النص المفهرس
صفحات 541-560
ثواب ماقرأناه إلى فلان أو إليهم)). روى الدارقطني: ((من مر على المقابر، فقرأ : قل هو الله إحدى عشرة مرة ، ثم وهب أجرها للأموات ، أعطي من الأجر بعدد الأموات )) . وزيارة النساء إن كانت لتجديد الحزن والبكاء والندب على ماجرت به عادتهن لاتجوز، وعليه حمل حديث ((لعن الله زائرات القبور)) فإن كانت للاعتبار والترحم من غير بكاء ، فلابأس . والأفضل لمن يتصدق نفلاً أن ينوي لجميع المؤمنين والمؤمنات ؛ لأنها تصل إليهم ، ولا ينقص من أجره شيء. ويستحب إهداء ثواب القراءة للنبي محمد فهم، لأنه أنقذنا من الضلالة ، ففي ذلك نوع شكر ، وإسداء جميل له . ب - رأي الجمهور: تندب زيارة القبور للرجال للاعتبار والتذكر وتكره للنساء، وكانت زيارتها منهياً عنها، ثم نسخت، لقوله سؤال: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها)» وفي رواية: «ولا تقولوا هُجْراً)) أي كلاماً قبيحاً ، ولا تدخل النساء في ضمير الرجال على المختار . وزيارة قبور الكفار مباحة . وأما وقت الزيارة فقال مالك: بلغني أن الأرواح بفناء المقابر، فلا تختص زيارتها بيوم بعينه ، وإنما يختص يوم الجمعة لفضله والفراغ فيه . وسبب كراهتها للنساء لأنها مظنة لطلب بكائهن ورفع أصواتهن ، لما فيهن من رقة القلب ، وكثرة الجزع ، وقلة احتمال المصائب ، وإنما لم تحرم لما روى مسلم عن أم عطية: (( نهينا عن زيارة القبور ، ولم يعزم علينا)) وكراهة زيارتهن لحديث: ((لعن الله زوارات القبور))(١) . (١) قال الترمذي : هذا حديث صحيح ، رواه الخمسة إلا النسائي. - ٥٤١ - لكن قال المالكية : هذا في حق الشابة ، أما المتجالة التي لاأرب للرجال بها فكالرجال . ويكره الأكل والشرب والضحك وكثرة الكلام ، وكذا قراءة القرآن بالأصوات المرتفعة ، واتخاذ ذلك عادة لهم . ويندب أن يسلّم الزائر على قبور المسلمين ، ويقرأ ، ويدعو . أما السلام فيكون مستقبلاً وجه الميت ، قائلاً ما علمه النبي مطاتم لأصحابه إذا خرجوا للمقابر: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله(١) بكم لاحقون)). أو (( السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون ، أسأل الله لنا ولكم العافية)) رواهما مسلم ، زاد أبو داود : ((اللهم لا تحرمنا أجرهم ولاتفتنا بعدهم)) لكن بسند ضعيف . ويقرأ عنده ما تيسر من القرآن ، وهو سنة في المقابر ، فإن الثواب للحاضرين ، والميت كحاضر يرجى له الرحمة . ويدعو للميت عقب القراءة ، رجاء الإجابة ؛ لأن الدعاء ينفع الميت ، وهو عقب القراءة أقرب إلى الإجابة . وعند الدعاء يستقبل القبلة . وكان النبي عَ لّ يقول: ((اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)» والغرقد: شجر له شوك ، والبقيع : مدفن أهل المدينة . ويستحب - كما ذكر الشافعية - الإكثار من الزيارة ، وأن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل ، ويقف الزائر أمام القبر كما يقف أمام الحي . ويكره تقبيل التابوت الذي يجعل على القبر ، وتقبيل القبر واستلامه ، (١) قوله: ((إن شاء الله)): الصحيح أنه للتبرك وامتثال قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ﴾ ( المجموع: ٥ / ٢٨٠) . - ٥٤٢ - وتقبيل الأعتاب عند الدخول لزيارة الأولياء ، فإن هذا كله من البدع التي ارتكبها الناس: ﴿ أفمن زين له سوء عمله ، فرآه حسناً﴾ . ويستحب عند الحنابلة خلع النعال إذا دخل المقابر ، للأمر به في حديث بُشَير بن الخَصَّاصية(١)، ولم يرأكثر العلماء بذلك بأساً لإقرار النبي ◌ُ ◌ّ ذلك ، في حديث رواه البخاري . المطلب الثالث - التعزية وتوابعها : أولاً - تعريفها وحكمها (٢): هي أن يسلي أهل الميت ويحملهم على الصبر بوعد الأجر ، ويرغبهم في الرضا بالقضاء والقدر ، ويدعو للميت المسلم وتكون إلى ثلاث ليال بأيامها ، وتكره بعدها إلا لغائب ، حتى لا يجدد له الحزن ، ولإذن الشارع في الإحداد في الثلاث، بقوله ◌ّ اللّه: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدَّ على ميت فوق ثلاثة أيام ، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً))(٣) . ويكره عند غير المالكية تكرار التعزية ، فلا يعزي عند القبر من عزى قبل ذلك ، وهي بعد الدفن أفضل منها قبله ؛ لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه ، ووحشتهم بعد الدفن لفراقه أکثر . ويكره عند الشافعية والحنابلة الجلوس للتعزية بأن يجلس المصاب في مكان أو في السرادقات على الطريق ليعزوه ، أو يجلس المعزي عند المصاب للتعزية ، لما في ذلك من استدامة الحزن وقال الحنفية : لابأس بالجلوس للتعزية في غير (١) رواه أبو داود ، وإسناده جيد . (٢) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٨٤١ وما بعدها، تبيين الحقائق: ١ / ٢٤٦، شرح الرسالة: ١ / ٢٨٣ ، الشرح الكبير: ١ / ٤١٩، الشرح الصغير: ١ / ٥٦٠، المهذب: ١ / ١٣٨ وما بعدها، كشاف القناع: ٢ / ١٨٥ ومابعدها ، المغني: ٢ / ٥٤٣ وما بعدها، المجموع: ٥ / ٢٧٣ - ٢٧٦ . (٣) رواه البخاري ومسلم عن أم سلمة، وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان (نيل الأوطار: ٦ / ٢٩٢). - ٥٤٣ - المسجد ثلاثة أيام ، وأولها أفضلها ، وقال في الفتاوى الظهيرية : لا بأس بها لأهل الميت في البيت أو المسجد ، والناس يأتونهم ويعزونهم . ويكره المبيت عند أهل الميت وتكون التعزية في بيت المصاب ، وليس في ألفاظ التعزية شيء محدد ، فيقول المعزي للمسلم: (( أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك، وغفر لميتك)) وإن عزى مسلماً بكافر يقول: ((أعظم الله أجرك ، وأحسن عزاءك)) ويمسك عن الدعاء للميت ؛ لأن الدعاء والاستغفار له منهي عنه . وإن عزى كافراً بمسلم قال: ((أحسن الله عزاءك، وغفر لميتك)) وإن عزى كافراً بكافر قال: ((أخلف الله علينا وعليك ، ولا نقص عددك )) . وقال الحنابلة : تحرم تعزية الكافر ؛ لأن فيها تعظيماً للكافر كبداءته بالسلام. ويقول المعزَّى: (( استجاب الله دعاءك، ورحمنا وإياك)) ولاتكره المصافحة أو أخذ المعزي بيد من عزاه . والتعزية تستحب للرجال والنساء اللاتي لا يفتن ، في الصغير والكبير ، والذكر والأنثى ، بلاخلاف بين العلماء ، إلا أن الثوري قال : لا تستحب التعزية بعد الدفن ، لأنه خاتمة أمره . وتكره تعزية الرجل لامرأة حسناء أجنبية غير محرم له ، خشية الفتنة . ودليل استحباب التعزية أحاديث، منها: (( من عزى مصاباً فله مثل أجره))(١) ومنها: (( من عزى أخاه بمصيبة ، كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة))(٢). ثانياً - البكاء والرثاء والنياحة واللطم والشق : يجوز بالاتفاق البكاء على الميت قبل الدفن وبعده ؛ بلارفع صوت أو قول (١) رواه الترمذي وابن ماجه ، قال الترمذي: غريب ، وقال ابن الجوزي : موضوع . (٢) رواه ابن ماجه . - ٥٤٤ _ قبيح، أو ندب أو نواح(١)، لما روى جابر: أن رسول الله عَ لّ قال: (( يا إبراهيم ، إنا لانغني عنك من الله شيئاً، ثم ذرفت عيناه ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : يارسول الله ، أتبكي ، أو لم تنه عن البكاء ؟ قال : لا ، ولكن نهيت عن النوح(٣))). وورد في الصحيحين: ((أنه مؤالتز لما فاضت عيناه، لما رفع إليه ابن بنته ، ونفسه تقعقع كأنها في شَنَّة(٣) - أي لها صوت وحشرجة كصوت ما ألقي في قربة بالية - قال له سعد: ماهذا يارسول الله ؟ قال : هذه رحمة ، جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء )). والبكاء لا ينافي الرضا ، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه . وأما حديث ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه))(٤) فمؤول عند جمهور العلماء على من وصى أهله أن يبكى عليه ، ويناح بعد موته ، فنفذت وصيته ، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ، ونوحهم ؛ لأنه بسببه ومنسوب إليه ، وكان من عادة العرب الوصية بذلك ، ومنه قول طرفة بن العبد : إذا متّ فانعيني بماأنا أهله وشقي علي الجيب ياابنة معبد أما من بكى عليه أهله ، وناحوا عليه من غير وصية منه ، فلا يعذب بیکائهم ونوحهم ، لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ . ولابأس - كما ذكر الحنفية - برثاء الميت بشعر أو غيره ، لكن يكره الإفراط (١) الدر المختار: ١ / ٨٤١، الشرح الصغير: ١ / ٥٦٦، ٥٧٩ ، الشرح الكبير: ١ / ٤٢١، مغني المحتاج: ١ / ٣٥٥ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٣٩، المغني: ٢ / ٥٤٥ - ٥٤٧، كشاف القناع: ٢ / ١٨٨ وما بعدها ، المجموع : ٥ / ٢٧٦ - ٢٨٠ . (٢) رواه الترمذي ، وهو حديث حسن ، ومعناه في الصحيحين من رواية غير جابر . (٣) الشنة : القربة الخلق أي البالية . (٤) رواه البخاري ومسلم عن عمر، وعن عائشة أن ابن عمر يقول: ((الميت يعذب ببكاء الحي)) وردته بآية ﴿ ولاتزر وازرة وزر أخرى ﴾ . الفقه الإسلامي جـ ٢ (٣٥) - ٥٤٥ - في مدحه ، لاسيما عند جنازته ، لحديث (( من تعزى بعزاء الجاهلية ، فأعضّوه بهَنِ أبيه ولاتكْنوا ))(١) وهذا أمر تأديب ومبالغة في الزجر عن دعوى الجاهلية . ويحرم الندب بتعديد شمائله ، والنوح ، والجزع بضرب صدر أو رأس وشق جيب ونحوهما . أما الندب : فهو تعداد محاسن الميت ، وما يَلْقون بفقده بلفظ النداء ، بالواو بدل الياء ، مثل قولهم : وارجلاه ، واجبلاه ، وانقطاع ظهراه ، واكهفاه ، ياعزي، ياسندي ونحوه، لحديث: ((مامن ميت يموت فيقدم باكيهم ، فيقول : واجبلاه، واسنداه ، أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه، أهكذا كنت))(٢) وذلك إن أوصى بماذكر ، أو كان كافراً . وأما النوح: فهو رفع الصوت بالندب، لخبر ((النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب))(٣) وخبر ((لعن الله النائحة والمستمعة)) (٤). وأما الجزع : بضرب صدر ونحوه كشق جيب ونشر شعر ، وتسويد وجه ، وإلقاء رماد على رأس ، ورفع صوت بإفراط في البكاء ، فهو حرام أيضاً ، لخبر الشيخين: (( ليس منا من ضرب الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية)) وفي الصحيحين ((أنه ◌َ ◌ّ برىء من الصالقة، والحالقة، والشاقة)) فالصالقة: (١) المراد به قولهم في الاستغاثة: يالفلان، وقولوا له: اعضض بذكر أبيك، ولاتكنوا عن الذكر بالهن ، رواه أحمد والنسائي وابن حبان عن أبي بن كعب ( كشف الخفا : ٢ / ٣٣٢). (٢) رواه الترمذي وحسنه، واللهز: الدفع في الصدر باليد، وهي مقبوضة. والفعل لهز يلهز على وزن فتح يفتح . (٣) رواه مسلم ، والسربال : القميص . (٤) رواه أحمد وأبو داود عن أبي سعيد ، وهو صحيح . - ٥٤٦ - التي ترفع صوتها عند المصيبة ، والحالقة : التي تحلق شعرها عند المصيبة ، والشاقة : التي تشق ثيابها . ثالثاً - ماينبغي للمصاب والثواب على المصيبة(١): ينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى ويتعزى بعزائه، ويمتثل أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة ، ويتنجز ماوعد الله به الصابرين حيث يقول سبحانه: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات - أي مغفرة - من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ﴾ . وعليه يسن للمصاب أن يسترجع، فيقول: ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) ( أي نحن عبيده يفعل بنا مايشاء ، ونحن مقرّون بالبعث والجزاء على أعمالنا ) و ((اللهم أُجْرْني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها))، ويصلي ركعتين، كما فعل ابن عباس، وقرأ ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة)، وقال حذيفة: ((كان النبي عَّ إذا حَزَبه أمر صبر))(٢) وروى مسلم عن أم سلمة مرفوعاً: ((إذا حضرتم المريض أو الميت ، فقولوا خيراً ، فإن الملائكة يؤمّنون على ما تقولون)) فلما مات أبو سلمة قال: قولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقبني عقبة حسنة))(٣) . ويسن للمصاب أن يصبر، والصبر: الحبس ، قال تعالى: ﴿ واصبروا إن (١) الدر المختار: ١ / ٨٤١، الشرح الصغير: ١ / ٥٦١، المجموع: ٥ / ٢٧٤، كشاف القناع: ٢ / ١٨٧. (٢) رواه أحمد وأبو داود . وحزبه الأمر : نابه واشتد عليه ، أو ضغطه . (٣) روى مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ((سمعت رسول الله مَ يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة ، فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أُجُرْني في مصيبتي ، وأخلف لي خيراً منها ، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها ، قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت كما أمرني رسول الله مَينٍ، فأخلف لي خيراً منه رسول الله ے ». - ٥٤٧ - : الله مع الصابرين)، وقال مع اليه: ((والصبر ضياء))(١). وفي الصبر على موت الولد أجر كبير ، لأخبار ، منها ما في الصحيحين : أنه عَّ اللّ قال: ((لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار، إلا تحلّة القسم)) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ والصحيح: أن المراد به المرور على الصراط . وأخرج البخاري أنه اليلثم قال: «يقول الله تعالى: مالعبدي المؤمن من جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ، ثم احتسبه ، إلا الجنة )). وثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: ((أرسلت إحدى بنات النبي ◌ُ ◌ّ إليه تدعوه وتخبره أن صبياً لها أو ابناً في الموت ، فقال للرسول : ارجع إليها ، فأخبرها أن لله ماأخذ ، وله ما أعطى ، وكل شيء عنده بأجل مسمى ، فمرها فلتصبر ولتحتسب ))(٢) . والثواب على المصيبة : في الصبر عليها ، لاعلى المصيبة نفسها ، فالمصائب نفسها لاثواب فيها ، لأنها ليست من كسب العبد وإرادته ، وإنما يثاب على كسبه ، والصبر من كسبه أو فعله . وهذا قول الحنابلة والعز بن عبد السلام . والرضا بالقضاء والقدر فوق الصبر ، فإنه يوجب رضا الله سبحانه وتعالى . وصرح الشافعي رحمه الله بأن كلاً من المجنون والمريض المغلوب على عقله (١) رواه مسلم من حديث أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه بلفظ ((الطُّهور شطر الإيمان .. )) . (٢) وروى الترمذي عن أبي موسى أن رسول الله وَ ائل قال: ((إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته : قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم ، فيقول : قبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون : نعم ، فيقول : ماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك واسترجع ، فيقول : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه: بيت الحمد )) قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . - ٥٤٨ - مأجور ، مثاب ، مكفر عنه بالمرض ، فحكم بالأجر مع انتفاء العقل المستلزم لانتفاء الصبر، ويؤيده خبر الصحيحين: (( ما يصيب المسلم من نَصَب ـ تعب - ولا وَصَب ـ مرض - ولاهم ولاحزن ولاأذى ولاغم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه)) والحديث الصحيح: (( إذا مرض العبد أو سافر ، كتب له مثل ما كان يعمله صحيحاً مقيماً)) . فمن أصيب وصبر يحصل له ثوابان : لنفس المصيبة ، وللصبر عليها . ومن انتفى صبره ، فإن كان لعذر كجنون فكذلك ، أو لنحو جزع لم يحصل من ذينك الثوابين شيء . رابعاً - ضيافة أهل الميت وصنع الطعام لهم : يستحب لأقرباء الميت وجيرانه أن يصنعوا طعاماً لأهل الميت(١) ، لما روي أنه لما قتل جعفر بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال النبي مُالّ: ((اصنعوا لآل جعفر طعاماً ، فإنه قد جاءهم أمر يشغلهم عنه(٢))). ويبعث بهم إليهم إعانة لهم، وجبراً لقلوبهم ، فإنهم ربما اشتغلوا بمصيبتهم ، وبمن يأتي إليهم عن إصلاح طعام لأنفسهم ، ويكون الطعام بحيث يشبعهم في يومهم وليلتهم . أما صنع أهل البيت طعاماً للناس ، فمكروه وبدعة لاأصل لها ؛ لأن فيه زيادة على مصيبتهم ، وشغلاً لهم إلى شغلهم ، وتشبهاً بصنع أهل الجاهلية . وإن كان في الورثة قاصر دون البلوغ ، فيحرم إعداد الطعام وتقديمه ، قال جرير بن (١) فتح القدير: ١ / ٤٧٣، الدر المختار: ١ / ٨٤١، الشرح الصغير: ١ / ٥٦١، المجموع: ٥/ ٢٨٥ وما بعدها ، المهذب: ١ / ١٤٠، المغني: ٢ / ٥٥٠ ، شرح الرسالة: ١ / ٢٨٩. (٢) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم من رواية عبد الله بن جعفر، قال الترمذي: حديث حسن . ورواه أحمد وابن ماجه أيضاً من رواية أسماء بنت عميس . وقد قتل جعفر في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة في جمادى . - ٥٤٩ - عبد الله: (( كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة)) وإن دعت الحاجة إلى ذلك ، جاز، فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة ، ويبيت عندهم ولا يمكنهم إلا أن يضيفوه . خامساً - القراءة على الميت وإهداء الثواب له : ههنا مسائل للفقهاء(١): أ - أجمع العلماء على انتفاع الميت بالدعاء والاستغفار بنحو ((اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ))، والصدقة ، وأداء الواجبات البدنية - المالية التي تدخلها النيابة كالحج ، لقوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون : ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) وقوله سبحانه: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) ، ودعا النبي ◌ّ لأبي سلمة حين مات ، وللميت الذي صلى عليه في حديث عوف بن مالك ، ولكل ميت صلى عليه . وسأل رجل النبي عَّ فقال: ((يارسول الله، إن أمي ماتت، فينفعها إن تصدقت عنها ؟ قال: نعم))(٢)، وجاءت امرأة إلى النبي ◌َّ فقالت: (( يا رسول الله ، إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً ، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته ؟ قالت : نعم ، قال : فدين الله أحق أن يقضى))(٣) وقال للذي سأله: ((إن أمي ماتت وعليها صوم شهر ، أفأصوم عنها ؟ قال: نعم ». (١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٨٤٤ وما بعدها، فتح القدير: ١ / ٤٧٣، شرح الرسالة: ١ / ٢٨٩ ، الشرح الكبير: ١ / ٤٢٣، الشرح الصغير: ١ / ٥٦٨، ٥٨٠، مغني المحتاج: ٣ / ٦٩ - ٧٠، المغني: ٢ / ٥٦٦ - ٥٧٠، كشاف القناع: ٢ / ١٩١، المهذب : ١ / ٤٦٤ . (٢) رواه أبو داود ، وروي ذلك عن سعد بن عبادة . (٣) رواه أحمد والنسائي عن عبد الله بن الزبير (نيل الأوطار: ٤ / ٢٨٥ وما بعدها ). - ٥٥٠ _ قال ابن قدامة : وهذه أحاديث صحاح ، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب ؛ لأن الصوم والدعاء والاستغفار عبادات بدنية ، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت ، فكذلك ماسواها . ب - اختلف العلماء في وصول ثواب العبادات البدنية المحضة كالصلاة وتلاوة القرآن إلى غير فاعلها على رأيين : رأي الحنفية والحنابلة ومتأخري الشافعية والمالكية بوصول القراءة للميت إذا كان بحضرته ، أو دعا له عقبها ، ولو غائباً؛ لأن محل القراءة تنزل فيه الرحمة والبركة ، والدعاء عقبها أرجى للقبول . ورأي متقدمي المالكية والمشهور عند الشافعية الأوائل : عدم وصول ثواب العبادات المحضة لغير فاعلها . قال الحنفية : المختار عدم كراهة إجلاس القارئين ليقرؤوا عند القبر ، وقالوا في باب الحج عن الغير : للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره : صلاة كان عمله ، أو صوماً أو صدقة أو غيرها ، وأن ذلك لا ينقص من أجره شيئاً . وقال الحنابلة: لابأس بالقراءة عند القبر، للحديث المتقدم: ((من دخل المقابر ، فقرأ سورة يس ، خفف عنهم يومئذ ، وكان له بعدد من فيها حسنات)) وحديث (( من زار قبر والديه، فقرأ عنده أو عندهما يس، غفر له))(١) . وقال المالكية : تكره القراءة على الميت بعد موته وعلى قبره ؛ لأنه ليس من عمل السلف ، لكن المتأخرون على أنه لا بأس بقراءة القرآن والذكر وجعل ثوابه للميت ، ويحصل له الأجر إن شاء الله . وقال الشافعية : المشهور أنه لا ينفع الميت ثواب غير عمله ، كالصلاة عنه قضاء أو غيرها وقراءة القرآن . وحقق المتأخرون منهم وصول ثواب القراءة (١) كلاهما ضعيف ، والأول أضعف من الثاني، كما أشار السيوطي في جامعه . - ٥٥١ - للميت ، كالفاتحة وغيرها . وعليه عمل الناس ، ومارآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن . وإذ ثبت أن الفاتحة تنفع الحي الملدوغ، وأقر النبي عَ لّ ذلك بقوله : (( وما يدريك أنها رقية ؟ )) كان نفع الميت بها أولى . وبذلك يكون مذهب متأخري الشافعية كمذهب الأئمة الثلاثة : أن ثواب القراءة يصل إلى الميت ، قال السبكي : والذي دل عليه الخبر بالاستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت وتخفيف ماهو فيه ، نفعه ، إذ ثبت أن الفاتحة لما قصد بها القارئ نفع الملدوغ نفعته، وأقره النبي عَ ام بقوله: ((وما يدريك أنها رقية)) وإذا نفعت الحي بالقصد ، كان نفع الميت بها أولى . وقد جوز القاضي حسين الاستئجار على قراءة القرآن عند الميت . قال ابن الصلاح : وينبغي أن يقول: ((اللهم أوصل ثواب ماقرأنا لفلان)) فيجعله دعاء ، ولا يختلف في ذلك القريب والبعيد ، وينبغي الجزم بنفع هذا ؛ لأنه إذا نفع الدعاء وجاز بما ليس للداعي ، فلأن يجوز بما له أولى ، وهذا لا يختص بالقراءة ، بل يجري في سائر الأعمال . المطلب الرابع - الشهادة في سبيل الله : فضل الشهادة في سبيل الله ، تعريف الشهيد ، أحكامه ، شهداء غير المعركة . فضل الشهادة في سبيل الله : التضحية بالنفس أسمى درجات الإخلاص والتفاني في سبيل المبدأ والعقيدة ، وأصدق برهان على صحة الإيمان ، وطريق الخلود في جنان الله والفوز برضوان الله تعالى ، والأمة أو الجماعة بأمس الحاجة في كل زمان إلى تضحيات العديد من أبنائها دفاعاً عن النفس والبلاد ، وحفاظاً على المقدسات والحرمات ، ولا يكتب لها العزة والكرامة والهيبة إلا بجسور من الضحايا في سبيل تحقيق غاياتها ، ودماء تضرج من أجل كرامتها ووجودها . - ٥٥٢ - لهذا كتب الله الحياة والخلود للشهداء ، وغفر للشهيد كل ذنوبه إلا الدين لتعلقه بحقوق الناس المادية ، وبوأه المنزلة العالية في الجنة مع الأنبياء والمرسلين ، كما دلت عليه النصوص الشرعية . فقال تعالى: ﴿ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ، فرحين بما آتاهم الله من فضله ، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون ، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) عن مسروق رضي الله عنه ، قال : سأل عبد الله عن هذه الآية : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ؟ فقال : أما أنا فقد سألنا عن ذلك رسول الله مَ التٍّ، فقال: ((أرواحهم في جوف طير خُضْر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل ... )) الحديث(١). والمعنى أن الله تعالى أحياهم وأعطاهم القدرة على التمتع بثمار الجنة ، والتفكه بها والتنقل في أرجائها، قال تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات ، بل أحياء ، ولكن لا تشعرون ﴾ إلا أن حياتهم ليست بالجسد ، وإنما هي من نوع S خاص لا يدرك بالعقل ، بل بالوحي . وقال النبي ◌ُ ◌ّ: ((ماأحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا ، وإن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد ، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا ، فيقتل عشر مرات ، لما يرى من الكرامة))(٢) . وقال عليه الصلاة والسلام: (( والذي نفس محمد بيده : لودِدْت أن أغزو في (١) رواه مسلم والترمذي وغيرهما ( الترغيب والترهيب: ٢ / ٣٢٦ ومابعدها ). (٢) رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس ( المصدر السابق: ٢ / ٣١٠ ومابعدها ). - ٥٥٣ _ سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل))(١)، ((يُغفر للشهيد كلُ ذنب إلا الدَّيْن)) (٢) . تعريف الشهيد : سمي الشهيد شهيداً ؛ لأنه مشهود له بالجنة ، أو لأنه حي عند ربه حاضر شاهد، أو تشهد موته الملائكة(٣). والشهيد الذي يستحق الفضائل السابقة ونحوها هو شهيد المعركة مع العدو . وقد أورد الفقهاء تعريفات متقاربة له بحسب رأيهم في بعض المسائل المتعلقة به . فقال الحنفية(٤) : الشهيد من قتله أهل الحرب ، أو أهل البغي ، أو قطاع الطريق ، أو اللصوص في منزله ليلاً أو نهاراً بأي آلة : مثقل أو محدد ، أو وجد في المعركة وبه أثر كجرح وكسر وحرق وخروج دم من أذن أو عين ، أو قتله مسلم ظلماً عمداً بمحدد ، وكان مسلماً مكلفاً ( بالغاً عاقلاً ) طاهراً ( خالياً من حيض أو نفاس أو جنابة ) ، ولم يرتث بعد انقضاء الحرب أي لا يموت عقب الإصابة . والارتثاث : أن يأكل أو يشرب أو يُداوى ، أو يبقى حياً حتى يمضي عليه وقت صلاة وهو يعقل ، أو ينقل من المعركة حياً ، أي وهو يعقل . أما المقتول حداً أو قصاصاً ، فإنه يغسل ويصلى عليه ، لأنه لم يقتل ظلماً ، وإنما قتل بحق ، وأما من قتل من البغاة أو قطاع الطرق فلا يغسل ولا يصلى عليه . (١) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ( المصدر السابق ) . (٢) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ( المصدر السابق ) . (٣) الدر المختار: ١ / ٨٤٨، اللباب: ١ / ١٣٥، مغني المحتاج: ١ / ٣٥٠. (٤) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٨٤٨، مراقي الفلاح: ص ١٠٣ وما بعدها، اللباب: ١ / ١٣٥ - ١٣٧. - ٥٥٤ - وبه يتبين أن شروط تحقيق الشهادة عندهم : هي الإسلام والعقل والبلوغ ، والطهارة من الحدث الأكبر ، وأن يموت عقب الإصابة . وأن كل مقتول في المعركة مع العدو ، أو قتل ظلماً ، أو دفاعاً عن النفس أو المال فهو شهيد . أما من خرج حياً من المعركة ، أو كان جنباً فلا تطبق عليه أحكام الشهيد . ويلاحظ أن هذا المذهب ومذهب الحنابلة أوسع الآراء في تحديد المقصود من الشهيد ماعدا اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر . وقال المالكية(١) : الشهيد: من مات في معترك المشركين ، ومن أخرج من المعركة في حكم الأموات وهو من رفع من المعركة حياً منفوذ المقاتل ، أو مغموراً ( أي يعاني غمرات الموت : شدائده ) : وهو من لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم إلى أن مات ، فإن قتل في غير المعركة ظلماً ، أو أخرج من المعترك حياً، ولم تنفذ مقاتله ، ثم مات ، غسل وصلي عليه في المشهور، كما أن من قتل في المعترك في قتال المسلمين غسل وصلي عليه ، ويغسل الجنب وقال الشافعية(٢): الشهيد: هو من مات من المسلمين في جهاد الكفار بسبب من أسباب قتالهم قبل انقضاء الحرب ، كأن قتله كافر ، أو أصابه سلاح مسلم خطأ ، أو عاد إليه سلاحه ، أو تردى في بئر أو وهدة ، أو رفسته دابته فمات ، أو قتله مسلم باغ استعان به أهل الحرب . فإن مات لابسبب القتال ، أو بعد انقضاء المعركة ، أو في حال قتال البغاة ، فغير شهيد في الأظهر . (١) الشرح الكبير: ١ / ٤٢٥ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٥٧٥ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٩٤ ، بداية المجتهد : ١ / ٢١٩، ٢٣٢ . (٢) مغني المحتاج: ١ / ٣٥٠، ٣٦١، المهذب: ١ / ١٣٥. - ٥٥٥ - ولا تشترط الطهارة من الحدث الأكبر عند المالكية والشافعية ، فمن مات جنباً فإنه لا يغسل . فالشهيد عند المالكية والشافعية : هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا(١). وقاتل نفسه كغيره في الغسل والصلاة عليه ، لحديث: (( الصلاة واجبة على كل مسلم براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر))(٢) . هذا رأي الجماهير، لكن مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي : لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه ، بدليل ماروى مسلم عن جابر بن سمرة قال : أتي النبي ◌ُّ برجل قتل نفسه بمشاقِص - سهام عراض - فلم يصل عليه . وقال الحنابلة(٢) : الشهيد : هو من مات بسبب القتال مع الكفار وقت قيام القتال ، أو هو المقتول بأيدي العدو من الكفار ، أو البغاة ، أو المقتول ظلماً ، ولو كان غير مكلف رجلاً أو امرأة . أو كان غالاً ( خائناً) : كتم من الغنية شيئاً . ومن عاد إليه سلاحه فقتله فهو كالمقتول بأيدي العدو ، لكن تشترط الطهارة من الحدث الأكبر كالحنفية ، فمن قتل جنباً غسل . كذلك يغسل ويصلى عليه من حمل وبه رمق أي حياة مستقرة ، وإن كان شهيداً . ودليلهم على غير المكلف: عموم حديث جابر أن النبي مؤ لّ (( أمر بدفن قتلى (١) روى البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ((سئل رسول الله صَل ◌ّ عن الرجل: يقاتل شجاعة، ويقاتل حميّة، ويقاتل رياءً ، أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال رسول الله عٍَّ: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا)) (جامع الأصول: ٣ / ١٩٤). (٢) رواه البيهقي ، وقال: هو أصح مافي الباب إلا أن فيه إرسالاً والمرسل حجة إذا اعتضد بأحد أمور ، منها قول أكثر أهل العلم ، وهو موجود هنا . (٣) المغني: ٢ / ٥٢٨ - ٥٣٥، كشاف القناع: ٢ / ١١٣ - ١١٥. - ٥٥٦ - أحد في دمائهم ، ولم يغسلهم ، ولم يصل عليهم) (١)، وقد كان في شهداء أحد حارثة بن النعمان ، وهو صغير، وليس هذا خاصاً بهم؛ لأن النبي مع التّ علل ذلك بعلة توجد في سائر الشهداء ، فقال: (( والذي نفسي بيده لا يُكلّم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة ، اللون لون الدم ، والريح ريح المسك))(٢) . ودليلهم على أن من قتل مظلوماً ملحق بشهيد المعركة: حديث: (( من قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله فهو شهيد))(٣) ، ولأن هؤلاء مقتولون بغير حق ، فأشبهوا قتلى الكفار، فلا يغسلون . وأما من قتل من أهل العدل في المعركة مع البغاة : فحكمه في الغسل والصلاة عليه حكم من قتل في معركة المشركين ؛ لأن علياً رضي الله عنه لم يغسل من قتل معه ، وعمار أوصى ألا يغسل ، وقال : ادفنوني في ثيابي ، فإني مخاصم . قال أحمد : قد أوصى أصحاب الجمل ، إنا مستشهدون غداً ، فلا تنزعوا عنا ثوباً ، ولا تغسلوا عنا دماً ، ولأنه شهيد المعركة ، فأشبه قتيل الكفار . أما الباغي : فقال الخرقي : من قتل منهم غسل وكفن وصلي عليه ، ويحتمل إلحاقه بأهل العدل ؛ لأنه لم ينقل إلينا غسل أهل الجمل وصفين من الجانبين ، ولأنهم يكثرون في المعترك ، فيشق غسلهم ، فأشبهوا أهل العدل . أحكام الشهداء : للشهداء أحكام استثنائية من الدفن والغسل والتكفين والصلاة عليهم (١) رواه البخاري . (٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة . (٣) رواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث سعید بن زيد . - ٥٥٧ _ كما يتبين من آراء الفقهاء الآتية(١)، علماً بأن للحنفية رأياً، وللجمهور رأياً آخر . قال الحنفية : يكفن الشهيد بثيابه ، ويصلى عليه ، ولا يغسل إذا كان مكلفاً طاهراً، وأما الجنب والحائض والنفساء إذا استشهد ، فيغسل عند أبي حنيفة ، كما يغسل الصبي والمجنون . وقال الصاحبان : لا يغسَّلان . استدل أبو حنيفة على وجوب غسل الجنب ونحوه بما صح عنه عَ لِ أنه لما قتل حنظلة بن أبي عامر الثقفي ، قال : إن صاحبكم حنظلة تُغسِّله الملائكة ، فسألوا زوجته ، فقالت : خرج وهو جنب ، فقال عليه الصلاة والسلام : لذلك غسلته الملائكة(٢). وأورد الصاحبان : أنه لو كان الغسل واجباً ، لوجب على بني آدم ، ولما اكتفي بفعل الملائكة . ورد عليهما بالمنع بأنه يحصل بفعلهم ؛ لأن الواجب نفس الغسل ، أما الغاسل فيجوز أن يكون أياً كان . ولا يغسل عن الشهيد دمه ، ولا ينزع عنه ثيابه ، وإنما يدفن بدمه وثيابه بعد نزع الفرو والحشو والخف والسلاح مما لا يصلح للكفن، لقوله مع التّ: ((زمّلوهم بدمائهم))(٣) . وقال الجمهور : لا يغسل الشهيد ولا يكفن ولا يصلى عليه ، ولكن تزال النجاسة الحاصلة من غير الدم ؛ لأنها ليست من أثر الشهادة ، بدليل حديث جابر: ((أن النبي ◌ُّ ال أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم ، ولم يغسلهم ، ولم يصل (٤) عليهم )) (٤) . (١) المراجع السابقة في كل مذهب . (٢) رواه محمد بن إسحق في المغازي عن محمود بن لبيد ( نيل الأوطار : ٢٩/٤ ) (٣) رواه الشافعي وأحمد والبيهقي والنسائي . (٤) متفق عليه . - ٥٥٨ - ويدفن الشهيد بثيابه بعد تنحية الجلود والسلاح عنه، لقول النبي مر ◌ّةٍ: ((ادفنوهم بثيابهم))(١)، لكن ليس هذا عند الحنابلة بحتم ، ولكنه الأولى . ويستحب دفن الشهيد في مصرعه الذي قتل فيه ، للحديث المتقدم المتضمن أمر النبي ◌ُ ◌ّ بدفن شهداء أحد في مصارعهم . والبالغ وغيره سواء ؛ لأنه مسلم قتل في معترك المشركين بقتالهم ، فأشبه البالغ ، وهذا ما يقتضيه العدل ، وتؤيده السنة في فعل النبي ؤالٍ بشهداء أحد ، وفيهم صغير، هو حارثة بن النعمان . ولكن لا يغسل الجنب ونحوه عند المالكية والشافعية ؛ لأن حنظلة ابن الراهب قتل يوم أحد ، وهو جنب ، ولم يغسله النبي مَ ظافة، وقال: ((رأيت الملائكة تغسله))(٢) وهذا هو الحق ؛ إذ لو كان الغسل واجباً لم يسقط إلا بفعلنا، ولأنه طهر عن حدث ، فسقط بالشهادة كغسل الميت ، فيحرم . شهداء غير المعركة : الشهيد الذي تكلمنا عنه : هو المختص بثواب خاص ، وهو شهيد الدنيا والآخرة . وهناك شهداء آخرون في حكم الآخرة ، وفي حكم الدنيا فقط ، فالشهداء ثلاثة : ١ - شهيد في حكم الدنيا والآخرة : وهو شهيد المعركة ، أما حكم الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه عند الجمهور كما بينا ، وأما حكم الآخرة فله ثواب خاص وهو الشهيد الكامل الشهادة . ٢ - وشهيد في حكم الدنيا فقط : وهو عند الشافعية : من قتل في قتال (١) روى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس ((أن رسول الله عَ لتل أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد. والجلود ، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم » . (٢) رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما . - ٥٥٩ - الكفار بسببه ، وقد غل من الغنيمة ، أو قتل مدبراً ، أو قاتل رياء أو نحوه . ٣ - شهيد في حكم الآخرة فقط: كالمقتول ظلماً من غير قتال ، والمبطون إذا مات بالبطن ، والمطعون إذا مات بالطاعون ، والغريق إذا مات بالغرق ، والغريب إذا مات في الغربة ، وطالب العلم إذا مات على طلبه ، أو مات عشقاً(١) أو بالطلق أو بدار الحرب أو نحو ذلك(٢). قال الحنابلة(٣): الشهداء غير شهيد المعركة بضعة وعشرون، وعدهم السيوطي نحو الثلاثين : المطعون أي الميت بالطاعون ، والمبطون ، والغريق ، والشريق ، والحريق ، وصاحب الهدم ، أي من مات بانهدام شيء عليه ، كمن ألقي عليه حائط ونحوه، لقول عَ التّ: ((والشهداء خمس : المطعون ، والمبطون ، والغريق ، وصاحب الهَدْم ، والشهيد في سبيل الله )) (٤) وصاحب ذات الجنب ، وصاحب السِّل، وصاحب داء في الوجه ، والصابر في الطاعون ، والمتردي من رؤوس الجبال بغير فعل الكفار، ومن مات في سبيل الله كمن مات في الحج ومن مات في طلب العلم ، ومن طلب الشهادة بنية صادقة ، وموت المرابط ( حارس الحدود والثغور) ، وأمناء الله في الأرض وهم العلماء ، والمجنون والنفساء واللديغ ، ومن قتل دون دينه أو دمه ، أو ماله ، أو أهله ، أو مظلمته ، وفريس السبع ، ومن خر عن دابته ، والغريب(٥) ، والعاشق إذا عف وكتم ، والميت ليلة الجمعة ، (١) قال ابن عباس: ((من عشق وعف وكتم، فمات، مات شهيداً)) الأصح وقفه عليه، فشرطه العفة والكتمان . (٢) مغني المحتاج: ٣٥٠/١، الدر المختار ورد المختار: ٨٥٢/١ وما بعدها . (٣) كشاف القناع: ١١٥/٢ ومابعدها ، المغني: ٥٣٦/٢ (٤) رواه أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح. وفي حديث آخر: ((الشهادة سبع سوى القتل)) وزاد على ما ذكر في هذا الخبر: صاحب الحريق ، وصاحب ذات الجنب ، والمرأة في حالة النفاس . (٥) لما رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف، والدارقطني وصححه عن ابن عباس مرفوعاً: ((موت الغريب شهيد )» . - ٥٦٠ -