النص المفهرس
صفحات 501-520
الجمهور ، فلايغسل ولا يكفن ، ولا يصلى عليه ، ويدفن بثيابه ، وينزع عنه السلاح . وقال الحنفية : يكفن الشهيد ويصلى عليه ، ولا يغسل . فإن قتل المسلم في غير الجهاد ظلماً أو أخرج من المعترك حياً ، ولم تنفذ مقاتله ، ثم مات ، غسل ، وصلي عليه في المشهور عند المالكية ، ولدى بقية الفقهاء . ومن قتل في المعترك في قتال المسلمين غسل وصلي عليه عند المالكية والشافعية ، وقال الحنفية ، كما بينا : لا يغسل ولا يصلى عليه . وقال الحنابلة : يغسل الباغي ويكفن ويصلى عليه ، وأما أهل العدل فلا يغسلون ولا يكفنون ولا يصلى عليهم ؛ لأنهم كالشهداء في معركة المشركين (١). ثامناً - وقت الصلاة على الجنازة : سبق الكلام عن ذلك في بحث الأوقات التي تكره فيها الصلاة ، وملخصه(٢): قال الحنفية : يكره تحريماً ولا يصلى على الجنازة في الأوقات الخمسة التي ورد النهي عن الصلاة فيها ، وهي عند طلوع الشمس ، وغروبها ، واستوائها في منتصف النهار ، وما بعد صلاة الصبح حتى الطلوع ، ومابعد صلاة العصر حتى الغروب . وقال المالكية والحنابلة : تحرم ولا يصلى على الجنازة في الأوقات الثلاثة التي ورد النهي عن الصلاة فيها ، وهي وقت الطلوع والغروب وزوال الشمس لظاهر حديث عقبة بن عامر: (( ثلاث ساعات كان رسول الله وَ اتّ ينهانا أن نصلي فيها وأن نقبر موتانا .. )) الحديث . وتجوز الصلاة في الوقتين الآخرين وهما مابعد صلاتي الصبح والعصر إلى الطلوع والغروب . (١) الكتاب مع اللباب: ١ / ١٣٦، القوانين الفقهية: ص ٩٤، مغني المحتاج: ١ / ٣٥٠، المغني: ٢ / ٥٣٤. (٢) انظر بداية المجتهد: ١ / ٢٣٤، المهذب: ١ / ١٣٢، المغني: ٢ / ٥٥٤ وما بعدها . - ٥٠١ - وقال الشافعية : يجوز فعل صلاة الجنازة في جميع الأوقات ؛ لأنها صلاة لها سبب ، فجاز فعلها في كل وقت . وأرى الأخذ بمذهب الشافعية في حال الضرورة أو الحاجة ، ويمتنع من الصلاة في الأحوال الأخرى ، رعاية للخلاف . تاسعاً - الصلاة على الميت بعد الدفن وتكرار الصلاة عليه قبل الدفن : يكره عند الحنفية والمالكية تكرار الصلاة على الجنازة حيث كانت الأولى في جماعة ، فإن لم تكن في جماعة أعيدت ندباً بجماعة قبل الدفن(١). وأجاز الشافعية والحنابلة تكرار الصلاة على الجنازة مرة أخرى ، لمن لم يصل عليها أولاً ، ولو بعد الدفن(٢) ، بلْ يسن ذلك عند الشافعية ، فقد فعله عدد من الصحابة، وفي حديث متفق عليه عن ابن عباس قال: ((انتهى النبي مَ ◌ّ إلى قبر رطب ، فصفوا خلفه ، وكبر أربعاً )). أما الصلاة على الميت بعد الدفن : فجائزة باتفاق الفقهاء إذا لم يكن صلي عليه؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ صلى على قبر امرأة من الأنصار(٣). ويحسن ذكر عبارات الفقهاء لمعرفة القيود الشرعية للصلاة : قال الحنفية(٤) : إن دفن الميت ولم يصل عليه ، صلي على قبره ، (١) الشرح الصغير: ١ / ٥٦٩ . (٢) المغني: ٢ / ٥١١ - ٥١٢، مغني المحتاج: ١ / ٣٦١. (٣) رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك من حديث خَارجة بن زيد بن ثابت ( نصب الراية : ٢ / ٢٦٥) . (٤) فتح القدير: ١ / ٤٥٨ وما بعدها، الكتاب مع اللباب: ١ / ١٣٢، مراقي الفلاح: ص ٩٩، الدر المختار: ١ / ٨٢٦ وما بعدها . - ٥٠٢ - استحساناً مالم يغلب على الظن تفسخه ، والمعتبر في معرفة عدم التفسخ أكبر الرأي من غير تقدير في الأصح ، لاختلاف الحال والزمان والمكان . وقال المالكية(١): إن كان لم يصل على الميت ، أخرج للصلاة عليه مالم يفرغ من دفنه ، فإن دفن صلي على القبر ، مالم يتغير . وقال الشافعية(٢): إذا دفن الميت قبل الصلاة ، صلي على القبر؛ لأن الصلاة تصل إليه في القبر . وإن دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة ، ولم يخش عليه الفساد في نبشه ، نبش وغسل ووجه إلى القبلة ؛ لأنه واجب مقدور على فعله ، فوجب فعله . وإن خشي عليه الفساد ، لم ينبش ؛ لأنه تعذر فعله ، فسقط كما يسقط وضوء الحي واستقبال القبلة في الصلاة إذا تعذر . وإن أدخل القبر ولم يهل التراب عليه ، يخرج ويصلى عليه . وقال الحنابلة(٣): إذا دفن الميت غير متوجه إلى القبلة ، أو قبل الصلاة عليه ، نبش ووجه إليها ، تداركاً لذلك الواجب ، وصلي عليه ، ليوجد شرط الصلاة . كذلك يخرج ليكفن إن دفن قبل تكفينه . ودليلهم على الصلاة: أن النبي ◌ُ ◌ّ ذكر رجلاً مات، فقال: ((فدلوني على قبره ، فأتى قبره ، فصلى عليه ))(9) . لكن لا يصلى على القبر بعد شهر، لما روى سعيد بن المسيب (( أن أم سعد ماتت والنبي ◌َ ◌ّ غائب، فلما قدم صلى عليها، وقد مضى لذلك شهر))(٥) قال (١) الشرح الكبير مع الدسوقي: ١ / ٤١٢، القوانين الفقهية: ص ٩٥، بداية المجتهد: ١ / ٢٣٠ وما بعدها. (٢) المهذب: ١ / ١٣٨، المجموع: ٥ / ٢٦٤. (٣) كشاف القناع: ٢ / ٩٧ ، المغني: ٢ / ٥١١، ٥١٩ . (٤) متفق عليه ( نيل الأوطار : ٤ / ٥١ ) . (٥) أخرجه الترمذي ( المصدر السابق ) . - ٥٠٣ - أحمد: أكثر ما سمعنا أن النبي ◌ُ ◌ّ صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر. ولأنها مدة يغلب على الظن بقاء الميت فيها ، فجازت الصلاة عليه فيها كما قبل الثلاث ، وكالغالب . وقبر النبي عَ اقّ لا يصلى عليه؛ لأنه لا يصلى على القبر بعد شهر (١). عاشراً - الصلاة على الغائب : للفقهاء رأيان في الصلاة على الغائب عن البلد(٢): رأي الحنفية والمالكية: عدم جواز الصلاة على الغائب، وصلاة النبي عد اله على النجاشي لغوية أو خصوصية ، وتكون الصلاة حينئذ مكروهة . ورأي الشافعية والحنابلة : جواز الصلاة على الميت الغائب عن البلد ، وإن قربت المسافة ، ولم يكن في جهة القبلة ، لكن المصلي يستقبل القبلة ، لما روى جابر: ((أن النبي ◌ُّ صلى على أصحمة النجاشي، فكبر عليه أربعاً)) (٢). وتتوقت الصلاة على الغائب عند الحنابلة بشهر ، كالصلاة على القبر ؛ لأنه لا يعلم بقاؤه من غير تلاش أكثر من ذلك . الحادي عشر - الصلاة على المولود : يصلى على المولود أو السقط عند الحنابلة(٤) إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر ، (١) عن ابن عباس: ((أن النبي ◌َّ صلى على قبر بعد شهر)). وعنه ((أن النبي ◌َ ◌ّ صلى على ميت بعد ثلاث )) رواهما الدارقطني ( نيل الأوطار: ٤ / ٥١ ). (٢) الدر المختار: ١ / ٨١٣، القوانين الفقهية: ص ٩٤، الشرح الصغير: ١ / ٥٧١، المجموع: ٥ / ٢٠٩ ، المهذب: ١ / ١٣٤، مغني المحتاج: ١ / ٣٤٥، المغني: ٢ / ٥١٢ ومابعدها، كشاف القناع: ٢ / ١٢٦. (٣) متفق عليه ، وروى أحمد مثله عن أبي هريرة ، كما روى ذلك أحمد والنسائي والترمذي وصححه ( نيل الأوطار: ٤ / ٤٨ وما بعدها ) . (٤) المغني : ٢ / ٥٢٢ ، كشاف القناع: ٢ / ١١٦ وما بعدها . - ٥٠٤ - ويغسل أيضاً ، والسقط: الولد تضعه المرأة ميتاً ، أو لغير تمام ، فأما إن خرج حياً واستهل فإنه يغسل ويصلى عليه بغير خلاف . واستدلوا بقول النبي ◌َ اللّ: ((والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة))(١) وفي لفظ رواية النسائي والترمذي: (( والطفل يصلى عليه )) وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (( ماأحد أحق أن يصلى عليه من الطفل)) ، ولأنه نسمة نفخ فيه الروح ، فيصلى عليه كالمستهل، فإن النبي ◌ُّمٍ أخبر في حديثه الصادق المصدوق أنه ينفخ فيه الروح لأربعة أشهر . وقال الجمهور (٢): يصلى على المولود إن ظهرت عليه أمارات الحياة . وعباراتهم ما يأتي : قال الحنفية : إن استهل المولود سمي وغسل وصلي عليه ، واستهلال الصبي : أن يرفع صوته بالبكاء عند الولادة ، أو أن يوجد منه ما يدل على حياته بعد خروج أكثره . وإن لم يستهل غسل وسمي في الأصح المفتى به على خلاف ظاهر الرواية ، ويدرج في خرقة إكراماً لبني آدم ، ولم يصل عليه . ودليلهم حديث علي: أنه سمع رسول الله ما هو يقول في السقط: ((لا يصلى عليه حتى يستهل ، فإذا استهل صلي عليه ، وعُقل ، وورِّث ، وإن لم يستهل لم يصل عليه ، ولم يورث ولم يُعقل))(٢) أي لادية له وهي خمسون ديناراً. (١) رواه أحمد والنسائي وأبو داود والترمذي ، وقال عن حديثه : هذا حديث حسن صحيح . (٢) فتح القدير: ١ / ٤٦٥، الدر المختار: ١ / ٨٢٨ - ٨٣٠، مراقي الفلاح: ص ٩٩ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٥٧٤ ، القوانين الفقهية: ص ٩٣ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٣٤٩، المهذب: ١ / ١٣٤، بداية المجتهد : ١ / ٢٣٢ وما بعدها . (٣) رواه ابن عدي، وروى أيضاً مثله عن ابن عباس بلفظ ((إذا استهل الصبي صلي عليه ، وورث )) وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن جابر موقوفاً عليه في الأصح: « الطفل لايصلى عليه ، ولا يرث ، ولا يورث حتى يستهل)) ( نصب الراية: ٢ / ٢٧٧ - ٢٧٨ ) . - ٥٠٥ - وقال الشافعية : السقط إن استهل أو بكى ككبير ، فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن لتيقن موته بعد حياته . وإن لم يستهل أو لم يبك: فإن ظهرت أمارة الحياة كاختلاج صلِّي عليه في الأظهر، لاحتمال الحياة بهذه القرينة الدالة عليها وللاحتياط . وإن لم تظهر لم يصل عليه ، وإن بلغ أربعة أشهر في الأظهر . والسقط : هو الذي لم يبلغ تمام أشهره ، أما من بلغها فيصلى عليه مطلقاً . ودليلهم حديث المغيرة بن شعبة عن النبي عّ لّ قال: ((السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة))(١) وحديث ((صلوا على أطفالكم فإنها من أفراطكم ))(٢) . وقال المالكية : يصلى على المولود أو السقط إن علمت حياته بارتضاع أو حركة أو يستهل صارخاً . ويكره غسله والصلاة عليه إن لم يستهل صارخاً ، ولو تحرك أو بال أو عطس إن لم تتحقق حياته . ويغسل دم السقط ويلف بخرقة ويوارى وجوباً فيها ، وندباً في الأول : وهو الغسل . الثاني عشر - مكان الصلاة : يصلى على الميت في المصلى، كما فعل النبي مع الّ حينما برز للمصلى في صلاته على النجاشي . وأما الصلاة في المقبرة على الجنازة فهي - كما بينا في مكروهات الصلاة . مكروهة عند الحنفية والشافعية للنهي الوارد عن الصلاة فيها: ((نهى معد له عن (١) أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح ، ورواه الحاكم ، وقال: على شرط البخاري ، وفي سنده اضطراب ( نصب الراية: ٢ / ٢٧٩ ) . (٢) حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة ( المصدر السابق ) . - ٥٠٦ - الصلاة في سبعة مواطن : في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق ، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق بيت الله العتيق)) ولقول النبي عليه : ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام))(١). وأجاز المالكية والحنابلة الصلاة على الجنازة في المقبرة ، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)). واستثنى الشافعية من الكراهة مقابر الأنبياء وشهداء المعركة لأنهم أحياء في قبورهم(٢). ويكره استقبال القبر في الصلاة لخبر مسلم: ((لاتجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)) ويحرم استقبال قبره ◌َ ال وقبور سائر الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام(٣) . ورأي المالكية والحنابلة أقوى في تقديري لعدم صحة حديث النهي عن الصلاة في الأماكن السبعة . وأما الحديث الثاني فيحتمل تخصيص صلاة الجنازة منه . وأما الصلاة على الجنازة في المسجد : ففيها رأيان : الكراهة عند الحنفية والمالكية ، والجواز عند الشافعية والحنابلة (٤). (٤) أما الاتجاه الأول وهو كراهة الصلاة، سواء أكانت الجنازة في المسجد أم خارجه ، فلحديث أبي هريرة: (( من صلى على ميت في المسجد ، فلاشيء (١) الحديث الأول رواه الترمذي ، وقال: إسناده ليس بالقوي ، والحديث الثاني رواه أحمد وابن حبان والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد . (٢) البدائع: ١ / ١١٥، بداية المجتهد: ١ / ٢٣٥، مغني المحتاج: ١ / ٢٠٣، المغني: ٢ / ٢٩٤. (٣) مغني المحتاج ، المكان السابق . (٤) الدر المختار: ١ / ٨٢٩، فتح القدير: ١ / ٤٦٣ وما بعدها، اللباب: ١ / ١٣٣، مراقي الفلاح: ص ٩٩ ، بداية المجتهد: ١ / ٢٣٤، القوانين الفقهية: ص ٩٥، الشرح الصغير: ١ / ٥٦٨، مغني المحتاج: ١ / ٣٦١ ، المهذب : ١ / ١٣٢، المغني : ٢ / ٤٩٣. - ٥٠٧ - له))(١)، ولأن المسجد بني لأداء المكتوبات وتوابعها كنافلة وأذكار وتدريس علم ، ولأنه يحتمل تلويث المسجد ، والكراهة تحريمية عند الحنفية ، تنزيهية عند المالكية . وكما تكره الصلاة على الجنازة في المسجد ، يكره إدخالها فيه . وأما الاتجاه الثاني: وهو إباحة الصلاة على الجنازة في المسجد، بل إنه يستحب ذلك عند الشافعية إن لم يخش تلويثه، فلأن المسجد أشرف، وعملاً بما ثبت في السنة عن عائشة: ((والله لقد صلى رسول الله مَ اتٍ على ابني بيضاء في المسجد: سهيل وأخيه)) وفي رواية: ((ماصلى رسول الله وع قله على سهيل بن البيضاء إلا في جوف المسجد))(٢)، وصلي على أبي بكر وعمر في المسجد(٢). ويظهر لي أن الاتجاه الثاني أقوى ؛ لأن حديث أبي هريرة غير ثابت ، أو غير متفق على ثبوته ، قال النووي : إنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به . وقال أحمد بن حنبل : حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوءمة ، وهو ضعيف . الفرض الرابع - دفن الميت : وفيه بحث ما يأتي : أولاً - حمل الميت لغير بلده ، ثانياً - حمل الجنازة ، ثالثاً - سنن الجنازة ، رابعاً - وجوب الدفن وندب تعجيله ، خامساً - مكروهات الجنازة ، سادساً - صفة القبور واحترامها والجلوس عليها والاتكاء عليها ، وما يوضع على القبر من آس ونحوه ، وما يكتب عليه وعلى الكفن ، سابعاً - أحكام (١) رواه أبو داود وابن ماجه وابن عدي، وابن أبي شيبة ، ولفظ الأخير ( فلا صلاة له )) وهو ضعيف ( نصب الراية: ٢ / ٢٧٥ ، نيل الأوطار: ٤ / ٦٨ وما بعدها) . (٢) اللفظ الأول رواه مسلم، والثاني رواه الجماعة إلا البخاري ( نيل الأوطار: ٤ / ٦٨، نصب الراية : ٢ / ٢٧٦ ) . (٣) رواه سعيد وروى الثاني مالك ( نيل الأوطار، المكان السابق ) . - ٥٠٨ - الدفن ( كيفيته ، مكانه ، زمنه ، مايقال عند الدفن ، التلقين بعد الدفن ، ستر القبر ، الدفن في تابوت ) ، ثامناً - زيارة القبور للرجال والنساء والسلام على الميت ، واجتماع الأرواح . أولاً - حمل الميت لغير بلده : للفقهاء آراء ثلاثة في نقل الميت لغير بلده : الكراهة لغير غرض صحيح ، والإباحة ، والتحريم(١) . فقال الحنابلة : السنة دفن الميت في مكان مصرعه أو موته ، لقوله ﴿الّ: ((تدفن الأجساد حيث تفيض الأرواح))(٢) ، وحمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة مكروه ، لما نقل عن عائشة أنه (( لما مات عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبش - وهو مكان بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلاً - ونقل إلى مكة ، أتت قبره ، وقالت : والله لو حضرتك مادفنتك إلا حيث مت ، ولو شهدتك مازرتك)) (٣) وهو محمول على أنها لم تر غرضاً صحيحاً في نقله ، وأنه تأذى به . فإن كان النقل لغرض صحيح فلاكراهة ، لما في الموطأ عن مالك أنه سمع غير واحد يقول: ((إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق ، فحملا إلى المدينة ، ودفنا بها)) وقال سفيان بن عيينة: مات ابن عمرههنا ، وأوصى أن لا يدفن ههنا ، وأن يدفن بسَرَف(٤) . (١) كشاف القناع: ٢ / ٩٧ - ٩٨، المغني: ٢ / ٥١٠ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٩٦ ، مراقي الفلاح: ص ١٠٢، رد المحتار والدر المختار: ١ / ٨٤٠، مغني المحتاج: ١ / ٣٦٥. (٢) روى الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) وصححه الترمذي عن جابر قال: ((أمر رسول الله عَّل بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم ، وكانوا نقلوا إلى المدينة » وروی البزار بإسناد حسن عن أبي سعيد مثله ( نيل الأووطار: ٤ / ١١٢، مجمع الزوائد: ٣ / ٤٣). (٣) رواه الترمذي . (٤) ذكره ابن المنذر . - ٥٠٩ - وقال الحنفية والمالكية : لابأس بنقل الميت من بلد إلى آخر إن كان لم يدفن ، والنقل عند الحنفية جائز قدر ميل أو ميلين ، لكن يندب دفنه في جهة موته ، أي في مقابر أهل المكان الذي مات فيه أو قتل ، للحديث السابق أنه عَّ التّ أمر بدفن قتلى أحد في مضاجعهم ، مع أن مقبرة المدينة قريبة ، ودفنت الصحابة الذين فتحوا دمشق عند أبوابها ، ولم يدفنوا كلهم في محل واحد . وقال الشافعية : يحرم نقل الميت قبل دفنه إلى بلد آخر ، ليدفن فيه ، وإن لم يتغير ، لما فيه من تأخير دفنه ، ومن التعريض لهتك حرمته . ثانياً - حمل الجنازة وكيفيته : حمل الجنازة فرض كفاية بلاخلاف ، وهو بر وطاعة وإكرام للميت . وقال الشافعية : لابأس باتباع المسلم جنازة قريبه الكافر ، لأنه عليه الصلاة والسلام - فيما رواه أبو داود - أمر علياً رضي الله عنه أن يواري أبا طالب . وقالوا أيضاً : يحرم حمل الجنازة على هيئة مزرية كحمله في قفة أو غِرارة ( جوالق ) ونحو ذلك ، ويحمل على سرير أو لوح أو محمل ، ولاخلاف في أنه لا يحمل الجنازة إلا الرجال، سواء أكان الميت ذكراً أم أنثى؛ لأن النساء يضعفن عن الحمل، وربما انكشف منهن شيء لو حملن. وللفقهاء آراء ثلاثة في كيفية حمل الميت : التربيع عند الحنفية والحنابلة ، ومابين العمودين عند الشافعية ، وعدم ترتيب وضع معين على المشهور عند = (١) المالكية (١) الدر المختار: ١ / ٨٣٣، فتح القدير: ١ / ٤٦٧، ٤٦٩، الكتاب مع اللباب: ١ / ١٣٣ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ١٠٠، القوانين الفقهية: ص ٩٦، الشرح الصغير: ١ / ٥٦٥، المهذب: ١ / ١٣٥، كشاف القناع: ٢ / ١٤٦ وما بعدها، المجموع: ٥ / ٢٣٣، المغني: ٢ / ٤٧٨، مغني المحتاج: ١ / ٣٥٩ . - ٥١٠ - أما الحنفية والحنابلة فقالوا : يوضع الميت على النعش بعد أن يغسل ويكفن ، مستلقياً على ظهره ؛ لأنه أمكن ، ويسن أن يحمله أربع ؛ لأنه يسن التربيع في حمله ، والتربيع أفضل من الحمل بين العمودين ، لحديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: (( من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها ، فإنه من السنة ، ثم إن شاء فليطَّوَغُ ، وإن شاء فليدع))(١) . وصفة التربيع : أن يضع قائمة النعش اليسرى على كتفه اليمنى ، ثم ينتقل إلى قائمة السرير المؤخرة ، فيضعها على كتفه اليمنى أيضاً ، ثم يدعها لغيره ، ثم يضع قائمته اليمنى على كتفه اليسرى ، ثم يدعها لغيره ، وينتقل إلى قائمة السرير اليمنى ، فيضعها على كتفه اليسرى . فتكون البداءة من الجانبين بالرأس ، والختام من الجانبين بالرجلين ، لما فيها من الموافقة لكيفية غسله . ويمشي في كل مرة عشر خطوات، لحديث: (( من حمل جنازة أربعين خطوة ، كفرت عنه أربعين كبيرة ))(٢). وإن حمل الميت بين العمودين وهما القائمتان ، كل عمود على عاتق رجل كره عند الحنفية ، وكان حسناً ، ولم يكره عند الحنابلة ، لرواية ابن منصور، ولأنه ۆژ « حمل جنازة سعد بن معاذ بین العمودین )»(٣) ، وروي عن عثمان وسعد وابن الزبير وابن عمر وأبي هريرة ((أنهم فعلوا ذلك))(٤). وقال الشافعية : الحمل بين العمودين أفضل من التربيع : وهو أن يجعل الحامل رأسه بين عمودي مقدمة النعش ، ويجعلهما على كاهله . (١) رواه سعيد بن منصور وابن ماجه ، وإسناده ثقات ، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه . (٢) ذكره الزيلعي والكاساني في البدائع. وذكر ابن عساكر عن واثلة: (( من حمل بجوانب السرير الأربع، غفر له أربعون كبيرة » وهو ضعيف . (٣) ذكره الشافعي في المختصر والبيهقي في كتاب المعرفة ، وأشار إلى تضعيفه . (٤) رواها الشافعي والبيهقي بأسانيد ضعيفة إلا أثر سعد فصحيح . - ٥١١ - ويجوز الحمل من الجوانب الأربعة، لكن الأول أفضل؛ لأن النبي صَ لّ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين ، ولفعل الصحابة المذكورين . وقال المالكية : ليس في حمل الجنازة ترتيب معين على المشهور ، فيجوز البدء في حمل السرير بأي ناحية بلا تعيين ، قال خليل : والمعين مبتدع ؛ لأنه عين ما لاأصل له في الشرع ، ويجوز أن يحمل النعش اثنان أو ثلاثة أو أربعة . ثالثاً - سنن تشييع الجنازة : يسن في حمل الجنازة ما يأتي : ١ - الإسراع بالجنازة : يستحب الإسراع بالجنازة ( أي فوق المشي المعتاد ، ودون الخَبَب ـ أي العَدْو السريع - لكراهته ) بحيث لا يضطرب الميت على الجنازة، لما روى أبو هريرة أن النبي طائر قال: ((أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحة فخير تقدمونها ، وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ))(١) ، وكراهة الخبب لما روى عبد الله بن مسعود، قال: ((سألنا رسول الله معد له عن السير بالجنازة ، فقال : دون الخبب ، فإن يكن خيراً يعجل إليه ، وإن یکن شراً ، فبعداً لأصحاب النار))(٢). واستحباب الإسراع باتفاق العلماء إلا أن يخاف من الإسراع انفجار الميت أو تغيره ، ونحوه فيتأنى(٣) . ٢ - اتباع الجنازة: ويستحب اتباع الجنازة اتفاقاً(٤)، لما روى البراء (١) رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم أيضاً ولفظه ((فخيراً تقدمونها عليه)). (٢) رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وغيرهم ، واتفقوا على تضعيفه ، وروى أحمد عن أبي موسى حديث ((عليكم القصد)» وهو ضد الإفراط ( نيل الأوطار: ٤ / ٧٠). (٣) اللباب: ١ / ١٣٤، الشرح الكبير: ١ / ٤١٨، المهذب: ١ / ١٣٥، المغني: ٢ / ٤٧٢ - ٤٧٣ . (٤) الدر المختار: ١ / ٨٣٣، الشرح الكبير: ١ / ٤١٨، المهذب: ١ / ١٣٦، مغني المحتاج: ١ / ٣٦٧ ، المجموع: ٥ / ٢٨٦، المغني : ٢ / ٤٧٣ . - ٥١٢ - ، قال: ((أمرنا رسول الله عائل باتباع الجنازة، وعيادة المريض ، وتشميت العاطس ، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم))(١) . ويتطلب اتباع الجنازة أموراً ثلاثة : أ - أن يصلي عليها : قال زيد بن ثابت : إذا صليت فقد قضيت الذي عليك . ب - أن يتبعها إلى القبر ، ثم يقف حتى تدفن، لحديث أبي هريرة: (( من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط ، وإن شهد دفنها فله قيراطان ، القيراط مثل أحد))(٢). جـ - أن يقف بعد الدفن ، فيستغفر له ، ويسأل الله له التثبيت ، ويدعو له بالرحمة ، فإنه روي عن النبي مؤ هلا أنه كان إذا دفن ميتاً، وقف ، وقال : (( استغفروا له ، واسألوا الله له التثبيت ، فإنه الآن يسأل ))(٣) وقد روي عن ابن عمر أنه كان يقرأ عنده بعد الدفن أول البقرة وخاتمتها . وروى مسلم عن عمرو بن العاص أنه قال: ((إذا دفنتموني ، فأقيموا بعد ذلك حول قبري ساعة قدر ماتنحر جزور ، ويفرّق لحمها حتى أستأنس بكم ، وأعلم ماذا أراجع رسل ربي )» . ٣ - الخشوع والتفكر بالموت : يستحب لمتبع الجنازة(٤) أن يكون متخشعاً ، متفكراً في مآله ، متعظاً بالموت ، وبما يصير إليه الميت ، ولا يتحدث (١) رواه الجماعة منهم البخاري ومسلم ( نيل الأوطار: ٤ / ٧٠). (٢) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لهما: ((القيراطان مثل الجبلين العظيمين)). (٣) رواه أبو داود والبزار، وقال الحاكم : إنه صحيح الإسناد . (٤) المغني : ٢ / ٤٧٤ . الفقه الإسلامي جـ٢ (٣٣) ٠- ٥١٣ - 1 بأحاديث الدنيا ، ولا يضحك. قال سعد بن معاذ: (( ماتبعت جنازة فحدثت نفسي بغير ماهو مفعول بها )» ورأى بعض السلف رجلاً يضحك في جنازة ، فقال : أتضحك وأنت تتبع الجنازة ؟ لا كلمتك أبداً. ٤ - ستر نعش المرأة : يندب عند المالكية والشافعية والحنابلة(١) ستر نعش المرأة بقُبَّة تجعل فوق ظهر النعش ، تعمل من خشب أو جريد نخل أو قصب ، لأنه أبلغ في الستر ، قال بعضهم : أول من اتخذ له ذلك زينب بنت جحش أم المؤمنين ، وقال ابن عبد البر: فاطمة بنت رسول الله مَ الٍ أول من غُطِّي نعشها في الإسلام ، ثم زينب بنت جحش . ٥ - المشي أمام الجنازة : يسن عند فقهاء الحديث ( مالك والشافعي وأحمد )(٢) المشي أمام الجنازة ، وبقربها بحيث يراها إن التفت لأنه إذا بعد لم يكن معها، والمشي أمامها، لما روى ابن عمر: ((أنه رأى النبي ◌ُ ◌ّ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة ))(٣) ولأن المشيع شفيع للميت ، والشفيع يتقدم على المشفوع ... له .. وأضاف الحنابلة : ولا يكره كون المشاة خلف الجنازة ؛ لأنها متبوعة ، ولاأن يمشوا حيث شاؤوا عن يمينها أو يسارها بحيث يعدّون تابعين لها . وذكر المالكية على المشهور : أن الراكب يسير خلف الجنازة . وقال فقهاء الرأي منهم الحنفية(٤): يندب المشي خلف الجنازة ؛ لأنها (١) الشرح الكبير: ١ / ٤١٨، كشاف القناع: ٢ / ١٤٦، مغني المحتاج: ١ / ٣٥٩. (٢) بداية المجتهد: ١ / ٢٢٥، المهذب: ١ / ١٣٦، المغني: ٢ / ٤٧٤، كشاف القناع: ٢ / ١٤٩ ، المجموع : ٥ / ٢٣٨، القوانين الفقهية : ص ٩٦ . (٣) رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن) واحتج به أحمد ( نيل الأوطار: ٤ / ٧١). (٤) الدر المختار: ١ / ٨٣٤، مراقي الفلاح: ص ١٠١ . - ٥١٤ - ٠ متبوعة(١)، إلا أن يكون خلفها نساء فالمشي أمامها حسن ، ولو مشى أمامها جاز ، وفيه فضيلة أيضاً ، لكن إن تباعد عنها أو تقدم الكل أو ركب أمامها ، أو فيها كره . ودليلهم حديث ابن مسعود المتقدم: ((سألنا النبي ◌ُ ◌ّ عن المشي خلف الجنازة، فقال: مادون الخبب)) فقرر قولهم : خلف الجنازة ، ولم ينكره . وحديث طاوس أنه قال: ((مامشى رسول الله عز ◌ّ حتى مات إلا خلف الجنازة))(٢). ويظهر أن كلاً من المشي أمام الجنازة أو خلفها جائز، لحديث المغيرة بن شعبة: عن النبي ◌ُّ قال: ((الراكب خلف الجنازة ، والماشي أمامها قريباً منها عن يمينها أو عن يسارها، والسِقْطِ يُصلَّى عليه ، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة ))(٣). ٦ - القيام للجنازة : قال النووي وجماعة: يخير المسلم بين القيام والقعود(٤)، روى ابن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي عَ لّ قال: ((إذا رأيتم الجنازة ، فقوموا لها حتى يُخلّفكم أو توضع))(٥). وقال الجمهور منهم أئمة المذاهب الأربعة(١): لا يقام للجنازة ؛ لأن القيام منسوخ ، بدليل قول علي رضي الله عنه: ((كان رسول الله مؤهل أمرنا بالقيام في (١) هذا إشارة لحديث البراء بن عازب المتقدم: ((أمرنا رسول الله ميل باتباع الجنائز)). (٢) قال الشوكاني : وهذا مع كونه مرسلاً ، لم أقف عليه في شيء من كتب الحديث ( نيل الأوطار : ٤ / ٧٢ ) . (٣) رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن حبان والحاكم (نيل الأوطار: ٤ / ٤٥، ٧٢). (٤) المجموع : ٥ / ٢٣٩ . (٥) رواه الجماعة ( نيل الأوطار: ٤ / ٧٥). . (٦) القوانين الفقهية: ص ٩٦، المغني: ٢ / ٤٧٩، الشرح الصغير: ١ / ٥٧٠، الدر المختار: ١ / ٨٣٤، المجموع، المكان السابق، نيل الأوطار: ٤ / ٧٦. - ٥١٥ - الجنازة ، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس)) (١) وسبب القعود مخالفة اليهود ، قال عبادة بن الصامت: ((كان رسول الله مَ اتٍ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد ، فمر حَبْر (عالم ) من اليهود ، فقال : هكذا نفعل ، فجلس رسول الله مَ التّةٍ، وقال: اجلسوا خالفوهم))(٢)، وصرح المالكية بكراهة القيام للجنازة ؛ لأنه ليس من عمل السلف . ٧ - عدم جلوس المشيعين حتى توضع الجنازة : المستحب لمن يتبع الجنازة ألا يجلس حتى توضع عن أعناق الرجال ؛ لأنه قد تقع الحاجة إلى التعاون، والقيام أمكن منه(٣)، ولحديث: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها ، فمن اتَّبعها فلا يجلس حتى توضع ))(٤) أي في الأرض ، كما في رواية أبي داود . رابعاً - مكروهات الجنازة : ذكر الفقهاء طائفة من مكروهات الجنازة ، أهمها ما يأتي(٥): ١ - تأخير الصلاة والدفن ، لزيادة المصلين أو ليصلي عليه جمع عظيم بعد صلاة الجمعة ، إلا إذا خيف فوتها بسبب دفنه، للخبر الصحيح: ((أسرعوا بالجنازة )) ولا بأس بانتظار الولي عن قرب مالم يخش تغير الميت ، وقال المالكية : ويكره للمشيعين الانصراف عن الجنازة بلاصلاة عليها ولو بإذن أهلها ، والانصراف بعد الصلاة بلاإذن من أهلها إن لم يطولوا ، فإن أذنوا أو طولوا جاز الانصراف . (١) رواه أحمد وأبو داود ، وابن ماجه بنحوه ( نيل الأوطار، المكان السابق ). (٢) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي ، وإسناده ضعيف . (٣) فتح القدير: ١ / ٤٦٩، المغني: ٢ / ٤٨٠، المهذب: ١ / ١٣٦. (٤) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ( نيل الأوطار: ٤ / ٧٤). (٥) الدر المختار: ١ / ٨٣٣ - ٨٣٥، الكتاب مع اللباب: ١ / ١٣٤، فتح القدير: ١ / ٤٦٩، الشرح الصغير: ١ / ٥٦٦، ٥٦٨ - ٥٧٤، المهذب: ١ / ١٣٦، المجموع: ٥ / ٢٣٧ - ٢٤٠، مغني المحتاج: ١ / ٣٥٩ ومابعدها، المغني: ٢ / ٤٧٥ - ٤٧٧، ٤٨٠، كشاف القناع: ٢ / ١٤٩ وما بعدها، الشرح الكبير: ١ / ٤٢١ - ٤٢٤. - ٥١٦ - ٢ - الجلوس قبل وضع الجنازة على الأرض، والقيام بعده . ولا يقوم أحد في المصلى إذا رأى الجنازة ، ولا من مرت عليه ، كما بينا في البحث السابق . ٣ - الركوب: فالسنة ألا يركب؛ لأن النبي عَّ ((ماركب في عيد، ولاجنازة)»(١) وقال ثوبان: ((خرجنا مع النبي ◌َّ في جنازة، فرأى ناساً رُكباناً، فقال : ألا تستحيون، إن ملائكة الله على أقدامهم ، وأنتم على ظهور الدواب ))(٣). أما الركوب في الرجوع فلابأس به، لحديث جابر بن سمرة أن النبي محمد لحمه أَتِي بفرس مُعْرَوْر ( أي عريان ) ، فركبه حين انصرفنا من جنازة ابن الدحداح ، ونحن نمشي حوله )»(٣). ٤ - اللَّغَط أي رفع الصوت بذكر أو قراءة والصياح خلف الجنازة ، كقول : ((استغفروا لها)) ونحوه، لما روى البيهقي أن الصحابة كرهوا رفع الصوت عند الجنائز وعند القتال وعند الذكر، وسمع ابن عمر قائلاً يقول : « استغفروا له غفر الله لكم، فقال: لاغفر الله لك))(٤) وكره الحسن وغيره قولهم: ((استغفروا لأخيك)) . والصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير مع الجنازة والاشتغال بالتفكر في الموت وما يتعلق به ، كما بينا . وما يفعله جهلة القراء بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضوعه ، فحرام يجب إنكاره . ٥ - اتباع الجنازة بنار في مجمرة بخور أو غيرها ، لما فيه من التشاؤم القبيح (١) قال النووي: غريب ( المجموع: ٥ / ٢٣٧). (٢) رواه ابن ماجه والترمذي ( نيل الأوطار: ٤ / ٧٢). (٣) رواه أحمد ومسلم والنسائي، وروى أبو داود عن ثوبان مثله ( نيل الأوطار: ٤ / ٧٢) . (٤) رواه سعيد بن منصور في سننه . - ٥١٧ - بأنه من أهل النار، ولخبر أبي داود: ((لاتتبع الجنازة بصوت ولانار)). ويكره أيضاً اتباعها بنائحة وتزجر ، لما روى عمرو بن العاص قال: (( إذا أنا مت، فلا تصحبني نار ولانائحة))(١) وعن أبي موسى رضي الله عنه أنه وصى : لا تتبعوني بصارخة ولابمجمرة ، ولا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً(٢). ويكره اجتماع نساء لبكاء سراً ، ومنع جهراً ، كالقول القبيح مطلقاً . ٦ - اتباع النساء الجنائز، والكراهة عند الجمهور تنزيهية ، لما روي عن أم عطية قالت: (( نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا))(٣) أي أنه نهي تنزيه ، وعند الحنفية الكراهة تحريمية، لحديث (( ارجعن مأزورات غير مأجورات))(٤) ويعضده المعنى الحادث باختلاف الزمان الذي أشارت إليه عائشة بقولها: ((لو أن رسول الله مت التع رأى ماأحدث النساء بعده، لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل)). وأجاز المالكية خروج امرأة متجالَّة : عجوز لاأرب للرجال فيها ، أو شابة لم يخش فتنتها في جنازة من عظمت مصيبته عليها كأب وأم وزوج وابن وبنت وأخ وأخت . وحرم على مخشيّة الفتنة مطلقاً . وخروج الزوجة المتجالة وغير مخشية 5 الفتنة مستثنى من أحكام العدة والإحداد . ٧ - قال المالكية : يكره تكبير نعش لميت صغير ، لما فيه من المباهاة والنفاق ، ويكره فرش النعش بحرير أو خز . (١) رواه مسلم في صحيحه في جملة حديث طويل فيه أحكام كثيرة في كتاب الإيمان . (٢) رواه البيهقي . (٣) رواه البخاري ومسلم في الصحيحين .... (٤) رواه ابن ماجه بسند ضعيف، أوله ((أن النبي ◌َ ◌ّ خرج ، فإذا نسوة جلوس ، قال : ما يجلسكن ؟ قلن : ننتظر الجنازة ، قال : هل تغسلن ؟ قلن: لا ، قال : هل تحملن ؟ قلن: لا ، قال : هل تدلين فيمن يدلي ؟ قلن : لا ، قال: فارجعن ... )). - ٥١٨ - ٨ - قال الحنابلة : مس الجنازة بالأيدي والأكام والمناديل محدث مكروه ، وقد منع العلماء مس القبر ، فمس الجسد مع خوف الأذى أولى بالمنع . خامساً - حكم الدفن وتعجيله : أجمع الفقهاء على أن دفن الميت فرض على الكفاية (١)؛ لأن في تركه على وجه الأرض هتكاً لحرمته ، ويتأذى الناس من رائحته ، والأصل فيه قوله تعالى : ﴿ ألم نجعل الأرض كفاتاً ، أحياء وأمواتاً﴾ والكفت : الجمع ، وقوله في دفن هابيل: ﴿ فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ، ليريه كيف يواري سوأة أخيه ) وقوله : ﴿ ثم أماته فأقبره ﴾ . والأفضل أن يعجل بتجهيز الميت ودفنه من حين فوته ، للحديث المتقدم : (( أسرعوا بالجنازة ، فإن كانت صالحة فخير تقدمونها إليه ، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم )) واستثنى المالكية الغريق فإنه يستحب عندهم تأخير دفنه مخافة بقاء حياته . والدفن في المقبرة أفضل ؛ لأن النبي ◌َ ◌ّ كان يدفن الموتى بالبقيع(٣)، ولأنه يكثر الدعاء له ممن يزوره ، ولأنه أقل ضرراً على الأحياء من ورثته ، وأشبه بمساكن الآخرة(٣). ويجوز الدفن في البيت ؛ لأن النبي مَ ◌ّ دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها (٤). (١) رد المحتار والدر المختار: ١ / ٨٣٣، بداية المجتهد: ١ / ٢١٨، ٢٣٥، المجموع: ٥ / ٢٤١، كشاف القناع : ٢ / ٩٦، ١٤٦، ٠١٥٢ (٢) حديث صحيح متواتر . (٣) مراقي الفلاح: ص ١٠٢، الدر المختار: ١ / ٨٣٦، الشرح الصغير: ١ / ٥٧٤، المجموع: ٥ / ٢٤١، المغني : ٢ / ٥٠٨ ومابعدها . (٤) حديث صحيح متواتر . - ٥١٩ - الدفن في البيوت : لكن الدفن في البيوت ولو للسقط مكروه ، لاختصاصه بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ويكره الدفن في القباب ونحوها من البيوت المعقودة لجماعة ، مخالفته السنة . الدفن في البقاع الشريفة : ويستحب الدفن في أفضل مقبرة : وهي التي يكثر فيها الصالحون والشهداء لتناله بركتهم ، وكذلك في البقاع الشريفة ، وقد روى البخاري ومسلم أن موسى عليه السلام لما حضره الموت ، سأل الله تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية بحجر، قال النبي مَ ◌ّم: « لو كنتم ثَمَّ لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر)) ، ولأن عمر رضي الله عنه استأذن عائشة رضي الله عنها أن يدفن مع صاحبيه(١): أي النّبي ◌ُّ وأبي بكر . جمع الأقارب في موضع واحد : ويستحب أن يجمع الأقارب في موضع واحد، لأن النبي ◌ُ ◌ّ ((ترك عند رأس عثمان بن مظعون صخرة ، وقال: نعلم على قبر أخي ، لأدفن إليه من مات من أهلي ))(٢) ، ولأن ذلك أسهل لزيارتهم ، وأكثر للترحم عليهم . سادساً - صفة القبور واحترامها : للقبور صفات مستمدة من السنة النبوية ومما تقتضيه الحاجة وهي ما يلي(٢): (١) حديث صحيح رواه البخاري وغيره . (٢) رواه أبو داود والبيهقي عن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب ، وهو من التابعين ، عمن أخبره عن النبي فهو مسند لامرسل ، لأن الصحابة كلهم عدول . (٣) الدر المختار: ١ / ٨٣٥ - ٨٣٩، ٨٤٧، فتح القدير: ١ / ٤٦٩ - ٤٧٢، مراقي الفلاح: ص ١٠١ ومابعدها ، الكتاب: ١ / ١٣٤ ومابعدها، بداية المجتهد: ١ / ٢٣٥ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص ٩٦، ٩٧ ، الشرح الكبير: ١ / ٤١٩، الشرح الصغير: ١ / ٥٥٨، ٥٦٠، ٥٧٢، ٥٧٨، مغني المحتاج: ١ / ٣٥١، ٣٦٤، المهذب: ١ / ١٣٩ ، المغني: ٢ / ٤٩٧ - ٤٩٩، ٥٠٤ - ٥٠٨، كشاف القناع: ٢ / ١٥٤ - ١٦٣، شرح الرسالة: ١ / ٢٧٧ - ٢٨٠ ، المجموع: ٥ / ٢٨٤ . - ٥٢٠ -