النص المفهرس
صفحات 801-820
ويأتي بالأذكار سراً على الترتيب التالي إلا الإمام المريد تعليم الحاضرين فيجهر إلى أن يتعلموا ، ويقبل الإمام على الحاضرين ، جاعلاً يساره إلى المحراب(١)، قال سمرة: ((كان النبي ◌ُّ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه))(٢). اً - يقول: ((أستغفر الله)) ثلاثاً، أو ((استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيوم وأتوب إليه)) ثلاثاً. ثم يقول: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام ، وإليك السلام، تباركت وتعاليت ياذا الجلال والإكرام )) لما روى ثوبان أن النبي ◌ُ الفَ ((كان إذا سلم - وفي لفظ إذا انصرف من صلاته - استغفر ثلاثاً ، ويقول : اللهم أنت السلام ومنك السلام ، تباركت ياذا الجلال والإكرام))(٣) ثم يقول: ((اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)» لحديث معاذ ابن جبل ، قال: ((لقيني النبي ◌ُ ◌ّ ، فقال: إني أوصيك بكلمات تقولهن في كل صلاة - أو في دبر كل صلاة - اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ))(٤) . ٣ - يقرأ آية الكرسي، وسورة الإخلاص: ﴿قل هو الله أحد﴾ ، والمعوذتين ﴿ قل أعوذ برب الفلق ، قل أعوذ برب الناس ) والفاتحة ؛ لما روى (١) الدر المختار: ١ / ٥٩٥، القوانين الفقهية: ص ٦٦، الشرح الصغير: ١ / ٤١٠ وما بعدها، المهذب: ١ / ٨٠، المغني: ١ / ٥٥٩ ومابعدها، كشاف القناع: ١ / ٤٢٦ ومابعدها (٢) رواه البخاري، وروى مسلم وأبو داود عن البراء بن عازب قال: ((كنا إذا صلينا خلف رسول الله محاول اته أحببنا أن نكون عن يمينه ، فيقبل علينا بوجهه ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠٦) (٣) رواه الجماعة إلا البخاري ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠٠) وروى أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن عائشة قالت: ((كان رسول اللّه ◌َّ إذا سلّم، لم يقعد، إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام)» ( المصدر السابق: ص ٣٠٥ ) (٤) رواه أحمد والنسائي، وأبو داود، ولفظ الأخير: ((في دبر كل صلاة)) أي بعدها على الأقرب. وتخصيص الوصية بهذه الكلمات ، لأنها مشتملة على جميع خير الدنيا والآخرة ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٩١) الفقه الإسلامي جـ ١ (٥١) - ٨٠١ - الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله معلقة: «من قرأ آية الكرسي في دّبر الصلاة المكتوبة، كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى))(١)، ولخبر أبي أمامة: (( من قرأ آية الكرسي ، وقل : هو الله أحد ، دبر كل صلاة مكتوبة ، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)»(٢) . ولما روي عن عقبة بن عامر، قال: ((أمرني النبي عطالٍ أن أقرأ المعوذات(٣) دبر كل صلاة )) (٤) . ٣ - يسبح الله يقول ( سبحان الله )، ويحمده يقول ( الحمد لله ) ، ويكبره يقول ( الله أكبر) ثلاثاً وثلاثين، ثم يختم تمام المائة بقوله: (( لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ، اللهم لامانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) لحديث أبي هريرة، قال: (( من سبّح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحَمِد الله ثلاثاً وثلاثين ، وكبِّر الله ثلاثاً وثلاثين ، فتلك تسع وتسعون - عدد أسماء الله الحسنى - وقال : تمام المائة : لا إله إلا الله وحده ، لاشريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير، غُفرت خطاياه ، ولو كانت مثل زَبَد البحر))(٥) وورد أيضاً : أن يسبح ويكبر ويحمد عشراً عشراً(١). (١) رواه الطبراني (٢) إسناده جيد، وقد تكلم فيه ، رواه النسائي والطبراني، وزاد: ﴿قل هو الله أحد)، وابن حبان في صحيحه . والدبر: نقيض القبل من كل شيء ، عقبه ومؤخره ( سبل السلام : ١ / ٢٠٠) (٣) تشمل الإخلاص من باب التغليب ، فيراد بها الإخلاص والمعوذتين (٤) له طرق ، وهو حديث حسن أو صحيح ، رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال: غريب . قال بعض الحنابلة : وفي هذا سر عظيم في دفع الشر من الصلاة إلى الصلاة . (٥) رواه مسلم، وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي هريرة: ((أن التكبير أربع وثلاثون)) وبه تتم المائة ( سبل السلام : ١ / ١٩٨ ) (٦) رواه الخمسة وصححه الترمذي عن عبد الله بن عمر ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠١) - ٨٠٢ - وعن المغيرة بن شعبة: أن النبي ◌ُؤالٍ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، اللهم لامانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت(١)، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ))(٢)، وروى مسلم عن ابن الزبير نحوه، وزاد بعد ((قدير)): ((ولاحول ولاقوة إلا بالله ، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه ، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)). ٤ - يقول - قبل القراءة والتحميد وغيرهما من المذكور في الرقمين السابقين - بعد صلاتي الصبح والمغرب ، وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم ، عشر مرات : لاإله إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير )) لخبر أحمد عن عبد الرحمن بنْ غُنم مرفوعاً(٣) . ويقول أيضاً وهو على الصفة المذكورة سبع مرات: (( اللهم أجرني من النار)) لحديث مسلم بن الحرث التميمي عن أبيه: ((أن النبي ◌َؤُلّ أسرَّ إليه، فقال : إذا انصرفت من صلاة المغرب ، فقل : اللهم أجرني من النار سبع مرات )) وفي رواية: (( قبل أن تكلم أحداً ، فإنك إذا قلت ذلك ثم مت في ليلتك ، كتب لك جواراً منها ، وإذا صليت الصبح ، فقل مثل ذلك ، فإنك إن مت من یومك ، کتب لك جواراً منها ، قال الحرث : أسر بها النبي اتے ، ونحن نخص بها إخواننا )) (٤) . (١) ووقع عند عبد بن حميد بعده: ((ولا راد لما قضيت)) (٢) متفق عليه، زاد الطبراني: ((له الملك وله الحمد يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت ، بيده الخير)) ورواته موثقون. ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠٠ ، سبل السلام: ١ / ١٩٧ ) (٣) رواه أيضاً الترمذي والنسائي، وقال الأول: حسن صحيح ، وفي بعض رواته كلام سيء جداً، ولم يذكر النسائي : المغرب (٤) رواه أبو داود وأحمد وابن حبان في صحيحه ، وفيه راو لا يعرف. - ٨٠٣ - ٥ - ثم يدعو المصلي لنفسه وللمسلمين بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، وخصوصاً بعد الفجر والعصر ، لحضور ملائكة الليل والنهار فيها ، فيؤمِّنون على الدعاء ، فيكون أقرب للإجابة . وأفضل الدعاء هو المأثور في السنة ، مثل ماروى سعد بن أبي وقاص : أنه كان يعلّم بنيه هؤلاء الكلمات ، كما يُعلِّم المعلم الغلمان الكتابة ، ويقول: إن رسول الله مؤثر كان يتعوّذ بهن دُبُر الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من البخل ، وأعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك أن ارد إلى أرذل العُمُر ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا ، وأعوذ بك من عذاب القبر))(١). ومن أهم آداب الدعاء(٢): رفع اليدين حتى يرى بياض إبطيه ، وغاية الرفع إلى حذو المنكبين إلا إذا اشتد الأمر ، ثم مسح الوجه بها ، اتباعاً للسنة ، روى أبو داود بإسناد حسن عن مالك بن يسار مرفوعاً: ((إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ، ولا تسألوه بظهورها)»، وتكون اليدان مضومتين لما روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس: ((كان النبي ◌َ ◌ّ إذا دعا ضم كفيه، وجعل بطونهما مما يلي وجهه)) لكن ضعفه في المواهب . ثم يبدأ الدعاء بالحمد لله والثناء عليه، لقوله مع الز: «إذا صلى أحدكم ، فليبدأ بتحميد ربه ، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي مَّ، ثم يدعو بما شاء))(٢) والأفضل تحري مجامع الحمد مثل : الحمد لله حمداً يوافي نعمه ، ويكافئ مزيده ، (١) رواه البخاري والترمذي وصححه . والمراد بالبخل: منع ما يجب إخراجه من المال شرعاً، أو عادة . والجبن : مهابة الأشياء والتأخر عن فعلها . وفتنة الدنيا : الاغترار بشهواتها المفضي إلى ترك القيام بالواجبات . وهي فتنة المحيا في حديث التعوذ من أربع في الصلاة ، وخصت هذه الأمور بالتعوذ منها لأنها من أعظم الأسباب المؤدية إلى الهلاك باعتبار ما يتسبب عنها من المعاصي المتنوعة ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠٣). (٢) انظر أيضاً الإحياء للغزالي: ١ / ٢٧٤ - ٢٧٨). (٣) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه . - ٨٠٤ _ ياربنا لك الحمد ، كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك)) . ويختم دعاءه بالحمد لله ، لقوله تعالى: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) كما يختم دعاءه بالآية الكريمة: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين ) ، قال علي كرم الله وجهه: (( من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة ، فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه : سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين)) (١) . ويصلي على النبي مؤ قّ أول الدعاء وآخره، لخبر جابر قال: قال مُ لّ: (( لا تجعلوني كقَدَح الراكب(٢)، فإن الراكب يملأ قدحه، ثم يضعه ، ويرفع متاعه ، فإن احتاج إلى شراب شرب ، أو لوضوء توضأ، وإلا أهراقه ، ولكن اجعلوني في أول الدعاء ، وأوسطه ، وآخره))(٢). ويستقبل الداعي غير الإمام القبلة ؛ لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة . ويكره للإمام استقبال القبلة ، بل يستقبل الإمام المأمومين للحديث السابق : أنه عَاقلّ كان ينحرف إليهم إذا سلم . ويلحُّ الداعي في الدعاء مع الخشية، لحديث: ((إن الله يحب الملحّين في الدعاء))(٤) وحديث: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، واعلموا أن الله عز وجل لا يستجيب دعاء من قلب غافل ))(٥) ويكرر الدعاء ثلاثاً ؛ لأنه نوع من (١) أخرجه البخاري . (٢) أي لا تؤخروني في الذكر ؛ لأن الراكب يعلّق قدحه في آخر رحله عند فراغه من تَرْحاله ، ويجعله خلفه . ( النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير) . (٣) رواه البزار، وفيه موسى بن عبيدة ، وهو ضعيف ( مجمع الزوائد: ١٠ / ١٥٥). (٤) رواه الترمذي وابن عدي والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة ( الفتح الكبير: ١ / ٣٥٥). (٥) رواه الترمذي من حديث أبي هريرة ، وقال : غريب ، ورواه أحمد والحاكم وغيرهما أيضاً . - ٨٠٥ - الإلحاح، قال ابن مسعود: ((كان عليه السلام إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً ))(١) . ويكون متطهراً ، ويقدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار . والدعاء سراً أفضل منه جهراً ، لقوله تعالى : ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ لأنه أقرب إلى الإخلاص . ويكره رفع الصوت بالدعاء في الصلاة وغيرها إلا لحاج لحديث: (( أفضل الحج: العَجّ والتجّ))(٣) . ويعم بالدعاء، لقوله مَ ◌ّه لعلي: ((ياعلي عم)). ويكون دعاؤه بتأدب في هيئته وألفاظه ، وخشوع وخضوع ، وعزم ورغبة، وحضور قلب ورجاء، للحديث السابق: ((لا يستجاب من قلب غافل )) وشرط الدعاء : الإخلاص. ويتوسل بأسماء الله وصفاته وتوحيده ، ويقدم بين دعائه صدقة ، ويتحرى أوقات الإجابة وهي : الثلث الأخير من الليل ، وبين الأذان والإقامة ، وأدبار الصلوات المكتوبة ، وعند صعود الإمام المنبر يوم الجمعة ، حتى تنقضي الصلاة ، وآخر ساعة بعد العصر من يوم الجمعة . ويوم عرفة ويوم الجمعة ، وعند نزول الغيث ، وعند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى ، وحالة السجود . وينتظر الإجابة، للحديث السابق: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، ولا يَعْجل ، فيقول: دعوت فلم يستجب لي )) لما في الصحيح مرفوعاً: (١) رواه مسلم وأصله متفق عليه (تخريج أحاديث الإحياء للعراقي: ١ / ٢٧٦). (٢) رواه الترمذي عن ابن عمر، ورواه البيهقي والحاكم وابن ماجه عن أبي بكر، ورواه أبو يعلى عن ابن مسعود ، وهو ضعيف . - ٨٠٦ - (( يستجاب لأحدكم ، مالم يَعْجل ، قالوا : وكيف يعجل يارسول الله ؟ قال : يقول : قد دعوت ، وقد دعوت ، فلم أر يستجب لي، فيستحسر عند ذلك)). ولا يكره عند الحنابلة رفع بصره إلى السماء(١) ، ولابأس أن يخص نفسه بالدعاء ، لحديث أبي بكرة ، وأم سلمة ، وسعد بن أبي وقاص، إذ أولها: ((اللهم إني أعوذ بك وأسألك)) فهو يخص نفسه الكريمة وال، ولحديث عائشة: ((أفضل الدعاء : دعاء المرء لنفسه))(٢). ويستحب أن يخفف الدعاء؛ لأنه مَ ◌ّةِ ((نهى عن الإفراط في الدعاء))(٢) والإفراط يشمل كثرة الأسئلة . ويدعو بدعاء مأثور، إما من القرآن أو السنة أو عن الصحابة أو التابعين ، أو الأئمة المشهورين . من ذلك ماروته أم سلمة: أن النبي عليه كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً))(٤). ومن الأدعية المأثورة الجامعة: ((اللهم إني أسألك مُوجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك ، والسلامة من كل إثم ، والغنية من كل بر، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار . اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، وأعوذ بك من العجز والكسل ، وأعوذ بك من الجبن والبخل والفشل ، ومن غلبة الدين وقهر الرجال . اللهم إني أعُوذ بك من جهد البلاء ، ودَرْك الشقاء ، وسوء القضاء ، وشماتة الأعداء ، وعضال الداء )). (١) كشاف القناع: ١ / ٤٣٠، واستدل بحديث المقداد: ((أن النبي ◌َّ رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني)) ويعارضه حديث أبي هريرة عند البزار، ورجاله ثقات: ((لينتهين ناس عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء حتى تخطف - يعني تخطف أبصارهم» ( مجمع الزوائد: ١٠ / ١٦٧ ). (٢) رواه الحاكم عن عائشة ، وهو صحيح . (٣) ذكره في كشاف القناع: ١ / ٤٣١ . (٤) رواه أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠٤). - ٨٠٧ - ما يستحب للمصلي بعد انتهاء الصلاة المفروضة : استحب الفقهاء بعد انتهاء الفريضة ما يأتي(١) . أً - يستحب الانتظار قليلاً أو اللبث للإمام مع المصلين ، إذا كان هناك نساء ، حتى ينصرف النساء ولا يختلطن بالرجال ، لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله مَ اتَّ إذا سلّم، قام النساء ، حتى يقضي تسليمه ، وهو يمكث في مكانه يسيراً ، قبل أن يقوم ، قالت : فنُرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء ، قبل أن يُدركَهن الرجال(٢) . ٢ - وينصرف المصلي في جهة حاجته إن كانت له يميناً أو شمالاً، فإن لم تكن له حاجة ، انصرف جهة يمينه، لأنها أفضل ، لقول ابن مسعود: (( لا يجعل أحدكم للشيطان حظاً من صلاته ، يرى حقاً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه ، لقد رأيت رسول الله يؤثر كثيراً ما ينصرف عن شماله))(٣) وعن قبيصة بن هُلْب عن أبيه: ((أنه صلى مع النبي عَ لّ، فكان ينصرف عن شقيه))(٤). ٣ - يندب أن يفصل المصلي بين الفرض والسنة بكلام أو انتقال من مكانه ، والفصل بالانتقال أفضل ، للنهي عن وصل ذلك إلا بعد المذكور ، والانتقال أفضل تكثيراً للبقاع التي تشهد له يوم القيامة . ويفصل بين الصبح وسنته باضطجاع على جنبه الأيمن أو الأيسر ، اتباعاً للسنة . وقال أحمد : لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة ، كما قال علي رضي الله عنه . وقال أحمد أيضاً : من صلى وراء الإمام ، فلابأس أن يتطوع (١) المهذب: ١ / ٨١، المغني: ١ / ٥٦٠ - ٥٦٢ . (٢) رواه البخاري وأحمد ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠٩). (٣) رواه مسلم . (٤) رواه أبو داود وابن ماجه . - ٨٠٨ - مكانه ، كما فعل ابن عمر. روى المغيرة بن شعبة أن النبي ◌ُ التّ قال: ((لا يتطوع الإمام في مقامه الذي يصلي فيه بالناس »(١) وذكر الشافعية(٢) أن النفل الذي لاتسن فيه الجماعة صلاته في البيت أفضل منه بالمسجد، للخبر الصحيح: ((أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة )) لتعود بركة صلاته على منزله . المبحث السادس - القنوت في الصلاة : يندب القنوت(٣) في الصلاة ، لكن الفقهاء اختلفوا في تحديد الصلاة التي يقنت فيها على آراء ، فقال الحنفية والحنابلة : يقنت في الوتر ، قبل الركوع عند الحنفية ، وبعد الركوع عند الحنابلة ، ولا يقنت في غيره من الصلوات . وقال المالكية والشافعية : يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع ، والأفضل عند المالكية قبل الركوع ، ويكره عند المالكية على الظاهر القنوت في غير الصبح . ويستحب عند الحنفية والشافعية والحنابلة : القنوت في الصلوات المفروضة إذا نزلت بالمسلمين نازلة ، وحصرها الحنابلة في صلاة الصبح ، والحنفية في صلاة جهرية . وتفصيل الكلام عن كل مذهب ما يأتي : أولاً - قنوت الوتر أو الصبح : قال الحنفية (٤) : يقنت المصلي في صلاة الوتر ، فيكبر بعد الانتهاء من (١) المغني : ١ / ٥٦٢ . (٢) شرح الحضرمية : ص ٤٩ . (٣) القنوت : الدعاء والتضرع . (٤) البدائع: ١ / ٢٧٣ وما بعدها، اللباب: ١ / ٧٨ ومابعدها، فتح القدير: ١ / ٣٠٩ ومابعدها ، الدر المختار : ١ / ٦٢٦ - ٦٢٨ ٠ - ٨٠٩ - القراءة ، ويرفع يديه كرفعه عند الافتتاح ، ثم يضعها تحت سرته ، ثم يقنتَ ، ثم يركع ، ولا يقنت في صلاة غير الوتر إلا لنازلة في الصلاة الجهرية ، وأما قنوت النبي ◌ُّ في الفجر شهراً فهو منسوخ بالإجماع ، لما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قنت في صلاة الفجر شهراً ثم تركه(١) . وحكمه عندهم : أنه واجب عند أبي حنيفة ، سنة عند الصاحبين ، كالخلاف الآتي في الوتر . ومحل أدائه : الوتر في جميع السنة قبل الركوع من الركعة الثالثة ، بدليل ماروي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وهم ( عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب ) أن قنوت رسول الله مترٍ كان في الوتر قبل الركوع (٢). ومقداره كمقدار: إذا السماء انشقت، لما روي عن النبي مع ال أنه كان يقرأ في القنوت : اللهم إنا نستعينك ، أو اللهم اهدنا فين هديت الخ ، وكلاهما على مقدار هذه السورة . وصيغة الدعاء المفضلة عندهم وعند المالكية: (( اللهم إنا نستعينك ونستهديك ، ونستغفرك ونتوب إليك ، ونؤمن بك ونتوكل عليك ، ونثني عليك الخير كله ، نشكرك ولا نكفرك، ونخلَع ونترك من يفجُرُك ، اللهم إياك نعبد ، ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفِد ، نرجو رحمتك ونخشى (١) رواه البزار والطبراني وابن أبي شيبة والطحاوي (نصب الراية: ٢ / ١٢٧) وروى أحمد والترمذي وصححه وابن ماجه عن أبي مالك الأشجعي أن أباه صلى خلف الرسول مَيتم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، فلم يقنت واحد منهم. وروى أحمد عن أنس أن النبي مٍَّ قنت شهراً ثم تركه . وروى البخاري عن أنس ((كان القنوت في المغرب والفجر)) وروى أحمد والبخاري أن النبي ◌َاقل دعا على مضر، حتى أنزل الله تعالى: ((ليس لك من الأمر شيء))، وروى أحمد ومسلم والترمذي وصححه عن البراء بن عازب أن النبي ◌ٍَّ كان يقنت في صلاة المغرب والفجر)) ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٣٨ - ٣٤٤). (٢) نصب الراية : ٢ / ١٢٣ وما بعدها . - ٨١٠ - عذابك، إن عذابك الجدّ بالكفار مُلحِق))(١) وهو الدعاء المشهور لابن عمر ، ولامانع من صحة نسبته لكل من عمر وابنه . وذلك بدليل ماأخرجه أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران ، قال : ((بينما رسول الله عَ لٍ يدعو على مضر، إذ جاءه جبريل، فأومأ إليه أن اسكت ، فسكت ، فقال : يا محمد ، إن الله لم يبعثك سباباً ولالعَّاناً، وإنما بعثك رحمة للعالمين ، ليس لك من الأمر شيء ، ثم علّمه القنوت : اللهم إنا نستعينك ... إلخ )) (٢) ولأن الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على هذا القنوت، فالأولى أن يقرأه . ولو قرأ غيره جاز، ولو قرأ معه غيره، كان حسناً . والأولى أن يقرأه بعدما علم رسول الله عَ لّ الحسن بن علي رضي الله عنهما في قنوته : اللهم اهدنا فين هديت .. إلى آخره(7). ثم بعده يصلي فيه على النبي ◌ُّ وآله، على المفتى به ، فيقول: (( وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم )) . ومن لا يحسنه بالعربية أو لا يحفظه ، إما أن يقول : يارب أو اللهم اغفر لي ثلاثاً أو ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)) والآية الأخيرة أفضل . وصفته من الجهر والإسرار : المختار أنه يخفيه الإمام والمقتدي . وحكمه حال نسيانه : إذا نسي المصلي القنوت حتى ركع ، ثم تذكر بعدما رفع رأسه من الركوع ، لا يعود إليه ، ويسقط عنه القنوت . كما يسقط عنه في ظاهر الرواية إذا تذكره في الركوع ، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته قبل السلام ، (١) معنى: ((نخلع)) نلقي وتترك، ونحفد: أي نبادر ونسرع في تحصيل عبادتك بنشاط، كالمشي إلى المسجد ، والجد : الحق ، أي ضد الهزل ، وملحق أي لاحق بهم ، أو ملحق بهم ، بكسر الحاء وفتحها ، والكسر أفصح . (٢) نصب الراية : ٢ / ١٣٥ وما بعدها . (٣) رواه الترمذي وأبو داود ( المجموع : ٢ / ٤٧٧ ). - ٨١١ - لفوات القنوت عن محله ، فإن عاد إليه وقنت ، ولم يعد الركوع ، لم تفسد صلاته ، لكون ركوعه بعد قراءة تامة . ويأتي المأموم بقنوت الوتر ، ولو اقتدى بشافعي يقنت بعد الركوع ، لأنه مجتهد فيه . وإذا أدرك المقتدي الإمام في ركوع الثالثة من الوتر ، كان مدركاً للقنوت حكماً ، فلا يأتي به في آخر صلاته . وقالوا أخيراً : إذا قنت الإمام في صلاة الفجر سكت من خلفه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وهو الأظهر ؛ لأنه منسوخ ولا متابعة فيه ، وقال أبو يوسف : يتابعه ؛ لأنه تبع لإمامه ، والقنوت مجتهد فيه . مذهب المالكية : يندب عند المالكية(١) قنوت سراً في الصبح فقط ، لا في الوتر وغيره فيكره ، وذلك قبل الركوع ، وهو أفضل ، ويجوز بعد الركوع . ولفظه المختار : اللهم إنا نستعينك ... إلخ كالحنفية، ولا يضم إليه: ((اللهم اهدنا فين هديت .. )) إلخ على المشهور . ويقنت الإمام والمأموم والمنفرد سراً ، ولا بأس برفع اليدين فيه . مذهب الشافعية : يسن عندهم(٢) القنوت في اعتدال ثانية الصبح ، وصيغته المختارة هي : (( اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فين توليت ، وبارك (١) الشرح الصغير: ١ / ٣٣١، الشرح الكبير: ١ / ٢٤٨، القوانين الفقهية: ص ٦١. (٢) مغني المحتاج: ١ / ١٦٦، المجموع: ٢ / ٤٧٤ - ٤٩٠، المهذب: ١ / ٨١، حاشية الباجوري: ١ / ١٦٨ ومابعدها . - ٨١٢ - لي فيما أعطيت ، وقني شر ماقضيت (١)، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عادیت ، تباركت ربنا وتعاليت ، فلك الحمد على ماقضيت ، أستغفرك وأتوب إليك))(٢) ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم . ويقنت الإمام بلفظ الجمع ؛ فيقول : اللهم اهدنا .. إلخ ؛ لأن البيهقي رواه بلفظ الجمع ، فحمل على الإمام، وعلله النووي في ((أذكاره )) بأنه يكره للإمام تخصيص نفسه بالدعاء لخبر: (( لا يؤم عبد قوماً ، فيخص نفسه بدعوة دونهم ، فإن فعل فقد خانهم)) (٣) . ودليلهم على اختيار هذه الصيغة : مارواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله مرّ إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية ، رفع يديه ، فيدعو بهذا الدعاء : اللهم اهدني فين هديت .. إلخ ماتقدم(٤). وزاد البيهقي فيه عبارة: ((فلك الحمد على ماقضيت(٥) .. إلخ . (١) هذا آخر الدعاء ، وما بعده الثناء ، فيؤمن المقتدي في الدعاء ، ويقول الثناء سراً ، أو يقول: أشهد .. (٢) معناه إجمالاً: اللهم دلني على الطريق التي توصل إليك ، مع من دللته إلى الطريق التي توصل إليك ، وعافني من البلايا مع من عافيته منها ، وتول أموري وحفظي مع من توليت أموره وحفظه ، وأنزل يا الله البركة : وهي الخير الإلهي فيما أعطيته لي ، واحفظني مما يترتب على ماقضيته من السخط والجزع ، وإلا فالقضاء المحتم لابد من نفوذه. وأنت تحكم ولايحكم عليك، لامعقب لحكمه ، ولا يحصل لمن واليته ذل ، ولا يحصل لمن عاديته عز، تزايد برك وإحسانك وارتفعت عما لا يليق بك. ويقول ((ربنا)) بصيغة الجمع ولو كان منفرداً اتباعاً للوارد. لك الحمد من حيث نسبته إليك ؛ لأنه لا يصدر عنك إلا الجميل ، وإنما يكون شراً بنسبته لنا ، أستغفرك من الذنوب وأتوب إليك . (٣) رواه الترمذي وحسنه . (٤) قال عنه الحاكم : صحيح . (٥) رواه البيهقي عن ابن عباس ( سبل السلام: ١ / ١٨٧) وزاد البيهقي والطبراني ((ولا يعز من عاديت)) ( المصدر السابق : ص ١٨٦ ) . - ٨١٣ - وقال أنس بن مالك: ((مازال رسول الله مُ له يقنت في الفجر، حتى فارق الدنيا)»(١) وكان عمر يقنت في الصبح بمحضر من الصحابة وغيرهم . والصحيح سن الصلاة على رسول الله معلقة في آخر القنوت للأخبار الصحيحة في ذلك . كما يسن الصلاة على الآل، وسن رفع اليدين فيه كسائر الأدعية ، اتباعاً للسنة(٢). ويسن في الدعاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء إن دعا لرفع بلاء ، وعكسه إن دعا لتحصيل شيء . وقد أفتى بعض الشافعية بأنه لا يسن ذلك عند قوله في القنوت: ((وقني شر ماقضيت )) لأن الحركة في الصلاة ليست مطلوبة . والصحيح أنه لا يمسح بيديه وجهه ، لعدم وروده ، كما قال البيهقي. والإمام يجهر بالقنوت، اتباعاً للسنة(٣)، ويؤمن المأموم للدعاء(٤) إلى قوله: ((وقني شر ماقضيت ))، ويجهر به كما في تأمين القراءة، ويقول الثناء سراً بدءاً من قوله : ((فإنك تقضي .. )) إلخ؛ لأنه ثناء وذكر فكانت الموافقة فيه أليق ، أو يقول : أشهد ، والأول أولى ، وقال بعضهم : الثاني أولى . فإن لم يسمع الإمام قنت ندباً معه سراً كسائر الدعوات والأذكار التي لا يسمعها . وهل الصلاة على النبي التّ من قبيل الدعاء ، فيؤمن فيها ، أو من قبيل الثناء فيشارك فيها ؟ المعتمد هو الأول ، لكن الأولى الجمع بينهما . ولا يرد على اقتصاره على التأمين قوله تع الى: ((رغم أنف امرئ ذكرت عنده ، فلم يصل (١) رواه أحمد وعبد الرزاق، والدارقطني وإسحاق بن راهويه ( نصب الراية: ٢ / ١٣١ وما بعدها ). (٢) رواه البيهقي بإسناد جيد . وأما المذكور في سائر الأدعية فرواه الشيخان وغيرهما . (٣) رواه البخاري وغيره . قال الماوردي : وليكن جهره به دون جهر القراءة . (٤) رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح . - ٨١٤ - علي ))(١) لأنه في غير المصلي ، على أن التأمين في معنى الصلاة عليه . ويصح الدعاء بغير هذه الصيغة ، بكل ذكر مشتمل على دعاء وثناء ، مثل : ((اللهم اغفر لي ياغفور)) فقوله: ((اغفر لي)) دعاء، وقوله: ((ياغفور)) ثناء ، ومثل (وارحمني يارحيم)) أو ((والطف بي يالطيف)) والأولى أن يقول: ((اللهم اهدني .. )» السابق . ويكره إطالة القنوت كالتشهد الأول ، لكن يستحب له الجمع بين قنوت النبي ◌َ ◌ّه((اللهم اهدني .. إلخ)) وقنوت عمر أو ابنه: ((اللهم إنا نستعينك ونستهديك )) السابق . والجمع لمنفرد وإمام جماعة التطويل ، وإن اقتصر فليقتصر على الأول . ويزاد عليها: ((اللهم عذب الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين ، الذين يصدون عن سبيلك ، ويكذبون رسولك ، ويقاتلون أولياءك . اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، الأحياء منهم والأموات ، اللهم أصلح ذات بينهم ، وألف بين قلوبهم ، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة ، وثبتهم على ملة رسولك ، وأوزعهم ( أي ألهمهم ) أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه ، وانصرهم على عدوك وعدوهم ، إله الحق، واجعلنا منهم)). والقنوت كما سنبين من أبعاض الصلاة ، فإن تركه كله أو بعضه ، أو ترك شيئاً من قنوت عمر إذا جمعه مع قنوت النبي عليه السلام ، أو ترك الصلاة على النبي ◌َّ بعده، سجد للسهو. كما يسجد للسهو إن ترك القنوت تبعاً لإمامه الحنفي ، أو تركه إمامه المذكور وأتى به هو . (١) رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة، وهو صحيح . - ٨١٥ - مذهب الحنابلة : يسن القنوت عندهم(١) كالحنفية، في الوتر في الركعة الواحدة في جميع السنة ، بعد الركوع ، كما قال الشافعي في وتر النصف الأخير من رمضان ، فإن قنت قبل الركوع فلابأس، لما روى ابن مسعود: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ قنت بعد الركوع ))(٢) وروى حميد، قال: سئل أنس عن القنوت في صلاة الصبح ؟ فقال : (( كنا نقنت قبل الركوع وبعده ))(٣). ويقول في قنوته جهراً إن كان إماماً أو منفرداً: ((اللهم إنا نستعينك .. إلخ)) ((اللهم اهدنا فيمن هديت)) والثاني أولى كما ذكر ابن قدامة ، لما روى الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال علمني رسول الله عَ اهتز كلمات أقولهن في الوتر : اللهم اهدني فيمن هديتٍ .. إلخ (٤). وعن عمر رضي الله عنه : أنه قنت في صلاة الفجر ، فقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إنا نستعينك .. إلخ ثم يصلي على النبي صَ لّه، وعلى آله . ولابأس أن يدعو في قنوته بماشاء غير ما تقدم. وإذا أخذ الإمام في القنوت أمَّن من خلفه ، ويرفع يديه ، ويمسح وجهه بيديه، لقول النبي معَ ◌ّ: ((إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك ، ولا تدع بظهورها ، فإذا فرغت فامسح بها وجهك)) (٥)، وروى السائب بن يزيد عن أبيه: ((أن النبي ◌ُ ال كان إذا دعا، رفع يديه، ومسح بها وجهه))(٦). ويؤمن المأموم بلا قنوت إن سمع ، وإن لم يسمع دعا . ؟ (١) المغني: ١ / ١٥١ - ١٥٥، كشاف القناع: ١ / ٤٩٠ - ٤٩٤. (٢) رواه مسلم . (٣) رواه ابن ماجه . (٤) أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: هذا حديث حسن ، ولانعرف عن النبي عليهم في القنوت شيئاً أحسن من هذا، ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه ( الخمسة) (سبل السلام: ١ / ١٨٦، نصب الراية: ٢ / ١٢٢) . (٥) رواه أبو داود وابن ماجه . (٦) رواه أبو داود من رواية ابن لهيعة . - ٨١٦ - ولا يسن القنوت في الصبح ولاغيرها من الصلوات سوى الوتر ، كما قال الحنفية، لما روي ((أن النبي ◌َ ◌ّ قنت شهراً، يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركه »(١). ثانياً - القنوت أثناء النوازل : قال الحنفية والشافعية والحنابلة(٢): يشرع القنوت للنازلة لامطلقاً، في الجهرية فقط عند الحنفية ، وفي سائر الصلوات المكتوبات عند غيرهم إلا الجمعة عند الحنابلة اكتفاءً بالدعاء في خطبتها(٣)، ويجهر في دعائه في هذا القنوت . والنازلة : أن ينزل بالمسلمين خوف أو قحط أو وباء أو جراد ، أو نحوها ، اتباعاً للسنة؛ لأنه ((مَ الإِ قنت شهراً يدعو على قاتلي أصحابه القراء ببئر معونة)) (٤) وعن أبي هريرة أن النبي ◌ُ ◌ّعٍ كان إذا أراد أن يدعو على أحد ، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع .. ))(٩). وكون القنوت عند النازلة لم يشرع مطلقاً بصفة الدوام ، على المشهور عند الشافعية، فلأنه مَ التّ لم يقنت إلا عند النازلة . ويدعو بنحو ماروي عن النبي صَ لّ وأصحابه ، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في القنوت: ((اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، وألف بين قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ، وانصرهم على عدوك (١) رواه مسلم، وروى أبو هريرة وأبو مسعود وأبو مالك الأشجعي عن النبي ◌َتع مثل ذلك، كما قدمنا في مذهب الحنفية . (٢) اللباب: ١ / ٧٩، حاشية الباجوري: ١ / ١٦٨، مغني المحتاج: ١ / ١٦٨، المغني: ١ / ١٥٥، كشاف القناع: ١ / ٤٩٤، المهذب: ١ / ٨٢ ، المجموع : ٣ / ٤٨٦ . (٣) هذا ماذكر في كشاف القناع وقال ابن قدامة : ولا يقنت في غير الصبح من الفرائض . (٤) رواه الشيخان، مع خبر ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). (٥) رواه أحمد والبخاري ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٤٣). الفقه الإسلامي جـ ١ (٥٢) - ٨١٧ - وعدوهم ، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك ، ويقاتلون أولياءك ، اللهم خالف بين كلمتهم ، وزلزل أقدامهم ، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين . بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إنا نستعينك)). ولا يسن السجود لترك قنوت النوازل ؛ لأنه - كما قال الشافعية - ليس من أبعاض الصلاة . المبحث السابع - صلاة الوتر : الكلام عن الوتر في بيان حكمه أو صفته واجب أم سنة ، ومن يجب عليه ، ومقداره ، ووقته ، صفة القراءة فيه ، القنوت فيه ، ومحل القنوت(١). ١ - حكم الوتر أو صفته : الوتر مطلوب بالإجماع ، لقوله عزوجل: (( يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر))(٣)، وكان واجباً على النبي عَ ◌ّة، الحديث: (( ثلاث كتبن علي ولم تكتب عليكم: الضحى، والأضحى، والوتر))(٣). وهو واجب كصلاة العيدين عند أبي حنيفة ، سنة مؤكدة وآكد السنن عند الصاحبين وبقية الفقهاء . استدل أبو حنيفة بقوله معلقة: إن الله تعالى زادكم صلاة ، ألا وهي الوتر ، (١) فتح القدير: ١ / ٣٠٠ - ٣١٠، الكتاب مع اللباب: ١ / ٧٨ وما بعدها، البدائع: ١ / ٢٧٠ - ٢٧٤، الشرح الصغير: ١ / ٤١١ - ٤١٤، الشرح الكبير: ١ / ٣١٥ - ٣١٨، المهذب: ١ / ٨٣، مغني المحتاج: ١ / ٢٢١ - ٢٢٣، المغني: ٢ / ١٥٠ - ١٦٥، القوانين الفقهية: ص ٨٩ كشاف القناع: ١ / ٤٨٦ - ٤٨٨. (٢) رواه أبو داود وصححه الترمذي .. (٣) أخرجه الحاكم وأحمد عن ابن عباس ، قال الذهبي: سكت الحاكم عنه، وهو غريب منكر ( نصب الراية : ٢ / ١١٥) . - ٨١٨ - فصلوها مابين العشاء إلى طلوع الفجر)) (١) وهو أمر والأمر للوجوب ، وإنما لم يكفر جاحده باتفاق الحنفية ؛ لأن وجوبه ثبت بسنة الآحاد ، وهو معنى ماروي عنه أنه سنة . وبناء عليه لا يجوز عنده أداؤه قاعداً أو على الدابة بلاعذر . ويؤيده أحاديث أخرى، منها حديث أبي أيوب: (( الوتر حق ، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل ))(٣). وحديث بريدة: (( الوتر حق ، فمن لم يوتر ، فليس منا))(٢). واستدل الجمهور على سنيته بأحاديث كثيرة منها : قوله مدافع للأعرابي ، حين سأله عما فرض الله عليه من الصلاة ؟ قال : خمس صلوات ، قال : هل علي غيرها ؟ قال : لا إلا أن تطَّوع))(٤). وكذَّب عبادة بن الصامت رجلاً يقول : الوتر واجب ، وقال : سمعت النبي ◌َّ يقول : خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة))(٥). وعن علي قال: (( الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة ، ولكنه سنة سنها النبي ◌ِ يرٍ))(٦). ٠ (١) روي عن ثمانية من الصحابة: خارجة بن حذافة وعمرو بن العاص ، وعقبة بن عامر ، وابن عباس ، وأبي بصرة الغفاري ، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وابن عمر ، وأبي سعيد الخدري ، روى أبو داود والترمذي وابن ماجه حديث خارجة ، وقال عنه الترمذي : حديث غريب : وأخرجه الحاكم ، وقال حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه، لتفرد التابعي عن الصحابي ( نصب الراية: ٢ / ١٠٨ - ١١١). (٢) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه ( نصب الراية: ٢ / ١١٢ ). (٣) رواه أحمد . (٤) متفق عليه، ومثله حديث معاذ في الصحيحين: ((إن الله افترض عليكم خمس صلوات في اليوم والليلة)) ( نصب الراية : ١١٤/٢ ) . (٥) رواه أبو داود وأحمد . (٦) رواه أحمد والترمذي وحسنه . - ٨١٩ - ولأنه يجوز فعله على الراحلة من غير ضرورة ، فأشبه السنن ، روى ابن عمر: ((أن النبي ◌َّ كان يوتر على بعيره))(١). وهذا الرأي هو الحق ؛ لأن أحاديث أبي حنيفة إن صحت فهي محمولة على التأكيد، وقد تكلم المحدثون فيها ، فحديث ((من لم يوتر فليس منا)) فيه ضعيف، وحديث أبي أيوب ((الوتر حق)) وإن كان رواته ثقات فمحمول على تأكيد الاستحباب ، لقول الإمام أحمد: (( من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء ، لا ينبغي أن تقبل له شهادة )). ٢ - من يجب عليه الوتر عند أبي حنيفة: الوتر عند أبي حنيفة كالجمعة والعيدين واجب على كل مسلم ، ذكر أو أنثى ، بعد أن يصبح أهلاً للوجوب ، لحديث أبي أيوب السابق: (( الوتر حق واجب على كل مسلم ، فمن أحب أن يوتر بخمس فليوتر ، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة ، فليوتر))(٢). وهو عند الجمهور سنة مؤكدة على كل مسلم . ٣ - مقداره وكيفيته : الوتر عند الحنفية ثلاث ركعات ، لا يفصل بينهن بسلام ، وسلامه في آخره ، كصلاة المغرب ، حتى لو نسي قعود التشهد الأول ، لا يعود إليه ، ولو عاد فسدت الصلاة. لحديث عائشة: ((كان رسول الله مَ ◌ّ يوتر بثلاث، لا يسلم إلا في آخرهن )»(٣) . (١) متفق عليه . (٢) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد وابن حبان والحاكم ، وقال: على شرطهما ( نصب الراية: ٢ / ١١٢) . (٣) رواه الحاكم، وقال: إنه على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه، ورواه النسائي بلفظ: ((كان النبي معَ ◌ّ لا يسلم في ركعتي الوتر))، وروي مثله عن ابن مسعود وابن عباس (نصب الراية: ٢ / ١١٨ وما بعدها) . - ٨٢٠ -