النص المفهرس
صفحات 221-240
ز - يكره تحريماً الخروج من مسجد بعد الأذان ، حتى يصلي الشخص ، إلا إذا كان إماماً أو مؤذناً لمسجد آخر ، أو خرج بعد صلاته منفرداً . ح - لو ظن الإمام السهو، فسجد له ، فتابعه المقتدي ، فبان أن لاسهو ، فالأشبه الفساد لصلاة المقتدي ، لاقتدائه في موضع الانفراد . المطلب الرابع - الأمور المشتركة بين الإمام والمأموم : شروط الاقتداء بالإمام ، موقف الإمام والمأموم ، أمر الإمام بتسوية الصفوف ، صلاة المنفرد عن الصف . أولاً - شروط الاقتداء بالإمام : عرفنا شروط كل من الإمام والمقتدي الخاصة بها ، ونبحث هنا شروط ارتباط المقتدي بالإمام أو شروط صحة الجماعة وهي ما يأتي(١) : ١ - نية المؤتم الاقتداء باتفاق المذاهب : أي أن ينوي المأموم مع تكبيرة الإحرام الاقتداء أو الجماعة أو المأمومية ، فلو ترك هذه النية أو مع الشك فيها ، وتابعه في الأفعال ، بطلت صلاة المقتدي ، ولا يجب تعيين الإمام باسمه ، فإن عينه وأخطأ بطلت صلاته عند الشافعية . لكن لابد من تعيين إمام معين بصفة الإمامة ، فلو نوى الائتام بأحد رجلين يصليان ، لابعينه ، لم يصح ، حتى يعين الإمام بوصفه ، لأن تعيينه شرط ، ولا يجوز الائتمام بأكثر من واحد ، فلو نوى الائتمام بإمامين لم يجز ؛ لأنه لا يمكن اتباعها معاً . (١) الدر المختار: ١ / ٥١٣، ٥١٥، ٥٥٢، البدائع: ١ / ١٣٨، ١٤٦، الكتاب مع اللباب: ١ / ٨٤، الشرح الصغير: ١ / ٤٤٩، ٤٥٣، الشرح الكبير: ١ / ٣٣٧ - ٣٤١، القوانين الفقهية: ص ٦٨ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١ / ٢٥٢ - ٢٥٨، الحضرمية: ص ٦٨، ٧١، المغني: ٢ / ٢١٣ ومابعدها، ٢٣١ - ٢٣٤، كشاف القناع: ١ / ٥٦٥، ٥٧١ ، ٥٧٩ وما بعدها . - ٢٢١ - وشرط النية أن تكون مقارنة للتحريمة عند الشافعية ، وأجاز الحنفية أن تكون متقدمة على التحريمة بشرط ألا يفصل بينها وبين التحريمة فاصل أجنبي(١) ، والأفضل عندهم وعند الحنابلة: أن تكون مقارنة خروجاً من الخلاف . واشترط المالكية المقارنة للتحريمة أو قبلها بزمن يسير ، كما تقدم في بحث اشتراط النية في الصلاة . وبناء على هذا الشرط : لو شرع امرؤ في الصلاة منفرداً ، لم يجز له الانتقال للجماعة إلا في حالة الاستخلاف ، كما سيأتي ، كما لا يجوز عكسه عند الحنفية والمالكية ، وهو أن ينتقل للانفراد ، بأن ينوي مفارقة الإمام ، وأجاز الشافعية والحنابلة كما بينا نية مفارقة الإمام ، وإتمام الصلاة منفرداً ، لعذر عند الحنابلة ، أو لغير عذر مع الكراهة عند الشافعية ، كما بينا سابقاً . أما نية الإمام الإمامة : فلا تشترط عند الجمهور غير الحنابلة ، بل تستحب ليحوز فضيلة الجماعة ، فإن لم ينولم تحصل له ، إذ ليس للمرء من عمله إلا مانوى . واستثنى الشافعية والمالكية الصلاة التي تتوقف صحتها على الجماعة ، كالجمعة ، والمجموعة للمطر، والمعادة ، وصلاة الخوف ، فلابد فيها من نية الإمام الإمامة . واستثنى الحنفية اقتداء النساء بالرجل ، فإنه يشترط نية الرجل الإمامة لصحة اقتداء النساء به . وقال الحنابلة : تشترط أيضاً نية الإمامة ، فينوي الإمام أنه إمام ، والمأموم أنه مأموم ، وإلا فسدت الصلاة . لكن لو أحرم الشخص منفرداً ، ثم جاء آخر ، (١) قال الحنفية: من أراد الدخول في صلاة غيره، يحتاج إلى نيتين: نية نفس الصلاة ، ونية المتابعة للإمام بأن ينوي فرض الوقت ، والاقتداء بالإمام فيه . - ٢٢٢ - فصلى معه ، فنوى إمامته ، صح في النفل ، عملاً بحديث ابن عباس ، وهو أنه قال: ((بتُ عند خالتي ميمونة، فقام النبي ◌َ ◌ّ متطوعاً من الليل ، فقام إلى القربة ، فتوضأ ، فقام ، فصلى ، فقمت لما رأيته صنع ذلك ، فتوضأت من القربة ، ثم قمت إلى شقه الأيسر ، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشق الأيمن))(١) . أما في الفريضة : فإن كان المصلي ينتظر أحداً ، كإمام المسجد ، فإنه يُحرم وحده ، وينتظر من يأتي ، فيصلي معه ، فيجوز ذلك أيضاً عند الحنابلة ؛ لأن النبي ◌ُّ أحرم وحده ، ثم جاء جابر وجبارة، فأحرما معه ، فصلى بها ، ولم ينكر فعلهما . والظاهر أنها كانت صلاة مفروضة؛ لأنهم كانوا مسافرين . أما في غير هذه الحالة ، فلا يصح الاقتداء لمن لم ينو الإمامة . ٢ - اتحاد صلاتي الإمام والمأموم : وللفقهاء آراء في تحديد هذا الاتحاد ، فقال الحنفية(٢): الاتحاد أن يمكنه ( أي المقتدي ) الدخول في صلاته بنية صلاة الإمام ، فتكون صلاة الإمام متضمنة لصلاة المقتدي . فلا يصلي المفترض خلف المتنفل ؛ لأن الاقتداء بناء ، ووصف الفرضية معدوم في حق الإمام ، فلا يتحقق البناء على المعدوم ، ولامن يصلي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر ؛ لأن الاقتداء شركة وموافقة ، فلابد من الاتحاد سبباً وفعلاً ووصفاً ؛ لأن الاقتداء بناء التحريمة على التحريمة ، كما بينا أي أن الاتحاد في الفرضية ونوع الفريضة . ويصلي المتنفل خلف المفترض ؛ لأن فيه بناء الضعيف على القوي ، وهو (١) متفق عليه . (٢) الكتاب بشرح اللباب: ١ / ٨٤، الدر المختار ورد المختار: ١ / ٥١٤، ٥٥٠ - ٥٥٢، فتح القدير: ١ / ٢٦١ _ ٢٦٥ . - ٢٢٣ - .... جائز، إلا التراويح في الصحيح ؛ فلا يصح الاقتداء فيها بالمفترض لأنها سنة على هيئة مخصوصة ، فيراعى وضعها الخاص للخروج عن العهدة . ويصح اقتداء متنفل بمتنفل ومنه ناذر نقل بناذر آخر ، ومن يرى الوتر واجباً ( وهم الحنفية) بمن يراه سنة ، ومن اقتدى في العصر، وهو مقيم ، بعد الغروب ، بمن أحرم قبله ، لاتحاد صلاة الإمام مع صلاة المقتدي في الصور الثلاث . ويصح اقتداء متوضئ بمتيم ، وغاسل بماسح على خف أو جبيرة ، وقائم بقاعد يركع ويسجد ، لامومئ ؛ فالمومئ يصلي خلف مثله ، إلا أن يومئ المؤتم قاعداً ، والإمام مضطجعاً ؛ لأن القعود معتبر ، فتثبت به القعدة ، أما صلاة القائم بالقاعد فلأنه تمٍ صلى آخر صلاته قاعداً، والناس قيام(١) ، وأبو بكر يبلغهم تكبيره ، كما يصح اقتداء قائم بأحدب الظهر ، وإن بلغ حدبه الركوع على المعتمد ، وكذا الاقتداء بأعرج . ويصح اقتداء مومئ بمثله إلا أن يومئ الإمام مضطجعاً ، والمؤتم قاعداً أو قائماً فإنه لا يجوز ، على المختار ، لقوة حال المأموم . وقال المالكية(٢) : يشترط الاتحاد في ذات الصلاة ، فلا يصح اقتداء بصلاة ظهر خلف عصر مثلا ، وفي صفة الصلاة أداء وقضاء ، فلا يصح أداء خلف قضاء ولاعكسه ، وفي زمن الصلاة ، وإن اتفقا في القضاء ، فلا يصح ظهر يوم السبت خلف ظهر يوم الأحد ، ولاعكسه ، ولا يصح اقتداء في صلاة صبح بعد طلوع شمس بمن أدرك ركعة قبل طلوع الشمس ؛ لأنها للإمام أداء ، وللمأموم قضاء . ويصح اقتداء نقل خلف فرض كركعتي الضحى ، خلف سنة صبح بعد (١) أخرجه البخاري ومسلم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (نصب الراية: ٢ / ٤١). (٢) الشرح الصغير : ١ / ٤٥١ . - ٢٢٤ _ الشمس ، وركعتي نقل خلف سنة صلاة سفرية ، أو أربع خلف سنة صلاة حضرية . وقال الحنابلة(١) : الاتحاد في نوع الفرض وقتاً واسماً ، فلا يصح ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر ، أو غيرهما كالعشاء ، وعكسه ، كما لاتصح صلاة مفترض خلف مفترض بفرض غيره وقتاً واسماً؛ لقوله مَ الله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه ))، ولا يصح اقتداء مفترض بمتنفل ، لهذا الحديث ، ولأن صلاة المأموم لاتؤدى بنية الإمام ، فأشبه صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر. ولا يصح أن يؤم من عدم الماء والتراب ، أو به قروح لا يستطيع معها مس البشرة بأحدهما بمن تطهر بأحدهما . ولا يصح الاقتداء في صلاة تخالف الأخرى في الأفعال ، كصلاة الكسوف أو الجمعة خلف من يصلي غيرهما ، وصلاة غيرهما وراء من يصليها ؛ لأنه يفضي إلى مخالفة إمامه في الأفعال ، وهو منهي عنه . ويصح اقتداء متنفل بمفترض، بدليل قوله مع اللّ في إعادة الصلاة جماعة : (( من يتصدق على هذا ؟ فقام رجل فصلى معه)) ويصح ائتمام متوضئ بمتيم ؛ لأنه أتى بالطهارة على الوجه الذي يلزمه ، والعكس أولى . ويصح ائتمام ماسح على حائل بغاسل ، لأن الغسل رافع للحدث . ويصح ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها ، وعكسه ؛ لأن الصلاة واحدة ، وإنما اختلف الوقت . ويصح ائتمام قاضي ظهر يوم ، بقاضي ظهر يوم آخر ، لأن الصلاة واحدة ، وإنما اختلف الوقت . ويلاحظ أن هاتين الحالتين خلاف مذهب المالكية . (١) كشاف القناع: ١ / ٥٦١ وما بعدها، ٥٧٠ ومابعدها، المغني: ٢ / ٢٢٠ - ٢٢٧. الفقه الإسلامي جـ ٢ (١٥) - ٢٢٥ - ويجوز للعاجز عن القيام أن يؤم مثله . ولا يؤم القاعد من يقدر على القيام إلا بشرطين : أحدهما : أن يكون إمام الحي ؛ لأنه لاحاجة بالناس إلى تقديم عاجز عن القيام إذا لم يكن الإمام الراتب ، فلا يتحمل إسقاط ركن في الصلاة لغير حاجة ، والنبي ◌َ ◌ّ حيث فعل ذلك ، كان هو الإمام الراتب. الثاني: أن يكون مرضه يرجى زواله ، لأن النبي ◌ُ ◌ّ كان يرجى برؤه، ولأن اتخاذ الزَّمِن ومن لا يرجى قدرته على القيام إماماً راتباً ، يفضي إلى تركهم القيام ، ولاحاجة إليه . وعليه لاتصح الصلاة خلف عاجز عن القيام ؛ لأنه عجز عن ركن من أركان الصلاة ، فلم يصح الاقتداء به ، كالعاجز عن القراءة إلا بمثله ، إلا إمام الحي ، المرجو زوال علته : وهو كل إمام مسجد راتب . وإذا صلى إمام الحي جالساً ، صلى من وراءه جلوساً ، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله جلّةٍ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون))(١) ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((صلى بنا رسول الله مُ التّ في بيته، وهو شاكٍ ، فصلى جالساً ، وصلى وراءه قوم قياماً ، فأشار إليهم : أن اجلسوا ، فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى جالساً، فصلوا جلوساً أجمعون))(٢)، (١) متفق عليه قال ابن عبد البر: روي هذا مرفوعاً من طرق متواترة . (٢) وروى أنس نحوه، أخرجها البخاري ومسلم، وروى جابر عن النبي ◌َ ◌ّ مثله، أخرجه مسلم ، ورواه أسيد بن حضير، وعمل به. قال ابن عبد البر: روي هذا الحديث عن النبي ◌َّ من طرق متواترة ، من حديث أنس ، وجابر ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وعائشة ، كلها بأسانيد صحاح . - ٢٢٦ - ولأنها حالة قعود الإمام ، فكان على المأمومين متابعته كحال التشهد . فإن صلوا قياماً خلف إمام الحي المرجو زوال علته ، صحت صلاتهم ؛ لأنه ◌َافٍّ لم يأمر من صلى خلفه قائماً بالإعادة، ولأن القيام هو الأصل . والأفضل لهذا الإمام إذا مرض أن يستخلف ؛ لأن الناس اختلفوا في صحة إمامته ، فيخرج من الخلاف ، ولأن صلاة القائم أكمل ، فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة . واكتفى الشافعية (١) باشتراط توافق نظم صلاتي الإمام والمقتدي ، فإن اختلف نظم صلاتيهما كصلاة مكتوبة وصلاة كسوف ، أو مكتوبة وصلاة جنازة ، لم تصح القدوة فيهما على الصحيح ؛ لتعذر المتابعة باختلاف فعلهما . . وتصح قدوة المؤدي بالقاضي ( الأداء خلف القضاء ) وعكسه ، والمفترض بالمتنفل ، وعكسه ، والظهر خلف العصر وعكسه ، وكذا الظهر بالصبح والمغرب ، ويكون المقتدي حينئذ كالمسبوق ، يتم صلاته بعد سلام إمامه ، ولا تضر في هذه الحالة متابعة الإمام في القنوت والجلوس الأخير في المغرب ، وللمقتدي فراق الإمام إذا اشتغل بالقنوت والجلوس ، مراعاة لنظم صلاته . وتجوز صلاة الصبح خلف الظهر في الأظهر ، فإذا قام الإمام للركعة الثالثة ، فإن شاء فارقه وسلم ، وإن شاء انتظره ليسلِّم معه ، وانتظاره أفضل . وإن أمكنه أي المقتدي القنوت في الركعة الثانية قنت وإلا تركه ، وله فراق الإمام ليقنت . والخلاصة : أن أشد المذاهب في شرط اتحاد صلاتي الإمام والمؤتم هو المالكي ، ثم الحنفي ، ثم الحنبلي ، ثم الشافعي . (١) مغني المحتاج: ١ / ٢٥٣ وما بعدها، الحضرمية: ص ٧٠. - ٢٢٧ - ٣ - ألا يتقدم المأموم على إمامه بعقبه ( مؤخر قدمه ) ، أو بأليته ( عجزه ) إن صلى قاعداً أو بجنبه إن صلى مضطجعاً . فإن ساواه جاز وكره ، ويندب تخلفه عنه قليلاً ، وإن تقدم عليه لم تصح صلاته ، وهذا شرط عند الجمهور ( الحنفية والشافعية والحنابلة) (١) ، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به )) ولأنه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه، ولأن ذلك لم ينقل عن النبي مَ ◌ّ ولا هو في معنى المنقول . والعبرة التقدم بالعقب ، فإن تقدمت أصابع المقتدي لكبر قدمه على قدم الإمام ، مالم يتقدم أكثر القدم ، صحت صلاته . وأجاز الحنفية والحنابلة التقدم على الإمام في الصلاة حول الكعبة . وكذلك أجاز الشافعية التقدم على الإمام إذا كان المأموم في غير جهة إمامه ، فإن كان المأموم والإمام في جهة واحدة ، لم يصح تقدمه عليه ، ويكره التقدم لغير ضرورة كضيق المسجد ، وإلا فلاكراهة . وتبطل الصلاة في الجديد إن تقدم المأموم على إمامه ؛ لأنه وقف في موضع ليس بموقف مؤتم بحال ، فأشبه إذا وقف في موضع نجس . وقال المالكية : لا يشترط هذا الشرط ، فلو تقدم المأموم على إمامه ولو كان المتقدم جميع المأمومين ، صحت الصلاة على المعتمد ، لكن يكره التقدم لغير ضرورة ، لأن ذلك لا يمنع الاقتداء به ، فأشبه من خلفه . ٤ - اتحاد مكان صلاة الإمام والمقتدي برؤية أو سماع ولو بمبلِّغ ، فلو اختلف مكانها لم يصح الاقتداء ، على تفصيل بين المذاهب . وهذا شرط عند الجمهور غير المالكية ؛ لأن الاقتداء يقتضي التبعية في الصلاة ، والمكان من لوازم (١) المجموع : ٤ / ١٩٤. - ٢٢٨ - الصلاة ، فيقتضي التبعية في المكان ضرورة ، وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان ، فتنعدم التبعية في الصلاة ، لانعدام لازمها . أما المالكية فقالوا : لا يشترط هذا الشرط ، فاختلاف مكان الإمام والمأموم لا يمنع صحة الاقتداء ، ووجود حائل من نهر أو طريق أو جدار لا يمنع الاقتداء ، متى أمكن ضبط أفعال الإمام برؤية أو سماع ، ولا يشترط إمكان التوصل إليه ، إلا الجمعة ، فلو صلى المأموم في بيت مجاور للمسجد مقتدياً بإمامه ، فصلاته باطلة ؛ لأن الجامع شرط في صحة الجمعة . وأما تفصيل رأي الحنفية(١) : فهو أن اختلاف المكان بين الإمام والمأموم مفسد للاقتداء سواء اشتبه على المأموم حال إمامه أو لم يشتبه على الصحيح . فلو اقتدى راجل براكب ، أو بالعكس ، أو راكب براكب دابة أخرى ، لم يصح الاقتداء لاختلاف المكان ، فلو كانا على دابة واحدة صح الاقتداء لاتحاد المكان . ومن كان بينه وبين الإمام طريق عام يمر فيه الناس ، أو نهر عظيم ، أو خلاء ( أي فضاء ) في الصحراء ، أو في مسجد كبير جداً كمسجد القدس يسع صفين فأكثر، أو صف من النساء بلاحائل قدر ذراع أو بغير ارتفاعهن قدر قامة الرجل ، لا يصح الاقتداء ؛ لأن ذلك يوجب اختلاف المكانين عرفاً ، مع اختلافهما حقيقة، فيمنع صحة الاقتداء ، لقول عمر رضي الله عنه: (( من كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق أو صف من النساء ، فلاصلاة له)). ومقدار الطريق العام الذي يمنع صحة الاقتداء : هو مقدار ماتمر فيه العجلة ( العربة) أو تمر فيه الأحمال على الدواب . والمراد بالنهر : ما يسع زورقاً يمر فيه . (١) البدائع: ١ / ١٤٥ وما بعدها، الدر المختار ورد المختار: ١ / ٥١٤، ٥٤٧ - ٥٤٩ . - ٢٢٩ - فإن كانت الصفوف متصلة على الطريق ، كما يحصل في الحرمين أو في المساجد المزدحمة بالمصلين ، جاز الاقتداء ؛ لأن اتصال الصفوف أخرجه من أن يكون ممر الناس ، فلم يبق طريقاً ، بل صار مصلى في حق هذه الصلاة . وكذلك إن كان على النهر جسر وعليه صف متصل . والحائل كجدار كبير لا يمنع الاقتداء إن لم يشتبه حال إمامه بسماع من الإمام أو مبلغ عنه أو رؤية ولو لأحد المقتدين ولو من باب مشبك يمنع الوصول ، ولم يختلف المكان حقيقة كمسجد ، وبيت ، فإن المسجد مكان واحد ، إلا إذا كان المسجد كبيراً جداً ، وكذا البيت حكمه حكم المسجد في ذلك لاحكم الصحراء . وبه تبين أن الحائل لا يمنع الاقتداء بشرط عدم الاشتباه وعدم اختلاف المكان ، ولا يشترط إمكان الوصول إلى الإمام وعدمه . فالاقتداء بالإمام في أقصى المسجد ، والإمام في المحراب ، يجوز ؛ لأن المسجد على تباعد أطرافه ، جعل في الحكم كمكان واحد . ولو قصد المبلغ بتكبيرة الإحرام مجرد التبليغ ، فتبطل صلاة من يقتدي بتبليغه . ولو وقف المقتدي على سطح المسجد أو على سطح بناء بجنب المسجد متصل به ليس بينهما طريق ، واقتدى بالإمام : فإن كان وقوفه خلف الإمام أو بحذائه ، أجزأه ؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه وقف على سطح، واقتدى بالإمام ، وهو في جوفه ، ولأن سطح المسجد تبع للمسجد ، وحكم التبع حكم الأصل ، فكأنه في جوف المسجد . وهذا إذا كان لا يشتبه عليه حال إمامه ، فإن كان يشتبه لا يجوز . وإن كان وقوفه متقدماً على الإمام لايجزئه ، لانعدام معنى التبعية . أما لو اقتدى رجل في داره بإمام المسجد ، وكانت داره منفصلة عن المسجد بطريق ونحوه ، فلا يصح الاقتداء لاختلاف المكان . - ٢٣٠ - والخلاصة : أن اختلاف المكان يمنع صحة الاقتداء ، سواء اشتبه على المأموم حال إمامه أو لم يشتبه ، واتحاد المكان في المسجد أو البيت مع وجود حائل فاصل يمنع الاقتداء إن اشتبه حال الإمام . أما وجود فاصل يسع صفين أو أكثر في الصحراء أو في المسجد الكبير جداً ، فيمنع الاقتداء . وأما الشافعية(١) فقالوا: يشترط لصحة القدوة أن يعلم المقتدي بانتقالات إمامه ، بأن يراه أو يرى بعض صف، أو يسمعه ، ولو من مبلِّغ ، وإن لم يكن مصلياً . أ - فإن كان الإمام والمأموم مجتمعين في مسجد ، صح الاقتداء ، وإن بعدت المسافة بينهما فيه أكثر من ثلثمائة ذراع ، أو حالت بينهما أبنية كبئر وسطح ومنارة ، أو أغلق الباب أثناء الصلاة، فلو صلى شخص في آخر المسجد والإمام في أوله ، صح الاقتداء بشرط إمكان المرور بأن لا يوجد بينهما حائل يمنع وصول المأموم إلى الإمام كباب مسَّر قبل الدخول في الصلاة . ولافرق في إمكان الوصول إلى الإمام بين أن يكون الشخص مستقبلاً القبلة أو مستدبراً لها . ويعد سطح المسجد ورحبته ونحوهما في حكم المسجد. ب - أما إن كان الإمام والمأموم في غير مسجد ، كصحراء : فتصح الصلاة بشرط ألا يكون بينهما ، وبين كل صفين ، أكثر من ثلثمائة ذراع تقريباً(٢) ، فلا يضر زيادة ثلاثة أذرع مثلاً ، وألا يكون بينهما جدار أو باب مغلق أو مردود أو شباك . ولو كان الإمام في المسجد والمأموم خارجه ، فالثلثمائة ذراع محسوبة من آخر المسجد . ولا يضر على الصحيح وجود فاصل أو تخلل الشارع ، أو النهر (١) مغني المحتاج: ١ / ٢٤٨ - ٢٥١ ، الحضرمية: ص ٦٩ وما بعدها . (٢) بذراع الآدمي المعتدل وهو شبران . - ٢٣١ _ - - الكبير الذي تجري فيه السفن ويسبح فيه السباحون ، ولاتخلل البحر بين سفينتين . وإن كان الإمام والمأموم في بناءين كغرف المدارس ، أو العمارتين ، صح الاقتداء في أصح الطريقين على النحو التالي : فإن كان بناء المأموم يميناً أو شمالاً ، وجب اتصال صف من أحد البناءين بالآخر ، ولاتضر في الأصح فُرجة لاتسع واقفاً . وإن كان بناء المأموم خلف بناء الإمام ، فالصحيح صحة القدوة بشرط ألا يكون بين الصفين أكثر من ثلثمائة ذراع . وإن صح اقتداء الشخص في بناء آخر ، صح اقتداء من خلفه أو بجنبه ، وإن حال بينه وبين الإمام جدار . ولو وقف المقتدي في علو في غير المسجد ، كالشرفة في وسط دار مثلاً ، وإمامه في سفل ، كصحن تلك الدار ، أو عكسه أي كان الوقوف عكس الوقوف المذكور، يشترط بالإضافة لشرط اتصال صف من أحدهما بالآخر ، محاذاة ( موازاة ) بعض بدن المأموم بعض بدن الإمام، بأن يحاذي رأس الأسفل قدم الأعلى ، مع اعتدال قامة الأسفل . وأما الحنابلة (١) فلهم تفصيل آخر مستقل قالوا فيه : اختلاف مكان الإمام والمأموم يمنع صحة الاقتداء على النحو التالي : أ - إن كان الإمام والمأموم في المسجد، صح الاقتداء ، ولو كان بينهما حائل أو لم ير الإمام ، متى سمع تكبيرة الإحرام ، ولو لم تتصل الصفوف عرفاً ؛ لأن المسجد بني للجماعة ، فكل من حصل فيه حصل في محل الجماعة ، بخلاف خارج المسجد ، فإنه ليس معداً للاجتماع فيه ، فلذلك اشترط الاتصال فيه . (١) كشاف القناع: ١ / ٥٧٩ - ٥٨٠، المغني : ٢ / ٢٠٦ - ٢٠٩ . - ٢٣٢ - ب - وإن كانا خارج المسجد ، فيصح الاقتداء بشرط رؤية الإمام أو مشاهدة من وراء الإمام ، ولو في بعض أحوال الصلاة كحال القيام أو الركوع ، ولو كان بينهما أكثر من ثلثمائة ذراع ، ولو كانت الرؤية مما لا يمكن النفاذ منه كشباك ونحوه ، فإن لم ير المأموم الإمام أو بعض من وراءه ، لم يصح اقتداؤه به، ولو سمع التكبير، لقول عائشة لنساء كن يصلين في حجرتها: ((لا تصلين بصلاة الإمام ، فإنكن دونه في حجاب )) ، ولأنه لا يمكن الاقتداء به في الغالب . ودليل اشتراط الرؤية حديث عائشة قالت: ((كان رسول الله عَ لّ يصلي من الليل ، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص رسول الله عَ ل ، فقام أناس يصلون بصلاته ، وأصبحوا يتحدثون بذلك ، فقام الليلة الثانية ، فقام معه أناس يصلون بصلاته ))(١) والظاهر أنهم كانوا يرونه في حال قيامه . ولا يشترط اتصال الصفوف خارج المسجد ، لعدم الفارق بين المسجد وخارجه ، إذا حصلت الرؤية المعتبرة وأمكن الاقتداء أي المتابعة . جـ - إن كان بينهما نهر تجري فيه السفن، لم تصح القدوة، كما لا تصح إن كان بينهما طريق ، ولم تتصل فيه الصفوف عرفاً ، وكانت الصلاة مما لا تصح في الطريق كصلاة الجمعة والعيد والاستسقاء والكسوف والجنازة . فإن اتصلت الصفوف في الطريق ، صحت القدوة وصلاة المأموم . أما إن انقطعت الصفوف في الطريق مطلقاً ، سواء أكانت تلك الصلاة مما تصح في الطريق أم لا، لم تصح صلاة المأموم؛ لأن الطريق ليست محلاً للصلاة، فصار ذلك کوجود النهر. ولا تصح أيضاً صلاة من بسفينة وإمامه في أخرى غير مقرونة بها ؛ لأن الماء (١) رواه البخاري . - ٢٣٣ - / طريق ، وليست الصفوف متصلة ، إلا في شدة الخوف ، فلا يمنع ذلك الاقتداء للحاجة . ويأتم بالإمام من في أعلى المسجد وغير المسجد إذا اتصلت الصفوف ، فالعلو لا يمنع الاقتداء بالإمام . ٥ - متابعة المأموم إمامه : لأن الاقتداء يقتضي التبعية في أفعال الصلاة ، وتتحقق التبعية بأن يصير المقتدي مصلّياً ماصلاه الإمام. لخبر الصحيحين: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا )). وللمذاهب آراء في تحقيق معنى هذا الشرط ، الذي لولاه تفسد صلاة المقتدي ، ويتصور تنفيذ المتابعة باحدى صور ثلاث : المقارنة ، بأن يقارن فعل المأموم فعل إمامه ، كأن يقارنه في التحريمة أو الركوع ونحوه ، والتعقيب : بأن يكون فعل المأموم الفعل عقب فعل إمامه مباشرة ، والتراخي في الفعل : بأن يأتي به بعد إتيان الإمام بفعله متراخياً عنه ، ويدركه قبل الدخول في ركن آخر بعده . 5 فقال الحنفية : المتابعة بإحدى صورها الثلاث المذكورة تكون فرضاً في فروض الصلاة ، وواجبة في الواجب ، وسنة في السنة . فلو ترك الركوع مع الإمام بأن ركع قبله أو بعده ، ولم يشاركه فيه ، أو سجد قبل الإمام أو بعده ولم يشاركه في السجود ، تلغى الركعة التي لم تتحقق فيها المتابعة ، ويجب عليه قضاؤها بعد سلام الإمام وإلا بطلت صلاته . ولو ترك المتابعة في القنوت أثم ؛ لأنه ترك واجباً ، ولو ترك المتابعة في تسبيح الركوع مثلاً فقد ترك السنة . - ٢٣٤ _ ولا تلزم المتابعة في أمور أربعة : الأول : إذا زاد الإمام عمداً في صلاته سجدة . الثاني : إذا زاد في تكبيرات العيد . الثالث : إذا زاد في تكبيرات الجنازة ، كأن كبر خمساً . الرابع : أن يقوم الإمام سهواً إلى ركعة زائدة عن الفرض بعد القعود الأخير ، فإن عاد بعد تنبيه المقتدي له ، صحت الصلاة ، ووجب سجود السهو ، وإن قيد ركعته الزائدة بسجدة ، سلم المقتدي وحده . وإن قام الإمام قبل القعود الأخير وقيد ركعته الزائدة بسجدة ، بطلت صلاتهم جميعاً . وللمقتدي أن يأتي بأمور تسعة ولا يتابع في تركها وهي : رفع اليدين في التحريمة ، وقراءة الثناء ، وتكبيرات الركوع ، وتكبيرات السجود ، والتسبيح فيهما ، والتسميع ، وقراءة التشهد ، والسلام ، وتكبير التشريق . ويتابع المقتدي الإمام في ترك أمور خمسة وهي تكبيرات العيد ، والقعدة الأولى ، وسجدة التلاوة ، وسجود السهو ، والقنوت إذا خاف فوت الركوع ، فإن لم يخف ذلك فعليه القنوت . والمتابعة في تكبيرة الإحرام أفضل ، فإن كبر قبل الإمام فلاتصح صلاته ، وإن تراخى في التكبير ، فقد فاته إدراك وقت فضيلة التحريمة ، وإن كبر مع تكبيرة الإمام جاز، فإن فرغ قبله لم يجزه . وكذلك المتابعة في السلام أفضل : بأن يسلم المأموم مع إمامه ، إن أتم تشهده ، لاقبله ، ولابعده ، فإن سلم قبله بعد أن أتم تشهده صحت صلاته مع الكراهة إن كان بغير عذر ، وإن سلم بعده فقد ترك الأفضل . - ٢٣٥ - وإن لم يتم المقتدي تشهده ، أتمه ، ثم سلم . وقال المالكية(١) : المتابعة : أن يكون فعل المأموم عقب فعل الإمام ، فلا يسبقه ولا يساويه ولا يتأخر عنه . والمتابعة للإمام بهذا المعنى شرط في الإحرام والسلام فقط ، بأن يكبر للإحرام بعده ، ويسلم بعده . فلو ساواه بطلت صلاته ، ويصح أن يبتدئ بعد الإمام ويختم بعده قطعاً أو معه على الصحيح ، ولا يصح أن يختم قبله . وأما المتابعة في غير الإحرام والسلام ، فليست بشرط ، فلو ساوى المأموم إمامه في الركوع أو السجود مثلاً ، صحت صلاته مع الكراهة ، وحرم عليه أن يسبق الإمام في غير الإحرام والسلام من سائر الأركان ، لكن إن سبقه لاتبطل به الصلاة إن اشترك مع الإمام . فإن سبقه في الركوع أو السجود وانتظر الإمام فيه حتى ركع أو سجد صحت صلاته ، وأثم إن كان متعمداً لهذا السبق . وإن لم ينتظره ، بل رفع قبله ، بطلت صلاته . وإن رفع ساهياً ، عاد إليه 5 وصحت صلاته . وإذا تأخر عن إمامه ، كأن ركع بعد أن رفع الإمام من الركوع ، فإن حصل ذلك في الركعة الأولى عمداً ، بطلت صلاته ، لإعراضه عن المأمومية . وإن حصل ذلك سهواً ، ألغى هذه الركعة ، وقضاها بعد سلام إمامه . أما إن رفع قبل إمامه في غير الركعة الأولى ، فلاتبطل الصلاة ، وأثم إن كان عامداً . (١) الشرح الصغير: ١ / ٤٥٢ - ٤٥٤، الشرح الكبير: ١ / ٣٤٠ ومابعدها، بداية المجتهد: ١ / ١٤٨. - ٢٣٦ - وإن ترك المأموم القنوت في الصبح ، مع إتيان الإمام به ، فلا إثم عليه ، لأن القنوت مندوب . ولا يتابع المأموم الإمام في أمور هي : أن يزيد الإمام في تكبيرات العيد ، ولو كانت الزيادة بحسب مذهب الإمام . وأن يزيد في تكبير الجنازة عن أربع . وأن يقوم الإمام لركعة زائدة سهواً ، فعلى المأموم أن يجلس ، وإن تابعه فيها عمداً بطلت صلاته . وللمقتدي أن يفعل أموراً ولو تركها الإمام وهي : رفع اليدين في تكبيرة الإحرام لأنه مندوب ، وتكبيرات الصلاة ، لأنها سنة ، وتكبيرات التشريق عقب الصلاة ، لأنها مندوبة ، وسجود السهو عن إمامه بشرط أن يدرك معه ركعة وإلا بطلت صلاته ، لأنه سنة ، وتكبيرات العيد ؛ لأنها سنة . ويتابع المقتدي إمامه في ترك الجلوس الأول ، والعودة له قبل أن يفارق الأرض بيديه وركبتيه ، كما يتابعه في ترك سجود التلاوة إن تركه . وتبطل الصلاة إن ترك الإمام السلام ، ولو أتى به المأموم لأنه رکن لابد منه لكل مصلٍ . وقال الشافعية(١) : تجب المتابعة في أفعال الصلاة لا في أقوالها ، بأن يتأخر ابتداء فعل المأموم (١) مغني المحتاج: ١ / ٢٥٥ وما بعدها، الحضرمية: ص ٧١، المهذب: ١ / ٩٦ . - ٢٣٧ _ عن ابتداء فعل الإمام ، ويتقدم ابتداء فعل المأموم على فراغ الإمام من الفعل ، وتندب المتابعة في الأقوال، لما في الصحيحين: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به))، فإن قارنه في فعل أو قول ، لم يضرأي لم يأثم ؛ لأن القدوة منتظمة لا مخالفة فيها ، بل هي مكروهة ومفوّتة لفضيلة الجماعة ، لارتكاربه المكروه . إلا تكبيرة الإحرام ، فإن قارن المأموم الإمام فيها ، بطلت . وكذا تبطل الصلاة إن تقدم المأموم على إمامه أو تأخر بركنين فعليين بلاعذر أي أنه يشترط تيقن تأخر جميع تكبيرته للإحرام عن جميع تكبيرة إمامه ، وألا يتقدم أو يتأخر عن إمامه بركنين فعليين لغير عذر وألا يتقدم سلامه عن سلام الإمام . ١٠ وعلى هذا لا تبطل الصلاة إن قارنه في غير التحرم ، أو تقدم عليه بركن فعلي ، أو تأخر عنه به ، في الأصح ، لكن المقارنة في السلام مكروهة فقط ، والسلام قبل الإمام مبطل للصلاة ، وإن سبق الإمام بركنين فعليين بلا عذر كأن سجد والإمام في القراءة ، بطلت الصلاة , ولا يضر السبق بركنين غير فعليين كتشهد وصلاة على النبي صَ لّه، ولكن يكره بلا عذر، ولا يضر السبق بركنين أحدهما قولي والآخر فعلي كقراءة الفاتحة والركوع ولكن يحرم الركن الفعلي . فيحرم على المقتدي تقدمه على الإمام بركن فعلي تام ، كأن ركع أو رفع والإمام قائم، للخبر الصحيح: (( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار))(١) . وإن تخلف المقتدي عن الإمام بعذر كبطء قراءة بلا وسوسة ، واشتغال الموافق بدعاء الافتتاح أو ركع إمامه، فشك في الفاتحة ، أو تذكر تركها ، أو (١) متفق عليه . - ٢٣٨ - أسرع الإمام قراءته ، عذر إلى ثلاثة أركان طويلة ، كما بينا في بحث الموافق ، فإن زاد ، فالأصح يتبعه فيما هو فيه ، ثم يتدارك بعد سلام الإمام . وقال الحنابلة (١) : المتابعة : ألا يسبق المأموم إمامه بفعل من أفعال الصلاة ، أو بتكبيرة الإحرام أو بالسلام ، وألا يتخلف عنه بفعل من الأفعال . ويستحب أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعد فراغ الإمام مما كان فيه، للحديث السابق: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به ... )). فإن سبقه بالركوع عمداً بأن ركع ورفع قبل ركوع الإمام ، بطلت صلاته . وإن سبقه بركن غير الركوع كالهوي للسجود ، أو القيام للركعة التالية ، لم تبطل صلاته ، ولكن يجب عليه الرجوع ليأتي بما فعله بعد إمامه . أما إن فعل شيئاً من ذلك سهواً أو جهلاً ، فصلاته صحيحة ، لكن يجب عليه إعادة مافعله بعد إمامه . ويحرم سبق الإمام عمداً بشيء من أفعال الصلاة، للحديثين السابقين: ((إنما جعل الإمام .. )) ((أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه .. )) ولا يكره للمأموم سبق الإمام ولاموافقته بغير الإحرام والسلام ، كالقراءة والتسبيح والتشهد . وإن سبقه بركنين عمداً بطلت صلاته ، وإن سبقه سهواً لم تبطل لكنه يعيد ما أتى به ، فإن لم يعده ، ألغيت الركعة . ومقارنة المقتدي لإمامه في أفعال الصلاة مكروهة كالشافعية . وإن سبقه أو ساواه في تكبيرة الإحرام ، بطلت صلاته ، عمداً أو سهواً . (١) كشاف القناع: ١ / ٥٤٦ - ٥٤٩ . - ٢٣٩ - وإن سبقه في السلام عمداً بطلت صلاته ، وإن كان سهواً ، أتى به بعد سلام إمامه ، وإلا بطلت صلاته . ولو تأخر المقتدي عن إمامه بركن عمداً : فإن كان الركن ركوعاً ، بطلت صلاته ، وإن كان غير الركوع أو كان التأخر سهواً أو جهلاً ، وجب عليه الإتيان به ، مالم يخف فوات الركعة التالية ، فإن خاف ذلك ، تابع الإمام ، ولغت الركعة ، وعليه الإتيان بها بعد سلام إمامه . ولو كان التأخر عن الإمام بركنين عمداً ، بطلت صلاته ، وإن كان سهواً وجب عليه الإتيان بها إذا لم يخف فوات الركعة التالية ، وإلا ألغيت الركعة ، وأتى بها بعد سلام الإمام . وإن تخلف المأموم عن إمامه بركن بلا عذر فهو كتفصيل حكم السبق به ، وإن تخلف عنه بعذر من نوم أو غفلة ونحوهما ، فعله ولحق بإمامه وجوباً ، وإن لم يأت به ، لم تصح الركعة ، ويأتي بها بعد سلام الإمام . ولو سبق الإمام المأموم بالقراءة ، وركع الإمام ، تبعه المأموم وقطع القراءة ، لأنها في حقه مستحبة ، والمتابعة واجبة، ولا تعارض بين واجب ومستحب . أما التشهد : فإن سبق به الإمام ، أتمه المأموم ، ثم سلم ، لعموم الأوامر بالتشهد . والخلاصة : أن المقارنة مع تكبيرة الإمام جائزة عند الحنفية والحنابلة ، مبطلة للصلاة عند المالكية والشافعية ، كما أن السبق بها مبطل اتفاقاً ، أما من رفع رأسه قبل الإمام ، فقد أساء عند الجمهور ( منهم أئمة المذاهب ) ولكن صلاته جائزة ، وأنه يجب عليه أن يرجع ، فيتبع الإمام . ٦ - اشترط الشافعية أيضاً: الموافقة للإمام في سنة تفحش المخالفة بها ، - ٢٤٠ _