النص المفهرس

صفحات 781-800

لبنائه على التخفيف ، وترك الدعاء في التشهد الأخير خروجاً من خلاف من
أوجبه ، ومقارنة الإمام في أفعال الصلاة وأقوالها ، للخلاف في صحة صلاته
حينئذ .
وهذه الكراهة الأخيرة تفوت فضيلة الجماعة ، كالانفراد عن الصف ، وترك
فرجة فيه مع سهولة سدها ، وهو مكروه أيضاً عند الحنفية ، وتبطل الصلاة عند
الحنابلة إن صلى وحده ، والعلو على الإمام ، والانخفاض عنه لغير حاجة ولو في
المسجد ، والاقتداء بالمخالف ونحو الفاسق والمبتدع ، واقتداء المفترض بالمتنفل ،
ومصلي الظهر بمصلي العصر مثلاً وعكسه(١) ، ويكره تنزيهاً أيضاً عند الحنفية
ارتفاع الإمام بما يقع به الامتياز عن المأمومين وعكسه ، لما أخرجه الحاكم :
((أنه مُ ◌ّ نهى أن يقوم الإمام فوق، ويبقى الناس خلفه)) وعللوه بأنه تشبه
بأهل الكتاب ، فإنهم يتخذون لإمامهم دكاناً أي مرتفعاً .
٢٤ - عقص الشعر(٣) وتشمير الكم . وقيد المالكية كراهة تشمير الكم: بأن
يكون لأجل الصلاة .
ودليل كراهة العقص مارواه أحمد وابن ماجه عن أبي رافع قال : ((نهى
النبي ◌ُّ أن يصلي الرجل ورأسه معقوص)» والكراهة تنزيهية بالاتفاق. وقيد
الحنفية كراهة التشمير برفع الكم إلى المرفقين ، فلايكره مادونها .
٣٥ - الإقعاء : وهو أن يضع أليتيه على الأرض ، وينصب ركبتيه . وقال
المالكية : إنه محرم بهذا المعنى ، ولا يبطل الصلاة على الأظهر ، والمكروه عندهم له
صور أربع ، منها : أن يجعل بطون أصابعه للأرض ، ناصباً قدميه ، جاعلاً أليتيه
على عقبيه ، أو يجلس على القدمين ، وظهورهما للأرض .
(١) شرح الحضرمية : ص ٥٦ .
(٢) أي ليه وإدخال أطرافه في أصوله ، وبعبارة أخرى : ضفره .
- ٧٨١ -

ودليل كراهة الإقعاء: حديث أبي هريرة: ((نهاني رسول الله مُ لّ عن
ثلاث : عن نقرة كنقر الديك ، وإقعاء كإقعاء الكلب ، والتفات كالتفات
الثعلب))(١)، وعن علي، قال: قال النبي ◌َّ: ((لاتُفْع بين السجدتين )) وعن
أنس قال: قال ◌َ لّ: ((إذا رفعت رأسك من السجود، فلاتُفْع كما يُقْعي
الكلب ))(٢).
ويكره تنزيهاً التربع بغير عذر في الصلاة ، لترك الجلسة المسنونة ، ولا يكره
خارجها ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان جل جلوسه مع أصحابه التربع ، وكذا
عمر رضي الله عنه .
٢٦ - افتراش ذراعيه : أي مدَّهما كما يفعل السبع. لحديث عائشة في صحيح
مسلم: (( وكان ينهى عن عُقْبة الشيطان(٣)، وأن يفترش الرجل ذراعيه افتراش
السبع » والكراهة هنا تحريمية عند الحنفية .
٢٧ - قال المالكية كما بينا : يكره التصفيق في صلاة ولو من امرأة لحاجة
تتعلق بالصلاة كسهو إمامه ، أو سلامه بعد ركعتين في رباعية ، أو بغير الصلاة
كمنع مارّ بين يدي المصلي ، أو تنبيه على أمر ما. والشأن المطلوب شرعاً لمن نابه
شيء - وهو يصلي - التسبيح بأن يقول: سبحان الله.
وتكره في المذهب المالكي الصلاة على غير الأرض وماتنبته ، كما ذكرنا
سابقاً .
٢٨ - الصلاة في ثياب البذْلة ( التي يلبسها في بيته ) ، والمهنة ( أي الخدمة )
(١) أخرجه أحمد في مسنده ( نصب الراية: ٢ / ٩٢).
(٢) رواهما ابن ماجه .
(٣) وهو الإقعاء وهو أن يضع أليتيه على عَقِبيه بين السجدتين . وهذا معناه عند العرب . أما عند أهل
الحديث : فهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه .
- ٧٨٢ -

إن كان له غيرها، وإلا فلا يكره . لقوله تعالى: ﴿ خذوا زينتكم عند كل
مسجد ﴾ أي صلاة . والكراهة هنا تنزيهية اتفاقاً .
٢٩ - الصلاة في السراويل أو الإزار مع القدرة على لبس القميص، والصلاة
حاسراً ( كاشفاً ) رأسه ، للتكاسل ، ولا بأس به بقصد التذلل ؛ لأن مبنى الصلاة
على الخشوع . والكراهة هنا تنزيهية اتفاقاً ، والمستحب شرعاً أن يصلي الرجل في
ثوبین : قمیص ورداء ، أو قميص وسراويل ، لما روى أبو داود وغيره عن ابن عمر
أن النبي ◌ُّ قال: ((إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تزين
له ، فمن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ، ولا يشتمل اشتمال اليهود » كما يستحب
تغطية الرأس .
•اً - الصلاة بثياب فيها تصاوير الحيوان أو الإنسان(١) ، لقول أبي طلحة:
سمعت رسول الله مواقع يقول: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولاصورة))(٢)
ولأنه يشبه حامل الصنم، ولحديث عائشة عن البخاري عن أنس قال: ((كان
قِرام - ستر رقيق - لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي مؤ لّ: أميطي
عنك قرامك ، فإنه لاتزال تصاويره تعرض في صلاتي )» و کونه غير حرام أن
زيد بن خالد روى الحديث الأول عن أبي طلحة عن النبي ◌َ ◌ّ ؛ وقال في
آخره: (( إلا رقما في ثوب)»(٣) .
وتكره الصلاة إلى صورة منصوبة أو تمثال فوق رأسه أو بين يديه أو بحذائه
يمنة أو يسرة ، ولو في وسادة منصوبة لا مفروشة ؛ لأنه يشبه سجود الكفار
إليها ، والتشبه بعبادة الأوثان والأصنام .
(١) المغني: ١ / ٥٩٠، كشاف القناع: ١ / ٤٣٢، غاية المنتهى: ١ / ١٠٣، المهذب: ١ / ٦٦ ، المجموع :
٣ / ١٨٥ ٠
(٢) متفق عليه .
(٣) متفق عليه .
- ٧٨٣ -

ويكره السجود على الصورة ولو كانت صغيرة عند الحنابلة والشافعية ،
وقال الحنفية(١) : ولا يكره إن كانت تحت قدميه ؛ لأنها مهانة ، أو محل جلوسه ،
أو في يده ؛ لأنها مستورة بثيابه ، أو على خاتمه بنقش غير مستبين ، ولا يكره
المستقر بكيس أو صورة أو ثوب آخر . والكراهة هنا تحريمية عند الحنفية ، وأبان
الحنفية أنه لاتكره الصلاة مع وجود صورة صغيرة لاتتبين تفاصيل أعضائها
للناظر قائماً ، وهي على الأرض ، ولا الصورة المقطوعة الرأس أو الوجه أو ممحوة
عضو لاتعيش بدونه ، ولاصورة شيء غير ذي روح من النبات ونحوه ؛ لأن كل
هذه المذكورات لاتعبد. وخبر مسلم عن جبريل (( إنا لاندخل بيتاً فيه كلب أو
صورة)) مخصوص بغير المهانة .
وقال الحنفية : لابأس أن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق ؛
لأنها لا يعبدان . ولا بأس أن يصلي على ثوب فيه تصاوير ، لأن فيه استهانة
بالصور . ولاتكره الصلاة لو كانت الصورة على وسادة ملقاة ، أو على بساط
مفروش .
ويكره الصليب في ثوب، لحديث عائشة: ((أن رسول الله مع لئن كان
لا يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه)) (٢) .
إلاّ - قال الحنفية: يكره تنزيها قيام بجملته في المحراب ، لاسجوده فيه مع
وجود قدميه خارجه ، لئلا يمتاز الإمام عن المأمومين في المكان ؛ لأن المحراب في
معنى بيت آخر ، وذلك صنيع أهل الكتاب ؛ إلا إذا ضاق المكان ، فلا كراهة .
وقالوا أيضاً : يكره تنزيهاً عد الآي والسور والتسبيح باليد في الصلاة
(١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٦٠٦ ومابعدها، فتح القدير: ١ / ٢٩٤ وما بعدها، البدائع: ١ / ١١٥.
(٢) رواه أبو داود وأحمد ( نيل الأوطار: ٢ / ١٠٢).
- ٧٨٤ _

مطلقاً ، فرضاً أو نفلاً ؛ لأن ذلك ليس من أعمال الصلاة ، ولا يكره خارجها .
ويكره أن يصلي أمام متحدثين تصدر عنهم أصوات ، أو شغل ، أو نائمين يخشى
خروج شيء منهم مضحك .
ويكره أيضاً السجود على كور عمامته إذا أصابت الجبهة الأرض ، وإلا لم
تصح الصلاة . ويكره الاعتجار: وهو لَفّ العمامة على الرأس وترك وسطه
مكشوفاً .
وقالوا : لابأس باتخاذ المسبحة لغير رياء .
٣٢ - الصلاة إلى نار موقدة، لما فيها من التشبه بالمجوس عبدة النار، وهذا
كما قدمنا في بحث السترة متفق عليه ، والكراهة تنزيهية اتفاقاً ، إلا أن الشافعية لم
يذكروا ذلك من المكروهات .
٣٣ - السدل في الصلاة : أي إرسال الثوب أو الرداء على الكتفين بلا لبس
معتاد ( كالحرام والملاءة ) بدون أن يرد أحد طرفيه على الكتف الآخر . وهو عند
غير المالكية مكروه بلا عذر ، وإلا فلا يكره (١) ، لحديث أبي هريرة : أن النبي
عَّ نهى عن السَّدْل في الصلاة، وأن يُغطّي الرجل فاه))(٢).
والكراهة تحريمية عند الحنفية . وقال المالكية : إلقاء الرداء على الكتفين
مندوب ، بل يتأكد لإمام المسجد ( كالبرنس المغربي ) المعروف .
٣٤ - اشتمال الصَّاء: وهو أن يجلل جسده بالثوب لا يرفع منه جانباً ،
(١) الدر المختار: ١ / ٥٩٧ وما بعدها، البدائع: ١ / ٢١٨ وما بعدها، المجموع: ٣ / ١٨٣، كشاف القناع: ١ /
٣١٩، غاية المنتهى: ١ / ١٠١، المغني: ١ / ٥٨٤ .
(٢) رواه أبو داود ، ولأحمد والترمذي عن أبي هريرة النهي عن السدل ، ولابن ماجه : النهي عن تغطية الفم
( نيل الأوطار: ٢ / ٧٧ ومابعدها ) وذكر للسدل معنى آخر كالإسبال: وهو إرسال الثوب حتى يصيب الأرض .
الفقه الإسلامي جـ ١ (٥٠)
- ٧٨٥ _

ولا يبقي ماتخرج منه يده . وفسره الفقهاء بأن يلتحف بثوب واحد ، ليس عليه
غيره ، ثم يرفعه من أحد جانبيه ، فيضعه على منكبيه ، فيبدو منه فرجه . فعلى
هذا التفسير يكون النهي للتحريم ، وتفسد الصلاة معه (١).
*
فإن لم يظهر الفرج بأن اشتمل بالثوب ( كالحِرام ونحوه ) بحيث لا يدع منفذاً
يخرج منه يديه ، كان مكروهاً اتفاقاً ، والكراهة تحريمية عند الحنفية . لما روى
البخاري ومسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي عَ ◌ّ (( أنه نهى عن لبستين:
اشتال الصماء ، وأن يحتبي الرجل بثوب ليس بين فرجه وبين السماء شيء))(٢).
قال الشيرازي في المهذب : ويكره اشتمال الصماء : وهو أن يلتحف بثوب ، ثم
يخرج يده من قبل صدره(٣).
٣٥ - قال الحنابلة(٤): تكره الصلاة في الثوب الأحمر، كما يكره للرجال
لبسه: لما روى أحمد عن بعض الصحابة: ((نهاني رسول الله ◌ُ ◌ّ عن لبس الحمرة))
وعن عبد الله بن عمرو، قال: ((دخل على النبي ◌ُ ◌ّ رجل عليه بردان أحمران
فسلم فلم يرد النبي معطفعِ))(٥). وقال الحنفية(): يكره تنزيهاً لبس المعصفر
والمزعفر: الأحمر والأصفر للرجال ، ولا بأس بسائر الألوان للنساء .
وقال مالك : يكره الثوب الأحمر لقصد الزينة والشهرة ويجوز في المهنة
والبيوت . وأباح الشافعي لبس الثياب المصبوغة بالأحمر(٧).
:
وبدا
(١) المغني: ١ / ٥٨٤، نيل الأوطار: ٢ / ٧٦.
(٢) نيل الأوطار: ٢ / ٧٦ .
(٣) المجموع: ٣ / ١٨٢، المهذب: ١ / ٦٥ .
(٤) المغني: ١ / ٥٨٦ .
(٥) رواه الترمذي وأبو داود (جامع الأصول: ١١ / ٢٨٠).
(٦) الدر المختار: ٥/ ٢٥٢.
(٧) القسطلاني شرح البخاري : ٨ / ٤٣٠.
- ٧٨٦ -
٠٠

٣٦ - قال المالكية(١): يكره لباس مُحدّد للعورة لرقته أو لضيقه وإحاطته ،
كسراويل ، ولو بغير صلاة ؛ لأنه ليس من زي السلف .
٣٧ - الاضطباع: وهو أن يجعل الرداء تحت إبطه الأيمن ، ثم يلقي طرفه
على كتفه الأيسر ، ويترك الآخر مكشوفاً . وهو داخل في كيفية اشتمال الصماء
المنهي عنه في الحديث السابق .
٣٨ - الإتيان بأذكار الانتقال كالتكبير والتسميع والتحميد في غير محلها ، كأن
يكبر للركوع بعد أن يتم ركوعه ، أو يقول : سمع الله لمن حمده ، بعد تمام
القيام ؛ لأن السنة أن يكون ابتداء الأذكار عند ابتداء الانتقال .
وقال الحنابلة : إن ذلك مبطل للصلاة إن تعمده .
وقال المالكية : إن ذلك خلاف المندوب .
٣٩ - ترك اتخاذ السترة أمام المصلي، كما بينا.
وأخيراً ... قال الحنفية : يكره تحريماً استقبال القبلة بالفرج في بيت
الخلاء ، للنهي عنه في السنة ، ويكره الاستدبار ، لما فيه من ترك التعظيم لها .
وحديث النهي: (( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ، ولاتستدبروها ، ولكن
شرّقوا أو غربوا))(٢).
وهذا من المكروهات خارج الصلاة ، وقد قدمنا الكلام عليه في بحث آداب
قضاء الحاجة .
(١) الشرح الكبير: ١ / ٢١٧ وما بعدها .
(٢) رواه الأئمة الستة عن أبي أيوب الأنصاري ( نصب الراية : ٢ / ١٠٢).
- ٧٨٧ -

المطلب الثاني - الأماكن التي تكره الصلاة فيها :
حرم الحنابلة الصلاة في هذه الأماكن ، وكره الشافعية والحنفية ذلك(١)
والكراهة تحريمية عند الحنفية ، لثبوت النهي عنها في السنة ، ويذكرونها عادة
في شروط الصلاة عند طهارة المكان، روى ابن عمر: (( أن رسول الله څے نهى
أن يصلى في سبعة مواطن : في المزبلة، والَجْزرة ، والمَّقْبرة ، وقارعة الطريق ،
وفي الحمام، وفي أعطان الإبل، وفوق ظهر بيت الله))(٢) وهو إن صح يدل على
تحريم الصلاة في هذه المواطن وهو رأي الحنابلة . وحكمة النهي وتفصيل الحكم فيها
يتجلى فيما يأتي :
اً - الصلاة في قارعة الطريق، أي أعلاه أو أوسطه : مكروهة عند الحنفية
والشافعية(٣)؛ لأن الطريق ممر الناس ، فلا يؤمن من المرور، ولا من النجاسة ، إذ
لاتخلو من الأرواث والأبوال ، فينقطع الخشوع بممر الناس ، فإن صلى فيه ،
صحت الصلاة ؛ لأن المنع لترك الخشوع ، أو لمنع الناس من الطريق ، وذلك
لا يوجب بطلان الصلاة، ولقوله اله: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً:
وفي لفظ: ((فحيثما أدركتك الصلاة، فصل، فإنه مسجد)) وفي لفظ: (( أينما
أدركتك الصلاة فصل ، فإنه مسجد))(٤). وذكر الشافعية : أن الصلاة تكره في
الأسواق والرحاب الخارجة عن المسجد .
(١) البدائع: ١ / ١١٥ ومابعدها، الشرح الصغير: ١ / ٢٦٧ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص ٤٩، ٥٢ ، مغني
المحتاج: ١ / ٢٠٣، حاشية قليوبي وعميرة: ١ / ١٢٠، المهذب: ١ / ٦٣، المجموع: ٣ / ١٦٤ - ١٦٨، المغني: ٢ /
٦٧ - ٧٦، كشاف القناع: ١ / ٣٤١ - ٣٤٩.
(٢) رواه عبد بن حميد في مسنده ، وابن ماجه والترمذي ، وقال : إسناده ليس بذاك القوي ، ففيه راو ضعيف
( نيل الأوطار: ٢ / ١٣٨ ).
(٣) المعتمد عند الشافعية : الكراهة في طريق البنيان لا البرية .
(٤) متفق عليه .
- ٧٨٨ -

وقال المالكية : تجوز الصلاة بلا كراهة في محجة الطريق والمزبلة والمقبرة
والحمام والمجزرة ، أي وسطها إن أمنت النجاسة . فإن لم تؤمن بأن كانت محققة أو
مظنونة فهي باطلة ، وإن كانت مشكوكة أعيدت على الأرجح في الوقت ، إلا
إذا صلى في الطريق لضيق المسجد وشك في الطهارة فلا إعادة عليه .
ولكن تظل الكراهة إن صلى بطريق من يمر بين يديه .
وقال الحنابلة : تحرم الصلاة ولا تصح في قارعة الطريق(١) والمزبلة والمقبرة
والمجزرة والحمام ومعاطن الإبل ، كما لاتصح الصلاة في أسطحتها ؛ لأن الهواء تابع
للقرار فيها ، بدليل أن الجنب يمنع من اللبث على سطح المسجد ، وأن من حلف
لا يدخل داراً يحنث بدخول سطحها .
ولا تصح الصلاة في ساباط على طريق ؛ لأن الهواء تابع للقرار فيها ، ولاعلى
سطح نهر ؛ لأن الماء كالطريق لا يصلى عليه .
واستثنوا صلاة الجنازة في المقبرة وعلى سطحها ، فإنها تصح ، كما استثنوا
طريق البيوت القليلة وماعلا عن جادة الطريق يمنة ويسرة ، فتصح الصلاة فيه
بلاكراهة ، لأنه ليس بمحجة . وتجوز الصلاة في هذه الأماكن لعذر ، كأن حبس
فيها .
وقالوا : المنع من هذه المواضع تعبدي ، لالعلة معقولة بوهم النجاسة
ونحوه . ودليلهم العمل بنص رواية ابن عمر. هذا ماذكر في كشاف القناع .
وقال ابن قدامة في المغني : الصحيح أنه لابأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع
إلا المقبرة؛ لأن قوله عليه: ((جعلت لي الأرض مسجداً)» يتناول الموضع الذي
(١) قارعة الطريق : يعني التي تقرعها الأقدام . ومحجة الطريق : الجادة المسلوكة التي تسلكها السابلة أي
المارة .
- ٧٨٩ -

يصلي فيه من هي في قبلته . لكن يكره أن يصلي إلى هذه المواضع ، فإن فعل
صحت صلاته . وعليه يكون رأي الحنابلة کالجمهور .
ودليلهم على استثناء المقابر: حديثان صحيحان وهما: ((إن من كان قبلكم
كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ،
إني أنهاكم عن ذلك ، وقال : لعنة الله على اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد ))(١) فلا تصح الصلاة إلى القبور للنهي عنها ، ويصح إلى غيرها لبقائها في
عموم الإباحة ، وامتناع قياسها على ماورد النهي فيه .
اً - الصلاة في داخل الحمام : مكروهة عند الحنفية والشافعية والحنابلة؛
لأنها مأوى الشياطين ، ومظنة انكشاف العورات ، ومصب الغسالات والنجاسات
عادة .
٣ - الصلاة في معاطن الإبل، أي مباركها (٢): مكروهة عند القائلين بنجاسة
أبوالها وأروائها ، وهم الحنفية والشافعية ، أو لما فيها من النفور ، فربما نفرت ،
وهو في الصلاة ، فتؤدي إلى قطعها ، أو أذى يحصل له منها ، أو تشويش الخاطر
الملهي عن الخشوع في الصلاة .
وتكره الصلاة في مبارك الإبل عند المالكية أيضاً ، للعلة السابقة غير
النجاسة ، ولاتكره في مرابض ( مجالس ) الغنم والبقر ، بدليل حديث أبي
هريرة: (( صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل))(٣) وعدم كراهة
الصلاة في مرابض الغنم متفق عليه .
(١) الحديث الأول رواه مسلم والنسائي عن جندب بن عبد الله البجلي. والثاني رواه الشيخان وأبو داود عن
أبي هريرة بلفظ: ((قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (نيل الأوطار: ٢ / ١٣٦، الجامع الصغير:
٢ / ٨٠ ) .
(٢) أي موضع بروكها عند شربها ، والمعاطن : جمع معطن ، والعطن : مبرك الإبل حول الماء .
(٣) رواه أحمد والترمذي وصححه ( نيل الأوطار: ٢ / ١٣٧) والمرابض للغنم كالمعاطن للإبل فهي المراقد .
- ٧٩٠ -

وتعاد الصلاة في الوقت عندهم إن صليت في معاطن الإبل ، وإن أمنت
النجاسة ، أو فرش فراش طاهر ، تعبدأ على الأظهر .
٤ - الصلاة في المزبلة والمجزرة : مكروهة عند غير المالكية، لمجاورة
النجاسة ، أو مظنة وجودها ، فالأولى موضع النجاسة ، وجمع الأوساخ والنفايات
والذباب والثانية : موضع ذبح الحيوان . وذلك إذا بسط على الموضع طاهراً وصلى
عليه ، وإلا لم تصل الصلاة ؛ لأنه مصل على نجاسة ، وتكره عند الشافعية على
الحائل إذا كانت النجاسة محققة ، فإن بسطه على ماغلبت فيه النجاسة ، لم
تكره .
والحُش(١) المعد للنجاسة أولى بمنع الصلاة فيه من بابه وموضع الكنيف ،
وسطحه ؛ لأنه لما منع الشرع من ذكر الله والكلام فيه ، كان منع الصلاة فيه من
باب أولى .
الكاجر
٥ - الكنيسة ( معبد النصارى) والبيعة (معبد اليهود ) ونحوهما من أماكن
الكفر : تكره الصلاة فيها عند الجمهور وابن عباس ، مطلقاً عامرة أو دارسة ؛ إلا
لضرورة كحر أو برد أو مطر ، أو خوف عدو أو سبع ، فلاكراهة .
وحكمة الكراهة : أنها مأوى الشياطين ، لأنها لاتخلو من التماثيل والصور ،
ولأنها موضع فتنة وأهواء ، مما يمنع الخشوع .
وقال الحنابلة : لابأس بالصلاة في الكنيسة النظيفة ، وقد رخص فيها
الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والشعبي والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ،
(١) بفتح الحاء وضمها: وهو ما أعد لقضاء الحاجة، ولو مع طهارته من النجاسة. وأصله لغة: البستان ، ثم
أطلق على محل قضاء الحاجة ؛ لأن العرب كانوا يقضون حوائجهم في البساتين ، وهي الحشوش ، فسميت الأخلية في
الحضر حشوشاً .
- ٧٩١_

وروي أيضاً عن عمر وأبي موسى الأشعري. واستدلوا: بأن النبي ◌ُ ◌ّ صلى في
الكعبة وفيها صور(١)، وهي داخلة في عموم قوله عليه السلام: ((فأينما أدركتك
الصلاة ، فصل ، فإنه مسجد )) .
قال النووي في المجموع : وتكره الصلاة في مأوى الشياطين كالخمارة وموضع
المكس ونحو ذلك من المعاصي الفاحشة .
أً - الصلاة في المقبرة: مكروهة عند الجمهور غير المالكية، لنجاسة ما تحتها
بالصديد ولما فيها من التشبه باليهود ، كما في الحديث السابق: (( لعن الله اليهود
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، فلا تتخذوا قبري بعدي مسجداً )»، ولهم تفصيل في
شأن الصلاة في المقابر :
قال الحنفية : تكره الصلاة في المقبرة إذا كان القبر بين يدي المصلي ، بحيث
لو صلى خاشعاً وقع بصره عليه . أما إذا كان خلفه أو فوقه أو تحته فلاكراهة على
التحقيق ، كما لاكراهة في الموضع المعد للصلاة بلانجاسة ولاقذر ، ولاتكره الصلاة
مطلقاً في أماكن قبور الأنبياء .
وقال الشافعية : تكره الصلاة في المقبرة التي لم تنبش ، سواء أكانت القبور
أمامه أم خلفه أم عن يمينه أم شماله ، أم تحته ، إلا مقابر الأنبياء وشهداء المعركة ؛
لأن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ، وإنما هم أحياء في
قبورهم يصلون ، كما أن الشهداء أحياء ، إلا إن قصد تعظيمهم فيحرم . أما المقبرة
المنبوشة فلاتصح الصلاة فيها بغير حائل ومعه تكره .
وقال الحنابلة : المقبرة : مااحتوت على ثلاثة قبور فأكثر في أرض موقوفة
(١) حقق ابن القيم في زاد المعاد أن النبي ◌َ ◌ّ دخل الكعبة يوم فتح مكة، فأزال الصور منها، ثم كبر في
جهاتها الأربع ، ولم يصل .
- ٧٩٢ -

للدفن ، فإن لم تحتو على ثلاثة فالصلاة فيها صحيحة بلاكراهة إن لم يستقبل
القبر ، وإلا كره .
ولا تصح الصلاة عندهم في المقابر، لحديث أبي سعيد مرفوعاً: ((الأرض كلها
مسجد ، إلا المقبرة والحمام))(١) وتكره الصلاة إلى المقبرة بلاحائل لحديث أبي مَرْثد
الغَنَوي: (( لاتصلوا إلى القبور، ولاتجلسوا عليها))(٣).
وحديث ابن عمر: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ، ولا تتخذوها قبوراً))(٣)
وذلك سواء حدث المسجد بعد المقبرة أم حدثت المقبرة بعده ، حوله أو في
قبلته .
لاً - الصلاة فوق الكعبة : مكروهة لما فيها من ترك التعظيم المأمور به ،
ولعدم وجود السترة الثابتة بين يدي المصلي ، لأنه مصلي على البيت لا إلى
البيت . ولكن تصح الصلاة على ظهر الكعبة أو في الكعبة إذا كانت نافلة
بالاتفاق ، ولا تصح الفريضة فيهما عند المالكية والحنابلة ، وتصح فيهما الصلاة
مطلقاً فرضاً أو نفلاً عند الحنفية والشافعية ، كما بينا في شرط استقبال القبلة ؛
لأن النبي ◌ُّ ((صلى في البيت ركعتين)) إلا أنه إن صلى تلقاء الباب، أو على
ظهرها وكان بين يديه شيء من بناء الكعبة متصل بها ، صحت صلاته عند
الحنابلة ، فإن لم يكن بين يديه شاخص ، لا تصح صلاته عندهم ؛ لأنه غير
مستقبل لشيء منها .
(١) رواه الخمسة إلا النسائي، وأخرجه أيضاً الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم ، قال الترمذي: وهذا
حديث فيه اضطراب، روي مرسلاً ( نيل الأوطار: ٢ / ١٣٣ ).
(٢) رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه ( نيل الأوطار: ٢ / ١٣٤) .
(٣) رواه الجماعة إلا ابن ماجه ( نيل الأوطار: ٢ / ١٣٥)
- ٧٩٣ -

لكن قال ابن قدامة(١) : والأولى أنه لا يشترط كون شيء منها بين يديه ؛
لأن الواجب استقبال موضعها وهوائها ، دون حيطانها ، بدليل ما لو انهدمت
الكعبة ، صحت الصلاة إلى موضعها ، ولو صلى على جبل عال يخرج عن
مسامتتها ، صحت صلاته إلى هوائها ، فكذا ههنا .
المطلب الثالث - ما لا يكره فعله في الصلاة :
تبين مما سبق أن الصلاة لا تكره في الأفعال الآتية عند الحنفية (٢):
١ - لا بأس بالصلاة إلى ظهر إنسان قائم أو قاعد ، ولو كان يتحدث ما لم يكن
منه تشويش للصلاة ؛ لأن ابن عمر ربما كان يستقر بمولاه ((نافع)) في بعض أسفاره .
٢ - ولا بأس أن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق لأنها
لا يعبدان .
٣ - لا يكره السجود على بساط فيه تصاوير لذي روح ، لم يسجد عليها ؛
لأن فيه استهانة بالصور بالوطء عليها .
٤ - لا يكره باتفاق العلماء قتل حية وعقرب ونحوهما من كل حيوان مؤذ ،
ولو بضربتين ، ما لم يقتض ذلك عملاً كثيراً ، ولو أدى إلى الانحراف عن القبلة ،
لحديث أبي هريرة السابق: ((أن النبي ◌ٍُّ أمر بقتل الأسودين في الصلاة :
العقرب والحية))(٣)
٥ - لا مانع من نفض ثوبه بعمل قليل ، كيلا يلتصق بجسده في الركوع ،
تحاشياً عن ظهور الأعضاء .
(١) المغني : ٢ / ٧٤
(٢) مراقي الفلاح : ص ٥٩
(٣) رواه الخمسة وصححه الترمذي ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٣٦)
١
- ٧٩٤ _
مے

٦ - لا بأس باتفاق العلماء بالفتح على الإمام من المأموم إذا أرتج عليه ، أو
غلط في التلاوة ، لما فيه من التنبيه إلى ما هو مشروع في الصلاة ، كما سيأتي في
بحث مبطلات الصلاة .
٧ - المراوحة بين الرجلين : بأن يعتمد مرة على هذه ، ومرة على هذه ، لأنه
أدعى لطول القيام ، وتكره إذا كثرت ، لدلالتها على الملل وهو مكروه .
المطلب الرابع - ما تحرم الصلاة فيه ( الصلاة في الموضع
المغصوب ) :
الصلاة في الأرض المغصوبة حرام بالإجماع ؛ لأن اللبث فيها يحرم في غير
الصلاة، فلأن يحرم في الصلاة أولى(١).
وهل تصح الصلاة في المكان المغصوب ؟
قال الجمهور غير الحنابلة : الصلاة صحيحة ؛ لأن النهي لا يعود إلى الصلاة ،
فلم يمنع صحتها ، كما لو صلى وهو يرى غريقاً يمكنه إنقاذه ، فلم ينقذه ، أو
حريقاً يقدر على إطفائه فلم يطفئه ، أو مطل غريمه الذي يمكن ايفاؤه وصلى .
ويسقط بها الفرض مع الإثم ، ويحصل بها الثواب ، فيكون مثاباً على فعله ،
عاصياً بمقامه ، واثمه إذن للمكث في مكان مغصوب .
وقال الحنابلة في الأرجح عندهم : لا تصح الصلاة في الموضع المغصوب ، ولو
كان جزءاً مشاعاً ، أو في ادعائه الملكية ، أو في المنفعة المغصوبة من أرض أو
حيوان أو بادعاء إجارتها ظالماً ، أو وضع يده عليها بدون حق ؛ لأنها عبادة أتى
بها على الوجه المنهي عنه ، فلم تصح ، كصلاة الحائض وصومها ، وذلك لأن
(١) المجموع: ٣ / ١٦٩، المهذب: ١ / ٦٤، البدائع: ١ / ١١٦، المغني: ١ / ٥٨٨، و٢ / ٧٤، كشاف
القناع : ١ / ٣١٣، ٣٤٣ - ٣٤٦
- ٧٩٥ _

النهي يقتضي تحريم الفعل واجتنابه والتأثيم بفعله ، فكيف يكون مطيعاً بما هو
عاص به ، ممتثلاً بما هو محرم عليه ، متقرباً بما يبعد به ؟ ! فإن حركاته وسكناته
من القيام والركوع والسجود أفعال اختيارية ، هو عاص بها منهي عنها .
ويختلف الأمر عن إنقاذ الغريق وإطفاء الحريق ؛ لأن أفعال الصلاة في نفسها
منهي عنها .
وأضاف الحنابلة : أنه يصح الوضوء والأذان وإخراج الزكاة والصوم والعقود
كالبيع والنكاح وغيرهما ، والفسوخ كالطلاق والخلع ، في مكان مغصوب ؛ لأن
البقعة ليست شرطاً فيها ، بخلاف الصلاة .
وتصح الصلاة في بقعة أبنيتها غصب ، ولو استند إلى الأبنية لإباحة البقعة
المعتبرة في الصلاة .
وتصح صلاة من طولب برد وديعة أو رد غصب ، قبل دفعها إلى صاحبها ،
ولو بلا عذر ؛ لأن التحريم لا يختص بالصلاة
ولو صلى على أرض غيره ولو كانت مزروعة بلا ضرر ولا غصب ، أو صلى
على مصلاه بلا غصب ولا ضرر ، جاز وصحت صلاته .
وإن صلى في غصب من بقعة أو غيرها جاهلاً أو ناسياً كونه غصباً ، صحت
صلاته ؛ لأنه غير آثم .
وإذا حبس في مكان غصب، صحت صلاته، لحديث: (( عفي عن أمتي
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )) .
الأرض المسخوط عليها : وتصح الصلاة في الأرض المسخوط عليها ،
- ٧٩٦ _

كأرض الخسف، وكل بقعة نزل فيها عذاب، كأرض بابل، وأرض الحِجْر(١) ،
ومسجد الضرار(٢) ، وتكره الصلاة في هذه المواضع؛ لأن هذا المسجد موضع
مسخوط عليه، وقد قال النبي صل فلم يوم مر بالحجر: ((لا تدخلوا على هؤلاء
المعذبين إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم))(٣) .
ملحق بأنواع اللباس في الصلاة :
ذكر الشافعية والحنابلة أنواعاً أربعة للباس(٤):
١ - ما يجزئ من اللباس :
وهو ثوب واحد يستر العورة ، وبعضه - عند الحنابلة - أو غيره على عاتقه
لما روى عمرو بن سلمة «أنه رأى رسول الله الله يصلي في ثوب واحد، في بيت
أم سلمة، قد ألقى طرفيه على عاتقه))(٥)، وعن جابر أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: إذا كان
الثوب واسعاً، فالتحف به ، وإذا كان ضيقاً ، فائتزر به ))(٦) وغير ذلك من
الأحاديث .
ـعالـ
ويجب ستر العورة بما لا يصف البشرة من ثوب صفيق أو جلد أو ورق ،
فإن ستر بما يظهر منه لون البشرة من ثوب رقيق ، لم يجز؛ لأن الستر لا يحصل
بذلك .
(١) ديار ثمود بين المدينة والشام ، وهم قوم صالح عليه السلام.
(٢) هو مسجد بناه المنافقون ، مجاور لمسجد قباء في المدينة ، ليكون مركزاً للمؤامرات ، وفيه نزلت الآيات :
﴿والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وارصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل ... ﴾ ( الآية
١٠٧ من سورة التوبة )
(٣) تفسير ابن كثير : ٢ / ٥٥٦
(٤) المغني: ١ / ٥٨٢ - ٥٨٨، المهذب: ١ / ٦٤ - ٦٦
(٥) متفق عليه
(٦) رواه البخاري وغيره
- ٧٩٧ _

٢ - ثياب الفضيلة :
وهو أن يصلي الرجل في ثوبین أو أكثر ، فإنه أبلغ وأم في الستر ، روي عن
عمر أنه قال : « إذا أوسع الله فأوسعوا ، جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار
وبرد ، أو في إزار وقميص ، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل
وقميص، في سراويل وقباء، في تُبّان وقميص))(١)، وقال عمر أيضاً: ((إذا كان
لأحدكم ثوبان ، فليصل فيها ، فإن لم يكن إلا ثوب واحد ، فليتزر به ،
ولا يشتمل اشتمال اليهود ))(٢)
والمستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب : خمار تغطي به الرأس والعنق ،
ودِرْع تغطي به البدن والرجلين ، وملحفة صفيقة ، تستر بها الثياب ، لقول عمر
رضي الله عنه: ((تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار)) ولقول عبد
الله بن عمر رضي الله عنهما: (( تصلي في الدرع، والخمار والملحفة)»
والمستحب أن تكثف المرأة جلبابها ، حتى لا يصف أعضاءها ، وتجافي
الملحفة عنها في الركوع والسجود ، حتی لا یصف ثيابها .
٣ - الثياب المكروهة :
اشتال الصماء :
وهو أن يلتحف بثوب ، ثم يخرج يديه من قبل صدره ، كالعباءة اليوم .
وقيل : أن يضطبع بالثوب ليس عليه غيره . ومعنى الاضطباع : أن يضع وسط
الرداء تحت عاتقه الأيمن ، وطرفيه على منكبه الأيسر ، ويبقى منكبه الأيمن
مكشوفاً . وقد سبق بيان ذلك في مكروهات الصلاة .
(١) رواه البخاري ، والتُبَّان: بالضم والتشديد: سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة، وقد يكون
للملاحین
(٢) رواه أبو داود
- ٧٩٨ -

ويكره السدل أيضاً : وهو أن يلقي طرف الرداء من الجانبين ، ولا يرد أحد
طرفيه على الكتف الأخرى ، ولا يضم الطرفين بيديه ، كالحرام أو الملاءة الآن .
وقد سبق بيانه .
ويكره أيضاً إسبال القميص والإزار والسراويلات على وجه الخيلاء ،
لأن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه))(١) وقوله أيضاً:
((من أسبل إزاره في صلاته خيلاء ، فليس من الله جل ذكره في حل
ولاحرام ))(٢) .
ويكره أن يغطي الرجل وجهه أو فمه ، لما ذكرنا من حديث أبي هريرة
((أن النبي ◌ُ ◌ّ نهى أن يغطي الرجل فاه)).
وروي عن الحنابلة في كراهة التلثم على الأنف روايتان : إحداهما : يكره
لأن ابن عمر كرهه . والأخرى : لا يكره : لأن النهي ورد في تغطية الفم .
وتكره الصلاة في الثوب المزعفر للرجل، وكذلك المعصفر؛ لأن ((النبي
مَُّ نهى الرجال عن التزعفر))(٢) وروى مسلم عن علي قال: ((نهائي النبي ◌ُ ◌ّ
عن لباس المعصفر)) وقال عبد الله بن عمرو: ((رأى النبي ◌ُّ علي ثوبين
معصفرين ، فقال : إن هذا من ثياب الكفار ، فلا تلبسهما ))
ولا يكره شد الوسط بمنطقة أو مئزر أو ثوب أو شد قباء .
ويكره للرجال عند الحنابلة لبس الثوب الأحمر والصلاة فيه ، لحديث عبد
الله بن عمرو السابق: أن النبي ◌َّ اللّه لم يرد السلام على رجل عليه بردان أحمران،
(١) متفق عليه
(٢) رواه أبو داود عن ابن مسعود ، ورواه أيضاً الترمذي والنسائي عن ابن عمر، وقال الترمذي : حديث
صحيح .
(٣) رواه الشيخان ( البخاري ومسلم )
- ٧٩٩ -

قال ابن القيم: وقد صح عنه ◌َ ◌ّه من غير معارض النهي عن لبس المعصفر
والأحمر(١).
٤ - ما يحرم لبسه والصلاة فيه :
وهو قسمان :
أ - قسم يعم الرجال والنساء : وهو نوعان: النجس : فلا تصح الصلاة فيه
ولاعليه ؛ لأن الطهارة من النجاسة شرط .
والثاني : المغصوب ، وتصح الصلاة فيه عند الجمهور ، ولاتصح فيه عند
الحنابلة كما بينا .
ب - ما يختص تحريمه بالرجال دون النساء : وهو الحرير، والمنسوج
بالذهب ، والمموه به ، يحرم لبسه وافتراشه في الصلاة وغيرها. لقوله مج لّ:
((حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم))(٢) وقوله أيضاً:
((لا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة))(٣)
ولاخلاف في تحريم الحرير على الرجال إلا لعارض أو عذر . وسيأتي مزيد
بيان لذلك في بحث الحظر والإباحة .
المبحث الخامس - الأذكار الواردة عقب الصلاة :
يسن ذكر الله والدعاء المأثور والاستغفار عقب الصلاة ، إما بعد الفريضة
مباشرة إذا لم يكن لها سنة بعدية كصلاة الفجر وصلاة العصر ، وإما بعد الانتهاء
من السنة البعدية كصلاة الظهر والمغرب والعشاء ؛ لأن الاستغفار يعوض نقص
الصلاة ، والدعاء سبيل الحظوة بالثواب والأجر بعد التقرب إلى الله بالصلاة .
(١) زاد المعاد: ١ / ٤٤١، ط الرسالة.
(٢) أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي موسى ، وقال : حديث حسن صحيح .
(٣) متفق عليه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
- ٨٠٠ -