النص المفهرس

صفحات 581-600

والشافعية ، وتنعقد الصلاة مع الكراهة التحريمية عند الحنفية : بما لا يحل لبسه
كثوب حرير للرجل ، ويأثم بلا عذر ، كالصلاة في الأرض المغصوبة .
وقال الحنابلة : لا تصح الصلاة بالحرام كلبس ثوب حرير ، أو صلاة في أرض
مغصوبة ولو منفعتها أو بعضها ، أو صلاة في ثوب ثمنه كله أو بعضه حرام أو كان
متختماً بخاتم ذهب، إن كان عالماً ذاكراً(١)، لما روى أحمد عن ابن عمر: (( من
اشترى ثوباً بعشرة دراهم ، وفيه درهم حرام ، لم يقبل الله له صلاة ، مادام عليه ))
ثم أدخل أصبعيه في أذنيه وقال: ((صُمّتا إن لم يكن النبي ◌ِّ سمعته يقوله))(٢) ،
ولحديث عائشة: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))(٣)، ولأن قيامه
وقعوده ولبثه فيه محرم منهي عنه ، فلم يقع عبادة كالصلاة في زمن الحيض ،
وكالنجس .
فإن جهل كونه حريراً أو غصباً ، أو نسي كونه حريراً أو غصباً ، أو حبس
بمكان غصب أو نجس ، صحت صلاته ؛ لأنه غير آثم .
وأجاز المالكية والحنفية الصلاة بثوب نجس كما بينا سابقاً .
واتفق علماء المذاهب : أن ستر العورة واجب ولو ياعارة ، فإن صلى عرياناً
مع وجود ثوب عارية ، أو مع وجود حرير طاهر عند الجمهور غير الحنابلة ،
بطلت صلاته . ولو وُعد به ينتظر مالم يخف فوات الوقت ، وهو الأظهر عند
الحنفية ، ويلزمه الشراء بثمن المثل(٤) كالمقرر في شراء الماء سابقاً .
عادم الساتر : ومن لم يجد ساتراً لعورته : صلى عرياناً عند المالكية ؛ لأن
(١) كشاف القناع: ١ / ٣١٣، المغني: ١ / ٥٨٧ وما بعدها .
(٢) لكن في إسناده رجلان : هاشم وبقية ، قال البخاري : هاشم غير ثقة ، وبقية : مدلِّس .
(٣) رواه أحمد ومسلم عن عائشة ، وهو صحيح .
(٤) الدر المختار: ١ / ٣٨٢، المجموع: ٣ / ١٩٣.
- ٥٨١ -

ستر العورة مطلوب عند القدرة ، ويسقط بالعجز .
وصلى قاعداً يومئ إيماء عند الحنابلة ، عملاً بفعل ابن عمر كما بينا سابقاً في
الشرط الثالث .
ويجب عليه أن يصلي عند الشافعية والحنفية ولو بطين يتطين به يبقى إلى
تمام صلاته ، أو بماء كدر غير صاف ، وتكفيه الظلمة للاضطرار عند الحنفية
والمالكية ، وباليد عند الشافعية في الأصح وعند الحنابلة لحصول المقصود كما
قدمنا ، ويصلي قائماً عند الشافعية متماً الأركان ، ولا إعادة عليه على المذهب
عندهم كما أوضحنا . ويصلي قاعداً مومياً بركوع وسجود عند الحنفية كالحنابلة ،
وهو أفضل من الصلاة قائماً بإيماء أو بركوع وسجود ؛ لأن الستر أهم من أداء
الأركان .
قال الحنابلة : ومن كان في ماء وطين ولم يمكنه السجود على الأرض إلا
بالتلوث بالطين والبلل بالماء صلى على دابته ، يومئ بالركوع والسجود (١) .
انكشاف العورة فجأة : إن انكشفت عورة المصلي فجأة بالريح مثلاً عن
غير عمد ، فستره في الحال ، لم تبطل صلاته عند الشافعية والحنابلة لانتفاء
المحذور ، وإن قصر أو طال الزمان ، بطلت لتقصيره ، ولأن الكثير يفحش
انكشاف العورة فيه ، ويمكن التحرز منه ، فلم يعف عنه(٢). وقال المالكية:
تبطل الصلاة مطلقاً بانكشاف العورة المغلظة .
وقال الحنفية : إذا انكشف ربع العضو من أعضاء العورة ، فسدت الصلاة
إن استمر بمقدار أداء ركن ، بلا صنعه ، فإن كان بصنعه فسدت في الحال .
(١) المغني: ١ / ٥٩٩ .
(٢) مغني المحتاج: ١ / ١٨٨، المغني: ١ / ٥٨٠ .
- ٥٨٢ -

صلاة العراة جماعة : الجماعة مشروعة للعراة ، فلهم عند الشافعية
والحنابلة أن يصلوا فرادى أو جماعة ، وفي حال الصلاة جماعة يقف الإمام معهم في
الصف وسطاً ، ويكون المأمومون صفاً واحداً ، حتى لا ينظر بعضهم إلى عورة
بعض ، فإن لم يمكن إلا صفين ، صلوا وغضوا الأبصار .
وإن اجتمع نسوة عراة ، استحب لهن الجماعة ، وتقف وسطهن في كل حال
لأنهن عورات ؛ وذلك لأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد ، كما هو الثابت في
السنة . ويصلون قياماً مع إتمام جميع الأركان عند الشافعية ، ويومئون إيماء ،
ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم عند الحنابلة .
وهل الأفضل أن يصلوا جماعة أم فرادى ؟
قال الشافعية : إن كانوا عُمْياً أو في ظلمة بحيث لا يرى بعضهم بعضاً ،
استحبت الجماعة بلا خلاف ، ويقف إمامهم قُدَّامهم . وإن كانوا بحيث يرون ،
فأصح الأقوال أن الجماعة والانفراد سواء .
تعالـ
وإن وجد مع إنسان كسوة ، استحب أن يعيرهم ، فإن لم يفعل ، لم يغصب
منه ؛ لأن صلاتهم تصح من غير سترة .
وقال المالكية والحنفية : يصلون فرادى ، ويتباعد بعضهم من بعض ، وإن
كانوا في ظلمة صلوا جماعة ويتقدمهم إمامهم(١) . وإن لم يمكن تفرقهم صلوا جماعة
قياماً صفاً واحداً مع ركوع وسجود ، إمامهم وسطهم ، غاضين أبصارهم وجوباً .
حد العورة : يشترط عند أئمة المذاهب لصحة الصلاة ستر العورة كما بينا ،
(١) المجموع: ٣ / ١٩١ وما بعدها، المهذب: ١ / ٦٦، المغني: ١ / ٥٩٦، ٥٩٨ ، الشرح الكبير مع الدسوقي :
١ / ٢٢١ .
- ٥٨٣ -

لكن الفقهاء اختلفوا في حد العورة للرجل والأمة والمرأة الحرة ، فما هي آراؤهم
تفصيلاً ؟
مذهب الحنفية(١):
أ - عورة الرجل: هي ماتحت سرته إلى ماتحت ركبته فالركبة من الفخذ
عورة في الأصح، عملاً بالمأثور عندهم: (( عورة الرجل مابین سرته إلى ركبته )» أو
((ما دون سرته حتى يجاوز ركبته))(٢) ولحديث ضعيف عند الدارقطني :
((الركبة من العورة))(٣) .
ب - الأَمّة ( الرقيقة ) : كالرجل في العورة ، مع ظهرها وبطنها وجنبها،
لقول عمر رضي الله عنه: ((ألق عنك الخمار يا دفار، أتتشبهين بالحرائر))(٤)،
ولأنها تخرج لحاجة مولاها في ثياب مهنتها عادة ، فاعتبرت كالمحارم في حق
الأجانب عنهن دفعاً للحرج .
جـ - المرأة الحرة ومثلها الخنثى: جميع بدنها حتى شعرها النازل في الأصح،
ماعدا الوجه والكفين ، والقدمين ظاهرهما وباطنهما على المعتمد لعموم الضرورة ،
والصوت على الراجح(٥) ليس بعورة ، لكن ظهر الكف عورة على المذهب ،
(١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٣٧٥ - ٣٧٩، تبيين الحقائق للزيلعي: ١ / ٩٥ - ٩٧.
(٢) هذا مأخوذ من أحاديث ثلاثة : الأول - حديث الدارقطني وأحمد وأبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده « .. فإذا زوج أحدكم أمته ، عبده أو أجيره ، فلا ينظر إلى مادون السرة وفوق الركبة ، فإن ما تحت السرة
إلى الركبة من العورة)) وهو ضعيف. والثاني - حديث الحاكم عن عبد الله بن جعفر (( مابين السرة إلى الركبة عورة))
وهو موضوع، والثالث - حديث الدارقطني عن أبي أيوب: «مافوق الركبتين من العورة ، وما أسفل السرة من
العورة)) وهو غريب ( نصب الراية: ١ / ٢٩٦ - ٠٢٩٧) .
(٣) نصب الراية : ١ / ٢٩٧ .
(٤) قال عنه الزيلعي: غريب وبمعناه روى عبد الرزاق عن عمر، ورواه البيهقي ، وقال : الآثار بذلك عن
عمر صحيحة ( نصب الراية: ١ / ٣٠٠).
(٥) لكن نغمة المرأة أي تخطيط الصوت وتليينه عورة في الأذان وغيره ، فلا يحل سماعه .
- ٥٨٤ -

والأصح أن باطن الكفين وظاهرهما ليسا بعورة . والقدمان ليسا بعورة في حق
الصلاة على المعتمد ، والصحيح أنهما عورة في حق النظر والمس . واستدلوا بقوله
تعالى : ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ماظهر منها﴾ والمراد محل زينتهن ، وما ظهر
منها: الوجه والكفان، كما قال ابن عباس وابن عمر، وبقوله مع الله: ((المرأة
عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان)) (١) وبحديث عائشة السابق :
((ياأسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض ، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا ،
وأشار إلى وجهه وكفه))(٣) .
وبحديث عائشة المتقدم أيضاً: (( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخار))
والخمار: ما يغطى به رأس المرأة.
،ے
وتمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين الرجال ، لا لأنه عورة ، بل لخوف
الفتنة ، أي الفجور بها ، أو الشهوة . والمعنى أنها تمنع من الكشف خوفاً أن يرى
الرجال وجهها ، فتقع الفتنة ؛ لأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة .
ولا يجوز النظر إلى وجه المرأة والفتى الأمرد بشهوة ، إلا لحاجة ، كقاض أو
شاهد أو للشهادة عليها ، وخاطب يريد زواجها ، فينظر ولو عن شهوة ، بنية
العمل بالسنة ، لا قضاء الشهوة ، وكذا في حال المداواة إلى موضع المرض بقدر
الضرورة .
والمعتمد عند الحنفية : أن كشف ربع عضو من أعضاء العورة ( الغليظة وهي
القبل والدبر وماحولهما ، أو المخففة: وهي ماعدا السوأتين ) (٢) إن استمر بمقدار
(١) رواه الترمذي عن عبد الله بن مسعود ، وقال : حديث حسن صحيح غريب ، ورواه ابن حبان أيضاً
( نصب الراية : ١ / ٢٩٨ ) .
X
(٢) أخرجه أبو داود ، وهو حديث مرسل .
(٣) لافرق بين العورتين إلا من حيث أن حرمة النظر إلى الغليظة أشد .
- ٥٨٥ _

اداء ركن ، بدون تعمد ، وإنما سهواً ، يبطل الصلاة ؛ لأن ربع الشيء له حكم
الكل ، كما قدمنا سابقاً . ولا تبطل بما دون ذلك ، فمن كشف ربع بطن أو فخذ أو
شعر نزل من الرأس ، أو دبر ، أو ذكر ، أو أنثيين ، أو فرج بطلت صلاته ، إن
استمر مقدار أداء ركن ، وإلا لا يبطل .
مذهب المالكية(١) :
يجب ستر العورة عن أعين الناس إجماعاً ، أما في الصلاة فالصحيح من
المذهب وجوب ستر ما يأتي :
أ - عورة الرجل في الصلاة : هي المغلظة فقط وهي السوأتان وهما من
المقدم : الذكر مع الأنثيين، ومن المؤخر : مابين الأليتين . فيجب إعادة الصلاة
في الوقت لمكشوف الأليتين فقط ، أو مكشوف العانة . فليس الفخذ عورة
عندهم، وإنما السوأتان فقط، لحديث أنس ((أن النبي ◌ُ الّ يوم خيبر حَسَر الإزار
عن فخذه ، حتى إني لأنظر إلی بیاض فخذه ))(٣) .
جمة
ب - عورة الأمة هي السوأتان مع الأليتين ، فإذا انكشف منها شيء من ٢
ذلك أو كشفت فخذاً كله أو بعضه ، أعادت أبداً في الوقت ، كالرجل . ووقت
الإعادة في الظهر والعصر للاصفرار، وفي المغرب والعشاء : الليل كله ، وفي
الصبح لطلوع الشمس .
جـ ـ عورة الحرة المغلظة : جميع البدن ماعدا الصدر والأطراف من رأس
(١) الشرح الصغير: ١ / ٢٨٥، بداية المجتهد: ١ / ١١١، القوانين الفقهية: ص ٥٣، الشرح الكبير: »
١ / ٢١١ - ٢١٧، شرح الرسالة: ١ / ٩٨.
(٢) رواه أحمد والبخاري (نيل الأوطار: ٢ / ٦٤) ويؤيده حديث آخر رواه أحمد عن عائشة: ((أن رسول
الله ◌َّاتٍ كان جالساً كاشفاً عن فخذه ، فاستأذن أبو بكر فأذن له ، وهو على حاله ، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على ×
حاله ، ثم استأذن عثمان فأرخي عليه ثيابه .. )) ( نيل الأوطار: ٢ /٦٣).
- ٥٨٦ _

r
ويدين ورجلين . وما قابل الصدر من الظهر كالصدر . فإن انكشف من العورة
المخففة شيء من صدرها أو أطرافها ، ولو ظهر قدم لا باطنه ، أعادت في الوقت
الضروري السابق بيانه : في الظهرين للاصفرار ، وفي العشاءين الليل كله ، وفي
الصبح للطلوع .
هذا بالنسبة للصلاة . أما بالنسبة للرؤية والصلاة أيضاً فيجب ولا يشترط
ستر عورة الرجل وعورة الأمة . أما عورة الحرة أمام امرأة أخرى مسلمة أو كافرة ،
فهي مابين السرة والركبة .
كما يجب على الحرة أمام رجل أجنبي ، أي ليس بمحرم لها ستر جميع البدن غير
الوجه والكفين ، أما هما فليسا بعورة ، وإن وجب عليها سترهما لخوف الفتنة ولا
يجوز للرجل أن يرى من المرأة المَحْرم ولو بمصاهرة ورضاع صدرها ونحوه غير
الوجه والأطراف وإن لم يلتذ ، خلافاً للشافعية وغيرهم الذين أجازوا رؤية ماعدا
مابين السرة والركبة ، وذلك فسحة ، والأطراف تشمل العنق والرأس وظهر القدم .
يتبين من ذلك أن العورة في الرجل والمرأة بالنسبة للصلاة : مغلظة
ومخففة . فالمغلظة للرجل : السوأتان ( القبل وحلقة الدبر ) ، والمخففة له : مازاد
على السوأتين مما بين السرة والركبة . والمغلظة للأمة : الأليتان ومابينهما من فم
الدبر ، والفرج وما والاه من العانة . والمخففة : الفخذ وما فوق العانة للسرة .
والمغلظة للحرة : جميع بدنها ماعدا الأطراف والصدر وماحاذاه من الظهر ،
والمخففة لها : هي جميع البدن ماعدا الوجه والكفين .
فمن صلى مكشوف شيء من العورة المغلظة مع الذكر والقدرة على الراجح
ولو بشراء أو إعارة ، بطلت صلاته ، ويعيد الصلاة أبداً على المشهور .
ومن صلى مكشوف شيء من العورة المخففة ، لاتبطل صلاته ، وإن كان
- ٥٨٧ -

٦
كشفها مكروهاً ويحرم النظر إليها، ولكن يستحب لمن صلى مكشوف العورة
المخففة أن يعيد الصلاة في الوقت الضروري ( في الظهرين للاصفرار، وفي
العشاءين : الليل كله ، وفي الصبح للطلوع ) .
ويحرم النظر للعورة ولو بلا لذة إذا كانت غير مستورة ، أما النظر إليها
مستورة فهو جائز بخلاف جسها من فوق الساتر ، فإنه لا يجوز .
والعورة بالنسبة للرؤية : للرجل مابين السرة والركبة ، وللمرأة أمام رجل
أجنبي جميع بدنها غير الوجه والكفين ، وأمام محارمها جميع جسدها غير الوجه
والأطراف : وهي الرأس والعنق واليدان والرجلان ، إلا أن يخشى لذة ، فيحرم
ذلك ، لالكونه عورة. والمرأة مع المرأة أو مع ذوي محارمها كالرجل مع الرجل :
ترى ماعدا مابين السرة والركبة ، وأما المرأة في النظر إلى الأجنبي فهي كحكم
الرجل مع ذوات محارمه وهو النظر إلى الوجه والأطراف ( الرأس واليدين
والرجلين ) .
-
مذهب الشافعية(١):
أ - عورة الرجل: مابين سُرَّته وركبته (٢) في الصلاة والطواف وأمام الرجال
الأجانب والنساء المحارم ، لما روى الحارث بن أبي أسامة عن أبي سعيد الخدري
رضي الله تعالى عنه، قال: ((عورة المؤمن مابين سرته إلى ركبته )) وروى
البيهقي ((وإذا زوج أحدكم أمته - عبده أو أجيره - فلا تنظر - أي الأمة - إلى
عورته)) وروي في ستر الفخذ أحاديث منها: ((لاتُبرز فخِذاك، ولا تنظر إلى .
(١) مغني المحتاج: ١ / ١٨٥، المهذب: ١ / ٦٤، المجموع: ٣ / ١٧٠ - ١٧٦.
(٢) السرة : الموضع الذي يقطع من المولود ، والركبة : موصل مابين أطراف الفخذ وأعالي الساق .
- ٥٨٨ _

٢
فخذي حي ولاميت))(١) ومنها قوله ◌َّ لَجَرْهد الأسلمي: ((غطّ فخذك ، فإن
(٢)
الفخذ عورة )»(٢).
فالسرة والركبة ليستا من العورة على الصحيح ، لحديث أنس السابق في
مذهب المالكية المتضمن إظهار النبي ◌َ ◌ّ فخذه . لكن يجب سترشيء من الركبة
لستر الفخذ ، ومن السرة ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، كما أبان
الشافعية والحنابلة والمالكية في الأصول(٣).
وأما عورة الرجل أمام النساء الأجانب بالنسبة للنظر ، فجميع بدنه ، وفي
الخلوة : السوأتان فقط .
وقد رد على استدلال المالكية بحديث أنس وعائشة المتضمنين أن الفخذ
ليست بعورة ، بوجوه أربعة :
٢
الأول : أنه حكاية فعل ، وطرف الفخذ قد يتسامح في كشفه ، لاسيما في
مواطن الحرب ومواقف الخصام ، والمقرر في الأصول : أن القول أرجح من
الفعل .
عالم
والثاني : أن حديث أنس وعائشة لا يقويان على معارضة تلك الأقوال
الصحيحة العامة لجميع الرجال .
والثالث: حديث عائشة في رواية مسلم فيه تردد: ((كان رسول الله عز له
مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه )» والساق ليس بعورة إجماعاً ، فهو
مشكوك في المكشوف .
والرابع : غاية ما في هذه الواقعة بكشف الفخذ : أن يكون ذلك خاصاً
(١) رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم والبزار، وفيه علة (نيل الأوطار: ٢ / ٦٢).
(٢) رواه مالك في الموطأ وأحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن، وصححه ابن حبان (المصدر السابق :
١ / ٦٣ ) .
(٣) شرح الإسنوي : ١ / ١٢٧، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦١ ، مختصر ابن الحاجب: ص ٣٨ .
- ٥٨٩ -

1
2
بالنبي مَّ ؛ لأنه لم يظهر فيها دليل يدل على التأسي به في مثل ذلك ، فيكون
الواجب التمسك بالأقوال الناصعة على أن الفخذ عورة(١).
١
ب - عورة الأمة كالرجل في الأصح ، إلحاقاً لها بالرجل بجامع أن رأس كل
منهما ليس بعورة ، ولأن الرأس والذراع مماتدعو الحاجة إلى كشفه .
جـ - عورة الحرة ومثلها الخنثى : ماسوى الوجه والكفين ، ظهرهما وبطنهما
. من رؤوس الأصابع إلى الكوعين ( الرسغ أو مفصل الزند ) لقوله تعالى :
(( ولا يبدين زينتهن إلا ماظهر منها )) قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم :
((هو الوجه والكفان)) ولأن النبي ◌ُ ◌ّ نهى المرأة الحرام ( المحرمة بحج أو عمرة)
عن لبس القفازين والنقاب)، ولو كان الوجه عورة لما حرم سترهما في الإحرام ،
ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء، وإلى إبراز الكف للأخذ
والعطاء ، فلم يجعل ذلك عورة .
٢
وإذا انكشف بعض العورة في الصلاة مع القدرة على سترهما بطلت صلاته ،
إلا إن كشفها ريح أو سهواً، فسترها في الحال فلا تبطل ، كما بينا سابقاً . وإن ١
كشفت بغير الريح أو بسبب بهيمة أو غير مميز فتبطل .
ولا يجب على الرجل ستر عورته عن نفسه ، لكنه يكره نظره إليها .
وعورة المرأة الحرة : خارج الصلاة جميع بدنها أمام الرجال الأجانب ، وأمام
النساء الكافرات ماعدا ما يبدو عند المهنة أي الخدمة والاشتغال بقضاء حوائجها .
وأما أمام النساء المسلمات والرجال المحارم : فعورتها كالرجل مابين السرة
والركبة .
(١) نيل الأوطار: ٢ / ٦٤، المجموع: ٣ / ١٧٦.
(٢) في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ◌َ ◌ّم قال: ((ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولاتلبس
القفازين )» .
- ٥٩٠ -

ودليل العلماء كافة على وجوب ستر العورة وعدم جواز نظر الرجل إلى عورة
٢
الرجل ، والمرأة إلى عورة المرأة: حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: ((لا ينظر
الرجل إلى عورة الرجل ، ولا المرأة إلى عورة المرأة ، ولا يفضي الرجل إلى الرجل
في الثوب الواحد ، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد))(١) وحديث
بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده قال : قلت : يارسول الله ، عوراتُنا مانأتي منها ،
ومانَذَر ؟ قال : احفظ عورتَك إلا من زوجك أو ماملكت يمينك ، قلتُ : فإذا
كان القوم بعضهم في بعض ؟ قال : إن استطعت ألا يراها أحد ، فلا يَرَينَّها ،
قلت : فإذا كان أحدنا خالياً ؟ قال : فالله تبارك وتعالى أحقُ أن يُسْتَحيا
منه))(٢) فهو يدل على أن التعري في الخلاء غير جائز. ويؤيده حديث ابن عمر
عند الترمذي بلفظ: ((قال رسول الله عز ◌ّ: إياكم والتعري، فإن معكم من
لا يفارقكم إلا عند الغائط ، وحين يفضي الرجل إلى أهله ، فاستحيوهم
وأكرموهم )) .
واستدل البخاري على جواز التعري في الغسل بقصة موسى وأيوب .
مذهب الحنابلة (٣):
أ - عورة الرجل : مابين سرته وركبته ، للأحاديث السابقة التي استدل بها
الحنفية والشافعية ، وليست سرته وركبتاه من عورته ، لحديث عمرو بن شعيب
السابق: (( .. فإن ما تحت السرة إلى الركبة عورة)) وحديث أبي أيوب الأنصاري
بلفظ: (( أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة))(٤)، ولأن الركبة حد، فلم
(١) رواه مسلم وأبو داود والترمذي ( نيل الأوطار: ٢ / ٦١).
(٢) رواه الخمسة إلا النسائي ( المصدر السابق ) .
(٣) المغني: ١ / ٥٧٧ - ٥٨٢، ٦٠١ - ٦٠٦، كشاف القناع: ١ / ٣٠٦ - ٣١٥، غاية المنتهى: ١ / ٩٧ - ٩٩.
(٤) رواه أبو بكر يإسناده.
- ٥٩١ -

تكن من العورة كالسرة . والخنثى المشكل كالرجل ، إذ لانوجب عليه الستر بأمر
محتمل متردد .
ويجب بالإضافة لذلك لصحة الصلاة في ظاهر المذهب : أن يستر الرجل
أحد منكبيه ، ولو بثوب خفيف يصف لون البشرة ؛ لأن وجوب ستر المنكبين
بالحديث ، ولفظه: (( لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ، ليس على عاتقه منه
شيء))(١) وهذا نهي يقتضي التحريم ، ويقدم على القياس ، وروى أبو داود عن
بريدة قال: ((نهى رسول الله مع التر أن يصلى في لحاف، ولا يتوشح به)).
لكن من لم يجد إلا ما يستر عورته فقط أو منكبيه فقط ، ستر عورته وصلى
قائماً وجوباً ، وترك ستر منكبيه، لقوله تع الى: ((إذا كان الثوب واسعاً، فخالف
بين طرفيه، وإن كان ضيقاً فاشدده على حَقْوك))(٣) أي خصرك .
وعلى الرجل أن يستر عورته في الصلاة عن النظر ، حتى عن نفسه ، فلو
رأى عورته من جيب واسع لقميصه ، إذا ركع أو سجد ، وجب زره ونحوه
ليسترها ، لعموم الأمر بستر العورة .
كما يجب عليه سترها ولو في خلوة أو ظلمة ، لحديث بَهْز بن حكيم السابق
((احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ماملكت يمينك ... )).
ولا يجب سترها بحصير وحفيرة وطين وماء كدر ؛ لأن ذلك لا يثبت ، وزيـ
الحفيرة حرج .
وإن انكشف من العورة يسير ، لم تبطل ضلاته ، لما رواه أبو داود عن
عمرو بن سلمة الذي كانت تنكشف عنه بردته لقصرها إذا سجد .
(١) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه وغيرهم عن أبي هريرة .
(٢) رواه أبو داود .
- ٥٩٢ -

٠٠٠ ..
وإن انكشف من العورة شيء كثير ، تبطل صلاته . والمرجع في التفرقة بين
اليسير والكثير إلى العرف والعادة .
لكن إن انكشف الكثير من العورة عن غير عمد ، فستره في الحال ، من غير
تطاول الزمان ، لم تبطل ؛ لأن اليسير من الزمان أشبه اليسير في القَدْر . فإن
طال كشفها ، أو تعمد كشفها ، بطلت الصلاة مطلقاً .
ب - عورة الأمة كالرجل : ما بين السرة والركبة على الراجح ، لحديث
عمرو بن شعيب السابق مرفوعاً: ((إذا زوج أحدكم عبده - أمَتَه أو أجيره -
فلا ينظر إلى شيء من عورته ، فإن ماتحت السرة إلى ركبته عورة)).
جـ - عورة الحرة البالغة: جميع بدنها سوى وجهها، وكفيها على الراجح -
عند جماعة - من الروايتين ، لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ماظهر
منها﴾ قال ابن عباس وعائشة: ((وجهها وكفيها))(١) وليس لها كشف ماعدا
وجهها وكفيها في الصلاة ، بدليل الأحاديث السابقة عند الشافعية . والدليل على
وجوب تغطية القدمين: ماروت أم سلمة قالت: (( قلت : يارسول الله ، أتصلي
المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار ؟ قال : نعم ، إذا كان سابغاً يغطي ظهور
قدميها ))(٣) وهذا يدل على وجوب تغطية القدمين ، ولأنه محل لا يجب كشفه في
الإحرام ، فلم يجز كشفه في الصلاة كالساقين .
ويجزئ المرأة من اللباس ماسترها الستر الواجب ، لحديث أم سلمة السابق .
والمستحب أن تصلي المرأة في دِرْع ( قميص سابغ يغطي قدميها ) وخمار يغطي
(١) رواه البيهقي ، وفيه ضعف ، وخالفها ابن مسعود .
(٢) رواه أبو داود ، وقال : وقفه جماعة على أم سلمة، ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. وروى
الترمذي حديثاً عن ابن عمر في موضوعه ، وقال : حديث حسن صحيح .
الفقه الإسلامي جـ ١ (٣٨) ٥٠
- ٥٩٣ -

رأسها وعنقها ، وجلباب تلتحف به من فوق الدرع . وحكم انكشاف شيء من عورة
المرأة غير الوجه والكفين بالتفرقة بين اليسير والكثير ، كحكم الرجل سابقاً .
وعورة المرأة مع محارمها الرجال : هي جميع بدنها ماعدا الوجه والرقبة
واليدين والقدم والساق .
وجميع بدن المرأة حتى الوجه والكفين خارج الصلاة عورة كما قال الشافعية ،
لقوله مَ التّ السابق: ((المرأة عورة)).
ويباح كشف العورة لنحو تداوٍ وتخل في الخلاء ، وختان ، ومعرفة بلوغ ،
وبكارة وثيوبة ، وعيب .
عورة المسلمة أمام الكافرة : عورة الحرة المسلمة أمام الكافرة عند الحنابلة
كالرجل المحرم : مابين السرة والركبة . وقال الجمهور : جميع البدن ماعدا ما يظهر
عند المهنة أي الأشغال المنزلية .
ومنشأ الخلاف تفسير المراد من آية النور ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا
لبعولتهن .. إلى أن قال: أو نسائهن﴾(١) فقال الحنابلة وآخرون : المراد بهن :
عموم النساء ، بلا فرق بين المسلمات والكافرات ، فيجوز للمرأة المسلمة أن تبدي
من زينتها للمرأة الكافرة ما يحل لها أن تبديه للمسلمة .
وقال الجمهور : إن المراد بهن خصوص النساء المسلمات ، أي المختصات بهن في
الصحبة والأخوة في الدين ، وعلى هذا فلايحل للمسلمة أن تبدي شيئاً من زينتها
الباطنة للكافرة(٣).
(١) النور: ٣١.
(٢) تفسير آيات الأحكام بالأزهر: ٣ / ١٦٤.
- ٥٩٤ _
1-1

العورة المنفصلة : ويحرم النظر إلى عورة الرجل عند الحنفية والشافعية
متصلة كانت أو منفصلة من شعر أو ذراع أو فخذ .
وقال الحنابلة : العورة المنفصلة لا يحرم النظر إليها لزوال حرمتها
بالانفصال .
وقال المالكية : يجوز النظر إلى العورة المنفصلة حال الحياة ، ويحرم النظر
إلى العورة المنفصلة بعد الموت كالمتصلة .
صوت المرأة : وصوت المرأة عند الجمهور ليس بعورة ؛ لأن الصحابة كانوا
يستمعون إلى نساء النبي ◌ُ ◌ّ لمعرفة أحكام الدين ، لكن يحرم سماع صوتها
بالتطريب والتنغيم ولو بتلاوة القرآن ، بسبب خوف الفتنة .
وعبارة الحنفية : الراجح أن صوت المرأة ليس بعورة .
والخلاصة : أن العلماء اتفقوا على أن الفرجين عورة ، وأن السرة ليست
بعورة وأن عورة الرجل مابين السرة والركبة ، وأن عورة المرأة في الصلاة ماعدا
الوجه والكفين ، وماعدا القدمين عند الحنفية ، وأن عورتها خارج الصلاة جميع
بدنها . واختلفوا في الركبة ، فقال الحنفية : إنها عورة ، وقال الجمهور : إنها ليست
بعورة ، ولكن يجب ستر شيء منها ومن السرة ، لأنها مقدمة الواجب ، ومالا يتم
الواجب إلا به فهو واجب .
وأما عورة المرأة أمام أقاربها المحارم أو النساء المسلمات ، فهي مابين السرة
والركبة عند الحنفية والشافعية ، وقال المالكية : جميع بدنها ماعدا الوجه
والأطراف : وهي الرأس والعنق واليدان والرجلان . وقال الحنابلة : جميع بدنها
ماعدا الوجه والرقبة والرأس واليدين والقدم والساق .
حد عورة الصغير : اختلف الفقهاء في بيان حد عورة الصغير والصغيرة ،
- ٥٩٥ -

بين متشدد كالشافعية ، ومخفف كالمالكية ، ومتوسط كالحنابلة والحنفية .
قال الحنفية(١): لاعورة للصغير جداً وهو من عمره أربع سنين فأقل ، فيباح
النظر إلى بدنه ومسه . ثم مادام لم يشته فعورته القُبُل والدبر ، ثم تغلظ عورته
إلى عشر سنين ، أي تعتبر عورته : الدبر وماحوله من الأليتين والقبل وماحوله .
وبعد العاشرة تعتبر عورته كعورة البالغ في الصلاة وخارجها ، سواء أكان ذكراً أم
أنثى .
وقال المالكية(٢) : يفرق بين الذكر والأنثى :
أ - في الصلاة : عورة الصغير الذكر المأمور بالصلاة وهو بعد تمام السبع :
هي السوأتان والأليتان والعانة والفخذ ، فيندب له سترها كحالة الستر المطلوب
من البالغ .
وعورة الصغيرة المأمورة بالصلاة : مابين السرة والركبة ، ويندب لها سترها
كالستر المطلوب من البالغة .
ب - خارج الصلاة : ابن ثمان سنين فأقل لاعورة له ، فيجوز للمرأة النظر
إلى جميع بدنه وتغسيله ميتاً . وابن تسع إلى اثنتي عشرة سنة يجوز لها النظر إلى
جميع بدنه ، ولكن لا يجوز لها تغسيله . وابن ثلاث عشرة سنة فأكثر عورته
كعورة الرجل .
وبنت سنتين وثمانية أشهر لاعورة لها . وبنت ثلاث سنين إلى أربع لاعورة
لها في النظر ، فينظر إلى بدنها ، ولها عورة في المس فليس للرجل أن يغسلها .
والمشتهاة كبنت ست كالمرأة ، لا يجوز للرجل النظر إلى عورتها ولا تغسيلها .
(١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٣٧٨ .
(٢) الشرح الصغير: ١ / ٢٨٧، الشرح الكبير مع الدسوقي : ١ / ٢١٦ .
- ٥٩٦ -
٢٠٠٠

وقال الشافعية(١): عورة الصغير ولو غير مميز كالرجل : مابين السرة
والركبة . وعورة الصغيرة كالكبيرة أيضاً في الصلاة وخارجها .
وقال الحنابلة(٢): الصغير الذي لم يبلغ سبع سنين: لاعورة له، فيباح
النظر إليه ومس جميع بدنه . وابن سبع إلى عشر عورته الفرجان فقط في الصلاة
وخارجها ، وبنت سبع إلى عشر عورتها في الصلاة : مابين السرة والركبة ، وأما
خارج الصلاة فمثل الكبيرة : أمام المحارم عورتها مابين السرة والركبة ويستحب
لها الاستتار وستر الرأس كالبالغة احتياطاً ، وأمام الأجانب: عورتها جميع بدنها
إلا الوجه والرقبة والرأس ، واليدين إلى المرفقين ، والساق والقدم . وابن عشر
كالكبير تماماً. ويظهر لي أن هذا الرأي ورأي الحنفية أولى الآراء لاتفاقه مع
حديث الأمر بالصلاة لسبع ، والضرب عليها لعشر .
الشرط الخامس - استقبال القبلة :
اتفق الفقهاء على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة ، لقوله تعالى :
﴿ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا
وجوهكم شطره ﴾ إلا في حالتين : في شدة الخوف ، وصلاة النافلة للمسافر على
الراحلة . وقيد المالكية والحنفية شرط الاستقبال بحالة الأمن من عدو وسبع
وبحالة القدرة ، فلا يجب الاستقبال مع الخوف ، ولا مع العجز كالمربوط والمريض
الذي لاقدرة له على التحول ولا يجد من يحوله ، فيصلي لغيرها إلى أي جهة قدر ،
لتحقق العذر .
واتفق العلماء على أن من كان مشاهداً معايناً الكعبة : ففرضه التوجه إلى
(١) مغني المحتاج: ١ / ١٨٥ .
(٢) كشاف القناع: ١ / ٣٠٨ وما بعدها .
- ٥٩٧ _

عين الكعبة يقيناً . ومثله عند الحنابلة : أهل مكة أو الناشئ بها وإن كان هناك
حائل محدث كالحيطان بينه وبين الكعبة .
وأما غير المعاين للكعبة ففرضه عند الجمهور ( غير الشافعية ) إصابة جهة
الكعبة(١)، لقوله ◌ِّ: ((مابين المشرق والمغرب قبلة))(٢) وظاهره أن جميع
ما بينهما قبلة ، ولأنه لو كان الفرض إصابة عين الكعبة ، لما صحت صلاة أهل
الصف الطويل على خط مستو، ولاصلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة
واحدة ، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها . وهذا هو
الأرجح لدي .
وقال الشافعي في الأم : فرضه - أي الغائب عن مكة - إصابة العين أي عين
الكعبة ؛ لأن من لزمه فرض القبلة ، لزمه إصابة العين ، كالمكي ، ولقوله تعالى :
﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ أي أنه يجب عليه التوجه إلى الكعبة ،
فلزمه التوجه إلى عينها كالمعاين(٣).
والمطلوب عند أئمة المذاهب في إصابة جهة الكعبة محاذاتها ببدنه وبنظره
إليها (٤) ، بأن يبقى شيء من الوجه مسامتاً ( محاذياً) للكعبة ، أو لهوائها عند
الجمهور غير المالكية ، بحيث لو امتد خط من وجهه في منتصف زاوية قائمة ، لكان
(١) الدر المختار: ١ / ٣٩٧ - ٤٠٦، الشرح الصغير: ١ / ٢٩٢ - ٢٩٦، الشرح الكبير: ١ / ٢٢٢، ٢٢٨ ،
القوانين الفقهية: ص ٥٥، كشاف القناع: ١ / ٣٥٠، ٣٦٤، المغني: ١ / ٤٣١ - ٤٥٢، اللباب: ١ / ٦٧، مراقي
الفلاح : ص ٣٤ ، تبيين الحقائق: ١ / ١٠٠ ومابعدها .
(٢) رواه ابن ماجه، والترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح ، عن أبي هريرة . وهذا في قبلة أهل المدينة
والشام .
(٣) المجموع: ٣ / ١٩٤، ٢١٢، المهذب: ١ / ٦٧ ، حاشية الباجوري: ١ / ١٤٧ ومابعدها .
(٤) قال الشافعية : يجب استقبالها حقيقة في الواقف والجالس ، وحكماً في الراكع والساجد، ويجب استقبالها
بالصدر والوجه لمن كان مضطجعاً ، وبالوجه والأخصين إن كان مستلقياً .
- ٥٩٨ -

ماراً على الكعبة أو هوائها ، والكعبة : من الأرض السابعة إلى العرش ، فمن صلى
في الجبال العالية والآبار العميقة السافلة ، جاز، كما يجوز على سطحها وفي
جوفها ، ولو افترض زوالها ، صحت الصلاة إلى موضع جدارها .
وقال المالكية : الواجب استقبال بناء الكعبة ، ولا يكفي استقبال الهواء
لجهة السماء .
الاجتهاد في القبلة :
ويجب التحري والاجتهاد في القبلة أي بذل المجهود لنيل المقصود بالدلائل
على من كان عاجزاً عن معرفة القبلة ، واشتبهت عليه جهتها ، ولم يجد أحداً ثقة
يخبره بها عن علم أي يقين ومشاهدة لعينها ، فمن وجده اتبعه ؛ لأن خبره أقوى
من الاجتهاد .
والدليل على وجوب التحري: ماروى عامر بن ربيعة أنه قال: ((كنا مع
رسول الله عقلٍ في ليلة مظلمة ، فلم ندر أين القبلة ، فصلى كل رجل منا على
حياله ، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله عَّ م، فنزلت ﴿فأينما تولوا فثَّمَّ
وجه الله ﴾(١) .
ومن لم يجد ثقة يقلده اعتمد على الدلائل كالفجر والشفق والشمس والقطب
وغيره من الكواكب ، والريح الشرقي أو الغربي أو الجنوبي ، وغيرها كثير ،
وأضعفها الرياح وأقواها نجم القطب في الليل .
والقطب : نجم صغير من بنات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي ،
ويختلف باختلاف الأقاليم ، ففي مصر يكون خلف أذن المصلي اليسرى ، وفي
(١) أخرجه الترمذي وابن ماجه ، لكن قال الترمذي : هذا حديث ليس إسناده بذاك، وفيه ضعيف. وفيه
حديث آخر ضعيف عن جابر رواه الحاكم والبيهقي والدارقطني ( نصب الراية: ١ / ٣٠٤).
- ٥٩٩ -

العراق يكون خلف اليمنى ، وفي أكثر اليمن يكون قبالته مما يلي جانبه الأيسر ،
وفي الشام وراءه .
الخطأ في الاجتهاد :
وإن تيقن الخطأ في اجتهاده ، فقال الحنفية : إن كان في الصلاة استدار
وبنى عليها أي أكمل صلاته ، فلو صلى كل ركعة لجهة ، جاز. وإن كان بعد
الصلاة صلى الصلاة القادمة ، ولا إعادة عليه لما مضى ، لإتيانه بما في وسعه ، قال
علي: (( قبلة المتحري جهة قصده )) ومن صلى بلا تحرٍ وأصاب ، لم تصح صلاته ،
لتركه فرض التحري ، إلا إذا علم إصابته بعد فراغه ، فلا يعيد بالاتفاق عندهم .
ومن أمَّ قوماً في ليلة مظلمة ، فتحرى القبلة وصلى إلى جهة أخرى ، وتحرى
من خلفه ، وصلى كل واحد منهم إلى جهة، وكلهم خلف الإمام ، فمن علم منهم
بحال إمامه تفسد صلاته ، ومن لم يعلم ماصنع الإمام ، صحت صلاته وأجزأه ،
لوجود التوجه إلى جهة التحري ، ومخالفة المأمومين لإمامهم لاتمنع صحة الصلاة ،
5
كالصلاة في جوف الكعبة .
وقال المالكية : إن تبين المجتهد في القبلة خطأ : يقيناً أو ظناً ، في أثناء
الصلاة ، قطعها إن كان بصيراً منحرفاً كثيراً : بأن استدبر أو شرّق أو غرب،
وابتدأها بإقامة ، ولا يكفي تحوله لجهة القبلة .
وإن كان أعمى، أو كان منحرفاً انحرافاً يسيراً ، فلا إعادة عليه. وإن كان
بصيراً منحرفاً كثيراً أو ناسياً للجهة التي أداه اجتهاده إليها ، أو التي دله عليها
العارف ، أعاد في الوقت على المشهور .
وقال الشافعية : إن تيقن الخطأ في الصلاة أو بعدها ، استأنفها أي أعادها
- ٦٠٠ -