النص المفهرس

صفحات 661-680

الواحد ، فوجب أن يجوز الاقتصار عليه كالجبهة ، بخلاف الذقن والخد ونحوهما ، لأنه
ليس بمحل للسجود إجماعاً ، لكن ضم الأنف للجبهة في السجود واجب عندهم كمابينت .
وقال الصاحبان : لا يجوز الاقتصار في السجود على الأنف إلا لعذر ،
للحديث السابق الذي عُدّ فيه الجبهة في الأعضاء السبعة ، وهذا هو الراجح عند
الحنفية .
ووضع اليدين والركبتين سنة عند الحنفية لتحقق السجود بدونها . وأما
وضع القدمين فهو فريضة في السجود ، كما ذكر القدوري .
والخلاصة : أن فرض السجود عند الحنفية والمالكية يتحقق بوضع جزء من
الجبهة ولو كان قليلاً ، والواجب عند الحنفية وضع أكثرها ، ويتحقق الفرض
أيضاً بوضع أصبع واحدة من القدمين ، فلو لم يضع شيئاً من القدمين لم يصح
السجود . وأما تكرار السجود فهو أمر تعبدي أي لم يعقل معناه على قول أكثر
مشايخ الحنفية ، تحقيقاً للابتلاء ( الاختبار) ولو سجد على كَوْر عمامته إذا كان
على جبهته أو فاضل ( طرف ) ثوبه ، جاز عند الحنفية والمالكية والحنابلة ،
ويكره إلا من عذر لحديث أنس (( كنا نصلي مع رسول الله عَ اقٍ في شدة الحر،
فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه))(١) .
ولاخلاف في عدم وجوب كشف الركبتين ، لئلا يفضي إلى كشف العورة ، كما
لا يجب كشف القدمين واليدين ، لكن يسن كشفهما ، خروجاً من الخلاف .
ودليل جواز ترك كشف اليدين حديث عبد الله بن عبد الرحمن قال :
((جاءنا النبي ◌ُّ ، فصلى بنا في مسجد بني الأشهل، فرأيته واضعاً يديه في ثوبه
إذا سجد)) (٢) .
(١) رواه الجماعة (نيل الأوطار: ٢ / ٢٦٠).
(٢) رواه أحمد وابن ماجه، وقال: على ثوبه ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٦١).
- ٦٦١ -

وقال الشافعية : إن سجد على متصل به كطرف كمّه الطويل أو عمامته ،
جاز إن لم يتحرك بحركته ؛ لأنه في حكم المنفصل عنه . فإن تحرك بحركته في
قيام أو قعود أو غيرهما كمنديل على عاتقه ، لم يجز. وإن كان متعمداً عالماً ،
بطلت صلاته ، وإن كان ناسياً أو جاهلاً ، لم تبطل ، وأعاد السجود . وتصح
صلاته فيما إذا سجد على طرف ملبوسه ولم يتحرك بحركته . وضعف الشافعية
الأحاديث الواردة في السجود على كور العمامة ، أو أنها محمولة على حالة العذر(١).
والشافعية والحنابلة متفقون على وجوب السجود على جميع الأعضاء السبعة
المذكورة في الحديث السابق ، ويستحب وضع الأنف مع الجبهة عند الشافعية ،
لكن يجب عند الحنابلة وضع جزء من الأنف . واشترط الشافعية أن يكون
السجود على بطون الكفين وبطون أصابع القدمين ، أي أنه يكفي وضع جزء من
كل واحد من هذه الأعضاء السبعة كالجبهة ، والعبرة في اليدين ببطن الكف ،
سواء الأصابع والراحة ، وفي الرجلين ببطن الأصابع ، فلا يجزئ الظهر منها
ولا الحرف .
الاطمئنان في السجود : يجب أن يطمئن المصلي في سجوده ، والطمأنينة
فرض عند الجمهور واجب عند الحنفية، لحديث المسيء صلاته: (( ثم اسجد حتى
تطمئن ساجداً )) كما يجب عند الشافعية : أن ينال ثقل رأسه محل سجوده ، للخبر
السابق: ((إذا سجدت فمكن جبهتك )) ومعنى ذلك : أن يتحامل بحيث لو فرض
تحته قطن أو حشيش لانكبس ، وظهر أثره في يده .
يتضح مما سبق أنه يشترط لصحة السجود : الطمأنينة ، وكشف الجبهة عند
الشافعية ، ولا يشترط ذلك عند الجمهور، وكون السجود على الجبهة بالاتفاق ،
ويضم لها القدمان عند الحنفية ، واليدان والركبتان والقدمان عند الشافعية
(١) نيل الأوطار: ٢ / ٢٦٠.
- ٦.٦٢ -

والحنابلة ، والأنف أيضاً عند الحنابلة ، وأن يكون السجود على ماتستقر عليه
جبهة المصلي ، والتنكس : وهو استعلاء أسافل المصلي وتسفل أعاليه إلا الزحمة
سجد فيها على ظهر مصل آخر ، كما أوضح الشافعية والحنفية . وأن يقصده عند
الشافعية ، فلو سقط لوجهه ، وجب العود إلى الاعتدال .
والسنة في هيئة السجود عند الجمهور : أن يضع المصلي على الأرض ركبتيه
أولاً ، ثم يديه ، ثم جبهته وأنفه . ويرفع أولاً وجهه ثم يديه ثم ركبتيه ، لحديث
وائل بن حُجْر قال: ((رأيت رسول الله مَ الٍ إذا سجد، وضع ركبتيه قبل
يديه ، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه))(١) قال الخطابي: هذا أصح من
حديث أبي هريرة الآتي في مذهب مالك . فإن عكس الترتيب المذكور أجزأ ،
مع مخالفة السنة إلا من عذر.
وقال المالكية : يندب تقديم اليدين على الركبتين عند السجود ، وتأخير
اليدين عن الركبتين عند القيام للقراءة ، لحديث أبي هريرة: ((إذا سجد
أحدكم ، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه ثم ركبتيه))(٢) قال ابن سيد
الناس : أحاديث وضع اليدين قبل الركبتين أرجح .
وتوسط النووي فقال : لا يظهر لي ترجيح أحد المذهبين .
مكان الصلاة :
قال المالكية : تكره الصلاة على غير الأرض وماتنبته . وقال الحنابلة :
تصح الصلاة على الثلج بحائل أو لا ، إذا وجد حجمه لاستقرار أعضاء السجود ،
(١) رواه الخمسة إلا أحمد ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٥٣).
(٢) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وقال الخطابي كما ذكرنا : حديث وائل بن حجر أثبت من
هذا . وقال الترمذي : غريب لانعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٥٥).
- ٦٦٣ -

كما تصح على حشيش وقطن منتفش إذا وجد حجمه ، وإن لم يجد حجمه ، لم
تصح صلاته ، لعدم استقرار الجبهة عليه(١) .
الركن السابع - الجلوس بين السجدتين :
الجلوس بين السجدتين مطمئناً ركن عند الجمهور، واجب عند الحنفية(٢)،
لحديث المسيء صلاته: ((ثم ارفع حتى تطمئن جالساً)) وفي الصحيحين ((كان
مَ اقّ إذا رفع رأسه، لم يسجد حتى يستوي جالساً)).
وأضاف الشافعية : ويجب ألا يقصد برفعه غيره ، فلو رفع فزعاً من شيء لم
يكف ، وألا يُطوّله ، ولا الاعتدال ؛ لأنها ركنان قصيران ليسا مقصودين
لذاتها ، بل للفصل بين السجدتين .
والسنة في هيئة السجود : أن يجلس بين السجدتين مفترشاً : وهو أن يثني
رجله اليسرى ، ويبسطها ويجلس عليها ، وينصب رجله اليمنى ويخرجها من
تحته ، ويجعل بطون أصابعه على الأرض معتمداً عليها ، لتكون أطراف أصابعه إلى
القبلة . وذلك للاتباع، كما سيأتي في صفة صلاة رسول الله مرافقٍ: (( ثم ثنى رجله
اليسرى وقعد عليها ، ثم اعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه ، ثم هوى ساجداً ))
وفي حديث عائشة أن النبي مُ اللّ ((وكان يفرش رجله اليسرى ، وينصب
(٣)
الینی )»(٣) .
ويضع يديه على فخذيه قريباً من ركبتيه ، منشورتي الأصابع ، الينى
واليسرى سواء .
(١) القوانين الفقهية: ص ٤٩، كشاف القناع: ١ / ٣٤٦.
(٢) رد المحتار: ١ / ٤٣٢ ومابعدها، الشرح الصغير: ١ / ٣١٤ ، القوانين الفقهية: ص ٦٤ ، مغني المحتاج :
١ / ١٧١، المغني: ١ / ٥٢٢ ومابعدها، كشاف القناع: ١ / ٤٥٣.
(٣) متفق عليه ( نصب الراية: ١ / ٤١٨ ).
- ٦٦٤ -

الركن الثامن - القعود الأخير مقدار التشهد :
هذا فرض عند الحنفية إلى قوله: ((عبده ورسوله )) على الصحيح ، فلو
فرغ المقتدي قبل فراغ الإمام ، فتكلم أو أكل ، فصلاته تامة ، وهو مع التشهد
الأخير والصلاة على النبي ◌َ ◌ّ بعده قاعداً بمقدار: ((اللهم صل على محمد)) ركن
عند الشافعية والحنابلة . والركن عند المالكية هو بمقدار الجلوس للسلام(١).
ويلاحظ أن التشهد الأول كالأخير واجب عند الحنفية ، سنة عند الجمهور ، كما أن
الصلاة على النبي مؤتمر في التشهد الأخير سنة عند الحنفية والمالكية .
استدل الحنفية : بحديث ابن مسعود رضي الله عنه حين علمه النبي التشهد ،
فقال له النبي ◌ُّ: ((إذا قلت هذا، أو فعلت هذا، فقد تمت صلاتك))(٣) أي
إذا قلت التشهد أو فعلت القعود، فقد تمت صلاتك. فإنه من الم علق تمام الصلاة
بالفعل ، وهو القعود ، سواء قرأ التشهد أو لم يقرأ ، لأنه علقه بأحد الأمرين من
قراءة التشهد والقعود ، والقراءة لم تشرع بدون القعود ، حيث لم يفعلها رسول الله
عَ ◌ٍّ إلا فيه ، فكان القعود هو المعلق به تمام الصلاة في الحقيقة ، لاستلزامه
القراءة ، وكل ماعلق بشيء لا يوجد بدونه ، وبما أن تمام الصلاة واجب ، أو
فرض ، وتمام الصلاة لا يوجد بدون القعود ، فالقعود واجب أي فرض ؛ لأن
ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
وكون خبر ابن مسعود خبر آحاد أثبت الفرضية ، فلأنه بيان لمجمل
(١) فتح القدير مع العناية: ١ / ١١٣، البدائع: ١ / ١١٣، تبيين الحقائق: ١ / ١٠٤، الشرح الكبير: ١ /
٢٤٠ وما بعدها، ٢٥١، القوانين الفقهية: ص ٦٤، مغني المحتاج: ١ / ١٧٢، المغني: ١ / ٥٣٢ وما بعدها ، كشاف
القناع: ١ / ٤٥٣ وما بعدها ، بداية المجتهد : ١ / ١٢٥ .
(٢) هذه رواية مدرجة عند الدارقطني ، فهي في حكم الموقوف عليه . وهناك لفظ آخر عند أبي داود وأحمد :
((وإذا قلت هذا، وقضيت هذا، فقد قضيت صلاتك ، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)) ( نيل
الأوطار: ٢ / ٢٩٨ ، نصب الراية: ١ / ٤٢٤) وسيأتي في ركن السلام حديث آخر للحنفية .
- ٦٦٥ -

الكتاب ، ويصلح البيان الظني لذلك ، بخلاف قراءة الفاتحة مع نص القرآن ؛
لأن نص القراءة ليس بمجمل ، بل هو خاص ، فتكون الزيادة عليه نسخاً بخبر
الواحد ، وهو لايجوز .
واستدل المالكية على أن التشهد والقعود ليسا بواجب : بأنها يسقطان
بالسهو ، فأشبها السنن .
وأما الشافعية والحنابلة فاستدلوا: بأن النبي ◌ٍُّ فعل الجلوس ، وداوم على
فعله، وأمر به في حديث ابن عباس، وقال: ((قولوا: التحيات لله))(١) وسجد
للسهو حين نسيه، وقد قال عليه السلام: ((صلوا كما رأيتموني أصلي )» ، وقال ابن
مسعود: (( كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد : السلام على الله قبل عباده،
السلام على جبريل ، السلام على ميكائيل ، السلام على فلان ، فقال النبي ◌َّةٍ:
لا تقولوا : السلام على الله ، فإن الله هو السلام ، ولكن قولوا : التحيات
لله .. ))(٣) الخ .
والدلالة منه بوجهين :
أحدهما - التعبير بالفرض ، والثاني : الأمر به وفرضه في جلوس آخر
الصلاة . وأما الجلوس له ، فلأنه محله ، فيتبعه .
وأما فرضية الصلاة على النبي ◌ُ ◌ّ في التشهد الأخير، فلإجماع العلماء على
أنها لا تجب في غير الصلاة ، فتعين وجوبها فيها، ولحديث ((قد عرفنا كيف نسلم
عليك ، فكيف نصلي عليك ؟ فقال : قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل
محمد ... الخ))(٣) وفي رواية ((كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في
(١) رواه مسلم وأبو داود ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٨١).
(٢) رواه الدارقطني والبيهقي وقالا: إسناده صحيح .
(٣) متفق عليه .
- ٦٦٦ -

صلاتنا ؟ فقال: قولوا .. الخ))(١) والمناسب لها من الصلاة ، المشهد اخرها،
فتجب فيه ، أي بعده . وقد صلى النبي مع اللّ على نفسه في الوتر، كما رواه
أبو عوانة في مسنده، وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي )» ولم يخرجها شيء عن
الوجوب . ومما يدل على الوجوب حديث علي عند الترمذي وقال : حسن
صحيح: (( البخيل من ذكرت عنده ، فلم يصل علي )) وقد ذكر النبي في التشهد ،
ومن أقوى الأدلة على الوجوب ماأخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود عن النبي
مَ اقل بلفظ: ((إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صل على محمد .. )) الحديث.
والصلاة على النبي سنة عند الشافعية على الأظهر في التشهد الأول ، لبنائه على
التخفيف ، ولا تسن على الآل في التشهد الأول ، وتسن الصلاة على الآل ( وهم بنو
هاشم وبنو المطلب ) في التشهد الأخير، وقيل: تجب فيه لقوله تخلّ في الحديث
السابق: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد )» والأمر يقتضي الوجوب .
صفة الجلوس :
صفة الجلوس للتشهد الأخير عند الحنفية ، كصفة الجلوس بين السجدتين ،
يكون مفترشاً كما وصفنا ، سواء أكان آخر صلاته أم لم يكن ، بدليل حديث
أبي حميد الساعدي في صفة صلاة رسول الله وم لائله((أن النبي ◌ُّ جلس - يعني
للتشهد - فافترش رجله اليسرى ، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته))(٢) وقال
وائل بن حجر: ((قدمت المدينة ، لأنظرن إلى صلاة رسول الله مع الز ، فلما جلس
- يعني للتشهد - افترش رجله اليسرى ، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ،
ونصب رجله اليمنى)»(٣) .
(١) رواها الدارقطني وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ، وقال: إنه على شرط مسلم.
(٢) رواه البخاري ، وهو حديث صحيح حسن ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٧٥).
(٣) أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح ( نصب الراية: ١ / ٤١٩، نيل الأوطار: ٢ / ٢٧٣ ).
- ٦٦٧ -
1

وقال المالكية: يجلس متوركاً في التشهد الأول والأخير(١) ، لما روى ابن
مسعود ((أن النبي ◌َّ كان يجلس في وسط الصلاة وآخرها متوركاً))(٢).
وقال الحنابلة والشافعية : يسن التورك في التشهد الأخير ، وهو
كالافتراش ، ولكن يخرج يسراه من جهة يمينه ويلصق وركه بالأرض ، بدليل
ماجاء في حديث أبي حميد الساعدي: (( حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها
صلاته ، أخَّر رجله اليسرى ، وقعد على شقه متوركاً ، ثم سلم ))(٣) والتورك في
الصلاة : القعود على الورك اليسرى ، والوركان : فوق الفخذين كالكعبين فوق
العضدين . لكن قال الحنابلة : لا يتورك في تشهد الصبح ؛ لأنه ليس بتشهدٍ
ثانٍ ، والذي تورك فيه النبي بحديث أبي حميد هو التشهد الثاني للفرق بين
التشهدين ، وماليس فيه إلا تشهد واحد لا اشتباه فيه ، فلاحاجة إلى الفرق .
والخلاصة : أن التورك في التشهد الثاني سنة عند الجمهور ، وليس بسنة عند
الحنفية .
الله تعالى
صيغة التشهد :
للتشهد صيغتان مأثورتان :
فقال الحنفية والحنابلة(٤) : التشهد هو: التحيات لله ، والصلوات
والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد
الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . وهو
(١) الشرح الصغير: ١ / ٣٢٩ ومابعدها .
(٢) المغني: ١ / ٥٣٣ .
(٣) رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، ورواه البخاري مختصراً (نيل الأوطار: ٢ / ١٨٤).
(٤) فتح القدير: ١ / ٢٢٠، القوانين الفقهية: ص ٦٥، المغني: ١ / ٥٣٤ ومابعدها، ٥٣٩.
- ٦٦٨ -

التشهد الذي علمه النبي ◌ّ لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه (١).
وقال الإمام مالك : أفضل التشهد : تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
((التحيات لله ، الزاكيات لله، الصلوات الله)) وسائره كتشهد ابن مسعود
السابق .
وقال الشافعية(٢): أقل التشهد: التحيات لله ، سلام عليك أيها النبي ورحمة
الله وبركاته ، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد
أن محمداً رسول الله. وأكمل التشهد ماورد في حديث ابن عباس قال: ((كان
رسول الله ◌ُّ يُعلِّمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول :
التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد
أن محمداً رسول الله))(٣).
معاني ألفاظ التشهد :
ـب
معنى (( التحيات لله )) : الثناء على الله تعالى بأنه مالك مستحق لجميع
التحيات الصادرة من الخلق . وهي جمع تحية يقصد بها البقاء والعظمة والملك ،
وقيل : السلام . والمباركات : الناميات . والصلوات : الصلوات الخمس وغيرها
من العبادات الفعلية . والطيبات : الأعمال الصالحة . والسلام : أي اسم الله
عليك ، أو السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي . وعلينا : أي
الحاضرين من إمام ومأموم وملائكة وغيرهم . والعباد : جمع عبد . والصالحين :
(١) رواه الجماعة ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٧٨، نصب الراية: ١ / ٤١٩).
(٢) مغني المحتاج : ١ / ١٧٤ .
(٣) رواه مسلم وأبو داود بهذا اللفظ ، ورواه الترمذي وصححه كذلك، لكنه ذكر السلام منكَّراً، ورواه ابن
ماجه كمسلم لكنه قال: ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) (نيل الأوطار: ٢ / ٢٨١).
- ٦٦٩ -

جمع صالح ، وهو القائم بما عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده . ومعنى
رسول الله ، هو الذي يبلغ خبر من أرسله . وسمي تشهداً لما فيه من النطق
بالشهادتين .
الصلاة على النبي ◌ُ ◌ّ في التشهد الأخير :
أقل الصلاة على النبي ، الذي هو الركن عند الشافعية والحنابلة في التشهد
الأخير: ((اللهم صل على محمد)) لظاهر الآية: ﴿ يا أيها الذين آمنوا، صلوا
عليه وسلموا تسليماً ﴾(١) وهي تدل على الوجوب؛ لأن الأمر للوجوب ، علماً بأنه
قد حصل السلام على النبي في التشهد بقوله: ((السلام عليك )) وأما الصلاة على
الآل فهي سنة .
وأكمل الصلاة على النبي أن يقول : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما
صليت على إبراهيم وعلى آل ابراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت
على إبراهيم وعلى آل ابراهيم ، إنك حميد مجيد )).
وقد ثبتت هذه الصيغة عند البخاري ومسلم بل عند الجماعة عن كعب بن
عُجْرة، قال: ((إن النبي معَ ◌ّ خرج علينا، فقلنا : يا رسول الله ، قد علمنا
الله ، كيف نسلم عليك ، فكيف نصلي عليك ؟ قال : قولوا : اللهم صل على محمد
وعلى آل محمد ، كما صليت على آل ابراهيم ، إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى
آل محمد، كما باركت على آل ابراهيم، إنك حميد مجيد)) (٢).
وقال الحنفية والمالكية : الصلاة على النبي سنة كما سيأتي .
(١) الصلاة من الله على عباده: الرحمة والرضوان ، ومن الملائكة: الدعاء والاستغفار، ومن الأمة: دعاء
وتعظيم للنبي لإظهار مكانته عند ربه ، ولنيل الثواب الجزيل ، كما ورد عنه عليه السلام: ((من صلى علي صلاة صلى
الله عليه بها عشراً ))
(٢) رويت هذه الصيغة وغيرها عن أبي مسعود ، وعلي وأبي هريرة وطلحة بن عبيد الله ( انظر نيل الأوطار:
٢ / ٢٨٤ وما بعدها ، تفسير ابن كثير : ٢ / ٥٠٧ )
- ٦٧٠ -

التشهد بالعربية :
يشترط موالاة التشهد ، وكونه بالعربية ، هو وسائر أذكار الصلاة المأثورة
فلا يجوز لمن قدر على العربية التشهد والصلاة على النبي ات( بغيرها ، كما ذكرنا
في التكبير والقراءة ، فإن عجز مؤقتاً حتى يتعلم تشهد بلغته ، كالأخرس . ومن
قدر على تعلم التشهد والصلاة على النبي عائتر ، لزمه ذلك ، لأنه من فروض
الأعيان ، فلزمه كالقراءة . فإن صلى قبل تعلمه مع إمكانه ، لم تصح صلاته . وإن
خاف فوات الوقت ، أو عجز عن تعلمه ، أتى بما يمكنه ، وأجزأه للضرورة . وإن
لم يحسن شيئاً بالكلية ، سقط كله(١).
الركن التاسع - السلام :
السلام الأول للخروج من الصلاة حال القعود فرض عند المالكية ،
والشافعية ، والتسليمتان : فرض عند الحنابلة(٢)، إلا في صلاة جنازة ونافلة
وسجدة تلاوة وشكر ، فيخرج منها بتسليمة واحدة ، وتنقضي الصلاة عند المالكية
والشافعية بالسلام الأول ، وعند الحنابلة بالسلام الثاني .
ودليلهم قوله تع الى: ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها
التسليم)) (٣)، ولأن النبي عَ ◌ّ ((كان يسلم من صلاته))() ويديم ذلك، ولا يخل
(١) المغني: ١ / ٥٤٥، مغني المحتاج: ١ / ١٧٧
(٢) القوانين الفقهية: ص ٦٦ ، مغني المحتاج: ١ / ١٧٧، حاشية الباجوري: ١ / ١٦٣، كشاف القناع: ١ /
٤٥٤، المغني: ١ / ٥٥١ - ٥٥٨، الشرح الصغير: ١ / ٣١٥، ٣٢١، الشرح الكبير: ١ / ٢٤٠ وما بعدها .
(٣) رواه مسلم ، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ، وهو حديث متواتر رواه سبعة من الصحابة ( النظم
المتناثر : ص ٥٧ )
(٤) ثبت ذلك عن النبي بأحاديث متعددة منها حديث ابن مسعود: ((أن النبي ◌َّ كان يسلم عن يمينه وعن
يساره : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله ، حتى يرى بياض خده )) رواه الخمسة وصححه الترمذي ،
ومنها حديث عامر بن سعد عن أبيه ، قال: (( كنت أرى النبي مسئلم يسلم عن يمينه وعن يساره ، حتی یُری بساض
خده )) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه ( نيل الأوطار: ١ / ٢٩٢)
- ٦٧١ -

به، وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (١) وقال ابن المنذر: ((أجمع كل من أحفظ
عنه من أهل العلم أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائز)).
وقال الحنفية(٢) : السلام ليس بفرض ، بل واجب والواجب تسليمتان ، فلو
قعد قدر التشهد ، ثم خرج من الصلاة بسلام أو كلام أو فعل أو حدث ، أجزأه
ذلك ، فالفرض : إنما هو الخروج من الصلاة بصنع المصلي ، عملاً بحديث ابن
مسعود السابق: ((إذا قضيت هذا تمت صلاتك )) ولأن السلام لم يذكر في حديث
المسيء صلاته. وتنقضي الصلاة عندهم بالسلام الأول قبل قوله ((عليكم)).
ومما يدل على عدم فرضية السلام ، وأن الفرض في آخر الصلاة هو القعود
بمقدار التشهد: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (( أن رسول الله مجال
قال : إذا قضى الإمام الصلاة ، وقعد ، فأحدث قبل أن يتكلم ، فقد تمت
صلاته ، ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة))(٢) ويؤيده حديث ابن عباس: (( أن
رسول الله مُ اللّ كان إذا فرغ من التشهد ، أقبل علينا بوجهه ، وقال : من أحدث
حدثاً بعد ما يفرغ من التشهد ، فقد تمت صلاته ))(٤).
صيغة السلام :
أقل ما يجزئ في واجب السلام مرتين عند الحنفية : السلام ، دون قوله :
((عليكم))، وأكمله وهو السنة أن يقول: ((السلام عليكم ورحمة الله)) مرتين .
(١) رواه البخاري .
(٢) فتح القدير: ١ / ٢٢٥، تبيين الحقائق: ١ / ١٠٤، الدر المختار: ١ / ٤١٨، البدائع: ١ / ١١٣
(٣) رواه الترمذي والدارقطني والبيهقي ، وقال عنه الترمذي : هذا حديث ليس إسناده بالقوي ، وقد
اضطربوا في اسناده ( نصب الراية: ٢ / ٦٣ )
(٤) رواه أبو نعيم الأصفهاني، وهو غريب ، ورواه غيره مرسلاً ، ورواه ابن أبي شيبة والبيهقي عن علي
( نصب الراية : ٢ / ٦٣ ) .
- ٦٧٢ -

وينوي الإمام بالتسليمتين السلام على من يمينه ويساره من الملائكة ومسلمي
الإنس والجن . ويسن عدم الاطالة في لفظه والإسراع فيه لحديث أبي هريرة عند
أحمد وأبي داود: ((حذف التسليم سنة)) قال ابن المبارك: معناه ألا يمد مداً .
وأقل ما يجزئ عند الشافعية والحنابلة: ((السلام عليكم)) مرة عند
الشافعية، ومرتين عند الحنابلة وأكمله: السلام عليكم ورحمة الله )) مرتين يميناً
وشمالاً ، ملتفتاً في الأولى حتى يرى خده الأيمن ، وفي الثانية : الأيسر، ناوياً
السلام على من عن يمينه ويساره من ملائكة وإنس وجن . وينوي الإمام أيضاً
زيادة على ما سبق السلام على المقتدين . وهم ينوون الرد عليه وعلى من سلم
عليهم من المأمومين ، فينويه المقتدون عن يمين الإمام عند الشافعية بالتسليمة
الثانية ، ومن عن يساره بالتسليمة الأولى . وأما من خلفه وأمامه فينوي الرد بأي
التسليمتين شاء .
ودليل ذلك حديث سمرة بن جندب قال: ((أمرنا رسول الله ماتز أن نرد
على الإمام ، وأن نتحاب، وأن يسلم بعضنا على بعض))(١) .
وقال الحنفية : ينوي المأموم الرد على الإمام في التسليمة الأولى إن كان في
جهة اليمين ، وفي التسليمة الثانية إن كان في جهة اليسار، وإن حاذاه نواه في
التسليمتين . وتسن نية المنفرد الملائكة فقط .
ولا يندب زيادة ((وبركاته)) على المعتمد عند الشافعية والحنابلة ، ودليلهم
يتفق مع دليل الحنفية: وهو حديث ابن مسعود وغيره المتقدم: ((أن النبي مَ له
كان يسلم عن يمينه وعن يساره : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة
الله ، حتی یری بیاض خده » .
(١) رواه أحمد وأبو داود
- ٦٧٣ -
الفقه الإسلامي جـ١ (٤٣)

فإن نكّس السلام فقال: ((عليكم السلام)) لم يجزه عند الشافعية والحنابلة.
والأصح عندهم ألا يجزيه: ((سلام عليكم)).
نية الخروج من الصلاة بالسلام :
والأصح عند الشافعية : أنه لاتجب نية الخروج من الصلاة ، قياساً على سائر
العبادات ، ولأن النية السابقة منسحبة على جميع الصلاة ، ولكن تسن خروجاً
من الخلاف ، وهذا هو مشهور مذهب المالكية وهو المعتمد ، ويسن بالتسليمتين معاً
نية الخروج من الصلاة عند الحنابلة ، لتمييز الصلاة عن غيرها ، كما تتميز بتكبيرة
الإحرام ، فإن لم ينو، بطلت صلاته ، والصحيح المنصوص عن أحمد : أنه
لاتبطل صلاته . ولا يستحب نصاً الرد على الإمام والمأموم ، فإن نوى مع الخروج
من الصلاة السلام على الحفظة من الملائكة ، والإمام والمأموم ، جاز، لحديث
سمرة عند أبي داود: ((أمرنا النبي عّ لّ أن نرد على الإمام، وأن يسلم بعضنا على
بعض)) وقال بعض الحنابلة : ينوي بالأولى الخروج من الصلاة ، وينوي بالثانية
السلام على الملائكة الحفظة والمأمومين إن كان إماماً ، والرد على الإمام والملائكة
5
إن كان مأموماً .
وأقل ما يجزئ عند المالكية: ((السلام عليكم)) بالعربية، ويجزئ ((سلام
عليكم)) وأكمله: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)) لما رواه أبو داود عن
وائل بن حجر ، ورواه أيضاً ابن حبان في صحيحه وابن ماجه من حديث ابن
مسعود (١) ويسلم المأموم عند المالكية ثلاثاً : واحدة يخرج بها من الصلاة ، وأخرى
يردها على إمامه ، والثالثة : إن كان على يساره أحد ، رد عليه ، في مشهور
المذهب .
(١) انظر نيل الأوطار: ٢ / ٢٩٤ .
- ٦٧٤ -
...

ويسن رد المقتدي السلام على إمامه ، وعلى من يساره إن وجد وشاركه في
ركعة فأكثر ، لاأقل .
ودليل جواز الاقتصار على تسليمة واحدة عند المالكية والشافعية حديث
عائشة قالت: ((كان رسول الله عَ اقل يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه)) وحديث
سلمة بن الأكوع قال: ((رأيت رسول الله عْظُّ صلى فسلم تسليمة واحدة))(١) ولأنه
بالتسليمة الأولى قد خرج بها من الصلاة ، فلم يشرع مابعدها كالثانية . ودليل
إيجاب التسليمتين عند الحنفية والحنابلة : حديث ابن مسعود السابق ، وحديث
جابر بن سمرة عند مسلم أن النبي ◌ُ ◌ٍّ قال: ((إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على
فخذه ، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله )) .
الركن العاشر : الطمأنينة في أفعال معينة :
الطمأنينة ركن أو شرط ركن عند الجمهور(٢) في الركوع والاعتدال منه ،
والسجود ، والجلوس بين السجدتين ، وواجب عند الحنفية للأمر بها في حديث
المسيء صلاته: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبّر ، ثم اقرأ ماتيسر معك من القرآن ، ثم
اركع حتى تطمئن راكعاً ، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن
ساجداً ، ثم افعل ذلك في الصلاة كلها))(٢) ولحديث حذيفة: ((أنه رأى رجلاً
لا يتم ركوعه ولاسجوده ، فقال له : ماصليت ، ولو مِتَّ متَّ على غير الفطرة التي
فطر الله عليها محمداً عَلي لتر))(٤) وظاهره أنها ركن واحد في الكل ، لأنه يعم
(٥)
القيام(٥).
(١) رواهما ابن ماجه .
(٢) ركن عند المالكية والحنابلة وبعض الشافعية ، وشرط في الركن عند بعض الشافعية .
(٣) متفق عليه عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٦٤).
(٤) رواه البخاري .
(٥) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٤٣٢، الشرح الصغير: ١ / ٣١٦، حاشية الباجوري: ١ / ١٥٧، ١٥٩،
كشاف القناع: ١ / ٤٥٣ .
- ٦٧٥ -

والطمأنينة : سكون بعد حركة ، أو سكون بين حركتين بحيث ينفصل مثلاً
رفعه عن هويه . وأقلها : أن تستقر الأعضاء في الركوع مثلاً بحيث ينفصل الرفع
عن الهوي كما قال الشافعية . وذلك بقدر الذكر الواجب لذاكره ، وأما الناسي
فبقدر أدنى سكون ، كما قال بعض الحنابلة ، والصحيح من المذهب : أنها السكون
وإن قل .
أو هي تسكين الجوارح قدر تسبيحة في الركوع والسجود ، والرفع منها ، كما
قال الحنفية .
أو هي استقرار الأعضاء زمناً ما في جميع أركان الصلاة ، كما قال المالكية .
الركن الحادي عشر : ترتيب الأركان على النحو المشروع في صفة
الصلاة في السنة :
الترتيب ركن عند الجمهور ، واجب في القراءة وفيما يتكرر في كل ركعة ،
وفرض فيما لا يتكرر في كل الصلاة أو في كل ركعة كترتيب القيام على الركوع ،
وترتيب الركوع على السجود ، عند الحنفية(١)، بأن يقدم النية على تكبيرة
الإحرام ، والتكبيرة على الفاتحة ، والفاتحة على الركوع ، والركوع على الرفع
منه ، والاعتدال على السجود ، والسجود على السلام ، والتشهد الأخير على الصلاة
على النبي معَّ عند الشافعية والحنابلة .
وذلك لأنه لافز كان يصلي الصلاة مرتبة ، وعلمها للمسيء صلاته مرتبة
بـ ((ثم))، ولأنها عبادة تبطل عند الجمهور غير الحنفية بالحدث ، فكان الترتيب
فيها ركناً كغيره .
(١) الدر المختار: ١ / ٤٢٩ - ٤٣١، الشرح الصغير: ١ / ٣١٧، حاشية الباجوري: ١ / ١٦٤، مغني المحتاج :
١ / ١٧٨ وما بعدها، كشاف القناع: ١ / ٤٥٥، الشرح الكبير للدردير: ١ / ٢٤١.
- ٦٧٦ -

ويترتب على كون الترتيب ركنا عند الجمهور ، وكما ذكر الشافعية : أن من
تركه عمداً كأن سجد قبل ركوعه ، بطلت صلاته إجماعاً لتلاعبه . وإن سها عن
الترتيب فمافعله بعد المتروك لغو ؛ لوقوعه في غير محله . فإن تذكر المتروك قبل
بلوغ مثله من ركعة أخرى ، فعله بعد تذكره فوراً ، فإن تأخر بطلت صلاته .
وإن لم يتذكر حتى بلغ مثله ، تمت به ركعته المتروك آخرها كسجدته الثانية
منها ، وتدارك الباقي من صلاته ؛ لأنه ألغى مابينهما .
ولو تيقن في آخر صلاته ترك سجدة من الركعة الأخيرة ، سجدها وأعاد
تشهده .
وإن كانت السجدة من ركعة أخرى غير الأخيرة ، أو شك هل ترك السجدة
من الأخيرة أو من غيرها ، لزمه ركعة ؛ لأن الناقصة قد تكلت ، بسجدة من
الركعة التي بعدها ، وألغي باقيها .
وإن قام للركعة الثانية ، وتذكر أنه ترك سجدة من الركعة الأولى : فإن
كان قد جلس بعد سجدته التي قام عنها ولو للاستراحة ، سجد فوراً من قيامه .
وإن لم يكن قد جلس ، جلس مطمئناً ، ثم سجد .
وإن علم في آخر صلاة رباعية ترك سجدتين أو ثلاث ، جهل موضعها ،
وجب عليه ركعتان ، أخذاً بأسوأ الافتراضات ، فتنجبر الركعة الأولى بسجدة من
الثانية ، ويلغو باقيها ، وتنجبر الركعة الثالثة بسجدة من الرابعة ويلغو باقيها .
وإن علم ترك أربع سجدات ، فعليه سجدة وركعتان . فإن كانت خمساً أو
ستاً فعليه ثلاث ركعات . وإن كانت سبعاً فعليه سجدة وثلاث ركعات .
وإن تذكر ترك ركن بعد السلام : فإن كانت النية ، أو تكبيرة الإحرام ،
بطلت صلاته ، وإن كان غيرهما ، بنى على صلاته السابقة إن قرب الفاصل ، ولم
- ٦٧٧ -

يأت بمناف للصلاة كمس نجاسة . ولا يضر استدبار القبلة إن قصر زمنه عرفاً ، ولا
الكلام إن قل عرفاً أيضاً ، لأنها يحتملان في الصلاة .
وإن طال الفصل عرفاً استأنف ، أي ابتدأ صلاة جديدة .
ويترتب على كون الترتيب واجباً فيما يتكرر في كل ركعة عند الحنفية(١): أنه
لو سجد ثم ركع ، لم يعتبر سجوده ، ويلزمه سجود آخر ، فإن سجده صحت
صلاته لتحقيق الترتيب المطلوب ، ويلزمه سجود السهو ، لتقديمه السجود
المفروض .
ولو قعد القعود الأخير ، وتذكر سجدة صلبية(٢)، فإنه يسجدها ، ويعيد
القعود ، ويسجد للسهو ، لاشتراط الترتيب بين القعود وماقبله ، ويبطل القعود
بالعود إلى السجدة الصلبية أو التلاوية .
ولو ترك ركوعاً ، فإنه يقضيه مع مابعده من السجود .
ولو تذكر قياماً أو قراءة ، صلى ركعة.
ولو نسي سجدة من الركعة الأولى ، قضاها ولو بعد السلام قبل الكلام ، ثم
يتشهد، ثم يسجد للسهو، ثم يتشهد، أي يقرأ التشهد إلى ((عبده ورسوله ))
فقط .
(١) رد المحتار: ١ / ٤٢٩ - ٤٣٢، البدائع: ١ / ١٦٣.
(٢) السجدة الصلبية: هي السجدة التي هي من صلب الصلاة أي جزء منها ، ومثلها في الحكم السجدة
التلاوية ؛ لأنها لما وقعت في الصلاة أعطيت حكم الصلبية .
- ٦٧٨ -

الفصل السّادس
سنن الصلاة وصفتها ومكروهاتها
والأذكار الواردة عقبها
وفيه مباحث سبعة :
أنواع سنن الصلاة : سنن الصلاة قسمان : إما داخل فيها ، وإما خارج عنها
كالاستياك المذكور سابقاً ، وكسترة المصلي الذي سنوضحه .
المبحث الأول - سنن الصلاة الداخلة فيها :
سنن الصلاة : هي الأقوال والأفعال التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها ،
بل بعاتب ويلام ، ولا تنجبر إذا تركت بسجود السهو، ولا تبطل الصلاة بتركها
عمداً .
5
والسنة كما ذكر الحنفية(١): ما فعله رسول الله عَ لّ بطريق المواظبة، ولم
يتركها إلا لعذر ، كدعاء الثناء ، والتعوذ ، وتكبيرات الركوع والسجود .
وللصلاة عندهم سنن وآداب، والأدب فيها: ما فعله رسول الله عليهم مرة أو
مرتين ، ولم يواظب عليه ، كزيادة التسبيحات في الركوع والسجود على الثلاثة ،
والزيادة على القراءة المسنونة ، وقد شرع لإكمال السنة .
(١) فتح القدير والعناية: ١ / ١٩٤، البدائع: ١ / ١٩٨ - ٢٢٠، تبيين الحقائق: ١ / ١٠٦ - ١٣٢، الدر
المختار: ١ / ٤٤٧ - ٥١١ ، مراقي الفلاح: ص ٤١ - ٤٤ .
- ٦٧٩ -

والسنة أو الادب عندهم دون الواجب ، لأن الواجب في الصلاة : ما تجوز
الصلاة بدونه ، ويجب بتركه ساهياً سجدتا السهو .
وذكروا للصلاة إحدى وخمسين سنة ، وسبعة آداب .
وذكر المالكية(١) للصلاة أربع عشرة سنة ، وثمانية وأربعين أدباً. والسنة
عندهم : ما طلبه الشرع وأكد أمره وعظم قدره وأظهره في الجماعة . ويثاب فاعله
ولا يعاقب تاركه كالوتر وصلاة العيدين .
والمندوب عندهم : ما طلبه الشرع طلباً غير جازم ، وخفف أمره ، ويثاب
فاعله ولا يعاقب تاركه ، كصلاة أربع ركعات قبل الظهر . ويسجد سجود
السهو لثمانية من السنن وهي : السورة ، والجهر ، والإسرار، والتكبير ،
والتحميد ، والتشهدان ، والجلوس لهما .
وسنن الصلاة عند الشافعية(٣) نوعان: أبعاض وهيئات.
والأبعاض : هي التي يجبر تركها بسجود السهو وهي ثمانية(٣):
التشهد الأول ، والقعود له ، والصلاة على النبي ◌ُ ◌ّ بعده، وعلى آله بعد
التشهد الأخير ، والقنوت في الصبح ووتر النصف الأخير من رمضان ، والقيام
للقنوت ، والصلاة على النبي عْ لّ ، وعلى آله بعد القنوت.
والهيئات : وهي أربعون كالتسبيحات ونحوها لا يجبر تركها بسجود
السهو .
(١) الشرح الصغير: ١ / ٣١٧ - ٣٣٧، الشرح الكبير: ١ / ٢٤٢، القوانين الفقهية: ص ٥٠ وما بعدها،
٥٨، ٦٠
(٢) تحفة الطلاب مع حاشية الشرقاوي: ١ / ١٩٥ - ٢١٦، حاشية الباجوري: ١ / ١٦٧ - ١٨١، ١٩٣
وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ١٥٢ - ١٨٤، المهذب: ١ / ٧١ - ٨٢، المجموع: ٣ / ٣٥٦.
(٣) بل أوصلها الشافعية إلى عشرين بعضاً سنذكرها في بحث سجود السهو، وسميت أبعاضاً تشبيهاً لها
بالأبعاض الحقيقية أي الأركان ، في مطلق الجبر .
- ٦٨٠ -