النص المفهرس

صفحات 381-400

ومنها - أن خطبة العيد عند الشافعية لا يشترط فيها شروط خطبة الجمعة
من قيام وطهارة وستر عورة وجلوس بين الخطبتين ، وإنما يسن ذلك فقط .
سابعاً - حكم التكبير في العيدين :
اتفق الفقهاء على مشروعية التكبير في العيدين في الغدو إلى الصلاة ، وفي
إدبار الصلوات أيام الحج . أما التكبير في الغدو إلى صلاة العيد : فقال أبو
حنيفة(١): يندب التكبير سراً في عيد الفطر في الخروج إلى المصلى لحديث ((خير
الذكر الخفي ، وخير الرزق ما يكفي))(٢)، ويقطعه إذا انتهى إلى المصلى في
رواية ، وفي رواية: إلى الصلاة . وقال الصاحبان : يكبر جهراً، واتفقوا على
التكبير جهراً في عيد الأضحى في الطريق .
وقال الجمهور(٢) : يكبر في المنازل والمساجد والأسواق والطرق أي عند الغدو
إلى الصلاة جهراً ، إلى أن تبدأ الصلاة ، وعند الحنابلة : إلى فراغ الخطبة ، وهو في
الفطر آكد من تكبير ليلة الأضحى لقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ، ولتكبروا
الله على ما هداكم ، ولعلكم تشكرون ) ولما فيه من إظهار شعائر الإسلام،
وتذكير الغير .
ويندب التكبير المطلق (وهو ما لا يكون عقب صلاة) عند الشافعية والحنابلة :
من غروب شمس ليلتي العيد لا ما قبلهما . ولا يسن التكبير المقيد ( وهو المفعول عقب
الصلاة) ليلة الفطر عند الحنابلة وفي الأصح عند الشافعية، لعدم وروده.
(١) فتح القدير: ٤٢٣/١، الفتاوى الهندية: ١٤٢/١، مراقي الفلاح: ص٩٠، اللباب: ١١٧/١، الدر المختار:
٧٨٤/١ - ٧٨٥ .
(٢) رواه أحمد وابن حبان والبيهقي في شعب الإيمان عن سعد .
(٣) الشرح الصغير: ٥٢٩/١، القوانين الفقهية: ص٨٦، المجموع: ٣٦/٥ - ٣٧. مغني المحتاج: ٣١٤/١
وما بعدها، كشاف القناع: ٦٣/٢ - ٦٤، المغني: ٣٦٨/٢، ٣٦٩ - ٣٧٢ - ٣٧٤، ٣٩٣ - ٥٩٥ .
- ٣٨١ -

وصيغة التكبير :
عند الحنفية والحنابلة شفعاً: ((الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله ، والله
أكبر، الله أكبر ( ثنتين )، ولله الحمد)) عملاً بخبر جابر عن النبي طفل الآتي ، وهو
قول الخليفتين الراشدين ، وقول ابن مسعود .
وصيغته عند المالكية والشافعية في الجديد ثلاثاً: ((الله أكبر، الله أكبر ، الله
أكبر))، وهذا هو الأحسن عند المالكية، فإن زاد ((لاإله إلا الله، والله أكبر ،
الله أكبر ، ولله الحمد )) فهو حسن ، عملاً بما ورد عن جابر وابن عباس رضي الله
عنهم، ويستحب أن يزيد عند الشافعية بعد التكبيرة الثالثة: ((الله أكبر
كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً)) كما قاله النبي مع الله على
الصفا. ويسن أن يقول أيضاً بعد هذا: (( لاإله إلا الله ولا نعبد إلا إياه،
مخلصين له الدين ، ولو كره الكافرون ، لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ،
ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، لا إله إلا الله والله أكبر)). وهذه الزيادة
إن شاءها عند الحنفية، ويختمها بقوله: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ،
وعلى أصحاب محمد ، وعلى أزواج محمد ، وسلم تسليماً كثيراً )».
وأما التكبير في إدبار الصلوات أيام الحج في عيد الأضحى :
فقال الحنفية(١) :
يجب على الرجال والنساء تكبير التشريق(٢) في الأصح مرة ، وإن زاد عليها
(١) الدر المختار: ٧٨٤/١ - ٧٨٧، تبيين الحقائق: ٢٢٦/١ وما بعدها، اللباب: ١١٩/١ وما بعدها، فتح
القدير : ٤٣٠/١ - ٤٣١
(٢) التشريق: تقديد اللحم بالقائه في المشرقة تحت ضوء الشمس ، وقد جرت العادة بتشريق لحوم أضاحي في
الأيام الثلاثة بعد العيد ، فسميت أيام التشريق ، وأيام التشريق : هي الأيام المعدودات ، أما الأيام المعلومات فهي
أيام العشر من أول ذي الحجة .
- ٣٨٢ _ ٠

يكون فضلاً ، عقب كل فرض عيني بلا فصل يمنع البناء على الصلاة ( كالخروج
من المسجد أو الكلام أو الحدث عامداً ) ويؤدى بجماعة أو منفرداً ، ولو قضاء ،
ويكون التكبير للرجال جهراً ، وتخافت المرأة بالتكبير ، ولا يكبر عقب الوتر
وصلاة العيد .
ومدته : من فجر يوم عرفة إلى عصر يوم العيد عند أبي حنيفة ، وإلى
صلاة العصر من آخر أيام التشريق عند الصاحبين ، وبقولهما يفتى ، فهي ثلاث
وعشرون صلاة .
والتكبير واجب عقيب الصلوات المفروضات على كل من صلى المكتوبة ،
ولو منفرداً أو مسافراً أو مقتدياً ؛ لأنه تبع لها ، على المفتى به من قول
الصاحبين . والمسبوق يكبر وجوباً كاللاحق ، بعد قضاء مافاته من الصلاة مع
الإمام ، ولو ترك الإمام التكبير يكبر المقتدي .
ويبدأ المحرم بالتكبير، ثم بالتلبية(١)، ولا يفتقر التكبير للطهارة ، ولا
لتكبير الإمام ، فلو تركه الإمام كبر المقتدي .
ودليلهم على إيجاب التكبير ومدته : قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام
معدودات) وحديث جابر: ((كان رسول الله عَ ◌ّ يكبر في صلاة الفجر يوم
عرفة ، إلى صلاة العصر، من آخر أيام التشريق ، حين يسلم من المكتوبات ))
وفي لفظ: ((كان رسول الله مُ ◌ّ إذا صلى الصبح من غداة عرفة، أقبل على
أصحابه ، فيقول : على مكانكم، ويقول: الله أكبر، الله أكبر، لاإله إلا الله،
والله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد ، فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر ، من
آخر أيام التشريق »(٣).
(١) ذكر في الدر المختار أن المحرم يبدأ بالتلبية .
(٢) رواه الدارقطني ، وفيه جابر الجعفي سيء الحال ، وعمرو بن شمر أسوأ حالاً منه ، بل هو من الهالكين =
- ٣٨٣ -

وقال المالكية(١):
يندب للجماعة والفرد التكبير إثر كل صلاة من الصلوات المكتوبات من
خمس عشرة فريضة وقتية ، من ظهر يوم النحر إلى صبح اليوم الرابع ، لقوله
تعالى : ﴿ ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ﴾ وهذا الخطاب وإن كان مقصوداً
به أهل الحج ، فإن الجمهور رأوا أنه يعم الحجاج وغيرهم ، وتلقى الناس ذلك
بالعمل ، والناس تبع للحجيج وهم يكبرون من الظهر .
ولا يكبر بعد نافلة ، ولامقضية من الفرائض ، وإن نسي التكبير كبّر إذا
. تذكر إن قرب الزمن ، لا إن خرج من المسجد أو طال عرفاً . وكبّر مؤتم ندباً
ترك إمامه التكبير ، وندب تنبيه الناسي ولو بالكلام .
وقال الشافعية في الأظهر (٢):
يكبر الحاج عقب الصلوات من ظهر النحر ، لأنها أول صلاته بمنى ووقت
انتهاء التلبية ويختم بصبح آخر التشريق لأنها آخر صلاة يصليها بمنى ، كما قال
المالكية ؛ وغير الحاج كالحاج في الأظهر ؛ لأن الناس تبع للحجيج ، ولإطلاق
حديث مسلم: ((أيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى)) وقيل: من صبح
عرفة إلى عصر آخر التشريق ، والعمل على هذا ، ولا يكبر الحاج ليلة الأضحى ،
بل يلبي ؛ لأن التلبية شعاره ، والمعتمر يلبي إلى أن يشرع في الطواف .
= ( نصب الراية: ٢ / ٢٢٣ وما بعدها ) والأصح أن صيغة التكبير مأثورة عن ابن مسعود عند ابن أبي شيبة ، بسند
جيد. وقال الصنعاني في ( سبل السلام: ٢ / ٧٢): وأمنا صفة التكبير فأصح ماورد فيه مارواه عبد الرزاق عن
سلمان بسند صحيح قال: (( كبروا ، الله أكبر، الله أكبر ، الله أكبر كبيراً ))، وقد روي عن سعيد بن جبير ومجاهد
وابن أبي ليلى، وقول للشافعي ، وزاد فيه «ولله الحمد )).
(١) بداية المجتهد: ١ / ٢١٣، الشرح الصغير: ١ / ٥٣١، القوانين الفقهية: ص ٨٦ ، الشرح الكبير:
١ / ٤٠١ .
(٢) مغني المحتاج: ١ / ٣١٤، المهذب: ١ / ١٢١، المجموع: ٥ / ٣٤ - ٤٢.
- ٣٨٤ -

والأظهر أنه يُكبَّر في هذه الأيام للفائتة والراتبة والمنذورة والنافلة المطلقة أو
المقيدة ، وذات السبب كتحية المسجد ؛ لأنه شعار الوقت .
والتكبير سنة في العيدين في المنازل والطرق والمساجد والأسواق برفع
الصوت ، لما روى نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله جاهز كان يخرج في
العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله بن عباس ، وعلي وجعفر ، والحسن
والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن ، رافعاً صوته
بالتهليل والتكبير ، ويأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى (١).
ويكبر لرؤية الأنعام ( وهي الإبل والبقر والغنم ) في الأيام المعلومات وهي
عشر ذي الحجة ، لقوله تعالى: ﴿ ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على
ما رزقهم من بهيمة الأنعام ﴾ .
وقال الحنابلة (٢):
يسن التكبير مطلقاً في العيدين ، ويسن إظهاره في المساجد والمنازل
والطرق ، حضراً وسفراً ، في كل موضع يجوز فيه ذكر الله ، ويسن الجهر به لغير
أنثى ، من كل من كان من أهل الصلاة من مميز وبالغ ، حر أو عبد ، ذكر أو
أنثى ، من أهل القرى والأمصار ، عقب كل فريضة ولو مقضية ، تصلى في جماعة
في المشهور، في ثلاث وعشرين فريضة من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام
التشريق، لحديث جابر السابق أن النبي مع التّ صلى الصبح يوم عرفة ، وأقبل
علينا ، فقال: ((الله أكبر، الله أكبر)) ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام
(١) المصلى: مكان صحراوي كان قرب المدينة ، قرب المسجد النبوي الشريف، وقد دخل الآن في مبانيها ،
وأقيم فيه مسجد الغمامة الآن .
(٢) كشاف القناع: ٢ / ٦٣ - ٦٧، المغني: ٢ / ٣٩٣ - ٣٩٨.
- ٣٨٥ _
٠٠٠
الفقه الإسلامي جـ٢ (٢٥)
٠٠ --...

التشريق(١)، وفي بعضها ((الله أكبر، الله أكبر، لاإله إلا الله، والله أكبر، ولله
الحمد )). والمسافر كالمقيم، والحاج المحرم كغير الحاج في مدة التكبير؛ لأنه قبل
ذلك مشغول بالتلبية ، ويبدأ بالتكبير ثم يلبي ، لأن التكبير من جنس الصلاة .
ولا يكبر من صلى وحده ، لقول ابن مسعود: ((إنما التكبير على من صلى
جماعة))(٢)، ولأنه ذكر مختص بوقت العيد ، فأشبه الخطبة .
ويكبر مأموم نسي إمامه التكبير ليحوز الفضيلة ، كقول : آمين .
ويأتي بالتكبير الإمام مستقبل الناس، لحديث جابر السابق أن النبي معاّ
((كان يقبل بوجهه على أصحابه ، ويقول : على مكانكم ، ثم يكبر» ویکبر غير
الإمام مستقبل القبلة ؛ لأنه ذكر مختص بالصلاة ، أشبه الأذان والإقامة . ويجزئ
التكبير مرة واحدة ، وإن زاد على مرة فلابأس ، وإن كرره ثلاثاً فحسن .
والأولى أن يُكبَّر عقب صلاة العيد ؛ لأنها صلاة مفروضة في جماعة ، فأشبهت
صلاة الفجر ، ولأن هذه الصلاة أخص بالعيد ، فكانت أحق بتكبيره .
ويستحب التكبير أيضاً في أيام العشر من ذي الحجة وهي الأيام
المعلومات ، لقوله تعالى: ((ويذكروا اسم الله في أيام معلومات)).
ثامناً - سنن العيد أو مستحباته أو وظائفه :
يستحب في مقدمات عيد الأضحى الاجتهاد في عمل الخير ، أيام عشر ذي
الحجة ، من ذِكْر الله تعالى والصيام والصدقة وسائر أعمال البر ؛ لأنها أفضل
الأيام ، لحديث (( مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه
الأيام ، يعني أيام العشر ، قالوا : يارسول الله ، ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال :
(١) أخرجه الدارقطني من طرق ، وقد بينا ضعفه .
(٢) رواه ابن المنذر .
- ٣٨٦ -

ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجل خرج بنفسه وماله ، ثم لم يرجع بشيء من
ذلك )»(١).
ويندب الامتناع عن تقليم الأظفار وحلق الرأس في عشر ذي الحجة ، لما
ورد في صحيح مسلم، قال رسول الله عَ ل: ((إذا دخل العشر، وأراد بعضكم أن
يضحي ، فلا يأخذن شعراً ، ولا يقلمن ظفراً ».
ويندب في العيد عدا التكبير مايأتي(٢):
اً - إحياء ليلتي العيد بطاعة الله تعالى أي بالعبادة من ذكر وصلاة وتلاوة
قرآن ، وتكبير وتسبيح واستغفار ، ويحصل ذلك بالثلث الأخير من الليل ،
والأولى إحياء الليل كله، لقوله عليه: (( من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى
محتسباً ، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)) (٣). ويقوم مقام ذلك : صلاة العشاء
والصبح في جماعة .
والدعاء في ليلتي العيد مستجاب ، فيستحب كما يستحب في ليلة الجمعة وليلتي
أول رجب ونصف شعبان .
اً - الغسل والتطيب والاستياك ولبس الرجال أحسن الثياب، قياساً على
الجمعة ، وإظهاراً لنعمة الله وشكره ، ويدخل وقت الغسل عند الشافعية بنصف
الليل ، وعند المالكية : بالسدس الأخير من الليل ، ويندب كونه بعد صلاة
(١) رواه الجماعة إلا مسلماً والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما (نيل الأوطار: ٣ / ٣١٢).
(٢) مراقي الفلاح: ١ / ٨٩ وما بعدها، تبيين الحقائق: ١ / ٢٢٤ ومابعدها، فتح القدير: ١ / ٤٢٣، ٤٢٩ ،
الفتاوى الهندية: ١ / ١٤٠، الدر المختار: ١ / ٧٧٦ وما بعدها، اللباب: ١ / ١١٦ ومابعدها، مغني المحتاج: ١ / ٣١٢
وما بعدها، المهذب: ١ / ١١٩، المغني: ٢ / ٣٦٩ - ٣٧٤، ٣٨٩، ٣٩٩، كشاف القناع: ٢ / ٥٦ - ٥٨.
(٣) رواه الطبراني في الكبير عن عبادة بن الصامت ، ورواه الدارقطني موقوفاً، قال النووي : وأسانيده
ضعيفة .
- ٣٨٧ -

الصبح ، وعند الحنفية والحنابلة بعد الصبح قبل الذهاب إلى المصلى ، وهو غسل
عند الحنفية للصلاة؛ لأنه مع الإ كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر (١)، وكان علي
وعمر رضي الله عنهما يغتسلان يوم العيد .
وكان عليه السلام يتطيب يوم العيد ، ولو من طيب أهله . وكان
للنبي عَ لّ بردة حمراء يلبسها يوم العيد(٢). وتخرج النساء كما بينا ببذلة بلاطيب
خشية الافتتان بها .
ويتنظف ويتزين بإزالة الظفر والريح الكريهة كالجمعة ، والإمام بذلك
آكد ؛ لأنه منظور إليه من بين سائر الناس .
٣ - تبكير المأموم ماشياً إن لم يكن عذر إلى الصلاة بعد صلاة الصبح ولو
قبل الشمس بسكينة ووقار : ليحصل له الدنو من الإمام من غير تخط للرقاب ،
وانتظار الصلاة فيكثر ثوابه، لقول علي: (( من السنة أن يخرج إلى العيد
ماشياً))(٣)، ولأن النبي ◌َ ◌ّ ماركب في عيد ولا جنازة.
وأما الإمام فيسن له التأخر إلى وقت الصلاة ، لحديث أبي سعيد عند
مسلم: ((كان النبي ◌ُ ◌ّ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ
به : الصلاة )) .
ولا بأس بالركوب في العود ، لقول علي: (( ثم تركب إذا رجعت )) ؛ لأنه غير
قاصد إلى قربة . وقال الحنفية : لابأس بالركوب في الجمعة والعيدين ، والمشي
أفضل في حق من يقدر عليه .
(١) رواه ابن ماجه عن ابن عباس، وهو ضعيف ( نصب الراية: ١ / ٨٥).
(٢) رواه البيهقي عن ابن عباس، ورواه ابن عبد البر وابن خزيمة في صحيحه عن جابر: ((كان للنبي حلة
يلبسها في العيدين ويوم الجمعة)).
(٣) رواه الترمذي ، وقال : العمل على هذا عند أكثر أهل العلم .
- ٣٨٨ -

وعبر الحنفية عن هذا بمندوبين: التبكر : وهو سرعة الأشتباه أول الوقت أو
قبله لأداء العبادة بنشاط ، والابتكار : وهو المسارعة إلى المصلى لينال فضيلته
والصف الأول .
ويذهب الإمام وغيره ندباً إلى المصلى كما في صلاة الجمعة من طريق ، ويرجع
من أخرى ، اتباعاً للسنة ، كما روى البخاري(١) لتشهد له الطريقان، أو الزيادة
الأجر ، ويخص الذهاب بأطولهما تكثيراً للأجر ، ويرجع في أقصرهما .
ويندب للإمام الإسراع في الخروج إلى صلاة الأضحى والتأخر قليلاً في
الخروج إلى صلاة القطر، لما ورد مرسلاً من أمره عاطفة بذلك ، وليتسع الوقت
للتضحية ولإخراج الفطرة ، كما سبق .
...
٤ - أن يأكل في عيد الفطر قبل الصلاة، وأن يكون المأكول تمرات وتراً ،
ويؤخر الأكل في الأضحى حتى يرجع من الصلاة ، والأكل في الفطر آكد من
الإمسلك في الأضحى، لحديث أنس: ((كان رسول الله وَ التّ لا يغدو يوم الفطر
حتى يأْكُّل تمرات))(٢) وزاد في رواية منقطعة ((ويأكلهن وتراً)) وحديث بريدة :
((أن رسول الله مؤالتي كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل، وكان لا يأكل يوم
النحر، حتى يصلي ))(٣) ليأكل من الأضحية إن ضحى، والأولى من كبدها؛ لأنه
أسرع هضاً وتناولاً . فإن لم يضح خير عند الحنابلة بين الأكل قبل الصلاة
وبعدها .
ويندب تأخير الأكل في الأضحى مطلقاً ، ضحى أم لا .
(١) رواه البخاري عن جابر أن النبي ◌َ ◌ّل ((كان إذا خرج إلى العيد خالف الطريق)) ورواه مسلم من حديث
أبي هريرة .
(٢) رواه البخاري ( نصب الراية: ٢ / ٢٠٨).
(٣) رواه الترمذي وابن ماجه ( المصدر السابق ) .
- ... .
... ...
- ٣٨٩ -
......

٥ - أن يؤدي صدقة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة، ولابأس بأدائها
قبل العيد بأيام ، تمكيناً للفقير من الانتفاع بها في العيد ، قال ابن عباس : فرض
رسول الله مَثٍ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرَّفَت، وطُعْمة للمساكين،
فمن أداها قبل الصلاة ، فهي زكاة مقبولة ، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من
الصدقات )) (١).
٦ - التوسعة على الأهل ، وكثرة الصدقة النافلة حسب الطاقة زيادة عن
عادته ، ليغنيهم عن السؤال .
٧ - إظهار البشاشة والفرح في وجه من يلقاه من المؤمنين ، وزيارة الأحياء
من الأرحام والأصحاب ، إظهاراً للفرح والسرور، وتوثيقاً لرابطة الأخوة
والمحبة .
٨ - قال الحنفية : يندب صلاة الصبح في مسجد الحي ، لقضاء حقه ، ثم
يذهب إلى المصلى . ورأى جمهور الفقهاء أنه يندب إيقاع الصلاة في المصلى في
الصحراء لا في المسجد ، والسنة عند الشافعية أيضاً أن تصلى صلاة العيد في المصلى
إذا كان المسجد ضيقاً ، وإلا فالمسجد أفضل ، كما بينا في موضع صلاة العيد .
تاسعاً - التنفل قبل العيد وبعده :
للفقهاء رأيان : رأي الجمهور: لا يصلى قبل صلاة العيد ولابعدها ، وهو
الأصح لدي ، ورأي الشافعية : يصلى قبلها بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام ،
وبعدها أيضاً . وتفصيل الآراء ما يأتي :
(١) رواه أبو داود وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم وصححه ( نيل الأوطار: ٤ / ١٨٤).
- ٣٩٠ _

رأي الحنفية (١):
يكره التنفل قبل صلاة العيد مطلقاً في المصلى والبيت وبعدها في المصلى
فقط، ويجوز في البيت، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((خرج النبي سعر اليوم
يوم عيد ، فصلى ركعتين ، لم يصل قبلها ولا بعدهما ))(٢) وحديث أبي سعيد رضي
الله عنه عن النبي ◌ُّ القلم: (( أنه كان لا يُصلِّي قبل العيد شيئاً ، فإذا رجع إلى منزله
صلی رکعتین )) (٣) .
المالكية في المشهور(٤) :
يكره التنفل قبل صلاة العيد وبعدها في المصلى لحديث ابن عباس وابن عمر
لا في المسجد ، ففي المسجد لا يكره قبلها ولابعدها ، أما عدم كراهته قبلها فلأن
السنة الخروج بعد الشمس ، والتحية حينئذ مطلوبة اتفاقاً ، وأما عدم كراهته بعد
صلاتها ، فلندور حضور أهل البدع لصلاة الجماعة في المسجد .
الحنابلة(٥) :
تعا
يكره التنفل قبل صلاة العيد وبعدها للإمام والمأموم في موضع الصلاة ،
سواء أكان في المصلى أم المسجد، لحديث ابن عباس السابق، ونحوه عن ابن عمر،
ولنهي الصحابة عنه وعملهم به ، ولأنه وقت نهي عن التنفل فيه كسائر أوقات
النهي .
(١) فتح القدير: ١ / ٤٢٤، الدر المختار: ١ / ٧٧٧ وما بعدها، اللباب: ١ / ١١٧، مراقي الفلاح: ص ٩٠.
(٢) رواه الجماعة ( نيل الأوطار: ٣ / ٣٠٠) ويؤيده حديث ابن عمر عند أحمد والترمذي وصححه ، وللبخاري
عن ابن عباس : أنه كره الصلاة قبل العيد .
(٣) رواه ابن ماجه وأحمد بمعناه ( نيل الأوطار: ٣ / ٣٠١).
(٤) بداية المجتهد: ١ / ٢١٢، الشرح الكبير: ١ / ٤٠١، الشرح الصغير: ١ / ٥٣١.
(٥) كشاف القناع: ٢ / ٦٢ - ٦٣، المغني: ٢ / ٣٨٧ - ٣٨٩، ٣٩٩.
- ٣٩١ -

ويكره أيضاً قضاء فائتة في مصلى العيد قبل مفارقته ، إماماً كان أو
مأموماً ، في صحراء أو في مسجد ، لئلا يقتدى به .
ولابأس بالتنفل إذا خرج من المصلى في منزل أو غيره ، لما روى حرب عن
ابن مسعود « أنه كان يصلي يوم العيد إذا رجع إلى منزله أربع ركعات أو
ركعتين )) . فهذا كالحنفية تماماً.
ولابأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد : تقبل الله منا ومنك .
الشافعية(١):
لا يكره النفل قبل صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام ، لانتفاء
الأسباب المقتضية للكراهة ، فهو ليس بوقت منهي عن الصلاة فيه ، ولما روي
عن أبي بردة وأنس والحسن وجابر بن زيد أنهم كانوا يصلون يوم العيد قبل
خروج الإمام .
أما قبل ارتفاع الشمس : فإنه وقت كراهة . وأما الإمام فيكره له النفل
قبلها وبعدها لاشتغاله بغير الأهم ، ومخالفته فعل النبي معَ التّ . وأما غير الإمام بعد
صلاة العيد فإن كان يسمع الخطبة فيكره له ، وإلا فلا .
ومن دخل والخطيب يخطب ، فإن كان في مسجد بدأ بالتحية ، لقوله
عَّ التّ: ((إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين))، كما بينا في النوافل، ثم بعد
فراغ الخطبة يصلي في المسجد صلاة العيد ، فلو صلى فيه بدل التحية العيد ، وهو
أولى ، حصل له ثواب التحية والعيد . ولو دخل وعليه مكتوبة يفعلها ويحصل
بها التحية .
(١) المهذب: ١ / ١١٩، مغني المحتاج: ١ / ٣١٣.
- ٣٩٢ -

وإن كانت الصلاة في صحراء : سن له الجلوس ليستمع الخطبة ؛ إذ لاتحية ،
وأخر صلاة العيد إلا إن خشي الداخل فواتها ، فيقدمها على الاستماع . وإذا
أخرها فهو مخير بين أن يصليها في المصلى ، وبين أن يصليها بغيره إلا إن خشي
الفوات بالتأخير .
عاشراً - كيفية صلاته ال صلاة عيد الفطر والأضحى وكيفية
خطبته :
يحسن ختم هذا المبحث ببيان هذه الكيفية ، كما رواها الثقات . عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال نبي الله عَ اتٍ: ((التكبير في الفطر - أي
صلاته - سبع في الأولى، وخمس في الأخرى، والقراءة - الحمد وسورة - بعدهما
٠١_(١)
كلتيهما)) (١) .
وعن أبي سعيد قال: كان رسول الله ولم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى
المصلى ، وأول شيء يبدأ به الصلاة ، ثم ينصرف ، فيقوم مقابل الناس ، والناس
على صفوفهم ، فيعظهم ويأمرهم ))(٣) .
وعن جابر رضي الله عنه قال: شهدت مع النبي صَ لّ يوم العيد ، فبدأ
بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ، ثم قام متوكئاً على بلال ، فأمر بتقوى
الله ، وحث على الطاعة ، ووعظ الناس وذكَّرهم ، ثم مضى حتى أتى النساء ،
فوعظهن وذكرهن )»(٣) .
(١) أخرجه أبو داود ، ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه ، وأخرجه أحمد وعلي بن المديني وصححاه ( سبل
السلام: ٢ / ٦٨ ) .
(٢) متفق عليه ( المرجع السابق : ص ٦٧ ) .
" (٣) رواه مسلم والنسائي ( نيل الأوطار: ٣ / ٣٠٤).
- ٣٩٣ -

وعن سعد المؤذن رضي الله عنه قال: ((كان النبي ◌َ ◌ّ يكبر بين أضعاف
الخطبة ، يكثر التكبير في خطبة العيدين ))(١) .
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة رضي الله عنه قال: (( السنة أن يخطب
الإمام في العيدين خطبتين ، يفصل بينهما بجلوس))(٢).
لله تعالى
(١) رواه ابن ماجه وفيه ضعيف ، وقد أخرج نحوه البيهقي من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال :
السنة أن تفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى ، والثانية بسبع تكبيرات تترى ( نيل الأوطار: ٣ / ٣٠٥).
(٢) رواه الشافعي ( المصدر السابق ) .
- ٣٩٤ _

المبحث الخامس
صلاة الكسوف والخسوف
معنى الكسوف والخسوف® ، مشروعية صلاة الكسوفين ونحوها ، صفتها
( كيفيتها ، الجهر والإسرار بالقراءة فيها ، وقتها ، هل من شرطها الخطبة ؟ ،
الجماعة فيها وموضعها . هل خسوف القمر مثل كسوف الشمس ؟ ) متى يدركها
المسبوق ؟ ، هل تقدم صلاة الكسوف على غيرها عند اجتماعها معها ؟ .
أولاً - معنى الكسوف والخسوف :
الكسوف والخسوف : شيء واحد ، ويقال لهما كسوفان وخسوفان ، والأشهر
في تعبير الفقهاء : تخصيص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر .
والكسوف : هو ذهاب ضوء الشمس أو بعضه في النهار لحيلولة ظلمة القمر
بين الشمس والأرض .
والخسوف: هو ذهاب ضوء القمر أو بعضه ليلاً لحيلولة ظل الأرض بين
الشمس والقمر . ولا يحدث عادة كسوف الشمس إلا في الاستسرار آخر الشهر إذا
اجتمع النيران ، كما لايحدث خسوف القمر إلا في الإبدار ، إذا تقابل النيران .
- ٣٩٥ -

ثانياً - مشروعية صلاة الكسوفين وتحوها وحكمها الفقهي :
صلاة الكسوف والخسوف سنة(١) ثابتة مؤكدة باتفاق الفقهاء(٢) ، بدليل قوله
تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، لاتسجدوا للشمس ولا
للقمر ، واسجدوا لله الذي خلقهن ﴾ أي أنه یصلى عند کسوفها . وقوله څے
يوم مات ابنه إبراهيم: (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لاينكسفان
لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك ، فصلوا وادعوا، حتى ينكشف مابكم ))(٣)
وهي مشروعة حضراً وسفراً للرجال والنساء ، أي في حق كل من هو مخاطب
بالمكتوبات الخمس ؛ لأنه يتم فعلها لكسوف الشمس ، كما رواه الشيخان ،
ولخسوف القمر ، كما رواه ابن حبان في كتابه الثقات ، وللصبيان والعجائز
حضورها كالجمعة والعيدين . ويؤمر بها من تجب عليه الجمعة اتفاقاً .
وإنما الم تجب لخبر الصحيحين المتقدم .. ((هل علي غيرها؟ - أي الخمس -
قال : لا ، إلا أن تطَّوّع)).
ـصالـ
وتشرع بلاأذان ولا إقامة، ويندب أن ينادى لها: ((الصلاة جامعة)) ؛ لأن
النبي ◌َّ ((بعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة)) (٤).
وتصلى جماعة أو فرادى ، سراً أو جهراً ، بخطبة أو بلاخطبة ، على التفصيل
(١) يرى المالكية والحنفية: أن صلاة الكسوف سنة مؤكدة ، وصلاة الخسوف مندوبة .
(٢) البدائع: ١ / ٢٨٠، الدر المختار: ١ / ٧٨٨، الشرح الصغير: ١ / ٥٣٢، ٥٣٦، القوانين الفقهية: ص
٨٨، مغني المحتاج: ١ / ٣١٦، المهذب: ١ / ١٢٢، المغني: ٢ / ٤٢٦ ومابعدها، كشاف القناع: ٢ / ٦٧ ومابعدها .
(٣) متفق عليه بين البخاري ومسلم وأحمد ( نيل الأوطار: ٣ / ٣٢٦) وأخرجه البخاري ومسلم أيضاً من
حديث عائشة والمغيرة ، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث أبي مسعود الأنصاري ، وأخرجه مسلم من حديث
جابر بن عبد الله، والحاكم من حديث النعمان بن بشير ( نصب الراية: ٢ / ٢٣١).
(٤) متفق عليه عن عبد الله بن عمرو (نيل الأوطار: ٣ / ٣٢٥).
- ٣٩٦ _

الآتي بين المذاهب، لكن فعلها في مسجد الجمعة والجماعة أفضل؛ لأن النبي محمد له
صلى في المسجد(١) .
ولا يشترط لها إذن الإمام ، كصلاة الاستسقاء ؛ لأن كلاً منهما نافلة ، وليس
إذنه شرطاً في نافلة .
ويسن الغسل لها (٢) ، كما تقدم بيانه في بحث الأغسال المسنونة ؛ لأنها صلاة .
يشرع لها الاجتماع ، والخطبة عند الشافعية ، والوعظ ندباً عند المالكية ، فيسن
لها الغسل ، كصلاة الجمعة والعيدين .
الصلاة عند الفزع :
قال المالكية (٣): لا يؤمر المرء بالصلاة عند الزلازل والمخاوف والآيات التي
هي عبرة؛ لأن النبي عليه لم يصل لغيره ، وقد كان في عصره بعض هذه الآيات ،
وكذلك خلفاؤه من بعده ، لم يصلوا .٧
وقال الجمهور(٤) : يصلى للزلزلة فرادى لاجماعة ، لفعل ابن عباس (٥) ،
ولا يصلى عند الحنابلة لغيرها من سائر الآيات ، كالصواعق والريح الشديدة
والظلمة بالنهار، والضياء بالليل ، لعدم نقل ذلك عنه عَ الزّ وأصحابه ، مع أنه
وجد في زمانهم انشقاق القمر ، وهبوب الرياح والصواعق .
وأضاف الحنفية والشافعية : أنه يندب أن يصلي الناس فرادى ركعتين مثل
(١) لحديث عائشة وغيره المتفق عليه .
(٢) المهذب: ١ / ١٢٢، كشاف القناع: ١ / ١٧٢، ٢ / ٦٨، مغني المحتاج: ١ / ٣١٩.
(٣) القوانين الفقهية : ص ٨٨ .
(٤) مراقي الفلاح: ص ٩٢ ، البدائع: ١ / ٢٨٢، الحضرمية: ص ٨٨، المجموع: ٥ / ٥٨ ومابعدها ، المهذب :
١ / ١٢٣، المغني: ٢ / ٤٢٩، كشاف القناع: ٢ / ٧٣.
(٥) رواه سعيد بن منصور والبيهقي .
- ٣٩٧ -

كيفية الصلوات ، لاعلى هيئة الخسوف لنحو الزلازل ، كالصواعق والظلمة الهائلة
نهاراً ، والريح الشديدة مطلقاً ليلاً أو نهاراً ، والفزع بانتشار الكواكب والضوء
الهائل ليلاً ، والثلج والأمطار الدائمة ، وعموم الأمراض ، والخوف الغالب من
العدو ونحو ذلك من الأفزاع والأهوال ؛ لأنها آيات مخوفة للعباد ، ليتركوا
المعاصي ويرجعوا إلى طاعة الله تعالى التي بها فوزهم وصلاحهم ، قياساً على صلاة
الكسوف(١) ، وصلاة الكسوف التجاء إلى الله تعالى لكشف الغمة ، وهكذا شأن
المؤمن يلجأ إلى الله سبحانه كلما ألم به مكروه ، واشتد به الضر، وأحدق به
الخطر ، لذا يسن لكل أحد أن يتضرع بالدعاء عند الزلازل والرياح الشديدة
والصواعق والخسف ، لئلا يكون غافلاً ؛ لأنه هزم كان إذا عصفت الريح قال :
((اللهم إني أسألك خيرها وخير مافيها وخير ماأرسلت به ، وأعوذ بك من شرها ،
وشر مافيها ، وشر ما أرسلت به)) (٥)
ثالثاً - صفة صلاة الكسوف :
اختلف الفقهاء في أمور ستة تتعلق بصفة صلاة الكسوف وهي ما يلي :
أ - كيفيتها :
1
للفقهاء في كيفية صلاة الكسوف رأيان :
رأي الحنفية (٢) :
صلاة الكسوف ركعتان كهيئة الصلوات الأخرى من صلاة العيد والجمعة
(١) وذكر الحنفية حديثاً غريباً بلفظ ((إذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئاً فارغبوا إلى الله بالدعاء)) أو ((فاذكروا
الله واستغفروه)) ( نصب الراية: ٢ / ٢٣٤ _ ٢٣٥).
(٢) البدائع: ١ / ٢٨٠، فتح القدير: ١ / ٤٣٢ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ٩٢، الدر المختار: ١ / ٧٨٨
وما بعدها ، الكتاب واللباب : ١ / ١٢٠ ومابعدها .
- ٣٩٨ -

والنافلة ، بلاخطبة ولا أذان ولا إقامة ، ولاتكرار ركوع في كل ركعة ، بل ركوع
واحد، وسجدتان ، لما رواه أبو داود في سننه: (( أنه عليه الصلاة والسلام صلى
ركعتين ، فأطال فيها القيام ، ثم انصرف ، وانجلت الشمس ، فقال: إنما هذه
الآيات يخوف الله تعالى بها عباده ، فإذا رأيتموها فصلوا ، أحدث صلاة صليتموها
من المكتوبة))(١) قال الكمال بن الهمام : وهي الصبح ، فإن كسوف الشمس كان
عند ارتفاعها قيد رمحين .
رأي الجمهور(٢):
صلاة الكسوف ركعتان ، في كل ركعة قيامان ، وقراءتان وركوعان ،
وسجودان . والسنة أو الأكمل أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو
نحوها في الطول ، وفي القيام الثاني بعد الفاتحة دون ذلك أي بقدر مائتي آية مثل
آل عمران ، وفي القيام الثالث بعد الفاتحة دون ذلك ، أي بقدر مائة وخمسين آية ،
مثل النساء ، وفي القيام الرابع بعد الفاتحة دون ذلك بقدر مائة تقريباً مثل
المائدة .
فيقرأ أولاً المقدار الأول ، ثم يركع ، ثم يرفع ، ويقرأ المقدار الثاني ، ثم يركع
ثم يرفع ، ثم يسجد كما يسجد في غيرها ، ويطيل الركوع ، والسجود في الصحيح
عند الشافعية ، ويكرر ذلك في الركعة الثانية .
ويسبح في الركوع الأول قدر مائة من البقرة ، وفي الثاني ثمانين ، والثالث
سبعين ، والرابع خمسين تقريباً .
(١) رواه أبو داود والنسائي والحاكم عن قبيصة بن مخارق الهلالي (نصب الراية: ٢ / ٢٣٠) وهناك حديثان
آخران ، عند البخاري عن أبي بكرة ، وعند مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة ، يدل ظاهرهما أن الركعتين بركوع واحد
( نصب الراية: ٢ / ٢٢٩، نيل الأوطار: ٣ / ٣٣١) كما أنه ورد مثلها عن ابن عمر والنعمان بن بشير.
(٢) القوانين الفقهية: ص ٨٨ ، بداية المجتهد: ١ / ٢٠٣، الشرح الصغير: ١ / ٥٣٢، مغني المحتاج: ١ /
٣١٧، المهذب: ١ / ١٢٢، المغني: ٢ / ٤٢٢ - ٤٢٦، كشاف القناع: ٢ / ٦٩ - ٧٢ .
- ٣٩٩ _

وأخيراً ذكر الحنابلة أنه يجوز فعل صلاة الكسوف على كل صفة وردت عن
الشارع ، إن شاء أتى في كل ركعة بركوعين وهو الأفضل ؛ لأنه أكثر في الرواية ،
وإن شاء صلاها بثلاثة ركوعات في كل ركعة. لما روى مسلم عن جابر: أن
النبي ◌َّ ((صلى ست ركعات بأربع سجدات)) أو أربعة ركوعات في كل ركعة، لما
روى ابن عباس أن النبي مَ افر ((صلى في كسوف: قرأ، ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ
ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، والأخرى مثلها)،(١).
أو خمسة ركوعات في كل ركعة، لما روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال:
((انكسفت الشمس على عهد النبي ◌ُ ◌ٍّ وأنه صلى بهم، فقرأ سورة من الطوال، ثم
ركع خمس ركعات ، وسجد سجدتين ، ثم قام إلى الثانية ، فقرأ سورة من
الطوال ، وركع خمس ركعات ، وسجد سجدتين ، ثم جلس كما هو مستقبل القبلة
يدعو حتى انجلى كسوفها)) (١)، ولا يزيد على خمسة ركوعات في كل ركعة؛ لأنه لم
يرد به نص، والقياس لا يقتضيه .
وإن شاء فعل صلاة الكسوف كنافلة بركوع واحد ؛ لأن مازاد عليه سنة .
ومهما قرأ به جاز، سواء أكانت القراءة طويلة أم قصيرة، وقد روي عن
عائشة: ((أن رسول الله ياّ كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات
وأربع سجدات ، وقرأ في الأولى بالعنكبوت والروم ، وفي الثانية بيس))(٣).
ودليل الجمهور على تعدد الركوع اثنين : حديث عبد الله بن عمرو ، قال :
(( لما كُسفت الشمس على عهد النبي ◌ُّ نودي أن (( الصلاة جامعة)»، فركع النبي
(١) رواه مسلم وأبو داود والنسائي، وفي لفظ ((صلى النبي ◌َّل حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع
سجدات )) رواه أحمد ومسلم والنسائي .
(٢) رواه أبو داود وعبد الله بن أحمد .
(٣) أخرجه الدارقطني .
- ٤٠٠ -