النص المفهرس

صفحات 761-780

۔۔
أبي جهم الأنصاري السابق . ويكره تعرض المصلي لمكان فيه مرور ، كما قال
الشافعية .
المرور أمام المصلي في أثناء الطواف : اتفق الفقهاء على أنه يجوز المرور
بين يدي المصلي الطائف بالبيت أو داخل الكعبة أو خلف مقام إبراهيم عليه
السلام ، وإن وجدت سترة ، وأضاف الحنابلة أنه لا يحرم المرور بين يدي المصلي
في مكة كلها وحرمها .
١٠ - موضع حرمة المرور :
قال الحنفية(١) : إن كان يصلي في الصحراء أو في مسجد كبير ، فيحرم المرور
في الأصح بين يديه ، من موضع قدمه إلى موضع سجوده . وإن كان يصلي في
بيت أو مسجد صغير ( وهو ما كان أقل من أربعين ذراعاً على المختار) ، فإنه يحرم
المرور من موضع قدميه إلى حائط القبلة ؛ لأنه كبقعة واحدة ، إن لم يكن له
سترة .
فلو كانت له سترة لا يضر المرور وراءها .
ولا يجعل المسجد الكبير أو الصحراء كمكان واحد ؛ لأنه لو جعل كذلك ،
لزم الحرج على المارة ، فاقتصر على موضع السجود .
وقال المالكية(٢) : إن صلى لسترة حرم المرور بينه وبين سترته ، ولا يحرم
من ورائها ، وإن صلى لغير سترة ، حرم المرور في موضع قيامه وركوعه وسجوده
فقط .
(١) الدر المختار ورد المختار: ٥٩٣/١
(٢) الشرح الكبير: ٢٤٦/١، حاشية الصاوي على الشرح الصغير: ٣٣٥/١.
- ٧٦١ -

وقال الشافعية (١) : يحرم المرور فيمابين المصلي وسترته بقدر ثلاثة أذرع
فأقل .
وقال الحنابلة (٢) : إن اتخذ المصلي سترة حرم المرور بينه وبينها ولو بعدت ،
وإن لم يتخذ سترة حرم المرور في مسافة بقدر ثلاثة أذرع من قدمه .
١١ - دفع المار بين يدي المصلي :
يرى أكثر العلماء أن للمصلي منع المار بين يديه ودفعه ، لما ثبت في السنة من
الأحاديث الصحيحة، منها ما رواه ابن عمر: أن النبي ◌ُ الثّ قال: ((إذا كان
أحدكم يصلي ، فلا يدع أحداً يمرّ بين يديه ، فإن أبى فلْيقاتلْه ، فإن معه
القَرين))(٣)
ومنها حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت النبي ◌ُ ◌ّ يقول: ((إذا
صلَّى أحدكم إلى شيء يستُره من الناس ، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه،
فليدفعه ، فإن أبى فليقاتله ، فإنما هو شيطان)))
ولكن اختلف الفقهاء في أفضلية دفع المار :
فقال الحنفية(٥): هو رخصة، والأولى تركه ، والعزيمة ترك التعرض له .
أما الأمر بمقاتلة المار فكان في بدء الإسلام حين كان العمل في الصلاة مباحاً ، فهو
منسوخ .
(١) مغني المحتاج: ٢٠٠/١، المهذب، ٦٩/١، المجموع: ٢٣٠/٣
(٢) المغني: ٢٣٩/٢، ٢٤٥، كشاف القناع: ٤٣٩/١
(٣) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه . والقرين: الشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه ( نيل الأوطار: ٥/٣ )
(٤) رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه. واطلاق الشيطان على المار من الإنس ذائع شائع، والسبب هنا أنه
فعل فعل الشيطان ( المصدر السابق )
(٥) الدر المختار: ٥٩٦/١ وما بعدها، البدائع: ٢١٧/١، فتح القدير: ٢٨٩/١ وما بعدها
- ٧٦٢ -

وإذا أراد الرجل الدفع عملاً بالرخصة : دفع بالإشارة ، أو التسبيح ، أو
الجهر بالقراءة ، ولا يزاد عليها ، ويكره الجمع بينهما . وتدفع المرأة بالإشارة أو
بالتصفيق لا بباطن الكفين ، وإنما ببطن الينى على ظهر اليسرى .
ودليل الدفع بالإشارة: ما فعله الرسول م ◌ُّ بولدي أم سلمة رضي الله
عنها(١). ودليل الدفع بالتسبيح حديث: (( من نابه شيء في صلاته فليسبح ،
فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء))(٢).
وقال المالكية (٢) : يندب للمصلي أن يدفع المار بين يديه دفعاً خفيفاً فإن
كثر أبطل صلاته ، ولو دفعه فأتلف له شيئاً ، كما لو خرق ثوبه أو سقط منه
مال ، ضمن على المعتمد ، ولو دفعه دفعاً مأذوناً فيه .
وقال الشافعية والحنابلة(٤): يسن للمصلي أن يدفع المار بينه وبين سترته ،
عملاً بالأحاديث الثابتة المتقدمة ، ويضمن المصلي المار إن قتله أو آذاه . هذا
ولا يرد المار بين يدي المصلي في مكة والحرم ، بدليل ماروى أحمد وأبو داود وابن
ماجه والنسائي عن المطّلِب بن وَدَاعة: ((أنه رأى النبي مَّ الم يصلّي مما يلي باب
بني سهم والناس یمرون بین یدیه ، وليس بينهما سترة ))
١٢ - هل المرور بين يدي المصلي يقطع الصلاة ؟
اتفق أئمة المذاهب الأربعة على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطعها
(١) رواه ابن ماجه وابن أبي شيبة عن أم سلمة (نصب الراية: ٨٥/٢)
(٢) أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ( نصب الراية : ٧٥/٢ وما بعدها )
(٣) القوانين الفقهية: ص ٥٦ ، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ١ / ٢٤٦.
(٤) مغني المحتاج: ١ / ٢٠٠، المغني: ٢ / ٢٤٥ وما بعدها، كشاف القناع: ١ / ٤٣٨ ومابعدها .
- ٧٦٣ -

ولا يبطلها، وإنما ينقص الصلاة إذا لم يرده(١)، لقوله ◌َ التّ: ((لا يقطع صلاة
المرء شيء، وادرءوا ما استطعتم))(٢) .
وروي عن ابن مسعود: (( أن ممر الرجل يضع نصف الصلاة ، وكان عبد الله
إذا مر بين يديه رجل التزمه حتى يرده ))(٣) . قال القاضي أبو يعلى الحنبلي :
ينبغي أن يحمل نقص الصلاة على من أمكنه الرد ، فلم يفعله ، أما إذا رد فلم
يمكنه الرد ، فصلاته تامة ، لأنه لم يوجد منه ما ينقص الصلاة ، فلا يؤثر فيها
ذنب غيره .
وقال الإمام أحمد : لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم(٤) ، قال معاذ
ومجاهد : الكلب الأسود شيطان ، وهو يقطع الصلاة .
وقال الظاهرية : يقطع الصلاة مرور المرأة والكلب والحمار ، لحديث
أبي هريرة: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ، ويقي ذلك مثل مؤخرة
الرحل))(٥) وحديث أبي ذر: ((إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره مثل آخرة
الرحل ، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل ، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة
والكلب الأسود ، قال عبد الله بن الصامت : يا أبا ذر، مابال الكلب الأسود من
الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله عد اله
كما سألتني، فقال: ((الكلب الأسود شيطان))(٦).
(١) رد المحتار: ١ / ٥٩٣، القوانين الفقهية: ص ٥٦، المهذب: ١ / ٦٩، المغني: ٢ / ٢٤٧، ٢٤٩ ، المجموع :
٣ / ٢٣١، كشاف القناع: ١ / ٤٣٩.
(٢) رواه أبو داود بإسناد ضعيف من رواية أبي سعيد الخدري ( المجموع: ٣ / ٢٢٧، نصب الراية: ٢ / ٧٦).
(٣) رواه البخاري بإسناده .
(٤) البهيم : الذي ليس في لونه شيء سوى السواد .
(٥) رواه أحمد ومسلم واللفظ له ، وابن ماجه .
(٦) رواه الجماعة إلا البخاري ، يعني أحمد ومسلماً وأصحاب السنن كلهم .
- ٧٦٤ _

واقتصر الحنابلة على بطلان الصلاة بمرور الكلب الأسود ، لمعارضة هذين
الحديثين بحديث الفضل بن عباس عند أبي داود المتضمن صلاة النبي مخافة أمام
حمار، وحديث عائشة السابق المتضمن صلاة الرسول عليه السلام وهي معترضة
بينه وبين القبلة ، وحديث ابن عباس السابق المتفق عليه الذي مر راكباً على
حمار، ثم نزل وترك الأتان ترتع بين الصفوف ، فبقي الكلب الأسود خالياً عن
معارض فيجب القول به لثبوته ، وخلوه عن معارض .
ورد النووي على هذه الأحاديث الصحيحة لدى الحنابلة والظاهرية
بما أجاب به الشافعي والخطابي والمحققون من الفقهاء والمحدثين : بأن المراد بالقطع
القطع عن الخشوع والذكر، للشغل بها والالتفات إليها ، لا أنها تفسد الصلاة (١).
المبحث الثالث - صفة الصلاة أو كيفيتها :
صفة صلاة رسول الله الطائرٍ :
عن أبي حميد الساعدي أنه قال وهو في عشرة من أصحاب رسول الله عَ لِّ ،
أحدهم أبو قتادة: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله عَ لَّه، قالوا: ماكنتَ أقدمَ مناله
صُحبة ، ولاأكثرنا له إتيانا ؟ قال : بلى ، قالوا: فاعرض (٢) ، فقال:
كان رسول الله مَ الٍ إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائماً، ورفع يديه ، حتى
يُحاذي بها منکبیه ، ثم يُكبّر ، فإذا أراد أن يركع ، رفع يديه ، حتى يحاذي بها
منكبيه ، ثم قال : الله أكبر ، وركع .
ثم اعتدل ، فلم يُصوِّب رأسه ولم يُقْنِع(٣) ، ووضع يديه على ركبتيه ، ثم
(١) المجموع : ٣ / ٢٣٢.
(٢) عرض الكتاب : قرأه عن ظهر قلب .
(٣) أي لم يبالغ في خفضه وتنكيسه ، ولم يرفعه حتى يكون أعلى من ظهره .
- ٧٦٥ -

قال : سمع الله لمن حمده ، ورفع يديه واعتدل ، حتى يرجع كل عظم في موضعه
معتدلاً(١) .
ثم هوى(٢) إلى الأرض ساجداً، ثم قال: الله أكبر، ثم ثنى رِجْلَه وقعد
عليها (٣) ، واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه ، ثم نهض .
ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك ، حتى إذا قام من السجدتين ، کبَّر
ورفع يديه حتى يُحاذيّ بها مَنْكِبيه ، كما صنع حين افتتح الصلاة ، ثم صنع
كذلك ، حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته ، أخّر رجله اليسرى ،
وقعد على شقه متورًا(٤) ، ثم سلّم .
قالوا: صدقت، هكذا صلى رسول الله عَ ليه(٥).
ويقول النبي ◌ُ ◌ّةٍ: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)»(٦) ..
توضيح كيفية الصلاة :
يتبين من هذا الحديث ومما ذكرناه من شروط الصلاة وأركانها وسننها وآدابها
ومندوباتها في المذاهب المختلفة أن صفة الصلاة على النحو التالي(٧):
يحقق المصلي شروط الصلاة من ستر العورة وطهارة البدن والثوب والمكان
وغيرهما ، ثم يتوضأ للصلاة ، ثم يؤذن لها ويقيم بعد دخول وقتها ، ثم يستقبل
(١) أي حتى يقرّ كل عظم في موضعه. وفي رواية البخاري: ((حتى يعود كل فقار».
(٢) الهويّ : السقوط من علو إلى أسفل .
(٣) هذه تسمى قعدة الاستراحة .
(٤) التورك في الصلاة : القعود على الورك اليسرى ، والوركان : فوق الفخذين ، كالكعبين فوق العضدين .
(٥) رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، ورواه البخاري مختصراً ( نيل الأوطار: ٢ / ١٨٤).
(٦) رواه البخاري عن مالك بن الحويرث ( سبل السلام: ١ / ٢٠٠).
(٧) انظر اللباب شرح الكتاب: ١ / ٦٨ - ٧٧، القوانين الفقهية: ص ٥٧ - ٦٦، المهذب: ١ / ٧٠ - ٨٠ ،
كشاف القناع: ١ / ٣٨١ - ٤٥٩، مغني المحتاج: ١ / ١٤٨ - ١٨٤، مراقي الفلاح: ص ٤٤ - ٤٦ .
- ٧٦٦ -

القبلة ، ثم يشرع في الصلاة ناوياً بقلبه ، مكبراً للافتتاح ، ويسن التلفظ بالنية
عند الجمهور ( غير المالكية)، قائلاً وجوباً بلا مد: ((الله أكبر)) جاهراً بها عند
المالكية ، رافعاً يديه مع ابتداء التكبير مخرجاً كفيه من كميه ، بخلاف المرأة ،
مفرجاً أصابعه عند الجمهور ( غير الحنابلة ) ، مستقبلاً بها القبلة ، محاذياً بابهاميه
شحمتي أذنيه عند الحنفية ، وحذو منكبيه عند غيرهم وعند الحنفية للمرأة ،
كما ثبت في السنة ، ثم يضع عند الجمهور ( غير المالكية ) كفَّه اليمنى على اليسرى
تحت سرته عند الحنفية والحنابلة ، وتحت صدره عند الشافعية ، ويرسلها عند
المالكية .
وينظر المصلي إلى موضع سجوده ، ثم يقرأ الثناء(١) عند الحنفية والحنابلة ،
والتوجه(٢) عند الشافعية، ولا يقرؤهما عند المالكية ، ثم يتعوذ سراً للقراءة
بالاتفاق ، ويسمي سراً عند الحنفية والحنابلة ، ويجهر بالبسملة عند الشافعية ،
ولا يسمي عند المالكية، ثم يقرأ الفاتحة، ويؤمن المصلي بعد ((ولا الضالين)) سراً
عند المالكية والحنفية ، جهراً عند الشافعية والحنابلة ، ثم يقرأ سورة أو آيات بعد
الفاتحة من طوال المفصل في الفجر والظهر ، ومن أوساطه في العصر والعشاء ،
وكذا في الظهر عند الحنابلة ، ومن قصاره في المغرب ، وكذا في العصر عند
المالكية ، ويجهر بالقراءة ليلاً ، ويسر بها نهاراً .
ثم يكبر للركوع مع ابتداء الانحناء وينهيه بانتهائه ، رافعاً يديه عند الجمهور
غير الحنفية ، آخذاً ركبتيه بيديه ، مطمئناً ، مفرجاً أصابعه ، باسطاً ظهره
مستقيماً ، مسوياً رأسه بعجزه ، غير رافع رأسه ولاخافضه ، ناصباً ساقيه ، مجافياً
(١) وهو أن يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك)).
(٢) وهو (( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وماأنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي
ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لاشريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين)).
- ٧٦٧ -

مرفقيه عن حنبيه، قائلاً ثلاثاً: ((سبحان ربي العظيم)) مع إضافة ((وبحمده))
عند غير الحنفية .
ثم يرفع رأسه من الركوع قائلاً: ((سمع الله لمن حمده))، ويقول المقتدي
فقط سراً عند الجمهور غير الشافعية: ((ربنا لك الحمد))، ويجمع بينهما عند
الشافعية كالإمام ولا يجهر بالتحميد ، كما يجمع بينهما المنفرد عند المالكية . ويجمع
بينهما الإمام عند الحنفية والحنابلة ، ولا يحمد الإمام عند المالكية ، رافعاً يديه عند
غير الحنفية ، مطمئناً بالاتفاق حال الاعتدال ، ولا يرفع يديه عند الحنفية إلا في
التكبيرة الأولى .
ثم يهوي للسجود واضعاً عند غير المالكية ركبتيه ، ثم يديه ، ثم جبهته
وأنفه ، ويقدم اليدين عند المالكية ، ناصباً قدميه ، موجهاً أصابعهما نحو القبلة ،
واضعاً عند الحنفية وجهه بين كفيه ، مجافياً بطنه عن فخذيه ، وعضديه عن
جنبيه ، والمرأة لاتجافي ؛ لأنه أسترلها ، واضعاً عند غير الحنفية كفيه حذو
منكبيه ، ناشراً أصابعهما مضمومة للقبلة ، معتمداً عليها ، مطمئناً في سجوده ،
ويقول ثلاثاً: ((سبحان ربي الأعلى)) ويضيف عند غير الحنفية: ((وبحمده)).
ثم يرفع رأسه مكبراً ، ويجلس بين السجدتين مطمئناً ، مفترشاً رجله
اليسرى ويجلس عليها ، ناصباً رجله اليمنى ، واضعاً يديه على فخذيه ، ويقول
عند غير الحنفية: ((رب اغفر لي)). ثم يكبر للسجود ، ويسجد السجدة
الثانية ، كالأولى .
ثم يكبر للنهوض إلى الركعة الثانية ، ويقوم عند الحنفية على صدور
قدميه(١) ، ولا يقعد ، ولا يعتمد بيديه على الأرض ، وإنما يعتمد عندهم على ركبتيه
(١) وذلك بأن يقوم وأصابع القدمين على هيئتها في السجود .
- ٧٦٨ -

إلا أن يشق عليه فيعتمد على الأرض ، ولا يجلس للاستراحة عند غير الشافعية .
ويعتمد بيديه على الأرض عند الشافعية والحنابلة ، ويجلس للاستراحة ويرفع
يديه حالة النهوض عند الشافعية .
فإذا استوى قائماً لم يقرأ الاستفتاح بالاتفاق ، وإنما يتعوذ سراً عند الشافعية
والحنابلة ، ولا يتعوذ عند الحنفية والمالكية ، ولا يبسمل عند المالكية ، ويبسمل
عند الجمهور ، ويقرأ الفاتحة وسورة ، ويقصر قراءة الركعة الثانية عن الأولى .
ثم يركع ويسجد كما فعل في الركعة الأولى ، ويقنت في صلاة الصبح قبل
الركوع عند المالكية وهو أفضل ، ويجوز بعده ، وبعده عند الشافعية ، وبعده في
الوتر في جميع السنة عند الحنابلة ، كما سنبين .
فإذا أتم السجدة الثانية من الركعة الثانية ، جلس للتشهد الأول مفترشاً عند
الجمهور ( غير المالكية ) متوركاً عند المالكية ، كما بينا ، موجهاً أصابعه نحو القبلة ،
واضعاً يديه على فخذيه ، باسطاً أصابعه عند الحنفية ، باسطاً اليسرى ، قابضاً
ماعدا السبابة والإبهام عند المالكية ، وماعدا السبابة فقط عند الشافعية ، ويحلق
الإبهام مع الوسطى عند الحنابلة . ويشير بالسبابة عند الحنفية عند قوله :
(( لا إله)) ثم يضعها عندهم عند ((إلا الله)) ، ويشير في رأي الشافعية والحنابلة عند
قوله: ((إلا الله)) بلاتحريك، ومع التحريك والإشارة بها من أول التشهد عند
المالكية .
ثم يقرأ التشهد باحدى الصيغ الثلاثة السابقة إلى قوله ((عبده ورسوله)) (١)،
(١) صيغة التشهد عند الحنفية والحنابلة: ((التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لاإله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله))
وعند المالكية: «التحيات لله، الزكيات لله، الطيبات الصلوات لله ... الخ ماسبق. وعند الشافعية: ((التحيات
المباركات الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ،
أشهد أن لاإله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله )).
الفقه الإسلامي جـ١ (٤٩)
- ٧٦٩ -

دون أن يضم إليه عند الجمهور ( غير الشافعية ) أي زيادة في القعدة الأولى ، ويضم
إليه عند الشافعية الصلاة على النبي ◌َ ◌ّ فقط. أما في التشهد الأخير فيضم إليه
الصلاة الإبراهيمية .
ويتورك عند غير الحنفية في التشهد الأخير ، ثم يدعو عند الحنفية بالمأثور
من القرآن والسنة ، أو بما شاء عند الجمهور .
ثم يسلم عن يمينه وشماله في الصلاة الثنائية، قائلاً: ((السلام عليكم ورحمة
الله)) ويضيف عند المالكية ((وبركاته)) دون أن يمده مدا أي لايطيله ويسرع
فيه، لقوله مَّل: ((حذف التسليم سنة))(١) قال ابن المبارك: معناه ألا يمد
مداً .
فإن كانت الصلاة ثلاثية ، أتى بركعة ثالثة ، ثم يتشهد ويسلم ، وإن كانت
الصلاة رباعية ، أتى بركعتين ، ثم يتشهد ويسلم . ولا يقرأ غير الفاتحة في الفريضة
في الركعتين الثالثة والرابعة ، ويقرأ فيها سورة عند الحنفية في النافلة وجميع
ركعات الوتر ، ولا يقرأ فيهما كالفرض سورة عند الشافعية .
المبحث الرابع - مكروهات الصلاة :
فيه أربعة مطالب : مايكره في الصلاة ، والأماكن التي تكره الصلاة فيها ،
مالا يكره فعله ، ماتحرم الصلاة فيه .
والكراهة عند الجمهور تنزيهية ، وعند الحنفية إما تنزيهية : وهي خلاف
الأولى . وإما تحريمية وهي المقصودة عند الإطلاق ، وهي مانهي عنه شرعاً بدليل
ظني الثبوت وليس فيه صارف عن التحريم . فإن وجد الصارف له عن التحريم
فهي تنزيهية .
(١) رواه أحمد وأبو داود، ورواه الترمذي موقوفاً وصححه ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٩٥).
- ٧٧٠ -
٠

وترك السنة المؤكدة يكره تحريماً ، وترك السنة غير المؤكدة كترك صلاة
الضحى يكره تنزيهاً ، وترك المستحب أو المندوب خلاف الأولى . ويستحب عند
الفقهاء لمن أتى بالصلاة على وجه مكروه إعادتها مادام الوقت باقياً .
المطلب الأول - مايكره في الصلاة :
يكره في الصلاة ما يأتي(١):
اً - يكره تحريماً عند الحنفية ترك واجب من واجبات الصلاة عمداً: كترك
قراءة الفاتحة أو قراءة سورة بعدها ، أو جهر في صلاة سرية أو إسرار في جهرية .
وتصح الصلاة بترك الواجب ، لكن يجب إعادتها ، ويكره عندهم رفع اليدين
عند إرادة الركوع والرفع منه ، ولا تفسد الصلاة على الصحيح .
اً - ترك سنة من سنن الصلاة عمداً: كترك دعاء الثناء أو التوجه ، أو
التسبيح في الركوع أو السجود ، أو التكبير والتسميع والتحميد ، أو رفع الرأس أو
خفضه في الركوع ، أو تحويل أصابع قدميه أو يديه عن القبلة ، وهذا متفق
عليه .
٣ - يكره عند المالكية تعوذ وبسملة قبل الفاتحة والسورة بفرض ، ويجوزان
بنفل ، وتركهما أولى مالم يراع الخلاف ، فالإتيان بالبسملة أولى خروجاً من
الخلاف .
٤ - يكره عند المالكية دعاء قبل القراءة للفاتحة أو السورة ، وأثناءها أي
القراءة .
(١) فتح القدير: ١ / ٢٩٠ - ٢٩٧، البدائع: ١ / ٢١٥ - ٢٢٠، الدر المختار: ١ / ٥٩٧ - ٦١٣، الشرح
الصغير: ١ / ٣٣٧ - ٣٤٢، القوانين الفقهية: ص ٥١ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٢٠١ - ٢٠٣، المهذب: ١ / ٨٨
وما بعدها ، كشاف القناع: ١ / ٤٣١ - ٤٤٦، المغني: ١ / ٤٩٥.
- ٧٧١ _

٥ - تطويل القراءة في الركعة الثانية على الأولى ، وقدره الحنفية بأكثر من
ثلاث آيات .
٦ - تكرار سورة واحدة في ركعة واحدة ، أو في ركعتين في الفرض ، أما
النفل فلا يكره عند الحنفية . ولا يكره عند الحنابلة تكرار سورة في ركعتين ، لما
روى زيد بن ثابت أن النبي محتوي اته ((قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين
كلتيهما)) (١)، وإنما يكره تكرار الفاتحة في ركعة؛ لأنها عندهم ركن . وقال
الحنفية(٢) : يكره أن يتخذ سورة بعينها للصلاة لا يقرأ فيها غيرها .
٧ - القراءة بعكس ترتيب القرآن وهذا متفق عليه : كأن يقرأ في الركعة
الأولى ((الإخلاص ثم يقرأ سورة ((اللهب)) أو ((الكافرون))؛ لأن المنقول عن
النبي ◌ُ ◌ّ القراءة في الركعة الثانية بسورة بعد السورة التي قرأها في الركعة الأولى
في النظم القرآني، وروي عن ابن مسعود « أنه سئل عمن يقرأ القرآن منكوساً ؟
قال : ذلك منكوس القلب )) وفسره أبو عبيدة: بأن يقرأ سورة ثم يقرأ بعدها
أخرى ، هي قبلها في النظم .
٨ - يكره عند المالكية وغيرهم القراءة في ركوع أو سجود أو اتمام قراءة
السورة في الركوع ، واتمام الفاتحة في الركوع مبطل للصلاة حيث كانت الفاتحة
فرضاً ، وقال الحنفية بالكراهة التحريمية ؛ لأن الفاتحة ليست فرضاً عندهم .
واستنى المالكية : أن يقصد في السجود الدعاء فلا يكره ، كأن يقول : ﴿ ربنا
لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ ويكره الدعاء في الركوع ، وقبل التشهد الأول
أو الأخير ، ويكره الجهر بالتشهد مطلقاً ، كما يكره للمأموم بعد سلام الإمام الجهر
بالدعاء المطلوب في الصلاة في سجود أو غيره .
(١) رواه سعيد بن منصور في سننه .
(٢) الكتاب مع اللباب : ١ / ٧٩ .
- ٧٧٢ -

ويكره أيضاً تخصيص دعاء دائماً لا يدعو بغيره ، فالأفضل أن يدعو تارة
٠٠
بالمغفرة ، وتارة بسعة الرزق ، وتارة بصلاح النفس أو الولد أو الزوجة ، وتارة
بغير ذلك من أمور الدنيا والآخرة ، والله ذو الفضل العظيم . ومن أعظم الدعوات
الجامعة أن يقول: ((اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك ورسولك
چهار ، وأعوذ بك من كل شر استعاذ منه محمد نبیك ورسولك پێے )»
٩ - العبث القليل بيده(١) بالثياب أو البدن أو اللحية ، أو وضع يده على فمه
أو تغطية أنفه ( وهو التلثم ) بدون حاجة ، والكراهة هنا تحريمية عند الحنفية ،
بدليل ما رواه القضاعي عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً: ((إن الله كره لكم ثلاثاً :
العبث في الصلاة ، والرفث في الصيام، والضحك في المقابر)) فإن كان لحاجة
كإزالة العرق عن وجهه أو التراب المؤذي ، أو التثاؤب ، فلا يكره . ومن
العبث: ((فرقعة الأصابع ، وتقليب الحصى ، وتسويتها في مكان سجوده ))
للنهي الصحيح عنه، روى الجماعة عن مُعَيقب عن النبي ◌َ ◌ّ قال في الرجل يسوي
التراب حیث یسجد : (( إن کنت فاعلاً فواحدة ))(٢) وروى أبو داود عن أبي ذر
مرفوعاً: ((إذا أقام أحدكم في الصلاة فلا يمس الحصى، فإن الرحمة تواجهه)).
ودليل كراهة العبث هو النهي عنه في السنة ، ولمنافاته لهيئة الخشوع ، وقد
مدح الله الخاشعين في صلاتهم بقوله سبحانه: ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في
صلاتهم خاشعون﴾ ونهى النبي ◌ُ ◌ّه عن فرقعة الأصابع فقال: ((لا تفرقع
أصابعك وأنت في الصلاة)) (٣) وروى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله مرتالتع
(١) العبث لغة: عمل ما لا فائدة فيه، والمراد هنا: فعل ما ليس من أفعال الصلاة ؛ لأنه ينافي الصلاة .
(٢) أجاز الحنفية تسوية الحصى مرة لسجوده ، وتركها أولى ، لأنه إذا تردد الحكم بين سنة وبدعة كان ترك
السنة راجحاً على فعل البدعة ، مع أنه يمكنه التسوية قبل الشروع في الصلاة (رد المحتار: ١ / ٦٠٠)
(٣) رواه ابن ماجه عن علي بلفظ ((لا تفقّع أصابعك في الصلاة)) (نيل الأوطار: ٢ / ٣٣٠)
- ٧٧٣ -

نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة )) ويكره للمرأة أن تنتقب في الصلاة ، لأن
وجه المرأة ليس بعورة ، فهي كالرجل .
وصرح الحنابلة(١) بأنه لا بأس بالعمل اليسير في الصلاة للحاجة ، كأن يحمل
الرجل ولده في الصلاة الفريضة ، لحديث أبي قتادة وحديث عائشة: ((أنها
استفتحت الباب، فمشى النبي عَ ◌ٍّ ، وهو في الصلاة حتى فتح لها))(٢) ، وأمر النبي
عَ لّ بقتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب(٣) . فإذا رأى العقرب، خطا
إليها ، وأخذ النعل وقتلها ، ورد النعل إلى موضعها ، وهذا جائز بلا كراهة
اتفاقاً . وقال أحمد : وإذا رأى صبيين يقتتلان يتخوف أن يلقي أحدهما صاحبه
في البئر، فإنه يذهب إليها ، فيخلصها ، ويعود إلى صلاته .
ويرجع في تحديد الفعل الكثير واليسير إلى العرف ، وكل ما شابه فعل النبي
لاتز فهو يسير .
عل وسلم
وإن فعل أفعالاً متفرقة ، لو جمعت كانت كثيرة ، وكل واحد منها بمفرده
يسير، فهي في حد اليسير، بدليل حمل النبي ◌ُ ◌ّ الأمامة ، في كل ركعة ،
ووضعها . لكن قال الحنفية : يكره حمل الطفل، وما ورد منسوخ بحديث ((إن
في الصلاة لشغلاً)» وما كثر وزاد على فعل النبي ◌َّ التّ أبطل الصلاة، سواء أكان
لحاجة أم غيرها ، إلا أن يكون لضرورة ، فيكون بحكم الخائف ، فلا تبطل صلاته
به . وقال المالكية : يكره قتل برغوث ونحوه في الصلاة ، والحنفية كالحنابلة فإنهم
قالوا : يكره كل عمل قليل بلا عذر كتعرض لقملة قبل الأذى . ويكره أيضاً
رفع أو جمع الثوب باليدين في الركوع والسجود ، وجمع الشعر وضمه ، لحديث :
(١) المغني: ٢ / ٢٤٧ - ٢٤٩
(٢) حديث عائشة رواه أحمد وأصحاب السنن ما عدا ابن ماجه ، وحسنه الترمذي .
(٣) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة ، وصححه ابن حبان والحاكم .
- ٧٧٤ _

((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف ثوباً ولا شعراً))(١) والكراهة تحريمية . كما
يكره مسح غبار الجبهة قبل الانصراف من الصلاة، لما رواه ابن ماجه: ((إن من
الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته قبل الفراغ من صلاته )» عند الحنفية .
١٠ - تشبيك الأصابع، والتخصر: وهو أن يضع يده على خاصرته . وهذا
متفق عليه ، لحديث أبي سعيد أن النبي مع الإ قال: ((إذا كان أحدكم في المسجد ،
فلا يُشَبِّكنّ ، فإن التشبيك من الشيطان ، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ، ما دام
في المسجد حتى يخرج منه »(٢) وروى ابن ماجه عن ابن عمر أنه قال - في الذي
يصلي وقد شبك أصابعه ـ ((تلك صلاة المغضوب عليهم)).
وحديث أبي هريرة: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ نهى عن التخصر في الصلاة))(٣)
وفرقعة الأصابع وتشبيكها ولو منتظراً الصلاة أو ماشياً إليها والتخصر مكروه
تحريماً عند الحنفية ، وكذلك يكره تنزيها التخصر خارج الصلاة ، ولا يكره
التشبيك والفرقعة خارج الصلاة .
١١ - تغميض العينين إلا لخوف وقوع بصره على ما يشغله عن صلاته.
روى ابن عدي في حديث بسند ضعيف: ((إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض
عينيه)) لأن السنة النظر إلى موضع سجوده وفي التغميض تركها ، والكراهة
تنزيهية بالاتفاق .
١٢ - الالتفات في الصلاة بلا حاجة مهمة، ولو بجميع جسده ما دامت
رجلاه للقبلة ، وإلا بطلت الصلاة . هذا ما قاله المالكية .
(١) رواه الشيخان واللفظ لمسلم .
(٢) رواه أحمد ، وروى أحمد وأبو داود والترمذي حديثاً آخر في معناه عن كعب بن عُجرة ، وروى ابن ماجه
أيضاً حديثاً آخر عن كعب بن عجرة أن النبي طائر فرج بين أصابع رجل كان قد شبك أصابعه في الصلاة ( نيل
الأوطار: ٢ / ٣٢٨ _ ٣٣٠)
(٣) رواه الجماعة إلا ابن ماجه ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٣٠)
- ٧٧٥ _

وقال الحنفية : يكره تنزيهاً الالتفات بالعنق فقط أي بالوجه كله أو
ببعضه ، وببصره ، ولا تفسد الصلاة بتحويل صدره على المعتمد . أما لو نظر
بمؤخر عينه يمنة أو يسرة من غير أن يلوي عنقه ، لا يكره ، قال ابن عباس: ((كان
النبي ◌ُ ◌ّ يلحظ في الصلاة يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره)»(١) .
وقال الشافعية: يكره الالتفات بالوجه إلا لحاجة، فلا يكره؛ لأنه مع الله
(( كان في سفر ، فأرسل فارساً إلى شِعْب ، من أجل الحرس ، فجعل يصلي ، وهو
يلتفت إلى الشعب)) (٢) . فإن حول صدره عن القبلة بطلت صلاته ، لانحرافه عن
القبلة .
وقال الحنابلة : يكره في الصلاة التفات يسير بلا حاجة . وتبطل الصلاة
إن استدار المصلي بجملته أو استدبر القبلة ، لتركه الاستقبال بلا عذر ، ما لم يكن
في الكعبة ، أو في شدة خوف ، أو إذا تغير اجتهاده ، فلا تبطل إن التفت
بجملته ، أو استدبر القبلة ، لسقوط الاستقبال حينئذ ، وفي حالة تغير الاجتهاد ؛
لأنها صارت قبلته . ولا تبطل الصلاة لو التفت بصدره ووجهه ؛ لأنه لم يستدر
بجملته .
ودليل كراهة الالتفات لغير حاجة باتفاق المذاهب : حديث عائشة ،
قالت: (( سألت رسول الله عَالتّ عن التَّلفَّت في الصلاة، فقال: اختلاس يختلِسه
الشيطان من العبد))(٣) وحديث أبي ذر قال: قال رسول الله عَ الَ: ((لا يزال
الله مقبلاً على العبد في صلاته ، ما لم يلْتفِت ، فإذا صرَف وجهه ، انصرف
(١) أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك ، وقال: صحيح على شرط البخاري
ولم يخرجه ( نصب الراية: ١ / ٨٩ )
(٢) رواه أبو داود بإسناد صحيح .
(٣) رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٢٧، نصب الراية: ٢ / ٨٩)
- ٧٧٦ -

عنه))(١) وحديث أنس قال: ((قال لي رسول الله عَ لّ: إيَّاك والالتفاتَ في
الصلاة ، فإن الالتفات في الصلاة هَلَكَة ، فإن كان لا بُدّ ، ففي التطوع ، لا في
الفريضة))(٢) وفي العبارة الأخيرة الإذن بالالتفات للحاجة في التطوع ، والمنع من
ذلك في صلاة الفرض ، ومما يجيز الالتفات لحاجة حديث علي بن شيبان :
((قال: قدمنا على النبي ◌َ التّ وصلينا معه ، فلمح بمؤخر عينه رجلاً لا يقيم صلبه
في الركوع والسجود ، فقال: لا صلاة لمن لا يقيم صلبه))(٣) .
١٣ - رفع البصر إلى السماء: وهذا متفق عليه ، لحديث أنس ، قال: قال
النبي ◌َ التّ: « ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ؟ ! فاشتد قوله
في ذلك ، حتى قال: لينتهن عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم )»(٤) .
لكن قال المالكية : إن كان ذلك للموعظة والاعتبار بآيات السماء ، فلا
يكره . واستثنى الحنابلة حالة التجشي ، فلا يكره .
١٤ - القيام على رجل واحدة ، أو رفع رجل عن الأرض واعتماد على الأخرى
إلا لضرورة أو عذر ، كوجع الأخرى فلا كراهة حينئذ . وذلك لأنه تكلف ینافي
الخشوع .
وأضاف المالكية : وكره إقران القدمين دائماً في جميع صلاته . وذكر الشافعية
أنه يكره تقديم رجل على الأخرى ، ولصق رجل بالأخرى ، حيث لا عذر ؛ لأنه
تكلف ينافي الخشوع . ولا بأس بالاستراحة على إحدى الرجلين لطول القيام أو
نحوه .
(١) رواه أحمد والنسائي وأبو داود ( المصدران السابقان )
(٢) رواه الترمذي وصححه ( المصدران السابقان )
(٣) رواه ابن حبان في صحيحه
(٤) رواه البخاري
- ٧٧٧ -

١٥ - الصلاة حاقنا بالبول ، أو حاقباً بالغائط ، أو حازقاً بالريح إن وسع
الوقت ، أو مع توقان الطعام الحاضر أو القريب الحضور ، أي اشتهائه بحيث
يختل الخشوع لو قدم الصلاة عليه، وهذا متفق عليه، لقوله علاقةٍ: ((لا صلاة -
أي كاملة - بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان))(١) أي البول والغائط.
والشرب كالأكل . والصلاة مع مدافعة الأخبثين مكروهة تحريماً عند الحنفية .
١٦ً - البصاق أو التنخم في غير المسجد أمامه ، أو عن يمينه ، لحديث
الشيخين وأحمد: (( إذا كان أحدكم في الصلاة ، فإنما يناجي ربه ، فلا يبزُقن بين
يديه، ولا عن يمينه)) زاد البخاري: ((فإن عن يمينه ملكاً، ولكن يساره أو
تحت قدمه)).
ويكره البصاق أيضاً وهو في غير الصلاة عن يمينه وأمامه إذا كان متوجهاً إلى
القبلة ، إكراماً لها .
١٧ - قال المالكية : يكره التفكر في أمر دنيوي ، أو حمل شيء بكم أو فم إذا لم
يمنعه مخارج الحروف ، وإلا منع وبطلت ، أو حمد العاطس أو بشارة بشر بها وهو
يصلي ، بأن يقول : الحمد لله ، أو حكّ جسد لغير ضرورة إن قل ، والكثير
مبطل ، وكره تبسم قليل اختياراً ، والكثير مبطل ولو اضطراراً .
وقال الحنابلة : يكره حمله ما يشغله عن إكمال صلاته ؛ لأنه يذهب
بالخشوع . ويكره إخراج لسانه وفتح فمه ، ووضعه فيه شيئاً ؛ لأن ذلك يخرجه
عن هيئة الصلاة . ولا يكره وضع شيء في يده وكمه ، إلا إذا شغله عن كال
الصلاة ، فيكره .
١٨ - التثاؤب ؛ لأنه من التكاسل والامتلاء ومن الشيطان ، والأنبياء
(١) رواه مسلم عن عائشة .
- ٧٧٨ -

محفوظون منه، فإن غلبه فليكظم مااستطاع لقوله تع الى: ((التثاؤب من
الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم مااستطاع))(١) وفي رواية لمسلم: ((فليسك
بيده على فيه فإن الشيطان يدخله))، ويكره التمطي أيضاً ، لأنه يخرجه عن
هيئة الخشوع ويؤذن بالكسل ، ولحديث الدارقطني عن أبي هريرة: ((نهى أن
يتمطى الرجل في الصلاة ، أو عند النساء إلا عند امرأته أو جواريه)» والكراهة
هنا تنزيهية عند الحنفية إلا إن تعمده فيكره تحريماً ؛ لأنه عبث ، والعبث مكروه
تحريماً في الصلاة ، وتنزيهاً خارجها .
١٩ - قال الشافعية والحنابلة : يكره الاستناد إلى جدار أو نحوه مما يسقط
بسقوطه إذا ظل قائماً ، إلا لحاجة إليه ، فلا يكره معها؛ لأن النبي مَ لِّ ((لما أسنَّ
وأخذه اللحم ، اتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه))(٢).
فإن سقط المصلي لو أزيل ، أو كان يمكنه رفع قدميه عن الأرض ، بطلت
صلاته ؛ لأنه بمنزلة غير القائم .
ويكره الاعتماد على يده في جلوسه، لقول ابن عمر: ((نهى النبي ◌ُ ◌ّ أن
5
يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده ))(٢).
٢٠ - يكره تنزيهاً عند الحنفية رد السلام بالإشارة باليد أو الرأس ؛ لأنه
سلام ، حتى لو صافح بنية التسليم ، تفسد صلاته ، ويكره كل إشارة بالعين أو
اليد ونحوها .
ويستحب عند الشافعية حتى للناطق رد السلام بالإشارة ، ولمن عطس أن
(١) رواه الشيخان، وفي رواية للترمذي: ((فليضع يده على فمه)) وألحق الكم باليد .
(٢) رواه أبو داود ( نيل الأوطار : ٢ / ٣٣١).
(٣) رواه أحمد وأبو داود ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٣١).
- ٧٧٩ _

يحمد الله، ويسمع نفسه . ولو قال المأموم: استعنا بالله بعد قراءة الإمام ﴿ إياك
نستعين﴾ بطلت صلاته إن لم يقصد تلاوة أو دعاء .
ولا يكره عند المالكية رد السلام بالإشارة على مسلّم عليه ، وإنما هو
مطلوب .
ولكن يكره عندهم إشارة للرد برأس أو يد على مشمِّت شمته وهو يصلي قائلاً
له: ((يرحمك الله )) إذا ارتكب المكروه ، وحمد لعطاسه .
وتجوز عندهم الإشارة الخفيفة لأي حاجة ، كما يجوز عند الحنفية تكليم المصلي
وإجابته برأسه ، كما لو طلب منه ، فأومأً بنعم أو لا .
أما الرد بالكلام فمبطل للصلاة اتفاقاً .
٢١ - قراءة سورة أو آية في الركعتين الأخيرتين من الفريضة . واستثنى
الشافعية المسبوق الذي سبق بالأولى والثانية ، فله أن يقرأ السورة في الأخيرتين
من صلاة الإمام ؛ لأنها أولياه ، إذ إن ما أدركه المأموم هو أول صلاته . فإن لم
يمكنه قراءتها فيهما قرأ في أخيرتيه ، لئلا تخلو صلاته من السورة . ولو سبق
بالأولى فقط قرأها في الثانية والثالثة .
٢٢ - الجهر بالقراءة في موضع الإسرار، والإسرار في موضع الجهر والجهر عند
الشافعية خلف الإمام . ويحرم الجهر إن شوش على غيره . ويسجد حينئذ على
المشهور عند المالكية سجود السهو(١).
٢٣ً - يكره عند الشافعية: الزيادة في جلسة الاستراحة على قدر الجلوس بين
السجدتين ، وإطالة التشهد الأول ، ولو بالصلاة على الآل فيه ، والدعاء فيه ،
(١) القوانين الفقهية: ص ٧٨ .
- ٧٨٠ -