؤمن في العادة تواطؤهم على الكذب . ولا يشترط أن يكونوا ذكوراً أحراراً عدولاً . ٣ - أن يراه عَدْلان فأكثر: فيثبت بها الصوم والفطر في حالة الغيم أو الصحو . والعدل : هو الذكر الحر البالغ العاقل الذي لم يرتكب معصية كبيرة ولم يصر على معصية صغيرة ، ولم يفعل ما يخل بالمروءة . فلا يجب الصوم في حالة الغيم برؤية عدل واحد أو امرأة أو امرأتين على المشهور ، ويجب الصوم قطعاً على الرائي في حق نفسه . وتجوز الشهادة بناء على شهادة العدلين إذا نقل الخبر عن كل واحد اثنان ، ولا يكفي نقل واحد . ولا يشترط في إخبار العدلين أو غيرهم لفظ ((أشهد)). ٣ - أن يراه شاهد واحد عدل: فيثبت الصوم والفطر له في حق العمل بنفسه أو في حق من أخبره ممن لا يعتني بأمر الهلال ، ولا يجب على من يعتني بأمر الهلال الصوم برؤيته ، ولا يجوز الإفطار بها ، فلا يجوز للحاكم أن يحكم بثبوت الهلال برؤية عدل فقط . ولا يشترط في الواحد الذكورة ولاالحرية . فإن كان الإمام هو الرائي وجب الصوم والإفطار . ويجب على العدل أو العدلين رفع الأمر للحاكم أنه رأى الهلال ليفتح باب الشهادة ، ولأنه قد يكون الحاكم ممن يرى الثبوت بعدل . أما هلال شوال : فيثبت برؤية الجماعة الكثيرة التي يؤمن تواطؤها على الكذب ويفيد خبرها العلم أو برؤية العدلين كما هو الشأن في إثبات هلال رمضان . ولا يثبت الهلال بقول منجّم أي حاسب يحسب سير القمر ، لافي حق نفسه ولا غيره ؛ لأن الشارع أناط الصوم والفطر والحج برؤية الهلال ، لابوجوده إن فرض صحة قوله ، فالعمل بالمراصد الفلكية وإن كانت صحيحة لا يجوز . - ٦٠٠ -