النص المفهرس

صفحات 181-200

-
بعده ، أو صلى شافعي خلف حنفي لمس امرأة مثلاً ، فصلاة المأموم باطلة ؛ لأنه
يرى بطلان صلاة إمامه .
وزاد الحنفية(١) أنه تكره الصلاة خلف شافعي . وقال الشافعية(٢): الأفضل
الصلاة خلف إمام شافعي ، لاحنفي أو غيره ممن لا يعتقد وجوب بعض الأركان
والشروط ، وإن علم الإتيان بها ؛ لأنه مع ذلك لا يعتقد وجوب بعض الأركان .
وقال المالكية والحنابلة(٣): ما كان شرطاً في صحة الصلاة ، فالعبرة فيه بمذهب
الإمام فقط ، فلو اقتدى مالكي أو حنبلي بجنفي أو شافعي لم يمسح جميع الرأس في
الوضوء ، لأنه شرط عند الأولين ، فصلاته صحيحة ، لصحة صلاة الإمام في
مذهبه .
وأما ما كان شرطاً في صحة الاقتداء ، فالعبرة فيه بمذهب المأموم ، فلو اقتدى
مالكي أو حنبلي في صلاة فرض بشافعي يصلي نفلاً ، فصلاته باطلة ، لأن صلاة
المفترض بالمتنفل باطلة عند المالكية والحنابلة ، وشرط الاقتداء : اتحاد صلاة
الإمام والمأموم .
وأرى لزوم الأخذ بمذهبي المالكية والحنابلة في الشق الأول ، لأنه الأصح
منطقاً ، وتكون الصلاة خلف المخالفين في الفروع المذهبية صحيحة غير
مكروهة ؛ إذ العبرة بمذهب الإمام ؛ لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يزل
بعضهم يأتم ببعض مع اختلافهم في الفروع ، فكان ذلك إجماعاً ، وبه تنتهي آثار
العصبية المذهبية .
(١) الدر المختار: ١ / ٥٢٦.
(٢) الحضرمية : ص ٦٤ .
(٣) الشرح الصغير: ١ / ٤٤٤، المغني: ٢ / ١٩٠، كشاف القناع: ١ / ٥٥٧، ٥٦٣.
- ١٨١ -

١١ - اشترط الحنابلة أن يكون الإمام عدلاً، فلاتصح إمامة الفاسق(١)
ولو بمثله ، فلو صلى شخص خلف الفاسق ، ثم علم بفسقه ، وجبت عليه إعادة
الصلاة ، إلا في صلاة الجمعة والعيدين ، فإنها تصحان خلف الفاسق إن لم تتيسر
الصلاة خلف عدل .
واشترط المالكية : أن يكون الإمام سليماً من الفسق المتعلق بالصلاة ، كأن
يتهاون في شرائطها أو فرائضها ، كمن يصلي بلاوضوء أو يترك قراءة الفاتحة . أما
إن كان الفسق لا يتعلق بالصلاة كالزاني ، أو شارب الخمر ، فتصح إمامته مع
الكراهة على الراجح .
١٢ - اشترط المالكية والحنفية والحنابلة : ألا يكون الإمام معيداً
صلاته لتحصيل فضيلة الجماعة ، فلا يصح اقتداء مفترض بمعيد ؛ لأن صلاة
المعيد نفل ولا يصح فرض وراء نفل ، وأن يكون الإمام عالماً بكيفية الصلاة على
الوجه الذي تصح به ، وعالماً بكيفية شرائطها ، كالوضوء والغسل على الوجه
الصيح ، وإن لم يميز الأركان من غيرها .
ثالثاً - الأحق بالإمامة :
أحق الناس بالإمامة في ظروفنا الحاضرة : هو الأفقه الأعلم بأحكام الصلاة ،
وهذا هو المفهوم فقهاً ، إلا أن الفقهاء ذكروا ترتيباً يحسن بيانه في كل مذهب على
حدة .
مذهب الحنفية(٢): الأحق بالإمامة : الأعلم بأحكام الصلاة فقط صحة
(١) الفاسق : هو من اقترف كبيرة ، أو داوم على صغيرة .
(٢) الدر المختار: ١ / ٥٢٠ - ٥٢٢، فتح القدير: ١ / ٢٤٥ - ٢٤٨، الكتاب مع اللباب: ١ / ٨١ ومابعدها،
البدائع : ١ / ١٥٧ ومابعدها .
- ١٨٢ -

وفساداً بشرط اجتنابه للفواحش الظاهرة ، وحفظه من القرآن قدر فرض : أي
ماتجوز به الصلاة .
ثم الأحسن تلاوة وتجويدا للقراءة، لقوله م القلم: ((يؤم القوم أقرؤهم
لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء ، فأعلمهم بالسنة .. ))(١) .
ثم الأورع أي الأكثر اتقاء للشبهات ، والتقوى : اتقاء المحرمات ، لقوله عليه
السلام: (( إن سركم أن تقبل صلاتكم، فليؤمكم علماؤكم ، فإنهم وفدكم فيما بينكم
وبین ربكم )»(٢) .
ثم الأسن : أي أكبرهم سناً ؛ لأنه أكثر خشوعاً ولأن في تقديمه تكثير الجماعة ،
لقوله عليه السلام لابن أبي مليكة: (( وليؤمكما أكبركما))(٣).
ثم الأحسن خلقاً ( إلفة بالناس ) ، ثم الأحسن وجهاً ( أي أكثرهم تهجداً ) ،
ثم الأشرف نسباً ، ثم الأنظف ثوباً .
فإن استووا في ذلك كله يُفْرَع بينهم، أو الخيار إلى القوم ، وإن اختلفوا
اعتبر الأكثر .
فإن كان بينهم سلطان ، فالسلطان مقدّم ، ثم الأمير، ثم القاضي ، ثم
صاحب المنزل، ولو مستأجراً، لقوله مَاللّه: ((من زار قوماً فلا يؤمهم ، وليؤمَّهم
رجل منهم )) (٤) . ويقدم القاضي على إمام المسجد .
وعلى هذا يقدم السلطان أو القاضي ، فإن لم يوجد أحدهما يقدم صاحب
(١) رواه الجماعة إلا البخاري من حديث أبي مسعود الأنصاري (نصب الراية: ٢ / ٢٤).
(٢) رواه الطبراني في معجمه، والحاكم إلا أنه قال: (( فليؤمكم خیاركم )» وسكت عنه ، من حديث أبي مرثد
الغنوي ( المصدر السابق : ص ٢٦ ) .
(٣) أخرجه الأئمة الستة عن مالك بن الحويرث ( المصدر السابق: ص ٢٦ ).
(٤) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن مالك بن الحويرث ( نيل الأوطار: ٣ /١٥٩٠).
- ١٨٣ -
٠٠

البيت ، ومثله إمام المسجد الراتب ، فهذا أولى بالإمامة من غيره مطلقاً .
مذهب المالكية(١): يندب تقديم سلطان أو نائبه ولو بمسجد له إمام
راتب ، ثم الإمام الراتب في المسجد ، ثم رب المنزل فيه ، ويقدم المستأجر على
المالك ؛ لأنه مالك لمنافعه . وإن كان صاحب المنزل امرأة أنابت من يصلح
للإمامة ؛ لأن إمامتها لاتصح ، والأولى لها استخلاف الأفضل .
ثم الأفقه ( الأعلم بأحكام الصلاة ) ، ثم الأعلم بالسنة أو الحديث حفظاً
ورواية ، ثم الأقرأ : أي الأدرى بطرق القرآن أو بالقراءة والأمكن من غيره في
مخارج الحروف ، ثم الأعبد : أي الأكثر عبادة من صوم وصلاة وغيرهما ، ثم الأقدم
إسلاماً ، ثم الأرقى نسباً كالقرشي ، ومعلوم النسب يقدم على مجهوله ، ثم الأحسن
خلقاً ، ثم الأحسن لباساً، أي الأجمل وهو لابس الجديد المباح غير الحرير،
واللباس الحسن شرعاً : هو البياض خاصة ، جديداً أو لا . فإن تساووا قدم
الأورع (٢) والزاهد والحر على غيرهم ، ويقدم الأعدل على مجهول الحال ، والأب
على الابن ، والعم على ابن أخيه ، فإن تساووا في كل شيء ، أقرع بينهم ، إلا إذا
رضوا بتقديم أحدهم .
مذهب الشافعية(٣): أحق الناس بالإمامة : الوالي في محل ولايته ،
لقوله ◌َّ: «لا يُؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه ، ولا يقعد في بيته على تكرمته
إلا بإذنه))(٤). قال الشوكاني : والظاهر أن المراد به السلطان الذي إليه ولاية أمور
(١) الشرح الصغير: ١ / ٤٥٤ - ٤٥٧، بداية المجتهد: ١ / ١٣٩، القوانين الفقهية: ص ٦٨، الشرح الكبير:
١/ ٣٤٢ - ٣٤٥ .
(٢) هو التارك للشبهات خوف الوقوع في المحرمات .
(٣) المهذب: ١ / ٩٨ - ٩٩، مغني المحتاج: ١ / ٢٤٢ - ٢٤٤، الحضرمية: ص ٧٢ - ٧٣ .
(٤) رواه أحمد ومسلم، وفي رواية أبي داود: ((ولا يؤم الرجل في بيته ولافي سلطانه )) ورواية سعيد بن منصور
(( لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه ... )) (نيل الأوطار: ٣ / ١٥٧).
- ١٨٤ -

i
الناس لاصاحب البيت ونحوه . فيتقدم أو يقدم غيره ولو في ملك غيره ، ولو
كان غيره أكثر منه قرآناً وفقهاً وورعاً وفضلاً ، فالوالي في محل ولايته أولى من
الأفقه والمالك .
ثم الإمام الراتب ، ثم الساكن بحق إن كان أهلاً لها (ومالك المنفعة أولى
بالإمامة من الأفقه ، والأصح تقديم المكتري على المكري ، والمعير على المستعير ) ،
فإن لم يكن أهلاً فله التقديم .
ثم يقدم الأفقه ، فالأقرأ ، فالأورع ، فالأقدم هجرة ، ثم الأسبق إسلاماً ،
فالأفضل نسباً ، فالأحسن سيرة ، فالأنظف ثوباً ، ثم نظيف البدن ، ثم طيّب
الصَّنْعة ، ثم الأحسن صوتاً ، فالأحسن صورة ، أي وجهاً ، فالمتزوج .
فإن استووا في جميع ماذكر وتنازعوا ، أقرع بينهم ، والعدل أولى من الفاسق
( وإن كان أفقه أو أقرأ ) ، والبالغ أولى من الصبي (وإن كان أفقه أو أقرأ ) ،
والحر أولى من العبد ، والمقيم أولى من المسافر ، وولد الحلال أولى من ولد الزنا ،
والأعمى مثل البصير ؛ لأن الأعمى لا ينظر إلى ما يشغله فهو أخشع ، والبصير
ينظر إلى الخبث فهو أحفظ لتجنبه .
مذهب الحنابلة(١): الأولى بالإمامة الأجود قراءة الأفقه ، لحديث أبي
سعيد الخدري: ((إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم))(٢)،
وقدم النبي ◌َ التّ أبا بكر لأنه كان حافظاً للقرآن وكان مع ذلك من أفقه الصحابة
رضي الله عنهم . ومذهب أحمد تقديم القارئ على الفقيه ، لحديث أبي مسعود
السابق: (( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله))، وهذا خلاف مذاهب الأئمة
الآخرين ، فإنه يقدم عندهم الأفقه كما بينا ، لأن الأقرأ من الصحابة كان هو
(١) المغني: ٢ / ١٨١ - ١٨٥، كشاف القناع: ١ / ٥٥٤ - ٥٥٦ .
(٢) رواه مسلم، وروى أبو داود عن ابن عباس مرفوعاً: ((ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم أقرؤكم ».
- ١٨٥ -

الأفقه ضرورة ، بخلاف ماعليه الناس اليوم ، ولأن الحاجة إلى الفقه في الإمامة
أمس من الحاجة إلى القراءة .
ثم الأجود قراءة الفقيه ، ثم الأجود قراءة فقط ، وإن لم يكن فقيهاً ، إذا كان
يعلم أحكام الصلاة وما يحتاجه فيها ، ثم الأفقه والأعلم بأحكام الصلاة ، ويقدم
قارئ لا يعلم فقه صلاته على فقيه أمي لا يحسن الفاتحة ؛ لأنها ركن في الصلاة ،
بخلاف معرفة أحكامها ، فإن استووا في عدم القراءة قدم الأعلم بأحكام الصلاة .
فإن استووا في القراءة والفقه ، قدم أكبرهم سناً ، لحديث مالك بن الحويرث
المتقدم: ((وليؤمكم أكبركم ))، ثم الأشرف نسباً : وهو من كان قرشياً ، قياساً على
الإمامة الكبرى، لقوله مُ لّ ((الأئمة من قريش))(١)، ثم الأقدم هجرة بسبقه إلى
دار الإسلام مسلماً(٢)، ومثله الأسبق إسلاماً، لحديث أبي مسعود المتقدم: ((فإن
كانوا في الهجرة سواء ، فأقدمهم مسلماً )) أي إسلاماً .
ثم الأتقى والأورع لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم ).
فإن استووا فيما تقدم أقرع بينهم .
ويقدم السلطان مطلقاً على غيره ، كما يقدم في المسجد الإمام الراتب ، وفي
البيت صاحبه إن كان صالحاً للإمامة .
رابعاً - من تكره إمامته ومكروهات الإمامة :
تكره إمامة بعض الأشخاص الآتية(٣) وهم :
(١) رواه أحمد والنسائي والضياء عن أنس (الفتح الكبير: ١ /٥٠٤) ويؤيده حديث ((قدموا قريشاً
ولا تقدموها )) رواه الشافعي والبيهقي عن الزهري بلاغاً ، وابن عدي عن أبي هريرة ، والبزار عن علي ، والطبراني عن
عبد الله بن السائب ، بأسانيد صحيحة ( الجامع الصغير) .
(٢) وعلم منه بقاء حكم الهجرة .
(٣) الدر المختار: ١ / ٥٢٢ - ٥٣١، مراقي الفلاح: ص ٤٩، فتح القدير: ١ / ٢٤٧ - ٢٤٩، البدائع: ١ / ١٥٦ =
- ١٨٦ -

اً - الفاسق العالم ، ولو لمثله عند المالكية والشافعية والحنابلة، لعدم اهتمامه
بالدين . واستثنى الحنابلة صلاة الجمعة والعيد ، فتصح إمامته للضرورة ، وأجاز
الحنفية إمامته لمثله. ودليل الكراهة ماروى ابن ماجه عن جابر عن النبي مح له
قال: ((لا تؤمّنَّ امرأة رجلاً ، ولا أعرابي مهاجراً ، ولا يؤمن فاجر مؤمناً إلا أن
يقهره بسلطان يخاف سيفه أو سوطه )) .
وإنما صحت إمامته ، لما روى الشيخان : أن ابن عمر كان يصلي خلف
الحجاج ، وروي: « صلوا خلف كل بر وفاجر))(١) .
٢ - المبتدع الذي لا يكفر ببدعته : كالفاسق ، بل أولى. والمبتدع: صاحب
البدعة: وهي اعتقاد خلاف المعروف عن الرسول ◌َّ الِ ، لابمعاندة ، بل بنوع
شبهة ، كمسح الشيعة على الرجلين ، وإنكارهم المسح على الخفين ونحو ذلك .
ويلاحظ : أن كل من كان من أهل قبلتنا لا يكفر بالبدعة المبنية على
شبهة ، حتى الخوارج الذين يستحلون دماءنا وأموالنا وسب الرسول صل اته ،
وينكرون صفاته تعالى ، وجواز رؤيته ، لكونه عن تأويل وشبهة ، بدليل قبول
شهادتهم .
فإن أنكر المبتدع بعض ما علم من الدين بالضرورة ( البداهة ) كفر،
كقوله : إن الله تعالى جسم كالأجسام ، وإنكاره صحبة الرسول عليه السلام
الصديق ، لما فيه من تكذيب قوله تعالى: ﴿ إذ يقول لصاحبه) ، فلا يصح
الاقتداء به أصلاً .
= وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٤٣٩ - ٤٤٩، القوانين الفقهية: ص ٦٧، ٦٩، مغني المحتاج: ١ / ٢٣٢، ٢٤٢،
المغني: ٢ / ١٩٣ - ١٩٨، ٢٠٩ - ٢١١، كشاف القناع: ١ / ٥٤٩، و٥٦٦ - ٥٧١، ٥٨١، الحضرمية: ص ٧٠.
(١) أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة، وهو حديث منقطع، ولله الحمد ، وروى ابن ماجه عن واثلة بن
الأسقع: (( لا تكفروا أهل ملتكم ، وإن عملوا الكبائر، وصلوا مع كل إمام ، وجاهدوا مع كل أمير، وصلوا على كل
ميت من أهل القبلة)) وفيه مجهول ( نصب الراية: ٢ / ٢٦ - ٢٧ ، نيل الأوطار: ٣ / ١٦٢).
- ١٨٧ -

٣ - الأعمى: تكره إمامته تنزيهاً عند الحنفية والمالكية والحنابلة ، لأنه
لا يتوقى النجاسة ، واستثنى الحنفية حالة كونه أعلم القوم ، فهو أولى .
وأجاز الشافعية إمامته بدون كراهة ، فهو كالبصير ، إذ الأعمى أخشع ،
والبصير يتجنب النجاسة ، ففي كلٍ مزية ليست في الآخر ، وتصح إمامته عند
الكل ؛ لأن الصحيح عن ابن عباس: أنه كان يؤم وهو أعمى. وقال أنس: ((إن
النبي ◌ُّ استخلف ابن أم مكتوم، يؤم الناس، وهو أعمى))(١)، ولأن العمى
فقد حاسة لا يخل بشيء من أفعال الصلاة ولا بشروطها ، فأشبه فقد الشم .
والأعشى وهو سيء البصر ليلاً ونهاراً كالأعمى ، والأصم كالأعمى عند الحنابلة ،
الأولى صحة إمامته . وكذلك أقطع اليدين تصح إمامته في رواية اختارها القاضي
أبو يعلى ، وفي رواية مرجوحة: لاتصح إمامته . ولا يصح الائتمام بأقطع
الرجلين .
٤ - أن يؤم قوماً هم له كارهون : والكراهة تحريمية عند الحنفية ، لحديث :
(( لا يقبل الله صلاة من تقدم قوماً، وهم له كارهون))(٢) .
ه ـ يكره تطويل الصلاة على القوم تطويلاً زائداً على قدر السنة في قراءة
وأذكار ، والكراهة تحريمية عند الحنفية ، سواء رضي القوم أم لا .
واستثنى الشافعية والحنابلة : حالة الرضا بالتطويل من جماعة محصورين
فإنه تستحب الإطالة ، لزوال علة الكراهة ، وهي التنفير .
ودليل كراهة التطويل: أحاديث: منها حديث أبي هريرة أن النبي محمد له
(١) رواه أبو داود وأحمد (نيل الأوطار: ٣ / ١٦٠) وروى البخاري والنسائي أن عتبة بن مالك كان يؤم
قومه ، وهو أعمى ( المصدر السابق ) .
(٢) رواه أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو، وروى الترمذي عن أبي أمامة: ((ثلاثة لاتجاوز صلاتهم
آذانهم، منهم: وإمام قوم وهم له كارهون)) ( نيل الأوطار: ٣ / ١٧٦ ).
- ١٨٨ -

قال: (( إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف ، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير ،
فإذا صلى لنفسه ، فليطوّل ماشاء))(١) وعن أبي مسعود الأنصاري وعقبة بن عامر
قالا: ((جاء رجل إلى النبي معَّ ، فقال : إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل
فلان ، مما يطيل بنا ، قال : فما رأيت النبي ◌ُّ لّ غضب في موعظة قط أشد مما
غضب يومئذ ، فقال : ياأيها الناس ، إن منكم منفّرين ، فأيكم أم بالناس
فليوجز ، فإن فيهم الضعيف ، والكبير ، وذا الحاجة))(٢) ومعناه أن يقتصر على
أدنى الكمال من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة .
٦ - انتظار الداخل: قال الجمهور غير الشافعية(٣): يكره للإمام انتظار
الداخل لأن انتظاره تشريك في العبادة ، فلا يشرع كالرياء ، ودفعاً للمشقة عن
المصلين ؛ لأنه يبعد أن يكون فيهم من لا يشق عليه ، والذين مع الإمام أعظم
حرمة من الداخل ، فلا يشق على من معه لنفع الداخل .
وقال الشافعية(٤): يستحب على المذهب للإمام والمنفرد انتظار الداخل لمحل
الصلاة مريداً الاقتداء به في الركوع غير الثاني من صلاة الكسوف ، وفي التشهد
الأخير من صلاة تشرع فيها الجماعة ، بشرط ألا يطول الانتظار بحيث لو وزع
على جميع الصلاة لظهر أثره ، ولا يميز بين الداخلين لصداقة أو شرف أو سيادة
ونحو ذلك ، للإعانة على إدراك الركعة ، أو إدراك فضل الجماعة . وقد ثبت أن
النبي ◌ُ ◌ّ كان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم ، ولأن منتظر الصلاة
(١) رواه الجماعة، وروى أحمد والشيخان عن أنس حديثين في تخفيف النبي عَ ل صلاته (نيل الأوطار: ٣ /
١٣٧، نصب الراية: ٢ / ٢٩).
(٢) متفق عليه، وروى البخاري ومسلم مثله عن معاذ: ((يامعاذ، لاتكن فتاناً، فإنه يصلي وراءك الكبير
والضعيف وذو الحاجة والمسافر)» (نصب الراية: ٢ / ٢٩ - ٣٠).
(٣) الشرح الصغير: ٤٣٢/١، القوانين الفقهية: ص ٦٩، كشاف القناع: ٥٥/١، المغني: ٢٣٦/٢ .
(٤) الحضرمية: ص ٦٥، المغني، المكان السابق، مغني المحتاج: ٢٣٢/١.
- ١٨٩ -

في صلاة، وقد كان النبي ◌َ ◌ّم ينتظر الجماعة ، وشرع الانتظار في صلاة الخوف
لتدركه الطائفة الثانية .
ووافق ابن قدامة الحنبلي الشافعية ، وقال القاضي من الحنابلة : الانتظار
جائز غير مستحب ، وإنما ينتظر من كان ذا حرمة ، كأهل العلم ونظرائهم من
أهل الفضل .
٧ - تكره إمامة اللحان (كثير اللحن ) الذي لا يحيل المعنى كجر دال
((الحمد)) ونصب هاء ((الله)) ونصب باء ((الرب)) ونحوه من الفاتحة، وتصح
صلاته بمن لا يلحن ؛ لأنه أتى بفرض القراءة .
٨ - تكره إمامة من لا يفصح ببعض الحروف كالضاد والقاف ، وتصح
إمامته، سواء أكان أعجمياً أم عربياً. وتكره عند الجمهور غير الحنفية كما بينا:
إمامة التتام ( وهو من يكرر التاء ) والفأفاء ( وهو من يكرر الفاء ) ، وتصح
الصلاة خلفهما ؛ لأنها يأتيان بالحروف على الكمال ، ويزيدان زيادة ، وهما
مغلوبان عليها ، فعفي عنها ، ويكره تقديمهما لهذه الزيادة .
٩ - تكره إمامة الأعرابي (وهو ساكن البادية) لغيره من أهل الحاضرة ولو
بسفر لالمثله . وذكر الحنفية أن التركان والأكراد والعامي كالأعرابي ، لما فيه من
الجفاء والإمام شافع ، فينبغي أن يكون ذا لين ورحمة ، وبسبب الجهل ، وإمامة
الجاهل سواء أكان بدوياً أم حضرياً مكروهة مع وجود العالم. وقال الحنابلة : لا بأس
بالصلاة وراء الأعرابي إذا صلح دينه.
.١ - يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين بقدر ذراع فأكثر ، سواء أراد
تعليهم الصلاة أو لم يرد ، لحديث حذيفة وأبي مسعود أن رسول الله صَ لّم قال :
- ١٩٠ -

((إذا أم الرجل القوم ، فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم))(١) وكان ابن مسعود
ينهى عن ذلك . ويكره أيضاً عند الحنفية والمالكية والشافعية ارتفاع المقتدين
عن مكان الإمام بقدر ذراع أيضاً ،. وتتقيد الكراهة عندهم بما إذا لم يكن في
الحالتين مع الإمام في موقفه واحد على الأقل من المقتدين ، فإن وجد معه واحد
فأكثر لم يكره ، واستثنى المالكية من ذلك صلاة الجمعة فإنها على سطح المسجد
باطلة ، كما استثنوا مع الشافعية العلو لأجل ضرورة أو حاجة أو قصد تعليم
للمأمومين كيفية الصلاة ، فيجوز وبطلت صلاة الإمام والمأموم إن قصد بعلوه
الكبر ، لمنافاته الصلاة .
وتختص الكراهة عند الحنابلة بمن هو أسفل من الإمام ، لابمن يساويه أو هو
أعلى منه ؛ لأن المعنى وجد بمن هو أسفل دون غيرهم .
ولا بأس عند الحنابلة والمالكية بالعلو اليسير مثل درجة المنبر أي حوالي الشبر
أو الذراع ، كما استثنى المالكية العلو لضرورة كتعليم الناس الصلاة ، لحديث سهل
أن النبي ◌ُّ صلَّى على الدرجة السفلى من المنبر(١).
راً - تكره الصلاة عند غير الحنابلة خلف ولد الزنا إن وجد غيره يؤم
الناس ؛ إذ ليس له أب يربيه ويؤدبه ويعلمه ، فيغلب عليه الجهل ، ولنفرة
الناس عنه . وقيد الحنفية كراهة إمامته بحالة كونه جاهلاً ، إذ لو كان عالماً تقياً
لاتكره إمامته ؛ لأن الكراهة للنقائص لالذاته ، كما قيد المالكية كراهة إمامته فيما
إذا جعل إماماً راتباً ، وأجاز الشافعية إمامته لمثله .
(١) رواهما أبو داود ( نيل الأوطار: ٣ / ١٩٣).
(٢) متفق عليه ( المصدر السابق ) .
- ١٩١ -

مكروهات الإمامة في المذاهب :
مذهب الحنفية(١) :
يكره تنزيهاً إمامة الأمرد الصبيح الوجه ، وإن كان أعلم القوم ، إن كان
يخشى من إمامته الفتنة والشهوة ، وإلا فلا كراهة على الأظهر . وتكره إمامة
السفيه ( وهو الذي لا يحسن التصرف على مقتضى الشرع أو العقل ) والمفلوج ،
والأبرص الذي انتشر برصه ، والمجذوم ، والمجبوب ، والحاقن بالبول ، والأعرج
الذي يقوم ببعض قدمه ، ومقطوع اليد، وشارب الخمر(٢) ، وآكل الربا، والنمام:
( وهو من ينقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد ، والنميمة من الكبائر ، ويحرم
على الإنسان قبولها ) ، والمرائي : ( وهو من يقصد أن يراه الناس ، سواء تكلف
تحسين الطاعات أو لا ) والمتصنع : ( من يتكلف تحسين الطاعات ) . ومن أمّ
الناس بأجر إلا إذا شرط الواقف له أجراً ، فلاتكره إمامته ؛ لأنه يأخذه كصدقة
ومعونة . ويكره تنزيها قيام الإمام الراتب في غير المحراب إذا أم جماعة كثيرة ،
لئلا يلزم عدم قيامه في الوسط ، فلو لم يلزم ذلك لا يكره .
ويكره تحريماً جماعة النساء ، كما بينا سابقاً.
مذهب المالكية (٣) :
تكره إمامة ذي سلس كبول ونحوه ، وذي قَرْح أي دمل سائل لصحيح ،
ومثلهما كل من تلبس بنجاسة معفو عنها لسالم منها ، لالمثله .
وكره إمامة أقلف أو أغلف ( غير المختون ) ، ومجهول أي لم يعلم حاله أهو
عدل أو فاسق ، ومثله مجهول النسب .
(١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٥٢٥ وما بعدها، و ٥٣١ .
(٢) هذا ومن ذكر بعده إلى المتصنع يدخل في صفة الفاسق .
(٣) الشرح الصغير : ١ / ٤٣٩ - ٤٤٩ .
- ١٩٢ -

وتكره إمامة بعض الأشخاص في حالة دون حالة :
يكره جعل الخصي ومن يتكسر في كلامه كالنساء وولد الزنا إماماً راتباً في
فرض أو سنة كعيد ، ولا يكره إذا لم يجعل إماماً راتباً .
وتكره الصلاة بين الأساطين أي الأعمدة ، وصلاة المأموم أمام أو قُدّام الإمام
بلاضرورة ، وإلا لم تكره .
ويكره اقتداء من بأسفل السفينة بمن بأعلاها ، لعدم تمكنهم من ملاحظة
الإمام ، وقد تدور ، فيختل عليهم أمر الصلاة ، بخلاف العكس أي اقتداء الأعلى
بالأسفل . كما يكره اقتداء من بأبي قبيس بمن يصلي بالمسجد الحرام ، وهو جبل
عال تجاه ركن الحجر الأسود، لعدم تمام التمكن من أفعال الإمام .
وكره صلاة رجل بين نساء وعكسه أي امرأة بين رجال .
وكره إمامة بمسجد بلارداء يلقيه الإمام على كتفيه ، بخلاف المأموم
والمنفرد ، فلا يكره لهما عدم الرداء ، بل هو خلاف الأولى ، مما يدل على أن الرداء
يندب لكل مصل ، والندب للإمام أوكد .
وكره تنفل الإمام بالمحراب ؛ لأنه لا يستحقه إلا حال كونه إماماً ، ولأنه قد
يوهم غيره أنه في صلاة فرض ، فيقتدي به .
وكره صلاة جماعة في المسجد قبل الإمام الراتب ، وحرم معه ، كما يكره
صلاة جماعة بعد صلاة الإمام الراتب ، وإن أذن لغيره في ذلك ، كما بينا سابقاً في
تكرار الجماعة .
وتجوز إمامة بعض الأشخاص مع كونها خلاف الأولى في كل ما يأتي :
فتجوز كما بينا إمامة الأعمى ، وإمامة مخالف في الفروع ، وإمامة ألكن :
الفقه الإسلامي جـ ٢ (١٣)
- ١٩٣ -

وهو من لايكاد يخرج بعض الحروف من مخارجها لعجمة أو غيرها ، مثل أن
يقلب الحاء هاء ، أو الراء لاماً ، أو الضاد دالاً.
وإمامة محدود لقذف أو شرب أو غيرهما ، وإمامة عنّين(١) ، وإمامة أقطع
يداً أو رجلاً ، وأشل ، على الراجح فيها ، ومجذوم ( أي من قام به داء الجذام )
لكن إن اشتد جذامه ، وجب تنحيته عن الإمامة ، بل عن الاجتماع بالناس .
وجاز إمامة صبي بمثله ، وجاز إسراع لإدراك الصلاة جماعة بلا خبب
( هرولة ) كما بينا .
وجاز بمسجد قتل عقرب وحية وفأرة . وجاز إحضار صبي شأنه لا يعبث ،
أو ينكف إذا نهي ، وإلا منع إحضاره .
وجاز البصق القليل في مسجد فيه حصباء أو تراب أو تحت حصيرة ، ويمنع
الكثير أو البصق في المسجد المبلَّط ، أو فوق الحصيرة ، أو على حائط المسجد
لتقذيره . ويندب البصق في الثوب ، وجهة اليسار أو تحت القدم اليسرى ، فإن
تعسر عليه ذلك بصق جهة يمينه ، فإن تعسر بصق أمامه .
وجاز كما بينا خروج امرأة متجالَّة ( لاأرب للرجال فيها ) لمسجد الجماعة
والعيد ونحوه ، على التفصيل السابق في خروج النساء للمساجد .
وجاز فصل مأموم عن إمامه بنهر صغير أو طريق أو زرع ، لا يمنع من رؤية
أفعال الإمام أو سماعه ، للأمن من الخلل في صلاته .
وجاز مع خلاف الأولى كما بينا علو مأموم على إمامه ولو بسطح في غير
جمعة ، لأن الجمعة لاتصح بسطح المسجد . ويكره علو إمام على مأموم إلا العلو
(١) وهو من له ذكر صغير لا يتأتى به الجماع ، أو من لا ينتشر ذكره .
- ١٩٤ -

اليسير أو لضرورة أو لقصد تعليم المأمومين كيفية الصلاة ، وبطلت الصلاة إن
قصد بالعلو الكبر .
وجاز التبليغ خلف الإمام واقتداء الناس بسبب سماع المبلّغ .
وجاز اقتداء برؤية الإمام أو المأموم ، وإن كان المأموم بدار مثلاً ، والإمام
بمسجد ، ولا يشترط إمكان التوصل إليه .
مذهب الشافعية(١) :
تكره إمامة المتغلب على الإمامة ولا يستحقها ، ومن لايتحرز عن النجاسة ،
ومن يحترف حرفة دنيئة كالحجام ، ومن يكرهه أكثر القوم لأمر مذموم كإكثار
الضحك ، ومجهول الأب وولد الزنا إلا لمثله ، كما بينا ، وتكره إمامة الأقلف ولو
بالغاً ، كما تكره إمامة الصبي ولو أفقه من البالغ ، كما ذكرنا ، وإمامة الفأفاء
والوأواء والتمتام واللاحن بما لم يغير المعنى كضم هاء ( لله ) ، وضم صاد الصراط ،
وهمزة ﴿ اهدنا﴾ ونحوه ، فإن لحن لحناً غيَّر المعنى كضم تاء ﴿ أنعمت ﴾ أو
كسرها أبطل صلاة من أمكنه التعلم ، فإن عجز لسانه أو لم يمض زمن إمكان
تعلمه : فإن كان في الفاتحة فهو كالأمي ولاتصح قدوة قارئ بأمي في الجديد ، أما
في غير الفاتحة ، كما إذا قرأ بجر اللام لرسوله في قوله تعالى: ﴿ إن الله بريء من
المشركين ورسوله) فتصح صلاته والقدوة به إذا كان عاجزاً ، أو جاهلاً لم يمض
زمن إمكان تعلمه ، أو ناسياً ؛ لأن الكلام اليسير بهذه الشروط لا يقدح في
الصلاة .
وتكره كما بينا إمامة مخالف في الفروع ، وارتفاع مكان الإمام عن مكان
المأموم وعكسه من غير حاجة كضيق المسجد . ولاتكره إمامة الأعمى .
(١) مغني المحتاج: ١ / ٢٣٩ - ٢٤١، الحضرمية: ص ٧٣ .
- ١٩٥ -

مذهب الحنابلة(١):
بينا أنه تكره عندهم إمامة الأعمى والأعشى والأصم، والأقلف ولو بالغاً(٢)،
ومقطوع اليدين أو إحداهما ، ولا تصح إمامة مقطوع الرجلين إلا بمثله ؛ لأنه
مأيوس من قيامه ، فلم تصح إمامته كالمريض الزمن ، وتصح على الأصح مع
الكراهة إمامة مقطوع الرجلين أو إحداهما الذي يمكنه القيام ؛ لأنه يسجد على
الباقي من رجله أو حائلها ، بأن يتخذ له رجلين من خشب أو نحوه .
وتكره إمامة مقطوع الأنف ومن تُضحك رؤيته أو صورته ، ومن اختلف
في صحة إمامته ، والموسوس في رأي لئلا يقتدي به عامي ، وظاهر كلامهم :
لا يكره .
وتكره كما ذكرنا إمامة الفأفاء والتمتام ، ومن لا يفصح ببعض الحروف
كالضاد والقاف ، واللحان الذي يلحن ولا يغير المعنى كجر دال ﴿ الحمد لله﴾ ،
وتصح صلاته بمن لا يلحن ؛ لأنه أتى بفرض القراءة .
ويكره كما بينا أيضا ارتفاع مكان الإمام عن المأموم ذراعاً فأكثر،
لا العكس فلاكراهة في ارتفاع مكان المأموم ، ولا يعيد الجمعة من يصليها فوق
سطح المسجد، روى الشافعي عن أبي هريرة: (( أنه صلى على ظهر المسجد بصلاة
الإمام )) ورواه سعيد بن منصور عن أنس . ويكره أن يؤم قوماً أكثرهم يكرهه
بحق ، لخلل في دينه أو فضله ، فإن كرهه نصفهم لم يكره ، والأولى ألا يؤمهم ،
إزالة لذلك الاختلاف ، ولا يكره الائتام به ؛ لأن الكراهة في حقه دونهم .
(١) المغني: ٢ / ١٩٣، ١٩٨، ٢٠٠، ٢٠٩، ٢٣٠ ومابعدها، كشاف القناع: ١ / ٥٥٦، ٥٦٨، ٥٧٠، ٥٨١ .
(٢) للاختلاف في صحة إمامته ، والنجاسة تحت القلفة بمحل لاتمكنه إزالتها منه: معفو عنها، لعدم إمكان
إزالتها ، ومثل هذه النجاسة لاتؤثر في صحة الصلاة .
- ١٩٦ -

م
وتكره إمامة الرجل للنساء الأجنبيات ، ولا رجل معهن ، لأنه ◌ُٹے (( نهى
أن يخلو الرجل بالأجنبية))(١) ولما فيه من مخالطة الوسواس . ولابأس أن يؤم
بذوات محارمه ، أو أجنبيات معهن رجل فأكثر ؛ لأن النساء كن يشهدن مع النبي
عافه الصلاة .
وتكره إمامة المفضول مع وجود الأفضل، لقوله نظافة: ((إذا أمَّ الرجل
القوم ، وفيهم من هو خير منه ، لم يزالوا في ستفال ))(٢) .
ولا بأس بإمامة ولد زنا ولقيط ، ومنفي بلعان ، وخصي ، وجندي ،
وأعرابي إذا سلم دينهم وصلحوا للإمامة، لعموم قوله عَ ل: ((يؤم القوم
أقرؤهم)»، وصلى السابقون خلف ابن زياد ، وهو ممن في نسبته نظر ، وقالت
عائشة: ((ليس عليه من وزر أبويه شيء)) قالت: قال تعالى: ﴿ولاتزر وازرة
وزر أخرى﴾ ، ولأن كلاّ منهم حر مرضي في دينه ، يصلح لها كغيره .
خامساً - متى تفسد صلاة الإمام دون المؤتم :
قال الحنفية(٣) : إن كان بالإمام حدث أو جنابة أو مفسد للصلاة سابق على
تكبيرة الإمام ، أو مقارن لتكبيرة المقتدي ، أو سابق عليها بعد تكبيرة الإمام ،
بطلت صلاة الإمام والمقتدي ، لتضمن صلاة الإمام صلاة المؤتم صحة وفساداً ، أي
أن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المقتدي ، فإذا صحت صلاة الإمام صحت صلاة
المقتدي ، إلا لمانع آخر ، وإذا فسدت صلاته فسدت صلاة المقتدي ؛ لأنه متى فسد
الشيء فسد ما في ضمنه . فمن اقتدى بإمام ثم علم المقتدي أن الإمام على غير وضوء ،
أعاد الصلاة اتفاقاً ، لظهور بطلانها .
(١) روى البخاري ومسلم عن ابن عباس: ((لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع
ذي محرم)) ( سبل السلام: ٢ / ١٨٣ ).
(٢) ذكره أحمد في رسالته ، والسفال : ضد العلو .
(٣) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٥٥٣ وما بعدها، ٥٦٧ ، الكتاب بشرح اللباب: ١ / ٨٤ .
- ١٩٧ -

أما لو طرأ المفسد أو خلل الشرط أو الركن ، فإن الصلاة تنعقد أولاً ثم
تبطل صلاة الإمام عند وجود الخلل أو الحدث مثلاً ، ولا يعيد المقتدي صلاته ،
كما لو ارتد الإمام ، أو سعى إلى الجمعة بعد ماصلى الظهر بجماعة فسدت صلاته
فقط . وكذا لو عاد إلى سجود التلاوة بعد ما تفرق المقتدون ، ولو سلم القوم قبل
الإمام ، بعدما قعد قدر التشهد ، ثم عرض له الحدث ، فإنها تبطل صلاته وحده .
وكذا لو سجد هو للسهو ولم يسجد القوم ، ثم عرض له الحدث ، تبطل صلاته
وحده . ١
ففي هذه المسائل تفسد صلاة الإمام ، وتصح صلاة المؤتم ، ولا تنتقض
القاعدة السابقة ( صلاة الإمام متضمنة لصلاة المؤتم ) بذلك ؛ لأن هذا الفساد
طارئ على صلاة الإمام بعد فراغ الإمامة ، فلا إمام ولامؤتم في الحقيقة .
وقال المالكية(١): إذا صلى الإمام بجنابة أو على غير وضوء ، بطلت صلاته
اتفاقاً في العمد والنسيان . وتبطل صلاة المأموم في العمد دون النسيان .
وقال الشافعية(٢): إذا بان الإمام امرأة أو كافراً، وجب على المقتدي إعادة
الصلاة ، لأنه مقصر بترك البحث عن الإمام الصالح ، ولعدم أهلية الإمام
للإمامة .
أما لو بان كون الإمام جنباً أو محدثاً أو ذا نجاسة خفية في ثوبه أو بدنه ،
فلاتجب على المقتدي إعادة الصلاة لانتفاء التقصير ، إلا في الجمعة إذا كان المصلون
مع الإمام أربعين فقط مع المحدث أو ذي النجاسة . وتجب الإعادة على المقتدي إذا
كانت النجاسة ظاهرة ، لتقصيره في هذه الحالة . والنجاسة الظاهرة : ماتكون
بحيث لو تأمَّلها المأموم لرآها . والخفية بخلافها .
(١) القوانين الفقهية: ص ٦٩ .
(٢) مغني المحتاج: ١ / ٢٤١ ، المهذب: ١ / ٩٧ .
- ١٩٨ -

وقال الحنابلة(١): إذا بان الإمام امرأة أو كافراً، وجبت إعادة الصلاة على
المؤتم كما قال الشافعية ، إذ تمتاز المرأة بالصوت والهيئة وغيرهما ، والكفر لا يخفى
غالباً ، فالجاهل بذلك مفرط .
ولا تصح إمامة محدث أو متنجس يعلم ذلك ؛ لأنه أخل بشرط الصلاة مع
القدرة ، فأشبه المتلاعب ، ويجب على المقتدي في حال علم الإمام بحدثه أو نجسه
أن يعيد صلاته ، وإن كان جاهلاً بحال الإمام . أما لو كان الإمام جاهلاً بالحدث
أو النجس ، وكذلك المأمومون يجهلون ذلك ، حتى قضوا الصلاة ، فتصح صلاة
المأموم وحده ، دون الإمام ، للحديث السابق: ((إذا صلى الجنب بالقوم أعاد
صلاته ، وتمت للقوم صلاتهم ))
O
وعليه إذا صلى الإمام بالجماعة محدثاً أو جنباً غير عالم بحدثه ، فلم يعلم هو
ولا المأمومون ، حتى فرغوا من الصلاة ، فصلاتهم صحيحة اتفاقاً وصلاة الإمام
باطلة .
سادساً - ما تفسد به صلاة الإمام والمأمومين :
تبين من الفقرة السابقة : أن العلماء اتفقوا على أنه إذا طرأ الحدث في الصلاة
على الإمام ، فتفسد صلاته ، وتظل صلاة المأمومين صحيحة .
أما لو صلى الإمام بالناس وهو جنب أو محدث ، وعلم بذلك المأمومون بعد
الصلاة ، فهل تفسد صلاتهم أم لا ؟ أجيب عنه في الفقرة السابقة(٢) وموجزه
ما يأتي : فقال الحنفية : صلاتهم فاسدة مطلقاً .
وقال المالكية : تبطل صلاتهم في حال العمد دون النسيان .
(١) كشاف القناع: ١ / ٥٥٩، ٥٦٤، ٥٦٥، المغني: ٢ / ٩٩.
(٢) بداية المجتهد : ١ / ١٥٠ ومابعدها .
- ١٩٩ -

وقال الشافعية والحنابلة : صلاتهم صحيحة ، إلا في الجمعة إذا كان المصلون
مع الإمام أربعين فقط ، فتفسد حينئذ .
وسبب الاختلاف : هل صحة انعقاد صلاة المأموم مرتبطة بصحة صلاة
الإمام ، أم ليست مرتبطة ؟
فمن رآها مرتبطة وهم الحنفية ، قال : صلاتهم فاسدة .
ومن رآها غير مرتبطة وهم الشافعية والحنابلة ، قال : صلاتهم صحيحة .
ومن فرق بين السهو والعمد ، وهم المالكية ، أخذ بظاهر الأثر الآتي : عن
أبي بكرة: ((أن النبي ◌ُّ استفتح، فكبّر ثم أومأ إليهم: أن مكانكم، ثم دخل ،
ثم خرج ورأسه يقطر ، فصلى بهم ، فلما قضى الصلاة ، قال: إنما أنا بشر مثلكم ،
وإني كنت جُنُبًا)) (١) فظاهر هذا أنهم بنوا على صلاتهم .
ورأى الشافعية والحنابلة أنه لو كانت الصلاة مرتبطة ، للزم أن يبدءوا
بالصلاة مرة ثانية .
ـتبـ
سابعاً - ما يحمله الإمام عن المأموم :
يتحمل الإمام سهو المأموم ، واتفق الفقهاء على أنه لا يحمل الإمام من فرائض
الصلاة شيئاً عن المأموم ماعدا القراءة ، فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال (٢):
أحدها - المالكية والحنابلة : أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسر فيه ، ولا يقرأ
معه فيما جهر به . وكذلك يقرأ عند الحنابلة في الجهرية إذا لم يسمع ، ولا يقرأ إذا
(٣)
.
سمع
(١) نيل الأوطار: ٣ / ١٧٥.
(٢) بداية المجتهد : ١ / ١٤٩ وما بعدها .
(٣) قالوا: تسن قراءة المأموم الفاتحة في سكتات الإمام ، ولو كان سكوته التنفس ، ولا يضر تفريقها أي =
- ٢٠٠ -