النص المفهرس
صفحات 121-140
ويؤيد هذا الرأي حديث عمرو بن العاص : أن رسول الله ماتم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن ، منها ثلاث في المفصَّل ، وفي الحج سجدتان)) (١) فدل على أن السجدات خمس عشرة منها سجدتان في الحج ، وفي ص . وحجة المالكية على نفي سجدات المفصل ( النجم ، الانشقاق ، العلق ) : حديث ابن عباس عند أبي داود وابن السكن في صحيحه بلفظ: ((لم يسجد النبي عَّ في شيء من المفصَّل منذ تحول إلى المدينة))(٢). واستدل الجمهور ( غير المالكية ) على إثبات سجدات المفصل بحديث أبي هريرة قال: ((سجدنا مع النبي معَ ◌ّ في: إذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك))(٣) علماً بأن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع من الهجرة . واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم أيضاً: أن النبي ◌ٍُّ قرأ والنجم ، فسجد فيها ، وسجد من كان معه ، غير أن شيخاً من قريش أخذ كفاً من حصى أو تراب ، فرفعه إلى جبهته ، وقال : يكفيني هذا ، قال عبد الله : فلقد رأيته بعد قتل كافراً ))(٤) . سابعاً - هل تتكرر السجدة بتكرر التلاوة ؟ تتكرر السجدة بتكرر التلاوة عند الجمهور، ولاتتكرر عند الحنفية إن كانت التلاوة لآية في مجلس واحد . (١) رواه أبو داود وابن ماجه. (٢) لكن في إسناده ضعيفان، وإن كانا من رجال مسلم ، قال النووي : حديث ابن عباس ضعيف الإسناد لا يصح الاحتجاج به . وعلى فرض صحته فالأحاديث الأخرى مثبتة ، وهي مقدمة على النفي . (٣) رواه الجماعة إلا البخاري ( نيل الأوطار: ٣ / ٩٨). (٤) متفق عليه . - ١٢١ - . ..... قال الحنفية(١) : من كرر تلاوة آية سجدة واحدة في مجلس واحد ، أجزأته سجدة واحدة ، وفعلها بعد الأولى أولى ، وقيل : التأخير أحوط ، أي أنه يشترط اتحاد الآية والمجلس . أما إن كرر آية السجدة في عدة أماكن ، أي اختلف المجلس ، فيجب تكرار السجود . فإن قرأ عدة آيات فيها سجدات مختلفة ، فيجب لكل آية سجدة سواء اتحد المجلس أم اختلف . ويتبدل المجلس بالانتقال منه بثلاث خطوات في الصحراء والطريق ، وبالانتقال من غصن شجرة إلى غصن ، وبسباحة في نهر أو حوض كبير في الأصح . ولا يتبدل بزوايا البيت الصغير ، والمسجد ولو كان كبيراً ، ولا بسير سفينة أو سيارة ، ولابركعة وبركعتين ، وشربة وأكل لقمتين ، ومشي خطوتين ، ولا باتكاء وقعود وقيام وركوب ونزول في محل تلاوته ، ولا بسير دابته مصلياً . ويتكرر الوجوب على السامع بتبديل مجلسه ، وإن اتحد مجلس القارئ ، فلو كررها راكباً يصلي ، وغلامه يمشي ، تتكرر على الغلام ، لا الراكب ، ولا تتكرر على السامع في عكسه وهو تبدل مجلس القارئ دون السامع على المفتى به(٢) ، ومن تلا آية سجدة ، فلم يسجد لها ، حتى دخل في الصلاة ، فتلاها ، وسجد لها ، أجزأته السجدة عن التلاوتين . وإن تلاها في غير الصلاة ، فسجد لها ، ثم دخل في الصلاة ، فتلاها ، سجد (١) مراقي الفلاح: ص ٨٤ ومابعدها، الدر المختار ورد المختار: ١ / ٧٢٦ - ٧٢٨. (٢) أما الصلاة على الرسول ميخائيل فتتكرر على الراجح وهو رأي متأخري الحنفية بتكرر ذكره وإن اتحد المجلس . وأما العطاس : فالأصح أنه إن زاد على الثلاث لا يشمته . - ١٢٢ - لها ، ولم تُجْزه السجدة الأولى . وإذا تلا آية سجدة في الصلاة ثم أعادها بعد سلامه ، يسجد سجدة أخرى . ولا تقضى السجدة التي تتلى في الصلاة خارجها ؛ لأن لها مزية ، فلا تتأدى بناقص ، وعليه التوبة . وقال المالكية : إذا كرر المعلم أو المتعلم آية السجدة ، فيسن السجود لكل منهما عند قراءتها أول مرة فقط دفعاً للمشقة . ويسجد إن تجاوز آية السجدة تجاوزاً يسيراً كآية أو آيتين ، فإن كان التجاوز كثيراً أعاد آية السجدة وسجد ، ولو كان في صلاة فرض ، ولكن لا يسجد في الفرض إذا لم ينحن للركوع . وقال الشافعية : لو كررآية في مجلسين ، أو في مجلس في الأصح ، سجد لكل من المرتين عقبها، والركعة كمجلس واحد ، والركعتان كمجلسين . فإن لم يسجد وطال الفصل عرفاً ولو بعذر ، لم يسجد أداء ؛ لأنه من توابع القراءة . وقال الحنابلة : إذا كرر تلاوة الآية أو استماعها ، يسن له تكرار السجود بمقدار ذلك ، لتعدد السبب . ثامناً - أحكام فرعية لسجدة التلاوة : قال الحنفية(١) : لله تعالى أ - يكره تحريماً ترك آية سجدة ، وقراءة باقي السورة ؛ لأن فيه قطع نظم القرآن وتغيير تأليفه الإلهي ، واتباع النظم والتأليف مأمور به . ولا يكره عكسه : وهو قراءة آية السجدة من بين السورة ؛ لأنها من القرآن ، وقراءة ماهو من القرآن طاعة ، كقراءة سورة من بين السور، ولكن يندب ضم آية أو آيتين إليها قبلها أو بعدها ، لدفع وهم التفضيل ، إذ الكل من حيث إنه كلام الله في رتبة واحدة ، وإن كان لبعضها زيادة فضيلة باشتماله على صفاته تعالى . (١) الدر المختار: ١ / ٧٢٩ - ٧٣٢، مراقي الفلاح: ص ٨٥ . - ١٢٣ ب - يستحسن إخفاء آية السجدة عن سامع غير متهيء للسجود . والراجح وجوب السجود على متشاغل بعمل ، وقد سمع آية السجدة ، زجرأ له عن تشاغله عن كلام الله . ويكره للإمام أن يقرأ آية سجدة في صلاة سرية لئلا يشتبه على المقتدين ، وفي نحو جمعة وعيد ، إلا أن تكون بحيث تؤدى بركوع الصلاة أو سجودها ، ولو تلا على المنبر آية سجدة سجد الإمام فوق المنبر مع الكراهة أو تحته وسجد السامعون . جـ - لو سمع شخص آية السجدة من قوم ، من كل واحد منهم حرفاً ، لم يسجد لأنه لم يسمعها من تال ، لأن اتحاد التالي شرط . د - يندب القيام ثم السجود لآية السجدة ، ويندب ألا يرفع السامع رأسه من السجود قبل رفع رأس التالي لآية السجدة ، ولا يؤمر التالي بالتقدم ، ولا السامعون بالاصطفاف ، وإنما يسجدون كيف كانوا . هـ - قيل : من قرأ آي السجدة كلها في مجلس، وسجد لكل منها ، كفاه الله ما أهمه . وظاهره أنه يقرؤها ولاء ، ثم يسجد ، ويحتمل أن يسجد لكل آية بعد قراءة الكل ، وهو غير مكروه . وقال المالكية(١) : أ - يكره الاقتصار على قراءة الآية للسجود، كما قال الحنفية ؛ كأن يقرأ ﴿ إنما يؤمن بآياتنا﴾. وعلى القول بالكراهة: لو قرأها لا يسجد . ب - يكره لمصلٍ تعمد السجدة ، بأن يقرأ مافيه آيتها ، بفريضة ، ولو (١) الشرح الصغير: ١ / ٤١٩ - ٤٢٢. - ١٢٤ - صبح جمعة على المشهور، لا في نفل ، فلا يكره . فإن قرأها بفرض عمداً أو سهواً سجد لها ، ولو بوقت نهي ، أما إن قرأها في خطبة جمعة أو غيرها فلا يسجد لها ، لاختلال نظامها . جـ ـ يندب الإمام الصلاة السرية كالظهر الجهر بآية السجدة ، ليسمع المأمومون فيتبعوه في سجوده ، فإن لم يجهر بها ، بل قرأها سراً وسجد ، اتبعه المقتدون ؛ لأن الأصل عدم السهو، فإن لم يتبعوه صحت صلاتهم ؛ لأن اتباعه واجب غير شرط ؛ لأن السجدة ليست من الأفعال المقتدى به فيها أصالة ، وترك الواجب الذي ليس بشرط لا يوجب البطلان . د - من تجاوز السجدة في القراءة بآية أو آيتين، يسجد، بلا إعادة القراءة لمحل السجدة . وإن تجاوز بكثير يعيدها أي يعيد القراءة لآية السجدة ، سواء في الصلاة ولو بفرض أم في غيرها . ويسجد لها مالم ينحن بقصد الركوع في نفل أو فرض ، فإن ركع بالانحناء فات تداركها . ويندب إعادة القراءة بالنفل لا في الفرض في الركعة الثانية ، إذا لم تكن قراءتها في الثانية . والظاهر إعادتها قبل الفاتحة لتقدم سببها . هـ ـ يندب لساجد السجدة في الصلاة قراءة شيء من القرآن قبل الركوع ولو من سورة أخرى ، ليقع ركوعه عقب قراءة . ولو قصد أداء السجدة بعد قراءة محلها ، وانخفض بنيتها ، فركع ساهياً صح ركوعه عند الإمام مالك ، بناء على أن الحركة للركن لاتشترط ، ثم يسجد للسهو لهذه الزيادة بعد السلام إن اطمأن بركوعه ، فإن لم يطمئن سجدها ، ولاسجود سهو عليه . - ١٢٥ - وقال الحنابلة(١) : أ - لا يسجد المرء سجدة التلاوة في الأوقات المنهي عنها التي لا يجوز فيها التطوع بالصلاة ، خلافاً للشافعية ، لعموم قوله عليه السلام: (( لاصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، ولابعد العصر حتى تغرب الشمس » وهذا مروي عن ابن عمر ، وعن أبي بكر وعمر وعثمان . ب - إن قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة : فإن شاء ركع، وإن شاء سجد ، ثم قام فركع ، قال ابن مسعود: ((إن شئت ركعت ، وإن شئت سجدت)) . جـ - إن كان القارئ على الراحلة في السفر ، جاز أن يومئ بالسجود حيث كان اتجاهه ، كصلاة النافلة ، وهذا متفق عليه بين المذاهب(٢) . لما روى ابن عمر ((أن النبي ◌ُ تّ قرأ عام الفتح سجدة، فسجد الناس كلهم، منهم الرا» ،، والساجد في الأرض ، حتى إن الراكب ليسجد على يده ))(٣) . د - يكره اختصار السجود : وهو أن ينتزع الآيات التي فيها السجود ، فيقرؤها ويسجد فيها ؛ لأنه ليس بمروي عن السلف فعله ، بل كراهته . وقد قدمنا جوازه عند الحنفية . هـ - يكره للإمام قراءة السجدة في صلاة سرية ، وإن قرأ لم يسجد ؛ لأن فيها إبهاماً على المأموم . وهذا متفق مع رأي الحنفية ، ولم يكرهه الشافعي ؛ لحديث ابن عمر: ((أن النبي ◌ٍُّ سجد في الظهر ، ثم قام فركع ، فرأى أصحابه (١) المغني: ١ / ٦٢٣، ٦٢٦ ، ٦٢٧ . (٢) انظر أيضاً مغني المحتاج: ١ / ٢١٩ . (٣) رواه أبو داود ( نيل الأوطار: ٣ / ١٠٢). - ١٢٦ - أنه قرأ سورة السجدة))(١). وذكر المالكية أن الإمام يجهر بالسجدة حينئذ كما أسلفنا . المطلب الثالث - سجدة الشكر : تستحب سجدة الشكر عند الجمهور ، وتكره عند المالكية ، وعبارات الفقهاء في شأنها ما يأتي : قال الحنفية(٢): هي مكروهة عند أبي حنيفة لعدم إحصاء نعم الله تعالى . وهي قربة يثاب عليها، لما روى الأئمة الستة إلا النسائي عن أبي بكرة ((أن النبي عَ لّ كان إذا أتاه أمر يسره ، أو بشر به، خر ساجداً)) ، وهيئتها : مثل سجدة التلاوة . والمفتى به أنها مستحبة ، لكنها تكره بعد الصلاة ؛ لأن الجهلة يعتقدونها سنة أو واجبة ، وكل مباح يؤدي إلى هذا الاعتقاد فهو مكروه . وعلى هذا ما يفعل عقب الصلاة من السجدة مكروه إجماعاً ؛ لأن العوام يعتقدون أنها واجبة أو سنة ، وكل جائز أدى إلى اعتقاد ذلك كره . وإذا نواها ضمن ركوع الصلاة أو سجودها ، أجزأته . ويكره أن يسجد شكراً بعد الصلاة في الوقت الذي يكره فيه النفل ، ولا يكره في غيره . وقال المالكية(٢) : يكره سجود الشكر عند سماع بشارة ، والسجود عند زلزلة ، وإنما المستحب عند حدوث نعمة أو اندفاع نقمة : صلاة ركعتين ؛ لأن عمل أهل المدينة على ذلك . (١) رواه أحمد وأبو داود (نيل الأوطار: ٣ / ١٠٠). (٢) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٣٤٤، ٧٣١، مراقي الفلاح: ص ٨٥ وما بعدها . (٣) الشرح الصغير : ١ / ٤٢٢ . - ١٢٧ - وأجاز ابن حبيب المالكي سجدة الشكر لحديث أبي بكر السابق(١). وقال الشافعية(٢): سجدة الشكر لاتدخل في الصلاة . وتسن لهجوم نعمة ، كحدوث ولد أو جاه أو اندفاع نقمة كنجاة من حريق أو غريق ، أو رؤية مبتلى في بدنه أو غيره ، أو رؤية عاص يجهر بمعصيته ، ويظهرها للعاصي ، لا للمبتلى . وهي كسجدة التلاوة ، والأصح جوازهما على الراحلة للمسافر بالإيماء لمشقة النزول ، فإن سجد الراكب لتلاوة صلاة ، جاز الإيماء على الراحلة قطعاً تبعاً للنافلة کسجود السهو . وأدلتهم في حالة تجدد نعمة أو اندفاع نقمة : حديث أبي بكرة السابق ، وحديث عبد الرحمن بن عوف، قال: خرج النبي عَ لّ، فتوجه نحو صَدَفَته(٢)، فدخل ، فاستقبل القبلة ، فخر ساجداً ، فأطال السجود ، ثم رفع رأسه ، وقال : إن جبريل أتاني، فبشرني، فقال: إن الله عز وجل يقول لك: (( من صلى عليك صليت عليه ، ومن سلم عليك سلمت عليه ، فسجدت شكراً لله))(٤) . وروى أبو داود بإسناد حسن ((أنه مَّ قال: سألت ربي، وشفعت لأمتي ، فأعطاني ثلث أمتي ، فسجدت شكراً لربي ، ثم رفعت رأسي ، فسألت ربي ، فأعطاني ثلث أمتي ، فسجدت شكراً لربي ، ثم رفعت رأسي ، فسألت ربي فأعطاني الثلث الآخر ، فسجدت شكراً لربي )). (١) قال الترمذي عنه : هو حسن غريب ، وفي إسناده بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن جده ، وهو ضعيف عند العقيلي وغيره . وقال ابن معين: إنه صالح الحديث ( نيل الأوطار: ٣ / ١٠٤ ومابعدها ) . (٢) مغني المحتاج : ١ / ٢١٩ . (٣) الصدفة : من أسماء البناء المرتفع ، فهي كل بناء عظيم مرتفع . (٤) رواه أحمد ورواه أيضاً البزار وابن أبي عاصم، والعقيلي في الضعفاء، والحاكم (نيل الأوطار: ٣ / ١٠٥). - ١٢٨ - ودليلهم لحالة رؤية المبتلى : حديث رواه البيهقي ، وشكر الله على سلامته . وأما حالة رؤية العاصي : فلأن المصيبة في الدين أشد منها في الدنيا ، قال ◌َ له: ((اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا))، وعند رؤية الكافر أولى. وقال الحنابلة(١) : يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم ، واندفاع النقم لحديث أبي بكرة السابق ، وسجد الصديق حين فتح اليمامة . ويشترط لسجود الشكر ما يشترط لسجود التلاوة . ولا يسجد للشكر وهو في الصلاة ؛ لأن سبب السجدة ليس منها ، فإن فعل بطلت صلاته ، إلا أن يكون ناسياً أو جاهلاً بتحريم ذلك . المبحث الثاني - قضاء الفوائت : معناه وحكمه شرعاً ، أعذار سقوط الصلاة وتأخيرها ، كيفية القضاء سفراً وحضراً سراً وجهراً ، الترتيب في قضاء الفوائت ، متى يسقط الترتيب ، القضاء إن جهل العدد ، القضاء في وقت النهي عن الصلاة أولاً - معنى القضاء وحكمه شرعاً : الأداء : فعل الواجب في وقته ، وبإدراك التحريمة يكون أداء عند الحنفية والحنابلة ، أما عند الشافعية والمالكية : فبإدراك ركعة من الصلاة ، كما بينا في بحث أوقات الصلاة . والإعادة : فعل مثل الواجب في وقته ، لخلل غير الفساد ، قال الحنفية : كل صلاة أديت مع كراهة التحريم تعاد وجوباً في الوقت ، وندباً بعد الوقت . (١) المغني: ١ / ٦٢٧ وما بعدها . الفقه الإسلامي جـ٢ (٩) - ١٢٩ - والقضاء : فعل الواجب بعد وقته(١) . أو إيقاع الصلاة بعد وقتها . والشأن في المسلم ديناً وعقلاً أن يبادر إلى أداء الصلاة في وقتها ، ويأثم بتأخيرها عن وقتها بغير عذر ، كما بينا في فضل الصلاة ، لقوله تعالى: ﴿فإذا اطمأننتم ، فأقيموا الصلاة ، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾. وتأخير الصلاة من غير عذر معصية كبيرة لاتزول بالقضاء وحده ، بل بالتوبة أو الحج بعد القضاء . ومن أخر الصلاة عن وقتها لعذر مشروع فلا إثم عليه ، ومن العذر : خوف العدو ، وخوف القابلة موت الولد ، أو خوف أمه إذا خرج رأسه ، لأنه عليه السلام أخر الصلاة يوم الخندق، قال ابن مسعود: ((إن المشركين شغلوا رسول الله مُ التّ عن أربع صلوات يوم الخندق ، حتى ذهب من الليل ماشاء الله ، فأمر بلالاً فأذن ، ثم أقام ، فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم أقام فصلى العشاء))(٢). ومن شغلت ذمته بأي تكليف لاتبرأ إلا بتفريغها أداء أو قضاء ، لقوله مسافةٍ: ((فدين الله أحق أن يقضى))(٣). فمن وجبت عليه الصلاة، وفاتته بفوات الوقت المخصص لها ، لزمه قضاؤها(٤) فهو آثم بتركها عمداً ، والقضاء عليه واجب ، لقوله مَ الّ: ((إذا رقد أحدكم عن الصلاة ، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها ، (١) الدر المختار: ١ / ٦٧٦ - ٦٧٩ . (٢) رواه الترمذي والنسائي وأحمد ، قال الترمذي : ليس بإسناده بأس ، إلا أن أبا عبيدة ( راويه عن أبيه عن ابن مسعود) لم يسمع من أبيه . ورواه النسائي أيضاً عن أبي سعيد الخدري ، ورواه البزار عن جابر بن عبد الله ( نصب الراية: ٢ / ١٦٤ - ١٦٦ ). (٣) رواه البخاري والنسائي عن ابن عباس . وهناك أحاديث أخرى في الحج في معناه ( نيل الأوطار : ٤ / ٢٨٥ ومابعدها ) . (٤) الكتاب مع اللباب: ١ / ٨٨، الشرح الصغير: ١ / ٣٦٤، مغني المحتاج: ١ / ١٢٧، المهذب: ١ / ٥٤ ، المجموع: ٣ / ٧٢ وما بعدها، المغني: ٢ / ١٠٨، بداية المجتهد: ١ / ١٧٥. - ١٣٠ - فإن الله عز وجل يقول: ﴿أم الصلاة لذكري﴾(١) وللبخاري: ((من نسي صلاة ، فليصلها إذا ذكرها ، لاكفارة لها إلا ذلك)) ومجموع الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم: (( من نام عن صلاة أو نسيها ، فليصلها إذا ذكرها )) فمن فاتته الصلاة لنوم أو نسيان قضاها ، وبالأولى من فاتته عمداً بتقصير يجب عليه قضاؤها . وعليه : يجب القضاء بترك الصلاة عمداً أو النوم أو لسهو، ولو شكاً . ولا يجب القضاء عند المالكية لجنون أو إغماء أو كفر ، أو حيض أو نفاس ، أو لفقد الطهورين . ولا يأثم من أخر الصلاة لعذر النوم أو النسيان ، لحديث أبي قتادة قال : ذكروا للنبي مَّ نومهم عن الصلاة، فقال : إنه ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها ، فليصلها إذا ذكرها ))(٢). ثانياً - أعذار سقوط الصلاة وتأخيرها : أ - أعذار سقوط الصلاة : اتفق العلماء على أن الصلاة تسقط عن المرأة أيام الحيض والنفاس ، فلا يجب عليها قضاء مافاتها من الصلوات أثناء الحيض أو النفاس ، كما لاقضاء على الكافر الأصلي والمجنون اتفاقاً . ہے وذكر الحنفية(٢): أن الصلاة تسقط عن المجنون والمغمى عليه إذا استمر الجنون (١) رواه مسلم عن أنس بن مالك (نيل الأوطار: ٢ /٢٥). (٢) رواه النسائي والترمذي وصححه ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٧). (٣) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٣٣٠، ٦٨٨ . - ١٣١ أو الإغماء أكثر من خمس صلوات ، أما إن استمر أقل من ذلك ، خمس صلوات فأقل ، وجب عليهما القضاء لصلاة ذلك الوقت إذا بقي من الوقت ما يسع أكثر من التحريمة . فلو لم يبق من الوقت ما يسع قدر التحريمة ، لم تجب عليهما صلاة ذلك الوقت . وأما المرتد : فلا يقضي مافاته زمن الردة ولاما قبلها إلا الحج ؛ لأنه بالردة يصير كالكافر الأصلي . ويعذر حربي أسلم بدار الحرب بالجهل ، فلا يقضي ماعليه إذا مكث مدة ؛ لأن العلم بالخطاب شرط التكليف . وبينا أن المالكية قالوا : لا يجب القضاء في حال الجنون والإغماء والكفر والحيض والنفاس وفقد الطهورين(١). وقال الشافعية(٢): لاتجب الصلاة على الحائض والنفساء كغيرهم من المذاهب ، أما الكافر الأصلي إذا أسلم فلا يخاطب بقضاء الصلاة ، لقوله عز وجل : ﴿ قل للذين كفروا : إن ينتهوا يغفر لهم ماقد سلف ﴾ ولأن في إيجاب ذلك عليه تنفيراً عن الإسلام ، فعفي عنه . وأما المرتد إذا أسلم : فيلزمه قضاء الصلاة ، لأنها وجبت عليه ، واعتقد وجوبها ، وقدر على التسبب إلى أدائها فهو كالمحدث ، حتى إنه إن جن حال الردة ففاته صلوات ، لزمه قضاؤها . ومن زال عقله بجنون أو إغماء أو مرض أو بسبب مباح : فلاتجب عليه الصلاة ولاقضاء عليه لقوله مع قل: ((رفع القلم عن ثلاثة)) فنص على المجنون ، وقيس عليه كل من زال عقله بسبب مباح . أما من زال عقله بسبب محرم كمن شرب المسكر ، أو تناول دواء من غير حاجة ، فزال عقله ، فيجب عليه القضاء إذا أفاق ؛ لأنه زال عقله بمحرم ، فلم يسقط عنه الفرض . . وقال الحنابلة(٢): لا تجب الصلاة على صبي ولاكافر ولا حائض أو نفساء . أما (١) الشرح الصغير: ١ / ٣٦٤. (٢) المهذب : ١ / ٥٠ ومابعدها . (٣) المغني: ١ / ٣٩٨ - ٤٠١ . - ١٣٢ - الكافر الأصلي فلا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره ، بغير خلاف الآية السابقة: ﴿قل للذين كفروا .. ﴾ وأسلم في عصر النبي مؤ لّ خلق كثير وبعده ، فلم يؤمر أحد منهم بقضاء ، ولأن في إيجاب القضاء عليه تنفيراً عن الإسلام ، فعفي عنه ، كما قال الشافعية . وأما المرتد : ففي وجوب القضاء عليه روايتان عن أحمد : إحداهما كالحنفية : لا يلزمه ؛؛ لأن عمله قد حبط بكفره بدليل قوله تعالى : ﴿ لئن أشركت ليَحبطنِّ عملُك ﴾ ولو حج لزمه استئناف حجه . فصار كالكافر الأصلي في جميع أحكامه . والثانية كالشافعية : يلزمه قضاء ماترك من العبادات في حال ردته ، وإسلامه قبل ردته ، ولا يجب عليه إعادة الحج ؛ لأن العمل إنما يحبط بالإشراك مع الموت ، لقوله تعالى : ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ . والمجنون غير مكلف ، ولا يلزمه قضاء ماترك في حال جنونه ، إلا أن يفيق في وقت الصلاة، فيصير كالصبي يبلغ ، ولاخلاف في ذلك ، للحديث السابق : (( رفع القلم عن ثلاثة ، عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يشب ، وعن المعتوه حتى يعقل))(١)، ولأن مدته تطول غالباً، فوجوب القضاء عليه يشق ، فعفي عنه . والمغمى عليه : يقضي جميع الصلوات التي كانت عليه في حال إغمائه ، فحكمه حكم النائم ، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها كالصلاة والصيام . بدليل ماروى الأثرم أن عماراً أغمي عليه ثلاثاً ، فقضى ماعليه ، وأن (١) أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي ، وقال : حديث حسن . - ١٣٣ - سمرة بن جندب سئل عن صلاة المغمى عليه فقال: ((ليصليهن جميعاً)) وهذا الرأي خلاف ماعليه الحنفية والمالكية والشافعية كما بينا . ومن شرب دواء فزال عقله به نظر : فإن كان زوالاً لا يدوم كثيراً فهو كالإغماء ، وإن كان يتطاون فهو كالجنون . وأما السكر ومن شرب محرماً يزيل عقله وقتاً دون وقت : فلا يؤثر في إسقاط التكليف ، وعليه قضاء مافاته في حال زوال عقله ، بلاخلاف ، ولأنه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح ، فبالسكر المحرم أولى . إسقاط الصلاة والصوم وغيرهما عن الميت : قال الحنفية(١): إذا مات المريض ولم يقدر على الصلاة بالإيماء برأسه، لا يلزمه الإيصاء بها ، وإن قلت وكذا المسافر والمريض إن أفطرا في الصوم ، وماتا قبل الإقامة والصحة ، فلا يلزمهما الإيصاء به . لكن تكون الوصية مستحبة بفدية الصلاة والصيام ونحوها . ومن مات وعليه صلوات فائتة بغير عذر بأن كان يقدر على أدائها ولو بالإيماء ، فيلزمه الإيصاء بالكفارة عنها ، وإلا فلا يلزمه وإن قلّت بأن كانت دون ست صلوات، لقوله تع الى: ((فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه » . وكذلك من أفطر في رمضان ولو بغير عذر ، يلزمه الوصية بفدية ماعليه بماقدر عليه ، ويبقى في ذمته ، ويخرجه عنه وليه من ثلث تركته . وللولي التبرع بالفدية إن لم يوص أو لم يترك مالاً . (١) الدر المختار: ١ / ٦٨٥ ومابعدها، ٥ / ٤٥٨، مراقي الفلاح: ص ٧٤ وما بعدها . - ١٣٤ - ومقدار الكفارة عن الصلاة ومنها الوتر عند الحنفية ، والصوم : أن يعطى لكل صلاة وصوم يوم نصف صاع من بُرّ (ربع مد دمشقي من غير تكريم ، بل قدر مسحة ) ، كفطرة الصيام لكل من الصلاة والصوم على حدة . وتؤخذ الكفارة وفدية الصوم : من ثلث مال المتوفى . فإن لم يكن له مال يستقرض وارثه نصف صاع مثلاً ، ويهبه للفقير ، ثم يهبه الفقير لولي الميت ويقبضه ، ثم يدفعه للفقير ، فيسقط من الصلاة والصوم بقدره ، ثم يهبه الفقير للولي ويقبضه ، ثم يدفعه الولي للفقير ، وهكذا حتى يتم إسقاط ما كان عليه من صلاة وصوم . لكن يلاحظ أن مثل هذه الحيلة غير مقبولة ؛ لأن الصلاة عبادة بدنية ، ولا تسقطها شكليات فارغة وطقوس جوفاء . ويجوز إعطاء فدية صلوات لواحد جملة ، بخلاف كفارة اليمين . ولو أعطى للفقير أقل من نصف صاع . ولا يصح للمرء في حال حياته أن يفدي عن صلاته في مرضه ، فلافدية في الصلاة حال الحياة بخلاف الصوم فإنه يجوز بل تجب الفدية عنه . ولا يجوز للورثة قضاء الصلاة عن الميت بأمره ؛ لأن الصلاة عبادة بدنية شخصية ، بخلاف الحج فإنه يقبل النيابة . ب - أعذار تأخير الصلاة عن وقتها : عرفنا سابقاً أن تأخير الصلاة بعذر كالنوم والنسيان والغفلة ، يوجب القضاء ويسقط الإثم، للحديث السابق عن أبي قتادة ((إنه ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط في اليقظة)) إلا أن الشافعية قالوا: يكون النسيان عذراً إذا لم يكن ناشئاً عن تقصير ، فإن نسي الصلاة لاشتغاله بلعب مثلاً فلا يكون معذوراً ويأثم بتأخير الصلاة عن وقتها . - ١٣٥ - ثالثاً - كيفية قضاء الفائتة أو صفتها : قال الحنفية(١): تقضى الصلاة على الصفة السابقة التي فاتت عليها حضراً أو سفراً ، فمن فاتته صلاة مقصورة في السفر ، قضاها ركعتين ولو في الحضر . ومن فاتته صلاة تامة في الحضر قضاها أربعاً ولو في السفر . أما صفة القراءة في القضاء سراً أو جهراً ، فيراعى نوع الصلاة : فإن كانت سرية كالظهر ، يسر في القراءة ، وإن كانت جهرية يجهر فيها إن كان إماماً ، ويخير بين الجهر والإسرار إن كان منفرداً . ويجب القضاء فوراً ، ويجوز تأخيره لعذر السعي على العيال وفي الحوائج على الأصح ، كما أن أداء سجدة التلاوة خارج الصلاة والنذر المطلق وقضاء رمضان موسع يجوز تأخيره للعذر السابق . وقال المالكية(٢) كالحنفية : يقضيها بنحو مافاتته سفراً أو حضراً ، جهراً أو سراً ، فوراً ، ويحرم عليه تأخير القضاء ، ولو كان وقت نهي كطلوع شمس وغروبها وخطبة جمعة ، إلا وقت الضرورة كوقت الأكل والشرب والنوم الذي لابد منه ، وقضاء حاجة الإنسان ، وتحصيل ما يحتاج له في معاشه . وعلى هذا تقضى الحضرية كاملة ولو قضاها في السفر ، وتقضى النهارية سراً ولو قضاها ليلاً ، وتقضى الليلية جهراً ولو قضاها نهاراً ؛ لأن القضاء يحكي ما كان أداء. وقال الشافعية والحنابلة(٢): ينظر لمكان القضاء ووقت القضاء ، فيقضي (١) اللباب شرح الكتاب: ١ / ١١٠، فتح القدير: ١ / ٤٠٥. (٢) الشرح الصغير: ١ / ٣٦٥، الشرح الكبير مع الدسوقي: ١ / ٢٦٣، القوانين الفقهية: ص ٧١ . (٣) مغني المحتاج: ١ / ١٢٧، ١٦٢، ٢٦٣، المغني: ١ / ٥٦٩ وما بعدها، ٦١٤، و٢ / ٢٨٢ وما بعدها . - ١٣٦ - المسافر الصلاة الرباعية ركعتين ، سواء فاتته في السفر أم في الحضر ، فإن كان في ٠٠ الحضر فيقضي الرباعية أربعاً ، وإن فاتته في السفر، لأن الأصل الإتمام ، فيرجع إليه في الحضر ، ولأن سبب القصر هو السفر وليس متوفراً في الحضر . وفائتة السفر تقضى قصراً في السفر دون الحضر ، في الأظهر عند الشافعية ، نظراً لوجود السبب . ويسر ويجهر في الصلاة بحسب الوقت ، فإن صلى في النهار من طلوع الشمس إلى غروبها أسر ، وإن صلى في الليل من مغيب الشمس إلى طلوعها جهر . إلا أن الحنابلة قالوا: إن كان القضاء ليلاً يجهر الإمام لشبه القضاء للأداء ، فإن كان منفرداً أسر مطلقاً ، قال الإمام أحمد : إنما الجهر للجماعة . قضاء الفائتة بجماعة ، وقضاء السنن : وأضاف الحنابلة : أنه يستحب قضاء الفوائت في جماعة ، كما فعل النبي مع تز يوم الخندق ، حينما فاتته صلوات أربع ، فقضاهن في جماعة . ولا يكره قضاء السنن الرواتب قبل الفرائض ، ويستحب أن يقضي ركعتي الفجر قبل الفريضة ، لما روى أبو هريرة قال : عرْنا - نزلنا ليلاً - مع رسول الله مع الز، فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس ، فقال رسول الله مفز : ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته ، فإن هذا منزل حضر فيه الشيطان ، قال : ففعلنا ، ثم دعا بالماء فتوضأ ، ثم سجد سجدتين ، ثم أقيمت (١) الصلاة ، فصلى الغداة )) . القضاء على الفور : ويجب أن يكون القضاء فوراً باتفاق الفقهاء ، سواء فاتت الصلاة بعذر أم بغير عذر . (١) متفق عليه ، وروى نحوه أبو قتادة وعمران بن حصين . - ١٣٧ - إلا أن الشافعية فصلوا في الأمر فقالوا : يبادر بالفائت ندباً إن فاته بعذر كنوم ونسيان ، ووجوباً إن فاته بغير عذر، على الأصح فيهما ، تعجيلاً لبراءة ذمته ، ودليل إيجاب الفورية قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري ﴾ ولأن تأخير الصلاة بعد الوقت معصية يجب الإقلاع عنها فوراً . رابعاً - الترتيب في قضاء الفوائت ومتى يسقط الترتيب ؟ يجب ترتيب قضاء الفوائت عند الجمهور ، وهو سنة عند الشافعية ، على التفصيل التالي : قال الحنفية(١): الترتيب بين الفروض الخمسة والوتر وبين الفائتة والوقتية مستحق لازم إلا أن يخاف فوات صلاة الوقت ، فيقدم صلاة الوقت ثم يقضي الفائتة. بدليل قول ابن عمر: (( من نام عن صلاة أو نسيها ، فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام ، فليصل التي هو فيها ، ثم ليصل التي ذكرها ، ثم ليعد التي صلى مع الإمام ))(٢). ومن فاتته صلوات رتبها في القضاء، كما وجبت عليه في الأصل؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ شغل عن أربع صلوات يوم الخندق، فقضاهن مرتباً، ثم قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))(٣) إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات غير الوتر، فيسقط الترتيب بينها، كما سقط فيما بينها وبين الوقتية ؛ لأن الفوائت قد كثرت، (١) البدائع: ١ / ١٣١ ومابعدها، الدر المختار: ١ / ٦٧٩ - ٦٨٥، الكتاب مع اللباب: ١ / ٨٩، مراقي الفلاح: ص ٧٥ ومابعدها ، فتح القدير: ١ / ٣٤٦ - ٣٥٢. (٢) أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر بلفظ ((من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام ، فليتم صلاته ، فإذا فرغ من صلاته فليعد التي نسي ، ثم ليعد التي صلاها مع الإمام )» والصحيح أنه من قول ابن عمر ( نصب الراية ٢ / ١٦٢ ) . (٣) روي الحديث عن ابن مسعود والخدري وجابر، وقد سبق تخريجه ( نصب الراية: ٢ / ١٦٤ - ١٦٦). - ١٣٨ - ٠ ولخروج وقت الصلاة السادسة ، ولا يعود الترتيب بعودها إلى القلة ، على المختار. وقال صاحب الهداية : يعود الترتيب عند البعض ، وهو الأظهر . وبناء عليه : لو صلى فرضاً ذاكراً فائتة ، ولو كانت وتراً ، فسد فرضه فساداً موقوفاً ، فلو فاتته صلاة الصبح ، ثم صلى الظهر بعدها ، وهو ذاكر فسدت صلاة الظهر فساداً موقوفاً ، ولو صلى العصر قبل قضاء الصبح وقعت صلاة العصر فاسدة فساداً موقوفاً كذلك ، وهكذا إلى خروج وقت صلاة صبح اليوم التالي ، فإن قضى فائتة صبح اليوم الأول قبل ذلك ، فسدت فرضية كل ماصلاه ، وانقلب نفلاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، ولزمه إعادته(١). وتوضيح الأمر : أن فساد أصل الصلاة بترك الترتيب موقوف عند أبي حنيفة سواء ظن وجوب الترتيب أو لا ، وعند الصاحبين : الفساد بات . وعلى رأي أبي حنيفة : إن كثرت الفوائت ، وصارت الفواسد مع الفائتة ستاً ، ظهر صحتها ، بخروج وقت الخامسة التي هي سادسة الفوائت . وإن لم تصر ستاً ، لا تظهر صحتها ، بل تصير نفلاً . فإذا فاتته صلاة ولو وتراً ، فكلما صلى بعدها ، وهو ذاكر لتلك الفائتة ، فسدت تلك الوقتية فساداً موقوفاً على قضاء تلك الفائتة ، فإن قضاها قبل أن يصلي بعدها خمس صلوات ، صار الفساد باتاً ، وانقلبت الصلوات التي صلاها قبل قضاء المقضية نفلاً . وإن لم يقضها حتى خرج وقت الخامسة ، وصارت الفواسد مع الفائتة ستاً ، انقلبت صحيحة ؛ لأنه ظهرت كثرتها ، ودخلت في حد التكرار المسقط للترتيب . (١) وهكذا يقال: صلاة واحدة تفسد خمساً، وأخرى تصحح خمساً، فالمتروكة تفسد الخمس بقضائها في وقت الخامسة من المؤديات ، والسادسة من المؤديات تصحح الخمس قبلها . والحقيقة: خروج وقت الخامسة هو المصحح لها . - ١٣٩ - ويسقط الترتيب بأحد ثلاثة أمور : الأول - أن تصير الفوائت ستاً، كما بينا ، ولا يدخل الوتر في العدد المذكور. الثاني - ضيق الوقت المستحب عن أن يسع الفائتة والوقتية الحاضرة . الثالث - نسيان الفائتة وقت الأداء، لقوله تع الى: ((إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه))(١). وقال المالكية(٢): يجب الترتيب مع التذكر والقدرة بأن لايكره على عدمه . والترتيب شرط في صلاتين حاضرتين مشتركتي الوقت وهما الظهران والعشاءان فمن تذكر الظهر وهو في أثناء العصر ، فالعصر باطلة ، وكذا العشاء مع المغرب ؛ لأن ترتيب الحاضرة واجب شرطاً . ويقطع الحاضرة إن لم يتم ركعة ، ويندب أن يضم إليها ركعة أخرى إن أتم ركعة ويجعلها نفلاً . ويجب الترتيب مع الشرطين السابقين ( التذكر والقدرة ) بين الفوائت اليسيرة والصلاة الحاضرة ، فتقدم الفائتة على الحاضرة ، كمن عليه المغرب والعشاء والصبح ، يجب تقديمها على الصبح الحاضرة ، وإن خرج وقت الحاضرة ، بتقديمه يسير الفوائت الواجب تقديمه عليها . وهذا واجب لاشرط ، فلو خالفه لاتبطل المقدَّمة على محلها ، ولكنه يأثم ، ولا إعادة عليه لخروج وقتها بمجرد فعلها ، فإن قدمها ناسياً أو مكرهاً صحت ولا إثم عليه . ويندب إعادة الحاضرة لو قدمها على يسير الفائتة ولو عمداً ، بوقت ضروري ( وهو في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين لطلوع الفجر ) . (١) رواه ابن ماجه عن أبي ذر، ورواه الطبراني والحاكم عن ابن عباس، ورواه الطبراني أيضاً عن ثوبان ، وهو صحيح . (٢) الشرح الكبير: ١ / ٢٦٥ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٣٦٦ - ٣٧٠، ٣٧٤، القوانين الفقهية: ص ٧١ وما بعدها ، بداية المجتهد : ١ / ١٧٧ . - ١٤٠ -