النص المفهرس

صفحات 641-660

وتربع ندباً للجلوس البديل عن القيام : وهو حالة تكبيرة الإحرام ،
والقراءة والركوع ، ثم يغير جلسته في الجلوس بين السجدتين والتشهد .
د - وإن لم يقدر على الجلوس بحالتيه (مستقلاً أو مستندا ) ، صلى على شق
أيمن ندباً ، فأيسر إن عجز عن الأيمن ، ثم مستلقياً على ظهر ورجلاه للقبلة ، فإن
لم يقدر فعلى بطنه ورأسه للقبلة .
والشخص القادر على القيام فقط ، دون الركوع والسجود والجلوس ، أومأ
للركوع والسجود قائماً .
والقادر على القيام مع الجلوس ، أومأ للركوع من القيام ، وأومأ للسجود من
الجلوس ، فإن خالف فيهما ، بطلت صلاته .
وإذا أومأ للسجود من قيام أو جلوس ، حَسَر (رفع ) عمامته عن جبهته
وجوباً ، بحيث لو سجد لأمكن وضع جبهته بالأرض ، أو بما اتصل بها من فرش
ونحوه .
وإن كان بجبهته قروح ، فسجد على أنفه ، صحت صلاته ؛ لأنه أتى بما في
طاقته من الإيماء ، علماً بأن حقيقة السجود : وضع الجبهة على الأرض .
وإن قدر المصلي على جميع الأركان ، في الركعة الأولى ، إلا أنه إذا سجد بعد
أن أتم الركوع وقراءة الفاتحة ، لا يقدر على القيام ، صلى الركعة الأولى
بسجدتيها ، وتم صلاته جالساً .
هـ - إن لم يقدر المصلي على شيء من الأركان إلا على نية ، بأن ينوي
الدخول في الصلاة ويستحضرها ، أو قدر على النية مع إيماء بطرف ، وجبت
الصلاة بما قدر عليه ، وسقط عنه غير المقدور عليه . وإن قدر مع ذلك على
((السلام)) سلم .
الفقه الإسلامي جـ ١ (٤١)
- ٦٤١ -

ولا يجوز له تأخير الصلاة عن وقتها بما قدر عليه ، مادام المكلف في عقله .
وقال الشافعية (١):
أ - إن لم يقدر على القيام في الفرض مع نصب عموده الفقري ، وقف
منحنياً ؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور .
ب - وإن عجز عن القيام أصلاً ( بأن لحقته مشقة شديدة لاتحتمل في العادة
كدوران رأس راكب السفينة ) ، قعد كيف شاء ، لخبر عمران بن حصين ، وركع
محاذياً جبهته قُدَّام ركبتيه ، والأفضل أو الأكمل : أن يحاذي موضع سجوده . وكل
من ركوعه وسجوده على وزان ركوع القائم في المحاذاة بحسب النظر ، لأنه يسن
للمصلي النظر إلى موضع سجوده .
وقعوده مفترشاً كهيئة الجالس للتشهد الأول أفضل من تربعه في الأظهر ؛
لأنها هيئة مشروعة في الصلاة ، فكانت أولى من غيرها ، ويكره الإقعاء بأن
يجلس على وركيه ناصباً ركبتيه ، لما فيه من التشبه بالكلب والقرد .
جـ - فإن لم يقدر على القعود: بأن نالته المشقة السابقة ، اضطجع وجوباً
على جنبه ، مستقبلاً القبلة بوجهه ومقدم بدنه . والجنب الأيمن أفضل للاضطجاع
عليه من الأيسر ، والأيسر بلا عذر مكروه .
د - فإن لم يقدر على الاضطجاع ، استلقى، ويرفع وجوباً رأسه بشيء
كوسادة ليتوجه إلى القبلة بوجهه ومقدم بدنه ، إلا أن يكون في الكعبة وهي
مسقوفة ، فيجوز له الاستلقاء على ظهره ، وعلى وجهه وإن لم تكن مسقفة ؛ لأنه
كيفما توجه ، فهو متوجه لجزء منها . ويركع ويسجد بقدر إمكانه ، فيومئ
برأسه للركوع والسجود ، وإيماؤه للسجود أكثر ، قدر إمكانه .
(١) مغني المحتاج: ١ / ١٥٤ وما بعدها، الحضرمية: ص ٣٨ وما بعدها ، تحفة الطلاب: ص ٦٩.
- ٦٤٢ -

هـ - فإن لم يقدر ، أومأ بطرفه ( أي بصره ) إلى أفعال الصلاة .
و - فإن لم يقدر ، أجرى الأركان على قلبه ، مع السنن ، بأن يمثل نفسه قائماً
وراكعاً ، وهكذا ؛ لأنه الممكن .
فإن اعتقل لسانه ، أجرى القراءة وغيرها على قلبه كذلك .
ولا تسقط عنه الصلاة مادام عقله ثابتاً ، لوجود مناط التكليف .
ومتى قدر على مرتبة من المراتب السابقة في أثناء الصلاة ، لزمه الإتيان
بها .
ز - وللقادر على القيام : أن يتنفل قاعداً ، أو مضطجعاً في الأصح ، لا
مستلقياً ، ويقعد للركوع والسجود ولا يومئ بها إن اضطجع ، لعدم وروده في
السنة .
وأجر القاعد القادر نصف أجر القائم ، والمضطجع نصف أجر القاعد .
والخلاصة : أن المريض يصلي كيف أمكنه ولو مومياً ولا يعيد ، والغريق
5
والمحبوس يصليان موميين ويعيدان .
ومذهب الحنابلة(١) كالشافعية ، فإنهم قالوا :
أ - يجب أن يصلي المريض قائماً إجماعاً في فرض، ولو لم يقدر إلا بصفة
ركوع، لحديث عمران بن حصين مرفوعاً: ((صل قائماً، فإن لم تستطع فعلى
جنب)) رواه الجماعة، وزاد النسائي: ((فإن لم تستطع فمستلقياً)) وحديث ((إذا
أمرتكم بأمر فائتوا منه مااستطعتم )) .
(١) كشاف القناع: ١ / ٥٨٧ - ٥٨٩، المغني: ٢ / ١٤٣ - ١٤٩.
- ٦٤٣ -
:

ويصلي قائماً ولو بالاستناد إلى شيء آخر بأجرة مثله أو زائدة يسيراً إن قدر
عليها ، فإن لم يقدر على الأجرة ، صلى على حسب ما يستطيع ، وهذا يوافق رأي
المالكية .
ب - فإن لم يستطع المريض القيام أو شق عليه مشقة شديدة لضرر من
زيادة مرض ، أو تأخر برء ونحوه ، فإنه يصلي قاعداً لما تقدم من الخبر ، متربعاً
ندباً كمتنفل أي كما قال المالكية ، وكيف قعد جاز كالمتنفل ، ويثني رجليه في
ركوع وسجود ، كمتنفل .
جـ - فإن لم يستطع القعود ، أو شق عليه ، فيصلي على جنب ، لما تقدم في
,٦
حديث عمران .
والصلاة على الجنب الأيمن أفضل من الصلاة على الجنب الأيسر ، لحديث
علي مرفوعاً: (( يصلي المريض قائماً، فإن لم يستطع ، صلى قاعداً ، فإن لم
يستطع أن يسجد أومأ ، وجعل سجوده أخفض من ركوعه ، فإن لم يستطع أن
يصلي قاعداً ، صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة ، فإن لم يستطع صلى
مستلقياً ، رجلاه مما يلي القبلة))(١) فإن صلى على الجنب الأيسر، جاز، لظاهر
خبر عمران ، ولتحقق استقبال القبلة .
د - ويصح أن يصلي على ظهره ، ورجلاه إلى القبلة ، مع القدرة على الصلاة
على جنبه ، لأنه نوع الاستقبال(٢) ، مع الكراهة . فإن تعذر عليه أن يصلي على
جنبه تعين الظهر ، لما تقدم في حديث علي .
ويلزمه الإيماء بركوعه وسجوده برأسه ما أمكنه ، لحديث ((إذا أمرتكم بأمر
(١) رواه الدارقطني .
(٢) ولهذا يوجه الميت كذلك عند الموت .
- ٦٤٤ -

فائتوا منه مااستطعتم )) ، ويكون سجوده أخفض من ركوعه وجوباً ، لحديث
علي ، وليتميز أحدهما عن الآخر .
هـ - فإن عجز عن الإيماء برأسه لركوعه وسجوده كأسير عاجز، أوما بطرفه
( أي عينه ) ونوى بقلبه ، لما روى زكريا الساجي عن علي بن أبي طالب أنه
عَ ◌ّ قال: ((فإن لم يستطع أوما بطرفه)).
و- فإن عجز عن الإيماء بطرفه ، فيصلي بقلبه ، مستحضراً القول إن عجز
عنه بلفظه ، ومستحضراً الفعل بقلبه ، لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين
من حرج) وقوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) وقوله محد ◌ّة: ((إذا
أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم )) .
ولا تسقط الصلاة حينئذ عن المكلف ، مادام عقله ثابتاً ، لقدرته على أن
ينوي بقلبه ، مع الإيماء بطرفه أو بدونه ، ولعموم أدلة وجوب الصلاة(١).
والخلاصة : أن أقصى حالات التيسير للمريض هو الإيماء بالرأس عند
الحنفية ، والإيماء بالطرف ( البصر أو العين ) أو مجرد النية عند المالكية ، وإجراء
الأركان على القلب عند الشافعية والحنابلة .
واتفق الكل على أنه لا تسقط الصلاة عن المرء مادام في عقله ، ويجب قضاؤها
عند الحنفية إن لم يستطع الإيماء برأسه .
الركن الثالث - القراءة لقادر عليها :
الركن عند الحنفية(٢) الذي هو فرض عملي في جميع ركعات النفل والوتر ،
(١) وأما حديث الدَّارمي وغيره عن ابن عمر مرفوعاً: ((يصلي المريض قاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب،
فإن لم يستطع فمستلقياً، فإن لم يستطع فالله أولى بالعذر)) فإسناده ضعيف .
(٢) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٤١٥، فتح القدير: ١ / ١٩٣، ٢٠٥، ٣٢٢ وما بعدها، البدائع: ١ / ١١٠ ،
تبيين الحقائق : ١ / ١٠٤ وما بعدها .
- ٦٤٥ -

وفي ركعتين من الفرض ، للإمام والمنفرد : هو قراءة آية من القرآن ، لقوله
تعالى: ﴿فَاقرءوا ماتيسر من القرآن ) ومطلق الأمر للوجوب، ولقوله له:
(( لاصلاة إلا بقراءة))(١) وأقل الواجب عند أبي حنيفة: هو آية بمقدار ستة أحرف
مثل ((ثم نظر)) ولو تقديراً مثل ((لم يلد)) إذ أصله ((لم يولد)) وقال
الصاحبان : فرض القراءة ثلاث آيات قصار ، أو آية طويلة ، بمقدار ثلاث آيات
قصيرة .
وأما تعيين القراءة في الركعتين الأوليين من الفرض فهو واجب ، لقول علي
رضي الله عنه: ((القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين )) وعن ابن مسعود
وعائشة: ((التخيير في الأخريين، إن شاء قرأ، وإن شاء سبح)) وكذلك قراءة
الفاتحة والسورة ، أو ثلاث آيات ، هو واجب أيضاً(٢) .
وليست الفاتحة عندهم فرضاً في الصلاة مطلقاً ، لا في السرية ولا في
الجهرية ، لاعلى الإمام ، ولا على المأموم ، بل تكره قراءتها للمأموم .
البسملة عند الحنفية :
وليست البسملة آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور إلا من سورة النمل
في أثنائها لحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: ((صليت مع رسول الله مع الفته
وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن
الرحيم)(٣) .
لكن يقرأ المنفرد بسم الله الرحمن الرحيم مع الفاتحة في كل ركعة سراً ، كما أنه
(١) رواه مسلم عن أبي هريرة .
(٢) قد تفرض القراءة في جميع ركعات الفرض الرباعي: كما لو استخلف الإمام مسبوقاً بركعتين ، وأشار أنه لم
يقرأ في الركعتين الأوليين .
(٣) رواه مسلم وأحمد .
- ٦٤٦ -

يسر بالتأمين ، فالتسمية والتأمين يسر بها القارئ . أما الإمام فلا يقرأ البسملة
ولا يسر بها لئلا يقع السر بين جهرين، قال ابن مسعود: ((أربع يخفيهن
الإمام : التعوذ، والتسمية ، والتأمين، والتحميد))(١).
وأدلتهم ما يأتي :
اً - قوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن ﴾ هو أمر بمطلق قراءة ،
فتتحقق بأدنى ما يطلق عليه اسم القرآن ، وبما أن قراءة القرآن ليست فرضاً خارج
الصلاة بالإجماع بدليل سياق الآية ، فتعين أن تكون فرضاً في الصلاة .
اً - لا تجوز الزيادة بخبر الواحد الظني على ماثبتت فرضيته بالدليل القطعي
في القرآن ، ولكن خبر الواحد يوجب العمل به ، لا فرضيته ، فقالوا بوجوب
قراءة الفاتحة فقط ، أي أن الصلاة تصح بتركها مع الكراهة التحريمية .
٣ - جاء في حديث المسيء صلاته المتقدم: ((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ
الوضوء ، ثم استقبل القبلة فكبر ، ثم اقرأ ماتيسر معك من القرآن ))(٢) فالواجب
هو مطلق القراءة ، كما دل القرآن ، ولو كانت قراءة الفاتحة فرضاً أو ركناً لعلمه
إياها ، لجهله بالأحكام وحاجته إليها .
٤ - أما حديث ((لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) الذي رواه الأئمة الستة
عن عبادة بن الصامت(٣) ، فمحمول على نفي الفضيلة ، لا نفي الصحة كحديث
(( لاصلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) (٤).
(١) أي ربنا لك الحمد رواه ابن أبي شيبة عن ابراهيم النخعي .
(٢) انظر نصب الراية: ١ / ٣٦٦.
(٣) أنظر نصب الراية: ١ / ٣٦٥.
(٤) حديث ضعيف رواه الدارقطني عن جابر وعن أبي هريرة رضي الله عنهما .
- ٦٤٧ -

قراءة المقتدي :
أما المقتدي : فلا قراءة عليه عند الحنفية للأدلة الآتية (١):
اً - الكتاب: قال تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن ، فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم
ترحمون﴾ قال الإمام أحمد: ((أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة )) وهي
تأمر بالاستماع والإنصات ، والاستماع خاص بالجهرية ، والإنصات يعم السرية
والجهرية ، فيجب على المصلين أن يستمعوا فيما يجهر به ، وأن ينصتوا فيما يسر
به . وبما أن الأحاديث تطلب القراءة ، فقد أصبحت دلالة الآية مفيدة
للوجوب ، الذي يقتضي مخالفته كراهة التحريم .
اً - السنة: قال النبي صَ لّه: ((من صلى خلف إمام، فإن قراءة الإمام له
قراءة)) (٢) وهو يشمل السرية والجهرية. وقال عليه السلام أيضاً: (( إنما جعل
الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا))(٢).
وفي حديث آخر: أن النبي ◌َ ◌ّ صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه :
سبح اسم ربك الأعلى، فلما انصرف، قال: ((أيكم قرأ، أو أيكم القارئ ، فقال
الرجل: أنا ، فقال: لقد ظننت أن بعضكم خالجنيها ))(٤) أي نازعنيها. وهذا
يدل على إنكار القراءة في صلاة سرية ، ففي الجهرية أولى .
اً - القياس: لو وجبت القراءة على المأموم، لما سقطت عن المسبوق كسائر
الأركان ، فقاسوا قراءة المؤتم على قراءة المسبوق في حكم السقوط ، فتكون غير
مشروعة .
(١) البدائع: ١ / ١١٠ وما بعدها، مقارنة المذاهب في الفقه للأستاذين شلتوت والسايس: ص ٢٥ وما
بعدها .
(٢) رواه أبو حنيفة عن جابر رضي الله عنه .
(٣) رواه مسلم عن أبي هريرة .
(٤) متفق عليه عن عمران بن حصين .
- ٦٤٨ -

وقال الجمهور(١) ( غير الحنفية ): ركن القراءة الواجبة في الصلاة: هو
الفاتحة، لقوله صل اته: ((لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) وقوله أيضاً:
((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب))(٢)، ولفعله ميّز كما في صحيح مسلم ،
مع خبر البخاري: (( صلوا كما رأيتموني أصلي )).
وأما قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة فهو سنة ،
وأما المأموم فيقرأ في الصلاة السرية الفاتحة والسورة ، ولا يقرأ شيئاً عند المالكية
والحنابلة في الجهرية ، ويقرأ الفاتحة فقط في الجهرية عند الشافعية (٣). وفي ظاهر
كلام أحمد أنه استحسن قراءة بعض الفاتحة في سكتة الإمام الأولى ، ثم يقرأ بقية
الفاتحة في السكتة الثانية . ويستمع بينهما لقراءة الإمام .
إلا أن الشافعية قالوا : تتعين قراءة الفاتحة حفظاً أو نظراً في مصحف أو
تلقينا أو نحو ذلك ، في كل ركعة للإمام والمأموم والمنفرد ، سواء أكانت الصلاة
سرية أم جهرية ، فرضاً أم نفلاً ، للأدلة المذكورة هنا ، ولحديث عبادة بن
الصامت رضي الله عنه قال: ((صلى رسول الله عز ال الصبح، فثقلت عليه
القراءة ، فلما انصرف ، قال : إني أراكم تقرءون وراء إمامكم ؟ ! قال : قلنا :
يارسول الله، إي والله ، قال : لا تفعلوا إلا بأم القرآن ، فإنه لاصلاة لمن لم يقرأ
فيها ))(٤) فهذا نص صريح خاص بقراءة المأموم دال على فرضيتها ، وظاهر النفي
متجه إلى الإجزاء ، أي لاتجزئ ، وهو كالنفي للذات في المآل .
(١) الشرح الصغير: ١ / ٣٠٩، بداية المجتهد: ١ / ١١٩ وما بعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي: ١ / ٢٣٦ ،
مغني المحتاج: ١ / ١٥٦ - ١٦٢، المغني: ١ / ٣٧٦ - ٤٩١، ٥٦٢ - ٥٦٨، كشاف القناع: ١ / ٤٥١، المهذب:
١ / ٧٢، المجموع: ٣ / ٢٨٥ وما بعدها، حاشية الباجوري: ١ / ١٥٣ - ١٥٦.
(٢) رواه ابنا خزيمة وحبان في صحيحيهما .
(٣) المجموع : ٣ / ٣٤٤ _ ٣٥٠ .
(٤) رواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان ( سبل السلام: ١ / ١٧٠ ).
- ٦٤٩ -

فلو تركها ناسياً لا يجزيه في الجديد ؛ لأن ما كان ركناً من الصلاة ، لم يسقط
فرضه بالنسيان كالركوع والسجود . ولا تسقط عن المصلي إلا لمسبوق في ركعة ،
فإن الإمام يتحملها عنه . وكالمسبوق : زحمة أو نسيان أنه في الصلاة ، أو بطء
حركة ، بأن لم يقم من السجود إلا والإمام راكع أو قريب من الركوع ، أو شك
بعد ركوع إمامه في قراءة الفاتحة فتخلف لها .
والبسملة عند الشافعية آية من الفاتحة ، لما رواه البخاري في تاريخه أنه تع
عدَّ الفاتحة سبع آيات ، وعدَّ: بسم الله الرحمن الرحيم آية منها . وروى
الدارقطني عن أبي هريرة أنه يُؤالهم قال: ((إذا قرأتم الحمد لله ، فاقرءوا بسم الله
الرحمن الرحيم ، إنها أم القرآن ، وأم الكتاب ، والسبع المثاني ، وبسم الله الرحمن
الرحيم إحدى آياتها )» (١) ، ولأن الصحابة رضي الله عنهم أثبتوها فيما جمعوا من
القرآن ، فيدل على أنها آية منها .
وإن كان في صلاة جهرية جهر بها ، كما يجهر في سائر الفاتحة ، لما روى ابن
عباس رضي الله عنهما أن النبي ◌ُّ جهر ببسم الله الرحمن الرحيم))(٣) ولأنها تقرأ
على أنها آية من القرآن ، بدليل أنها تقرأ بعد التعوذ ، فكان سنتها الجهر كسائر
الفاتحة .
وتشديدات الفاتحة الأربع عشرة شدة هي منها ، ثلاث منها في البسملة ،
فلو خفف منها تشديدة ، بطلت قراءة تلك الكلمة ، لتغييره النظم .
ويشترط في القراءة : عدم اللحن المخل بالمعنى كضم تاء : أنعمت ، أو كسرها
(١) وهناك أحاديث أخرى في موضوع البسملة، منها مارواه البخاري ومسلم وابن خزيمة بإسناد صحيح عن أم
سلمة . وهذا الحديث رواه الدارقطني وصوب وقفه ( سبل السلام: ١ / ١٧٣ ) .
(٢) رويت أحاديث الجهر بالبسملة إما في البخاري وإما في مسلم وإما فيها عن ستة من الصحابة : أبي هريرة
وأم سلمة وابن عباس وأنس وعلي بن أبي طالب وسمرة بن جندب رضي الله عنهم ( المجموع: ٣ / ٣٠٢).
- ٦٥٠ -

ممن يمكنه التعلم، وكقراءة شاذة: وهي غير السبعة إن غيرت المعنى كقراءة ((إنما
يخشى الله من عباده العلماء )) برفع الأول ونصب الثاني ، أو زادت ولو حرفاً أو
نقصت ، فمتى فعل شيئاً من ذلك بطلت قراءته .
وقال المالكية(١): تصح القراءة بالقراءة الشاذة إن وافقت رسم المصحف
العثماني ، وإن لم تجز القراءة بها . وتصح القراءة بلحن في القراءة ولو بالفاتحة إن
لم يتعمد، وأثم الإمام إن وجد غيره ممن يحسن القراءة . وتصح القراءة بغير تمييز
بين ضاد وظاء ، كما في لغة بعض العرب الذين يقلبون الضاد ظاء . ولا تصح
القراءة إن تعمد اللحن أو تبديل الحروف بغيرها ، ولا يصح الاقتداء به .
ولو أبدل صاداً بظاء لم تصح في الأصح قراءته لتلك الكلمة ، لتغييره النظم
واختلاف المعنى .
ويجب ترتيبها ( بأن يقرأ آياتها على نظمها المعروف ) وموالاتها ( بأن يصل
بعض كلماتها ببعض من غير فصل إلا بقدر التنفس ) عملاً بالسنة: (( صلوا كما
رأيتموني أصلي )) فإن تخللها ذكر كالتحميد عند العطاس ، قطع الموالاة . أما إن
كان الفاصل متعلقاً بالصلاة كالتأمين لقراءة الإمام ، وفتحه(٢) عليه إذا توقف في
القراءة ، وسؤال الرحمة ، والتعوذ من العذاب ، وسجود التلاوة لقراءة إمامه ، فلا
يقطع الموالاة في الأصح . ويقطع الموالاة السكوت الطويل ، لإشعاره بالإعراض
مختاراً ، وكذا اليسير إن قصد به قطع القراءة في الأصح ، عملاً بالنية .
وإن جهل إنسان الفاتحة بكمالها بأن لم يمكنه معرفتها لعدم معلم أو مصحف
أو نحو ذلك ، أجزأه بدلها بما يعادل حروفها في الأصح ، من سبع آيات متوالية
(١) الشرح الصغير: ١ / ٤٣٧ .
(٢) الفتح على الإمام : هو تلقين الآية عند التوقف فيها ، ومحله إذا سكت ، فلا يفتح عليه مادام يردد
التلاوة .
- ٦٥١ -

أو متفرقة ، فإن عجز عنها أتى بسبعة أنواع من ذكر أو دعاء يتعلق بالآخرة لا
الدنيا بحيث لا ينقص عن حروفها، لما روى أبو داود وغيره ((أن رجلاً قال :
يارسول الله ، إني لاأستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً ، فعلمني ما يجزيني عنه ،
فقال : قل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة
إلا بالله )) .
فإن لم يحسن شيئاً قرآناً ولا ذكراً ، وقف بقدر الفاتحة .
ويسن عقب الفاتحة بعد سكتة لطيفة: ((آمين)) ( خفيفة الميم بالمد ، ويجوز
القصر ) أي استجب ، سواء أكان في صلاة أم لا ، ولكن في الصلاة أشد
استحباباً ، لما روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن وائل بن حُجْر، قال :
((صليت خلف رسول الله ع التمر، فلما قال - ولا الضالين - قال: آمين ، ومدّ بها
صوته)) وروى البخاري عن أبي هريرة: ((إذا قال الإمام : ولا الضالين ،
فقولوا : آمين ، فإن من وافق قوله قول الملائكة ، غفر له ما تقدم من ذنبه
وماتأخر)) .
ويؤمن مع تأمين إمامه ، ويجهر به في الأظهر(١)، تبعاً لإمامه للاتباع،
رواه ابن حبان وغيره وصححوه ، مع خبر: (( صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وتسن للإمام والمنفرد قراءة سورة بعد الفاتحة ، إلا في الركعتين الثالثة
والرابعة في الأظهر ، اتباعاً للسنة ، رواه الشيخان ، فإن سُبق بها المأموم من
صلاة نفسه ، قرأها فيهما حين تداركهما ، على النص ؛ لأن ما يدركه المسبوق هو
أول صلاته ، لئلا تخلو صلاته من سورتين .
(١) يجهر المأموم خلف الإمام في خمسة مواضع: أربعة مواضع تأمين: يؤمن مع تأمين الإمام ، وفي دعائه في
قنوت الصبح ، وفي قنوت الوتر في النصف الثاني من رمضان ، وفي قنوت النازلة في الصلوات الخمس . وإذا فتح على
الإمام بآية .
- ٦٥٢ -

ولا يقرأ المأموم سورة في الصلاة الجهرية ، إلا إن كان بعيداً لا يسمع الإمام ،
أو كان به صم أو سمع صوتاً لا يفهمه . ويقرأ سورة في الصلاة السرية في الأصح ،
إذ لامعنى لسكوته .
وقال المالكية على المشهور، والحنابلة : يجب قراءة الفاتحة في كل ركعة على
الإمام والمنفرد ، ولا يقرأ المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية وإنما يستحب أن
يقرأها في السرية ؛ لأن الأمر القرآني بالاستماع والإنصات للقرآن خاص بالصلاة
الجهرية، بدليل ((أن النبي ◌ُؤافز انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة ، فقال:
هل قرأ أحد منكم آنفاً ؟ فقال رجل : نعم ، يارسول الله ، قال : فإني أقول :
مالي أنازع القرآن ، فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله مط هر فيما يجهر فيه من
الصلوات بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله عاطفةٍ))(١) وهذا صريح في
كراهة القراءة للمؤتم حالة الجهر .
أما دليلهم على استحباب القراءة في حالة السر: فهو قول النبي عَ ل: ((إذا
أسررت بقراءتي فاقرءوا))(٢) .
ـها
وألحق الحنابلة بالصلاة السرية : كل ما لا يجهر فيه من حالات عدم السماع
لبعد أو آفة أو سكوت الإمام ، أي كما قال الشافعية ؛ لأن المأموم في كل تلك
الأحوال غير سامع للقراءة ، فلا يحصل له مقصود الاستماع .
ويظهر أن هذا الرأي هو أولى الآراء ، توفيقاً بين دلالة الآية على وجوب
الاستماع للقرآن ، ودلالة الحديث على القراءة في السر ، وعدم وجود مسوغ
للإنصات في السرية ، لكني لاأطمئن إلى ترك الفاتحة مطلقاً ، للحديث المتفق
(١) رواه أبو داود والنسائي والترمذي عن أبي هريرة، وقال: حديث حسن.
(٢) رواه الدارقطني والترمذي .
- ٦٥٣ -

عليه عن عبادة: (( لاصلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن )) وهو دليل واضح على وجوب
قراءة الفاتحة في الصلاة ، ولأن الظاهر فيه بحسب الأصل هو نفي الصحة ،
لا نفي الكمال والفضيلة .
وليست البسملة عند المالكية آية من الفاتحة ، فلا يقرؤها في الصلاة
المكتوبة ، جهراً كانت أو سراً ، لا في الفاتحة ، ولافي غيرها من السور . ويجب
عند المالكية كغيرهم تعلم الفاتحة إن أمكن التعلم ، فإن لم يمكن التعلم لخرس
ونحوه ، أو لم يجد معلماً أو ضاق الوقت ، ائتم وجوباً بمن يحسنها إن وجده ،
وتبطل إن تركه ، وإن لم يجده صلى منفرداً . ويندب الإسرار عندهم بالتأمين
لكل مصل طلب منه أي كما قال الحنفية .
وقال الحنابلة : البسملة آية من الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة ، إلا أنهم
كالحنفية يقرأ بها سراً ، ولا يجهر بها .
ويلزم المصلي عند الحنابلة كما قال الشافعية بقراءة الفاتحة مرتبة مشددة غير
ملحون فيها لحناً يغير المعنى ، فإن ترك ترتيبها أو شدَّة منها ، أو لحن لحناً يحيل
المعنى، مثل أن يكسر كاف ((إياك)) أو يضم تاء ((أنعمت)) أو يفتح ألف
الوصل في ((اهدنا)» لم تصح قراءته، إلا أن يكون عاجزاً عن غير هذا . وإن
قطع قراءة الفاتحة بذكر من دعاء أو قراءة أو سكوت يسير أو قال : آمين في أثناء
قراءة الإمام ، لا تنقطع قراءته . وقال المالكية على المعتمد : إن اللحن لا يبطل
الصلاة ولو غير المعنى .
وأقل ما يجزئ في الفاتحة : قراءة مسموعة يسمعها نفسه ، أو يكون بحيث
يسمعها لو كان سميعاً ، كما هو المقرر في تكبيرة الإحرام ، فإن مادون ذلك ليس
بقراءة . والمستحب : أن يأتي بها مرتلة معربة يقف فيها عند كل آية ، مالم يؤد
٠٠٠
- ٦٥٤ _

ذلك إلى التمطيط ، لقوله تعالى: ﴿ورتل القرآن ترتيلاً﴾. وقال المالكية :
تجزئ القراءة وإن لم يسمع نفسه .
وقد أجمع الفقهاء على أنه لا تجزئ القراءة بغير العربية (١) ، ولا الإبدال
بلفظها لفظاً عربياً آخر ، سواء أحسن قراءتها بالعربية أو لم يحسن ، لقوله تعالى :
﴿قرآناً عربياً﴾ وقوله سبحانه: ﴿بلسان عربي مبين﴾ ولأن القرآن معجزة
بلفظه ومعناه ، فإذا غير خرج عن نظمه ، فلم يكن قرآناً ولا مثله ، وإنما يكون
تفسيراً له ، والتفسير غير المفسر ، وليس مثل القرآن المعجز المتحدى بالإتيان
بسورة مثله . لكن أجاز بعض الحنفية لعاجز عن القراءة بالعربية أن يقرأ الفاتحة
. (٢)
بغير العربية (٢) .
والتأمين عند الحنابلة وغيرهم سنة للإمام والمأموم للأحاديث السابقة ،
ويسن عند الحنابلة كالشافعية أن يجهر الإمام والمأموم بالتأمين فيما يجهر فيه
بالقراءة ، ويخفيه فيما يخفي فيه القراءة .
الركن الرابع - الركوع :
لله تعالى
الركوع لغة : مطلق الانحناء ، وشرعاً : الانحناء بالظهر والرأس معاً حتى
تبلغ يداه ( أو راحتاه ) ركبتيه ، وأقله : أن ينحني حتى تنال راحتاه ركبتيه ،
وأكمله : تسوية ظهره وعنقه ( أي يمدّهما بانحناء خالص بحيث يصيران كالصفيحة
الواحدة ) اتباعاً كما رواه مسلم ، ونصب ساقيه وفخذيه ، ومساواة رأسه بعجزه ،
ويكفيه أخذ ركبتيه بيديه وتفرقة أصابعه لجهة القبلة ، ولا يرفع رأسه
ولا يخفضه ، ويجافي مرفقيه عن جنبيه بالنسبة للرجل ، أما المرأة فتضم بعضها إلى
(١) ثبت عن أبي حنيفة أنه رجع عن القول بجواز القراءة بغير العربية ، ولم يعمل بقوله السابق أحد من
مقلديه أو من غيرهم .
(٢) البدائع : ١ / ١١٢ .
- ٦٥٥ -

بعض ، ومن تقوس ظهره يزيد في الانحناء قليلاً إن قدر عليه(١).
ودليل فرضية الركوع : قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا ﴾
وحديث المسيء صلاته (( ... ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)» وللإجماع على
فرضيته .
ودليل وضع اليدين على الركبتين : ماذكره أبو حميد في صفة صلاة رسول
الله علىالتعٍ: ((رأيته إذا ركع، أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره )) يعني
عصره حتى يعتدل .
ودليل مشروعية التفريق بين الأصابع : مارواه أبو مسعود عقبة بن عمرو :
أنه ركع ، فجافى يديه ، ووضع يديه على ركبتيه ، وفرَّج بين أصابعه من وراء
ركبتيه ، وقال: هكذا رأيت رسول الله عَ ◌ّ يصلي))(٢).
ودليل عدم رفع الرأس وعدم خفضه: قول عائشة رضي الله عنها: ((كان
رسول الله عَ ◌ّ إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك))(٣) وجاء في
الحديث عن النبي صَ لّ (( أنه كان إذا ركع، لو كان قدح ماء على ظهره ماتحرك))
وذلك لاستواء ظهره .
ويشترط عند الشافعية والحنابلة ألا يقصد بركوعه غيره ، فلو هوى
للتلاوة ، فجعله ركوعاً ، لم يكفه .
(١) فتح القدير: ١ / ١٩٣، ٢٠٨ ومابعدها، الدر المختار: ١ / ٤١٦، الشرح الصغير: ١ / ٣١٣، القوانين
الفقهية: ص ٦٢ ، مغني المحتاج: ١ / ١٦٣ وما بعدها، المغني: ١ / ٤٩٩ ومابعدها، كشاف القناع: ١ / ٤٥٢ ،
المهذب : ١ / ٧٤ .
(٢) رواه أحمد وأبو داود والنسائي (نيل الأوطار: ٢ / ٢٤٣ وما بعدها ).
(٣) متفق عليه .
- ٦٥٦ -

الاطمئنان في الركوع : أقل الاطمئنان في الركوع : هو أن يمكث في
هيئة الركوع حتى تستقر أعضاؤه راكعاً قدر تسبيحة في الركوع والسجود وفي
الرفع منهما . وهو واجب عند الحنفية كما بينا لقوله تعالى: ﴿اركعوا
واسجدوا ﴾ ولم يذكر الطمأنينة، وفرض عند الجمهور كما أشرنا ، لحديث المسيء
صلاته: (( ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)) وروى أبو قتادة أن النبي ◌ُ ◌ّعٍ قال :
((أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته ، قيل : وكيف يسرق من صلاته ؟
قال: لا يتم ركوعها ولاسجودها ولاخشوعها)) (١)، وقال أيضاً: ((لاتجزئ صلاة
لا يقيم الرجل صلبه فيها في الركوع والسجود))(٢). إلا أن أبا حنيفة ومحمد قالا:
هذه الأحاديث أخبار آحاد ، فلا يزاد بها فرض على النص القرآني ﴿ اركعوا
واسجدوا ﴾ لئلا يلزم منه نسخ المتواتر بالآحاد ؛ لأن الزيادة على النص نسخ
عندهم . وقال أبو يوسف : الاطمئنان فريضة .
الركن الخامس - الرفع من الركوع والاعتدال :
قال أبو حنيفة ومحمد (٢): القيام من الركوع والاعتدال ( الاستواء ) والجلوس
بين السجدتين واجب لاركن ؛ لأنه من مقتضيات الطمأنينة ( تعديل الأركان ) ،
ولقوله تعالى : ﴿ اركعوا واسجدوا ﴾ ويحصل الركوع بمجرد الانحناء ولم يأمر الله
به وإنما أمر بالركوع والسجود والقيام، فلا يفرض غيره، ولمواظبة النبي ◌ُ ◌ّ على
الاعتدال قائماً ، وللأمر به في حديث المسيء صلاته: (( ثم ارفع حتى تعتدل
قائماً )) وهذا يدل على الوجوب لثبوته بخبر آحاد ، فلو تركه أو ترك شيئاً منه
ساهياً ، يلزمه سجود السهو ، ولو تركه عمداً كره أشد الكراهة ، ويلزمه أن
(١) رواه أحمد والحاكم عن أبي قتادة الطيالسي، ورواه أيضاً أحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري ( نيل
الأوطار: ٢ / ٢٦٨) .
(٢) رواه البخاري .
(٣) رد المحتار: ١ / ٤٣٢ - ٤٣٣، فتح القدير: ١ / ٢١٠ ومابعدها .
- ٦٥٧ -
الفقه الإسلامي جـ١ (٤٢)

يعيد الصلاة في الوقت ، وتكون الإعادة جبراً للأولى ؛ لأن الفرض لا يتكرر .
هذا ويلاحظ أن المشهور في مذهب الحنفية هو القول بسنية القيام من
الركوع والجلسة بين السجدتين وتعديلهما ، وروي وجوبها ، وهو الموافق للأدلة .
وهو الصواب وقول الكمال بن الهمام ومن بعده من متأخري الحنفية .
وقال أبو يوسف والأئمة الآخرون (١) : الرفع من الركوع والاعتدال قائماً
مطمئناً ركن أو فرض في الصلاة ، وهو أن يعود إلى الهيئة التي كان عليها قبل
الركوع ، سواء أكان قائماً أم قاعداً ، أو يفعل مقدوره إن عجز . ولا يقصد غيره ،
فلو رفع فَزَعاً ( خوفاً ) من شيء كحية ، لم يكف رفعه لذلك عن رفع الصلاة ،
كما صرح الشافعية .
وإذا سجد ولم يعتدل ، لم تصح وبطلت صلاته ، لتركه ركناً من أركان
الصلاة. لقوله عَ لّ للمسيء صلاته: ((ثم ارفع حتى تعتدل قائماً)» وداوم النبي
على فعله، وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، ونفى النبي ◌ُ ◌ّ كون مافعل
المسيء صلاة ، فدل كل ذلك على أن الاعتدال والطمأنينة ركن ، ويدخل فيه
الرفع من الر کوع لاستلزامه له .
الركن السادس - السجود مرتين لكل ركعة :
السجود لغة : الخضوع والتذلل ، أو التطامن والميل ، وشرعاً : أقله وضع
بعض الجبهة مكشوفة على الأرض أو غيرها من المُصلَّى، لخبر: ((إذا سجدت ،
فمكن جبهتك ولا تنقر نقراً))(٢) وخبر خباب بن الأرت: (( شكونا إلى رسول الله
(١) رد المحتار، المكان السابق، اللباب: ١ / ٧٣، القوانين الفقهية: ص ٦٢، الشرح الصغير: ١ / ٣١٣،
٣٢٨، مغني المحتاج: ١ / ١٦٥ - ١٧٠، المهذب: ١ / ٧٥، المغني: ١ / ٥٠٨، ٥١٤، ٥١٦، كشاف القناع: ١ /
٤٥٢، بداية المجتهد : ١ / ١٣٠ .
(٢) رواه ابن حبان في صحيحه .
- ٦٥٨ _

عَ ◌ّ حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا، أي لم يزل شكوانا))(١). وأكمل
السجود : وضع جميع اليدين والركبتين والقدمين والجبهة مع الأنف .
وهو فرض بالإجماع ، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا
واسجدوا﴾ ولمواظبة النبي عَ اهله، وأمره به المسيء صلاته: ((ثم اسجد حتى
تطمئن ساجداً ، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً))
ولإجماع الأمة .
والواجب عند المالكية(٢) : سجود على أيسر جزء من الجبهة : وهي مافوق
الحاجبين وبين الجبينين . ويندب إلصاق جميع الجبهة بالأرض وتمكينها ، ويندب
السجود على أنفه أيضاً ، ويعيد الصلاة لتركه في الوقت الضروري ( وهو في
الظهرين للاصفرار ، وفي العشاءين لطلوع الفجر وفي الصبح لطلوع الشمس )
مراعاة لمن يقول بوجوبه ، فلو سجد على جبهته دون أنفه ، لم يكفه ، والمشهور
في المذهب : أنه يجزئ السجود على الجبهة بخلاف الأنف ، وإن عجز عن السجود
على الجبهة أوما للسجود ، کمن كان بجبهته قروح تؤلمه إن سجد .
وذكر الشافعية والحنفية والحنابلة : أن من منعه الزحام عن السجود على
أرض أو نحوها مع الإمام ، فله السجود على شيء من إنسان أو متاع أو بهيمة أو
نحو ذلك، لقول عمر فيما رواه البيهقي بإسناد صحيح: ((إذا اشتد الزحام
فليسجد أحدكم على ظهر أخيه )» .
وأما السجود على اليدين والركبتين وأطراف القدمين فهو سنة . ودليلهم
حديث العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ما اهتم يقول: ((إذا سجد العبد
(١) رواه البيهقي بسند صحيح ، ورواه مسلم بغير جباهنا وأكفنا .
(٢) الشرح الصغير: ١ / ٣١٤، القوانين الفقهية: ص ٦٣، بداية المجتهد: ١ / ١٣٣ ومابعدها .
- ٦٥٩ -

سجد معه سبعة آراب - أعضاء - وجههُ وكفّاه وركبتاه وقدماه))(١) .
واتفق العلماء(٢) على أن السجود الكامل يكون على سبعة أعضاء : الوجه
واليدين والركبتين وأطراف القدمين، لحديث ابن عباس: (( أمرت أن أسجد على
سبعة أعظم : على الجبهة ، وأشار بيده على أنفه ، واليدين ، والرُّكبتين ،
والقدمين))(٣) وفي رواية ((أُمِرَ النبي ◌ُّ أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف
شعراً ولاثوباً(٤): الجبهة واليدين والركبتين، والرّجلين)) والمراد من عدم كف
الشعر والثوب : عدم رفع الثوب والشعر عن مباشرة الأرض ، فيشبه المتكبرين .
ولاخلاف أن السجود على مجموع الجبهة والأنف مستحب . ونقل ابن المنذر
إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده .
واتفق علماء الحنفية وغيرهم على أنه إن اقتصر في السجود على الجبهة دون
الأنف ، جاز. لكن قال أبو حنيفة : يخير المصلي بين الجبهة وبين الأنف ، فإن
اقتصر على أحدهما ، جاز ويكره ، مستدلاً بالرواية السابقة لحديث ابن عباس
المذكور ؛ لأنه ذكر الجبهة وأشار إلى الأنف ، ولأن المأمور به في كتاب الله تعالى
هو السجود ﴿ واسجدوا ﴾ والسجود المأمور به : هو وضع بعض الوجه الذي هو
محل السجود إجماعاً ، وهو يتحقق بالأنف ، فاشتراط وضع آخر معه زيادة بخبر
(١) رواه الجماعة إلا البخاري (نيل الأوطار: ٢ / ٢٥٧).
(٢) فتح القدير: ١ / ٢١٢ - ٢١٤، مراقي الفلاح: ص ٤٥، تبيين الحقائق: ١ / ١١٦ ومابعدها ، مغني
المحتاج: ١ / ١٦٨ - ١٧٠، المغني: ١ / ٥١٥، ٢ / ٣١٣، كشاف القناع: ١ / ٤٥٣، مغني المحتاج: ١ / ٢٩٨ ،
المهذب: ١ / ٧٥ ، الدر المختار ورد المختار: ١ / ٤١٦ .
(٣) متفق عليه بين البخاري ومسلم ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٥٨).
(٤) جملة معترضة بين المجمل والمبين ، والمراد بالشعر: شعر الرأس ، وظاهره أن ترك الكف واجب حال
الصلاة ، لاخارجها ، ورده القاضي عياض: بأنه خلاف ماعليه الجمهور، فإنهم كرهوا ذلك للمصلي ، سواء فعله في
الصلاة أو قبل أن يدخلها . والحكمة من المنع حتى لا يشبه المتكبرين .
- ٦٦٠ -