النص المفهرس
صفحات 421-440
وتختلف عن خطبة العيد في رأي المالكية والشافعية أن الإمام يستغفر الله تعالى بدل التكبير، فيقول: (( أستغفر الله الذي لاإله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه )) ويكثر فيها بالاتفاق الاستغفار ؛ لأنه سبب لنزول الغيث ، روى سعيد : (( أن عمر خرج يستسقي ، فلم يزد على الاستغفار ، فقالوا: مارأيناك استسقيت فقال : لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء الذي يُستنزَل به المطر ، ثم قرأ : استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً ، يرسل السماء عليكم مدراراً))(١) . ولاحد للاستغفار عند المالكية في أول الخطبة الأولى والثانية . ويستغفر الخطيب في الخطبة الأولى عند الشافعية تسعاً ، وفي الثانية سبعاً ، ويستحب أن يكثر من الاستغفار، لقوله تعالى: ﴿ استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾. ويفتتح الإمام عند الحنابلة الخطبة بالتكبير تسعاً نسقاً كخطبة العيد، ويكثر فيها عندهم الصلاة على النبي مَ ◌ّ ؛ لأنها معونة على الإجابة، قال عمر: ((الدعاء موقوف بين السماء والأرض ، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك))(٢)، ويقرأ كثيراً: ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾ وسائر الآيات التي فيها الأمر به ، فإن الله تعالى وعدهم بإرسال الغيث إذا استغفروه . الدعاء في الخطبة : ويدعو الإمام في الخطبة الأولى: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً مَريعاً، غَدَقاً، مجلِّلاً، سَحَّاً، طَبَقاً دائماً، لحديث ابن عباس(٣). (١) سبق تخريجه عند البيهقي، وعن علي نحوه ( نيل الأوطار: ٤ / ٧) ومجاديح السماء: أنواؤها، والمراد بالأنواء : النجوم التي يحصل عندها المطر عادة ، فشبه الاستغفار بها . (٢) رواه الترمذي . (٣) رواه ابن ماجه ، ومعناه: اللهم اسقنا مطراً ، منقذاً من الشدة بإروائه ، طيباً لا ينغصه شيء ، محمود العاقبة ، ذا ريع أي نماء ، كثير الماء والخير، يجلل الأرض أي يعمها ، شديد الوقع على الأرض ، مطبقاً على الأرض أي مستوعباً لها ، دائماً إلى انتهاء الحاجة ( نيل الأوطار: ٤ / ٩). - ٤٢١ - اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ( أي الآيسين بتأخير المطر ) ، اللهم إن بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء ( شدة الجوع ) ، والجهد ( قلة الخير وسوء الحال ) ، والضنك ( أي الضيق ) ، ما لا نشكو إلا إليك . اللهم أنبت لنا الزرع ، وأدرّ لنا الضرع ، واسقنا من بركات السماء ، وأنبت لنا من بركات الأرض . اللهم ارفع عنا الجهد والعُرْي والجوع، واكشف عنا من البلاء ، مالا يكشفه غيرك . اللهم إنا نستغفرك ، إنك كنت غفاراً ، فأرسل السماء علينا مدراراً أي درّاً أي مطرأ كثيراً . وكل ذلك ثابت بحديث واحد عن عبد الله بن عمر . ويبالغ في الدعاء سراً وجهراً لقوله تعالى : ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ ويؤمن القوم على دعائه ، فيقول : اللهم إنك أمرتنا بدعائك ، ووعدتنا إجابتك ، وقد دعوناك كما أمرتنا ، فاستجب لنا كما وعدتنا ، إنك لاتخلف الميعاد(١). وكان من دعائه مع القلم: ((الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، لا إله إلا الله يفعل ما يريد ، اللهم أنت الله ، لاإله إلا أنت ، أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، واجعل ماأنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى (٢) حين))(٢) . أما الناس فيسرون بالدعاء إن أسر الإمام ، ويجهرون به إن جهر . ويستحب للخطيب استقبال القبلة في أثناء الدعاء ، لحديث عبد الله بن زيد المتقدم . وهذا ماقرره الصاحبان ، وهو أن الإمام يستقبل القبلة بالدعاء في الخطبة . (١) لقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) والدعاء سراً: أقرب إلى الإخلاص ، وأبلغ في الخشوع والخضوع ، وأسرع في الإجابة . (٢) رواه أبو داود وابن حبان والحاكم عن عائشة ( سنن أبي داود: ١ / ٢٦٧، نيل الأوطار: ٤ / ٣). - ٤٢٢ - وقال المالكية : يستقبل القبلة بوجهه قائماً بعد الفراغ من الخطبتين ، ويبالغ في الدعاء برفع الكرب والقحط وإنزال الغيث والرحمة وعدم المؤاخذة بالذنوب ، ولا یدعو لأحد من الناس . وقال الشافعية : يستقبل الإمام القبلة بعد صدر ( نحو ثلث ) الخطبة الثانية ، ثم يدعو(١) سراً وجهراً ، ثم يستقبل الناس بوجهه ويحثهم على الطاعة ، ويصلي على النبي عائله ويقرأ آية أو آيتين ، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ، ويختم بقوله : أستغفر الله لي ولكم . وقال الحنابلة : يستقبل القبلة في أثناء الخطبة . رفع الأيدي في الدعاء : ويستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء ، لحديث أنس: ((كان النبي ◌ُ ◌ّ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء ، فإنه كان يرفع يديه ، حتى يُرى بياض إبطيه))(٢) وفي حديث أيضاً لأنس : فرفع النبي مڅے ورفع الناس أيديهم قلب الرداء أو تحويله : قال الصاحبان أبو يوسف ومحمد : يقلب الإمام رداءه عند الدعاء، لما روي أنه مؤ لّ: « لما استسقى حوَّل ظهره إلى الناس ، واستقبل القبلة، وحوَّل رداءه))(٣) وصفة القَلْب : إن كان مربَّعاً جعل أعلاه أسفله ، وإن كان مُدَوَّراً كالجبة ، جعل الجانب الأيمن على الأيسر . ..---- ولا يقلب القوم أرديتهم ؛ لأنه لم ينقل أنه عليه السلام أمرهم بذلك (١) قال النووي: فيه استحباب استقبال القبلة للدعاء ، ويلحق به الوضوء والغسل والتيم والقراءة وسائر الطاعات ، إلا ما خرج بدليل كالخطبة . (٢) متفق عليه بين أحمد والبخاري ومسلم ( نيل الأوطار : ٨/٤ ) (٣) سبق تخريجه، وقال الزيلعي: رواه الأئمة الستة، وأحمد ( نصب الراية : ٢٤٢/٢). - ٤٢٣ - ولا يسن القلب عند أبي حنيفة ؛ لأن الاستسقاء دعاء عنده ، فلا يستحب تحويل الرداء فيه كسائر الأدعية . وقال الجمهور : يحول الإمام رداءه عند استقبال القبلة ، على الخلاف السابق في وقت الاستقبال ، ويحول الناس الذكور مثله أي مثل الإمام ، وهم جلوس ، لحديث عبد الله بن زيد ، وحديث عائشة ، وحديث أبي هريرة كما تقدم(١) وليقلب الله ما بهم من الجدب إلى الخصب ، وجاء هذا المعنى في بعض الحديث ، روي ((أن النبي ◌ُّ الّ حول رداءه ليتحول القحط))(٢). وصفة التحويل : أن يجعل يمينه يساره وعكسه أي يجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن ، بلا تنكيس للرداء عند المالكية والحنابلة ، أي فلا يجعل الحاشية السفلى التي على رجليه على أكتافه . ومع التنكيس في المذهب الجديد للشافعي ، فيجعل أعلاه أسفله وعكسه ، لحديث: ((أنه مَّةٍ استسقى، وعليه خميصة له سوداء ، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها ، فثقُلت عليه ، فقلَبها الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن))(٣) . ودليل التحويل للناس: حديث عبد الله بن زيد: « رأيت رسول الله عَ ◌ّ حين استسقى لنا، أطال الدعاء ، وأكثر المسألة ، ثم تحول إلى القبلة ، وحول رداءه ، فقلبه ظهراً لبطن ، وتحول الناس معه » (٤) . قال الحنابلة : ويظل الرداء محولاً حتى يُنزع مع الثياب بعد الوصول إلى (١) انظر نيل الأوطار: ٣/٤ - ٤، قال السهيلي: وكان طول ردائه ◌َّل أربعة أذرع، وعرضه ذراعين وشبراً. (٢) رواه الدارقطني عن جعفر بن محمد عن أبيه . (٣) رواه أحمد وأبو داود، والخميصة: كساء أسود مربع له علمان (نيل الأوطار: ١١/٤ - ١٢ ) (٤) رواه أحمد ( نيل الأوطار : ١١/٤ ). - ٤٢٤ - المنزل ، لعدم نقل إعادته . والخلاصة : أن تحويل الرداء : للتفاؤل بتحويل الحال من الشدة إلى الرخاء، و((كان رسول الله م التي يحب الفأل الحسن))(١). خامساً - ما يستحب في الاستسقاء أو وظائف الاستسقاء : يستحب للاستسقاء ما يأتي(٢) بالإضافة لما ذكر سابقاً في الخطبة والخروج للصلاة : اً - يأمر الإمام الناس بالتوبة من المعاصي، والتقرب إلى الله تعالى بوجوه البر والخير من صدقة وغيرها، والخروج من المظالم وأداء الحقوق ؛ لأن ذلك أرجى للإجابة ، قال تعالى: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إلیه ، يرسل السماء عليكم مدراراً ﴾، ولأن المعاصي والمظالم سبب القحط ومنع القطر، والتقوى سبب البركات ، لقوله تعالى : ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) ويأمر الإمام أيضاً بصيام ثلاثة أيام قبل صلاة الاستسقاء ، ويخرج الناس في آخر صيامها ، أو في اليوم الرابع إلى الصحراء صياماً ؛ لأنه وسيلة إلى نزول الغيث ، وقدروي: (( ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر، والإمام العادل والمظلوم))(٣). قال الشافعية : ويلزم الناس امتثال أمر الإمام . وقال الحنابلة : ولا يلزم الصيام والصدقة بأمره . (١) رواه الشيخان عن أنس بلفظ: ((يعجبني الفأل: الكلمة الحسنة، والكلمة الطيبة)) وفي رواية لمسلم ((وأحب الفأل الصالح )). (٢) الدر المختار: ٧٩٢/١، البدائع: ٢٨٤/١، اللباب: ١٢٢/١ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص٩٣ ، القوانين الفقهية: ص٦٧، الشرح الصغير: ٥٣٨/١ - ٥٤٠، مغني المحتاج: ٣٢١/١ - ٣٢٦، المهذب: ١٢٣/١ - ١٢٥، المغني: ٤٣٠/٢، ٤٣٨، كشاف القناع : ٧٥/٢ وما بعدها . (٣) رواه الترمذي عن أبي هريرة وقال: حديث حسن، ورواه البيهقي عن أنس، وقال: ((دعوة الصائم والوالد والمسافر ». - ٤٢٥ - ويأمرهم الإمام أيضاً بالصدقة ؛ لأنها متضمنة للرحمة المفضية إلى رحمتهم بنزول الغيث . كما يأمرهم بترك التشاحن من الشحناء وهي العداوة ؛ لأنها تحمل على المعصية والبهت، وتمنع نزول الخير بدليل قوله مُ فيه: ((خرجت لأخبركم بليلة القدر ، فتلاحى فلان وفلان ، فرفعت ))(١) ويعين الإمام يوماً يخرج الناس فيه(٢) . اً - أن يخرج الإمام والناس مشاة إلى الاستسقاء في الصحراء ثلاثة أيام متتابعة ، إلا في مكة والمدينة وبيت المقدس ، فيجتمعون في المسجد الحرام ، والمسجد النبوي ، والمسجد الأقصى ، كما قدمنا . وإن لم يخرج الإمام خرج الناس لصلاة الاستسقاء عند الحنفية ، وإذا خرجوا ، اشتغلوا بالدعاء، ولم يصلوا بجماعة إلا إذا أمر الإمام إنساناً أن يصلي بهم جماعة ؛ لأن هذا دعاء ، فلا يشترط له حضور الإمام . وإن خرجوا بغير إذن الإمام ، جاز؛ لأنه دعاء ، فلا يشترط له إذن الإمام . وقال الشافعية : إذا كان الوالي بالبلد لا يخرج الناس إلى الصحراء حتى يأذن لهم، لخوف الفتنة . وعند الحنابلة روايتان : إحداهما - لا يستحب إلا بخروج الإمام أو نائبه ، فإذا خرجوا دعوا وانصرفوا بلا صلاة ولا خطبة . وفي رواية أخرى : إنهم يصلون لأنفسهم ، ويخطب بهم أحدهم . اً - التنظف للاستسقاء بغسل وسواك وإزالة رائحة وتقليم أظفار ونحوه، لئلا يؤذي الناس ، وهو يوم يجتمعون له كالجمعة . ولا يستحب التطيب ؛ لأنه يوم استكانة وخضوع ، ولأن الطيب للزينة وليس هذا وقت زينة . (١) رواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري (نيل الأوطار: ٢٧٧/٤ ) (٢) رواه أبو داود عن عائشة ( نيل الأوطار: ٣/٤ ) - ٤٢٦ - ٤ - يخرج المرء إلى المصلى متواضعاً متذللاً ، متخشعاً ( خاضعاً) متضرعاً ( مستكيناً) متبذلاً (في ثياب بذلة)، لحديث ابن عباس السابق: ((خرج النبي متكافٍ للاستسقاء متذللاً متواضعاً متخشعاً، حتى أتى المصلى))(١) ٥ - التوسل بأهل الدين والصلاح والشيوخ والعلماء المتقين والعجائز والأطفال والدواب ، تحصيلاً للتحنن ، وإظهار الضجيج بالحاجات ، كما بينا سابقاً (٢) ، ويسن لكل من حضر أن يستشفع سراً بخالص عمله. ٦ - الخروج إلى المصلى في الصحراء: لحديث عائشة: ((شكا الناس إلى رسول الله مؤتمٍ قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى))(٣)، ولأن الجمع يكثر ، فكان المصلى أرفق بهم . ٧ - الدعاء بالمأثور في الخطبة كما بينا ، وعند نزول الغيث ، لما روى البيهقي (( أن الدعاء يستجاب في أربعة مواطن : عند التقاء الصفوف ، ونزول الغيث ، وإقامة الصلاة ورؤية الكعبة)) ولما روى البخاري عن عائشة ((أن النبي مَ الٍ كان إذا رأى المطر، قال: صيباً نافعاً)) أي مطراً شديداً. ومجموع الدعاء عند نزول المطر من أحاديث متفرقة: ((اللهم صيّباً هنيئاً، وسيباً - أي عطاء - نافعاً، مطرنا بفضل الله ورحمته)) ويقول عند التضرر بكثرة المطر: (( اللهم حوالينا ولا علينا ، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية ومنابت الشجر))(٤) ((اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب، ولا محق ولا بلاء، ولا هَدْم ولا غَرَق)) (٥) . (١) قال الترمذي : حديث حسن صحيح . (٢) اتفق الأئمة على أن الدعاء عند قبر رجاء الإجابة بدعة، لا قربة. وقال أحمد وغيره: في قوله ◌َّ : ((أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق)): الاستعاذة لا تكون بمخلوق ( كشاف القناع: ٧٧/٢ ) (٣) رواه أبو داود بإسناد صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم . (٤) متفق عليه عن أنس. والظراب جمع ظرب: وهي الرابية الصغيرة ( نيل الأوطار: ١٣/٤ ) (٥) رواه الشافعي في مسنده، وهو مرسل ( نيل الأوطار: ١٠/٤ ) - ٤٢٧ - ويكره أن يقول : مطرنا بنَوْء كذا : أي بوقت النجم الفلاني على عادة العرب في إضافة الأمطار إلى الأنواء ، لإيهامه أن النوء ممطر حقيقة . فإن اعتقد أنه الفاعل له حقيقة كفر، وعليه يحمل ما في الصحیحین ، حكاية عن الله تعالى: « أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب ، ومن قال : مطرنا بنوء كذا ، فذاك كافر بي ، مؤمن بالكوكب )) ويكره سب الريح، بل يسن الدعاء عندها لخبر: (( الريح من روح الله - أي رحمته - تأتي بالرحمة ، وتأتي بالعذاب ، فإذا رأيتموها فلا تسبوها ، واسألوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها)) (١) بل يقول كما قدمنا: ((اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها ، وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به))(٢) (( اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً))(٣). ويسبح عند الرعد والصواعق، فيقول: (( سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته))(٤) وعند البرق يقول: (( سبحان من يريكم البرق خوفاً وطمعاً)) ويستحب ألا يُتْبَع بصرَه البرقَ؛ لأن السلف الصالح كانوا يكرهون الإشارة إلى الرعد والبرق ويقولون عند ذلك: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، سُبُّوحِ قُدُّوس)) فيختار الاقتداء بهم في ذلك . (١) رواه أبو داود والنسائي والحاكم بإسناد حسن عن أبي هريرة. (٢) رواه مسلم . (٣) رواه الطبراني في الكبير . (٤) رواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن الزبير. وقيس بالرعد البرق. وروى الترمذي بعد هذا الدعاء: ((اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك)) وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي زكريا: ((من قال: سبحان الله وبحمده عند البرق ، لم تصبه صاعقة)). - ٤٢٨ - ويقول عند انقضاض الكوكب: (( ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله)) (١). وإذا سمع نهيق حمار ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، لخبر الشيخين . وإذا سمع نُباح كلب ، استعاذ ، فيقول : أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، لحديث أبي داود . وإذا سمع صياح الديكة ، سأل الله من فضله ، لخبر الشيخين . ٨ - يستحب لأهل الخصب أن يدعوا لأهل الجدب ؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى . ١ - وقال الشافعية: يستحب لكل أحد أن يبرز (يظهر) لأول مطر السنة ، وأول كل مطر ويكشف من جسده غير عورته ليصيبه شيء من المطر تبركاً. روى مسلم ((أنه مُ الرّ حسر عن ثوبه حتى أصابه المطر، وقال: إنه حديث عهد بربه ))(٢) أي بخلقه وتنزيله وتكوينه ، ويستحب أيضاً أن يغتسل أو يتوضأ بماء السيل، لما روى الشافعي في الأم، بإسناد منقطع: ((أنه وَلاّ كان إذا سال السيل قال : اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهوراً ، فنتطهر به ، ونحمد الله علیه )» ١٠ - قال المالكية: جاز التنفل في المصلى أو المسجد قبل صلاة الاستسقاء وبعدها ؛ لأن المقصود من الاستسقاء الإقلاع عن الخطايا ، والاستكثار من فعل الخير . بخلاف العيد ، فإنه - كما قدمنا - يكره عند الجمهور غير الشافعية التنفل قبل صلاته وبعدها بالمصلى ، لا في المسجد عند المالكية ، وفي المسجد أيضاً عند الحنفية (١) لخبر رواه ابن السني والطبراني في الأوسط . (٢) ورواه أيضاً أحمد وأبو داود ( نيل الأوطار: ١٢/٤) - ٤٢٩ - ...- والحنابلة ، لكن لا بعدها عند الحنفية . والدعاء يكون ببطن الكف إذا كان لطلب شيء وتحصيله ، وبظهر الكف إلى السماء إذا أريد به رفع البلاء(١) . قفـ الله تعالى (١) هذا مستفاد من حديث خلاد بن السائب عن أبيه ((أن النبي ◌َ ◌ّم كان إذا سأل، جعل بطن كفيه إلى السماء، وإذا استعاذ جعل ظهرهما إليها)) وروى مسلم عن أنس ((أن النبي ◌َفع استسقى فأشار بظهر كفه إلى السماء)) وروى ابن عباس - وإن كان ضعيفاً - ((سلوا الله ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهرها)) ( سبل السلام: ٨٣/٢). - ٤٣٠ - المبحث السابع صلاة الخوف مشروعيتها ، سببها وشروطها ، كيفيتها أو صفتها ، صفة ما يقضيه المسبوق فيها ، متى تفسد ؟ الصلاة عند التحام القتال واشتداد الخوف . أولاً - مشروعية صلاة الخوف : صلاة الخوف مشروعة عند جمهور الفقهاء(١) ، وهي سنة ثابتة بالكتاب والسنة في أثناء قتال الكفار: أما الكتاب : فقول الله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة . فلتقم طائفة منهم معك ، وليأخذوا أسلحتهم ، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ، ود الذين كفروا لو تغفُلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ، فيميلون عليكم ميلة واحدة .. ) الآية(٢) وما ثبت في حقه عليه السلام ثبت في حق أمته ، مالم يقم دليل على اختصاصه ؛ لأن الله تعالى أمر باتباعه ، وتخصيصه بالخطاب: ﴿وإذا كنت﴾ لا يقتضي تخصيصه بالحكم ، بدليل قوله تعالى: و خذ من أموالهم صدقة ) . (١) فتح القدير: ٤٤١/١، الدر المختار: ٧٩٢/١، اللباب: ١٢٤/١، بداية المجتهد: ١٦٩/١، الشرح الصغير: ٥١٧/١، القوانين الفقهية: ص٨٣، مغني المحتاج: ٣٢٧/١، المهذب: ١٠٥/١، المغني: ٤٠٠/٢ وما بعدها، كشاف القناع : ٩/٢ . (٢) النساء : ١٠٢ - ٤٣١ - وأما السنة : فقد ثبت وصح أنه ◌ُ ◌ّ صلى صلاة الخوف في أربعة مواضع : في غزوة ذات الرِّقاع التي حدثت بعد الخندق على الصواب ، وبطن نخل ( اسم موضع في نجد بأرض غطفان ) وعُسْفان ( يبعد عن مكة نحو مرحلتين ) ، وذي قَرَد ( ماء على بريد من المدينة ، وتعرف بعزوة الغابة ، في ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية) (١) وصلاها النبي مؤم أربعاً وعشرين مرة . وقد وردت بها الأحاديث الآتية في صفة صلاتها ، مع خبر ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). وأجمع الصحابة على فعلها ، وصلاها علي وأبو موسى الأشعري وحذيفة . وهي عند الجمهور والمشهور من المذهب المالكي جائزة في السفر والحضر ، وقصرها ابن الماجشون من المالكية على حالة السفر . وقال أبو يوسف: إن صلاة الخوف مختصة بالنبي صَ لّه، فكانت مشروعة في حياته عليه السلام ، لقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم)، وحكمة مشروعيتها في حياته ◌ٍَّ أن ينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه ، وهم كانوا حراصاً على درك هذه الفضيلة ، وقد ارتفع بعده عليه الصلاة والسلام ، وكل طائفة تتمكن من أداء الصلاة بإمام خاص ، فلا يجوز أداؤها بصفة فيها ذهاب ومجيء ونحوهما مما يخالف صفة الصلاة. ولا تصلى صلاة الخوف بعد النبي معَ ◌ّ بإمام واحد، وإنما تصلى بعده بإمامين ، يصلي واحد منهما بطائفة ركعتين ، ثم يصلي الآخر بطائفة أخرى وهي الحارسة ركعتين أيضاً ، وتحرس التي قد صلت . ورد هذا الاستدلال : بأن الصحابة قد أقاموها بعده عليه الصلاة والسلام ، وهم أعرف بانتهاء الجواز أو بقائه . والغاية من تشريعها : هو حرص الإسلام على أداء الصلاة جماعة ، لتظل (١) الدر المختار ورد المختار: ٧٩٤/١ - ٧٩٥ - ٤٣٢ - رابطة التجمع قوية صلبة دائمة ، حتى في أشد أوقات المحن والمخاطر والأزمات . وتأثير الخوف في تغيير هيئة الصلاة وصفتها ، لا في تغيير عدد ركعاتها ، فلا يغيره الخوف ، في قول الأكثرین . ثانياً - سبب صلاة الخوف وشروطها : إن الخوف من هجوم العدو سبب لهذه الصلاة ، كما رأى ابن عابدين(١) ، وحضور العدو شرط ، كما في صلاة المسافر ، فإن المشقة سبب لها ، والسفر الشرعي شرط . والمراد بالخوف : حضرة العدو ، لا حقيقة الخوف ، فإن حضرة العدو أو وجوده أقيمت مقام الخوف . ولا تختص صلاة الخوف بالقتال ، بل تجوز في كل خوف كهرب من سيل أو حريق أو سبع أو جمل أو كلب ضار أو صائل أو لص أو حية ونحو ذلك ولم يجد معدلاً عنه(٢). ويشترط لصلاة الخوف ما يأتي(٣): اً - أن يكون القتال مباحاً: أي مأذوناً فيه ، سواء أكان واجباً كقتال الكفار الحربيين ، والبغاة ، والمحاربين ( قطاع الطرق ) القاصدين سفك الدماء وهتك الحرمات، لقوله تعالى: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾، أم جائزاً كقتال من أراد أخذ مال المسلمين . فلا تصح صلاة الخوف من البغاة والعاصي بسفره ؛ لأنها رحمة وتخفيف (١) رد المحتار: ٧٩٣/١ (٢) المجموع : ٣١٩/٤ (٣) الدر المختار: ٧٩٤/١، فتح القدير: ٤٤١/١، اللباب: ١٢٥/١، شرح الرسالة: ٢٥٣/١ - ٢٥٤، الشرح الصغير: ٥١٧/١، مغني المحتاج: ٣٠٥/١ - ٣٠٦، المهذب: ١٠٥/١، كشاف القناع: ٩/٢، القوانين الفقهية: ص٨٣ - ٨٤، المغني: ٤٠٦/٢، ٤٠٨، ٤١٦، ٤١٨ وما بعدها، الشرح الكبير: ١/ ٣٩١، ٣٩٤. الفقه الإسلامي جـ ٢ (٢٨) - ٤٣٣ - ورخصة ، فلا يجوز أن تتعلق أو تباح بالمعاصي ، أي أن صلاة الخوف لا تجوز في القتال المحظور أو الحرام كقتال أهل العدل وقتال أصحاب الأموال لأخذ أموالهم . ٣ - حضور العدو أو السبع، أو خوف الغرق أو الحَرَق : فمن خاف العدو أو الخطر، سواء أكان الخوف على النفس أم المال، جازله صلاة الخوف عند الجمهور والمشهور من مذهب المالكية في السفر والحضر وفي البحر والبر ، في القتال أو غيره ، لعموم قوله تعالى: ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) فهو عام في كل حال . فلو رأوا سواداً ظنوه عدواً، فصلوها ، فإن تبين الأمر كما ظنوا صحت صلاتهم ، وإن ظهر خلافه ، لم تجز، فإذا كانت الصلاة من غير خوف فسدت ، قال الشافعية والحنابلة : من أمن وهو في الصلاة أتمها صلاة آمن ، ومن كان آمنا فاشتد خوفه أتمها صلاة خائف . وقال المالكية : من أمن صلى صلاة أمان . وتكون صلاة الحضر تامة ، وصلاة السفر الرباعية مقصورة ؛ لأن الخوف كما قدمنا لا يؤثر في عدد الركعات ، ففي السفر الذي يبيح القصر (٨٩ كم) يصلي الإمام بكل طائفة ركعة ، وفي الحضر يصلي الإمام بكل طائفة ركعتين . ثالثاً - كيفية أداء صلاة الخوف أو صفتها : اتفق الفقهاء على ناحيتين مهمتين : أولاهما - أنه يجوز للجيش أن يصلوا بإمامين ، كل طائفة بإمام. وثانيتهما - أنه في اشتداد الخوف وتعذر الجماعة، يجوز للجنود أن يصلوا فرادى ركباناً وراجلين ، في مواقعهم وخنادقهم ، يومئون إيماء بالركوع والسجود إلى أي جهة شاءوا ، إلى القبلة وإلى غيرها ، يبتدئون تكبيرة الإحرام إلى القبلة إن قدروا ، أو إلى غيرها ؛ لأن هذه صلاة للضرورة ، تسقط بها الأركان والتوجه إلى القبلة . وأما صلاة الخوف جماعة لكل الجنود، بإمام واحد: فتجوز صلاتها على أي - ٤٣٤ _ صفة صلاها رسول الله مَ التّم، وقد جاءت الأخبار بأنها على ستة عشر نوعاً، في صحيح مسلم بعضها ، ومعظمها في سنن أبي داود ، وفي صحيح ابن حبان منها تسعة، ففي كل مرة كان ◌َ لّ يفعل ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة . والمشهور من ذلك سبع صفات ، اختار الجمهور منها أقواها وأصحها لديهم ، وأجازها كلها الحنابلة واختار الإمام أحمد منها حديث سهل ، وهي ما يأتي (١) : الأولى - صلاة النبي ◌َّاتٍ في عسفان(٣): وقد اعتمدها الشافعية والحنابلة إذا كان العدو في جهة القبلة : وهي أن يصف الإمام الناس خلفه صفين فأكثر ، ويصلي بهم جميعاً ركعة إلى أن يسجد ، فإذا سجد سجد معه الصف الذي يليه ، وحرس الصف الآخر حتى يقوم الإمام إلى الركعة الثانية ، فإذا قام سجد الصف المتخلف ، ولحقوه . وفي الركعة الثانية سجد معه الصف الذي حرس أولاً في الركعة الأولى ، وحرس الصف الآخر . فإذا جلس الإمام للتشهد سجد من حرس ، وتشهد بالصفين ، وسلم بهم جميعاً . فهي صلاة مقصورة لكونها في السفر . وقد اشترط الحنابلة لهذه الصفة : ألا يخاف المسلمون كميناً يأتي من خلف المسلمين ، وألا يخفى بعض الكفار عن المسلمين ، وأن يكون في المصلين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين ، كل طائفة ثلاثة فأكثر ؛ لأن الله تعالى ذكر الطائفة بلفظ الجمع ﴿ فإذا سجدوا .. ﴾ وأقل الجمع ثلاثة . فإن خاف المسلمون كميناً ( يكمن في الحرب ) ، أو (١) اللباب: ١٢٥/١ وما بعدها، فتح القدير: ٤٤١/١ - ٤٤٣ بداية المجتهد: ١٧٠/١ - ١٧١ ، المغني: ٤٠١/٢ - ٤١٦، مغني المحتاج: ٣٠١/١ - ٣٠٥، الشرح الصغير: ٥١٨/١ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص٨٣ ، كشاف القناع: ١٠/٢ - ١٧، نيل الأوطار: ٣١٦/٣ - ٣٢٢، الشرح الكبير: ٣٩١/١ وما بعدها، شرح الرسالة: ٢٥٣/١ (٢) روى هذه الصفة أبو داود من حديث أبي عياش الزرقاني، قال: ((فصلاها النبي ◌َّل مرتين: مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم)) ورواها أيضاً أحمد ومسلم وابن ماجه من حديث جابر ( نيل الأوطار: ٣١٩/٣). - ٤٣٥ - i خفي بعضهم عن المسلمين ، أو كان المسلمون أقل من ستة أشخاص ، صلوا على غير هذا الوجه . الثانية - صلاة النبي الطائ في غزوة ذات الرقاع(١): وهي التي اختارها الشافعية(٢) والحنابلة إذا كان العدو في غير جهة القبلة ، كما اختارها المالكية مطلقاً في مشهور المذهب ، سواء أكان العدو في جهة القبلة أم لا . وهي أن يقسم الإمام العسكر طائفتين : طائفة معه ، وأخرى تحرس العدو ، فيصلي بأذان وإقامة بالطائفة الأولى التي معه في الصلاة الثنائية ركعة ، وفي الثلاثية والرباعية ركعتين ، ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون ، ثم يذهبون ويحرسون . وتأتي الطائفة الثانية ، فيقتدون ، ويصلي بهم الإمام الركعة الثانية في الثنائية ، والركعتين الأخريين في الرباعية ، والثالثة في المغرب ، ويسلم الإمام ، ويتمون صلاتهم بفاتحة وسورة ، ولكن بعد سلامه عند المالكية ، وينتظر الإمام في التشهد عند الشافعية والحنابلة ثم يسلم بهم، كما هو نص الحديث ، ويقرأ الإمام بعد قيامه للركعة الثانية الفاتحة وسورة بعدها في زمن انتظاره الفرقة الثانية ، ويكرر التشهد أو يطيل الدعاء فيه . ولا يسلم قبلهم عند الشافعية والحنابلة لقوله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ، فليصلوا معك ﴾ فيدل على أن صلاتهم كلها معه ، وتحصل المعادلة بين الفرقتين ، فإن الأولى أدركت مع الإمام فضيلة الإحرام ، والثانية فضيلة السلام . (١) روى هذه الصفة الجماعة إلا ابن ماجه عن صالح بن خَوَّات عن سهل بن أبي حَثْمة وهي التي قال عنها أحمد: ((وأما حديث سهل ، فأنا أختاره )) وسميت الغزوة بذات الرقاع ؛ لأن أقدامهم تقبت ، فلفوا على أرجلهم الخرق ( نيل الأوطار : ٣١٦/٣ ) (٢) والأصح عند الشافعية أنها أفضل من صلاة بطن نخل الآتية . - ٤٣٦ - الثالثة - صلاة النبي تز كما رواها ابن عمر (١) ، وهي التي اختارها الحنفية : أن يجعل الإمام الناس طائفتين : طائفة في وجه العدو ، وطائفة خلفه ، فيصلي بهذه الطائفة ركعة وسجدتين وتتم صلاتها عند الجمهور بقراءة سورة الفاتحة وتسلم وتذهب للحراسة . وقال الحنفية : ثم تمضي إلى وجه العدو للحراسة بدون إتمام الصلاة . وتأتي الطائفة الأخرى ، فيصلي بهم الإمام ركعة وسجدتين ، ويتشهد ويسلم وحده لتمام صلاته ، ولم يسلموا عند الحنفية لأنهم مسبوقون ، وإنما يذهبون مشاة للحراسة في وجه العدو . وتتم هذه الطائفة صلاتها عند الجمهور بقراءة سورة مع الفاتحة ثم تعود لمواقعها . وقال الحنفية : ثم تجيء الطائفة الأولى إلى مكانها الأول ، أو تصلي في مكانها تقليلاً للمشي ، فتتم صلاتها وحدها بغير قراءة عند الحنفية ؛ لأنهم في حكم اللاحقين ، وتشهدوا وسلموا ، وعادوا لحراسة العدو . ثم تأتي الطائفة الثانية ، فتتم صلاتها بقراءة سورة مع الفاتحة ؛ لأنهم لم يدخلوا مع الإمام في أول الصلاة ، فاعتبروا في حكم السابقين . ومذهب أشهب تلميذ مالك موافق في هذه الكيفية لمذهب الحنفية . كيفية أداء الصلوات الخمس حال الإقامة : فإن كان الإمام مقيماً صلى بالطائفة الأولى ركعتين من الرباعية ، وبالطائفة الثانية ركعتين ، تسوية بينهما . ويصلي - في المذاهب الأربعة - بالطائفة الأولى ركعتين من المغرب ، وبالثانية ركعة ؛ لأنه إذا لم يكن بدّ من التفضيل فالأولى أحق به ، وما فات الثانية ينجبر بإدراكها السلام مع الإمام . ويصلي الصبح بكل طائفة ركعة . (١) حديث متفق عليه ( نيل الأوطار: ٣١٨/٣) - ٤٣٧ - الرابعة - صلاة النبي ◌ُ التّ في بطن نخل (مكان من نجد بأرض غطفان)(١) ، واعتمدها الشافعية بعد صلاة ذات الرقاع إذا كان العدو في غير جهة القبلة : وهي أن يصلي الإمام مرتين صلاة كاملة ، بكل طائفة مرة ، ويسلم بكل طائفة . وصفتها حسنة قليلة الكلفة لا تحتاج إلى مفارقة الإمام ولا إلى تعريف كيفية الصلاة ، وليس فيها أكثر من أن الإمام في الصلاة الثانية متنفل يؤم مفترضين ، وهو جائز اتفاقاً ، وعند الحنابلة والحنفية جائز في صلاة الخوف فقط ، ممنوع في غيرها . الخامسة - صلاة النبي ◌ُّعٍ في ذات الرقاع كما رواها جابر(٢): وهي أن يصلي الإمام الصلاة الرباعية تامة أربعاً بالنسبة إليه ، وتصلي معه كل طائفة صلاة مقصورة ركعتين ، بلا قضاء للركعتين ، فكان للإمام أربع تامة ، وللقوم ركعتان مقصورة . السادسة : صلاة النبي ◌َ ◌ّ بذي قَرَد ( ماء على بريد: ٢٢١٧٦ م من المدينة ) . رواها ابن عباس، وحذيفة ، وزيد بن ثابت(٣) وغيرهم، ومنعها أكثر الفقهاء، فقال الشافعي عن حديث ابن عباس: ((لا يثبت))؛ لأن الخوف لا يؤثر في نقص الركعات ، وأجازها الإمام أحمد والمحدثون لصحة الأحاديث فيها : وهي أن يصف الإمام الناس صفين : صفاً خلفه ، وصفاً موازي العدو ، ويصلي الرباعية الجائز قصرها بكل طائفة ركعة فقط ، بلا قضاء ركعة أخرى . (١) رواه الشيخان وأحمد وأبو داود والنسائي عن أبي بكرة ، ورواه الشافعي والنسائي عن جابر مرفوعاً إلى النبي مَ افّ (نيل الأوطار: ٣٢٠/٣) (٢) متفق عليه بين أحمد والشيخين: البخاري ومسلم ( نيل الأوطار: ٣١٩/٣ ) (٣) حديث ابن عباس رواه النسائي بإسناد رجاله ثقات ، وحديث حذيفة رواه أبو داود والنسائي ، وحديث زيدٍ رواه النسائي ( نيل الأوطار: ٣٢١/٣ - ٣٢٢) - ٤٣٨ - السابعة - صلاته خاتم بأصحابه عام غزوة نجد، رواها أبو" هريرة(١): وهي أن تقوم مع الإمام طائفة ، وتبقى طائفة أخرى تجاه العدو ، وظهرها إلى القبلة ، ثم يحرم وتحرم معه الطائفتان ، وتصلي معه إحدى الطائفتين ركعة ، ثم يذهبون فيقومون في وجه العدو ، ثم تأتي الطائفة الأخرى ، فتصلي لنفسها ركعة ، والإمام قائم ، ثم يصلي بهم الركعة التي بقيت معه . ثم تأتي الطائفة القائمة في وجه العدو ، فيصلون لأنفسهم ركعة ، والإمام قاعد ، ثم يسلم الإمام ويسلمون جميعاً ، أي أن ابتداء الصلاة وانتهاءها تم باشتراك الطائفتين مع الإمام . حمل السلاح في أثناء الصلاة : يسن للمصلي عند الشافعية والحنابلة(٢) في صلاة شدة الخوف حمل السلاح في أثناء الصلاة احتياطاً ، ليدفع به العدو عن . نفسه ، لقوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ وقوله ﴿ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ، أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ﴾ فدل على الجناح ( الإثم ) عند عدم ذلك ، لكن لا يحمل في الصلاة سلاحاً نجساً ، ولا ما يتأذى به الناس من الرمح في وسط الناس . صلاة الجمعة في حال الخوف : قال الشافعية والحنابلة(٢): تصلى الجمعة في حال الخوف ببلد حضراً لا سفراً ، بشرط كون كل طائفة أربعين رجلاً فأكثر ممن تصح بهم الجمعة ، ويسمعون الخطبة . وتكون الصلاة كصلاة عسفان وكذات الرقاع ، لا كصلاة بطن نخل التي تتعدد في صلاة الإمام مرتين بكل طائفة مرة ؛ إذ لا تقام جمعة بعد أخرى ، (١) رواه أحمد وأبو داود والنسائي (نيل الأوطار: ٣٢٠/٣ - ٣٢١) (٢) مغني المحتاج: ٣٠٤/١، كشاف القناع: ١٧/٢، المهذب: ١٠٧/١ (٣) مغني المحتاج: ٣٠٣/١، المغني: ٤٠٥/٢، كشاف القناع: ١٧/٢ ٠٠ - ٤٣٩ - . . ولا يجوز أن يخطب يإحدى الطائفتين ، ويصلي بالأخرى ، حتى يصلي معه من حضر الخطبة . سهو الإمام في صلاة الخوف : قال المالكية والشافعية والحنابلة(١): إذا فرق الإمام العسكر فرقتين كما حدث في صلاة ذات الرقاع أو صلاة عسفان ، فسهو الإمام في الركعة الأولى يلحق الجميع ، فيسجد المفارقون للسهو عند تمام صلاتهم ؛ لأن نفس صلاة الإمام نقص في صلاتهم ، إلا أن المالكية قالوا : تسجد الفرقة الأولى السجود القبلي قبل السلام ، والبعدي بعده ، وتسجد الفرقة الثانية السجود القبلي مع الإمام ، وتسجد السجود البعدي بعد قضاء ما عليها . أما بعد المفارقة في الركعة الثانية : فلا يلحق سهو الإمام الأولين ؛ لمفارقتهم الإمام قبل السهو . وتسجد الفرقة الثانية مع الإمام آخر صلاته ، ويلحقهم سهوه في حال انتظارهم . أما سهو كل فرقة في الركعة الأولى للفرقة الأولى ، وفي الركعة الثانية للفرقة الثانية ، فيتحمله الإمام ، لاقتداء الفرقة الأولى بالإمام حقيقة في الركعة الأولى ، واقتداء الفرقة الثانية حكماً في الركعة الثانية . رابعاً - صفة ما يقضيه المسبوق في صلاة الخوف ، هل هو أول صلاته أم آخرها ؟ سبق بحث هذا الموضوع في صلاة الجماعة - بحث المسبوق ، وملخصه(٢) : أن (١) الشرح الصغير: ١ / ٥٢٠، مغني المحتاج: ١ / ٣٠٣ - ٣٠٤، كشاف القناع: ٢ / ١٢، المهذب: ١ / ١٠٦. (٢) المغني : ٢ / ٤٠٧ - ٤٠٨، بداية المجتهد: ١ / ١٨١ ومابعدها. - ٤٤٠ -